الكتاب
تاريخ التعذيب
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Torture Through the Ages - By: Bernhardt J. Hurwood
المترجم/المحقق
ممدوح عدوان
دار النشر
دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع
الطبعة
(5) 2019
عدد الصفحات
231
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
07/08/2020
التصنيف
الموضوع
وحشية الإنسان اللامتناهية
درجة التقييم

تاريخ التعذيب

كتاب قديم قدم ابني آدم قابيل وهابيل لكنه كحديث الساعة .. يحكي فصل من فصول السلسلة الدموية الباقية على كوكب الأرض ما بقي الإنسان! ليس بمعفي ذلك الذي يعتقد أنه بمنأى عن وحشية أقرانه من بني البشر وقد تقزز مما سمع ورأى، فكما يفتك الكتاب بالسفاحين ويفضح بدع شرورهم، يفضح أولئك الشغوفين بمتابعة إصدارات هذا العالم المخيف من مواد مرئية ومسموعة ومقروءة، ليل نهار. قد تكون هذه الازدواجية الخفية دلالة على تأصّل غريزة الشر لدى الإنسان .. تحيد وتستقيم! وجلنّا شغوفون، شاء من شاء وأبى من أبى.

إنه الكاتب والروائي والشاعر السوري (ممدوح عدوان 1941 : 2004). حصل على درجة أكاديمية في اللغة الإنجليزية عام 1966، وعمل في الصحافة والتدريس والكتابة والنقد والترجمة، فترك ما يقارب تسعين مؤلفاً في الشعر والنثر والرواية والأعمال المترجمة، والكثير من سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية.

يعرض الفهرس أحد عشر موضوعاً مؤلماً، أذكرها تباعاً، استنفد بها الكتاب رصيد أنجمي الخماسي كاملاً، وهو كتاب مترجم عن دراسة وضعها الكاتب الأمريكي بيرنهاردت جي هروود عام 1968، جاءت بعنوان (التعذيب عبر العصور).

  • التعذيب في العصور القديمة
  • التعذيب حول العالم
  • التعذيب وسيلة لتحقيق الهدف
  • التعذيب كعقوبة
  • أصول التعذيب في الأدب
  • التعذيب الذاتي والطوعي
  • المضمون الجنسي للتعذيب
  • التعذيب والجريمة
  • التعذيب العسكري والبحري
  • وبدايات التوجه ضد التعذيب الحكومي
  • التعذيب في القرن العشرين

ومن الكتاب المُهدى للمعذبين .. بالأمس واليوم والغد، يتضمنهم القرّاء بطبيعة الحال ممن لم يطالهم شر التعذيب لكن أدمت قلوبهم حوادثه .. أسرد منه ما أدمى قلبي كما يلي:

  • يستهل الكاتب بفصل (التعذيب في العصور القديمة) ليختمه بـ (فقرة تعجب) حول سخرية الأقدار! فالوثنيون من أهل روما الذين نكّلوا بالمسيحيين لذنب عقيدتهم، ما لبثت مدينتهم أن احتلت قلب الكنيسة والمنصب الأعلى للبابوية. غير أن الأيام يداولها الله بين الناس، حيث انطلق أحفاد أولئك المعذبون في الأرض يدافعون عن عقيدتهم بنفس وسائل التنكيل .. وتلك مفارقة عجيبة!.
  • في بداية فصل (التعذيب حول العالم)، يوضح الكاتب أن ما تروجه الشائعة التي تُصنف الشرقيين (كأشرس شعوب الأرض في التعذيب) هي على قدر من الصحة! فهم معذِبون أصحاب خبرة، غير أن هذا لا يعني أن الغربيين أقل شراسة منهم. يكمن الفارق في أن الشعوب الشرقية أكثر أمانة في الاعتراف بالقسوة كغريزة بشرية!.
  • يدخل النبيلان الأوروبيان (الفرنسي الماركيز دوساد، والنمساوي الشيفالييه فون مازوش) من أوسع أبواب التاريخ، لا سيما في الطب والأدب والمسرح. ففي كتاباتهما التي تعكس جانباً كبيراً من سيرتهما الذاتية، زخم لشذوذ نفسي وجنسي متطرفان عملا على تخليدهما عبر المصطلح الواسع الانتشار: (السادية والمازوشية).
  • كانت طهارة العذراوات في مصر الفرعونية تحوطها هالة قدسية ويحميها القانون. تتجلى هذه القدسية من خلال قسوة العقاب الذي كان يطال كل مغتصب ويقضي ببتر أعضائه التناسلية، إذ يعجز عن ارتكابها من جديد وإلى الأبد! تضمن هذه العقوبة المثالية أيضاً عدم تجرؤ الآخرين .. فاحترام أعضائهم احتراماً لهالة الفتيات.
  • يتحدث الكاتب في فصل (التعذيب الذاتي والطوعي) عن عادة ختان غريبة كانت سائدة عند إحدى القبائل العربية في جيزان. فقد كانت تُجرى عملية الختان للزوج في اليوم التالي من زفافه في محفل تشهده عروسه، حيث يتم قطع القلفة وسلخ جلدة العضو بالكامل. كان ينبغي عليه ألا ينبس ببنت شفة وأن يحرص على ألا تفلت منه إشارة ألم حتى لا تلحقه سبة الدهر بين رجال القوم. يعيش بعدها سعيداً مع زوجه إن كُتب له البقاء حياً، حيث يقضي أغلبهم نحبه جرّاء هذا الطقس.
  • يبدو أن الوحوش الضارية أكثر رحمة من وحوش بني البشر! فقد كان قدماء الرومان يستعينون بمدربين خاصين من أجل إيقاع صنوف العذاب على الحيوانات المفترسة والمعدّة لافتراس المتهمين، من بين وخز وتجويع وتعذيب، وقد علموا أن هذه الحيوانات لا تفترس البشر غريزياً. لم تجد هذه الحيوانات (الأكثر إنسانية) بعد ذلك بد من الانقضاض على ضحاياها من البشر، حفاظاً على حياتها.
  • يذكر التاريخ في سود صفحاته أسماء خلدتها جرائمها النكراء! فهذا (جاك الممزق) يتلاعب بشرطة اسكتلنديار، في حين كانوا ضحاياه يسقطون تباعاً في أبشع صور القتل. لم تتمكن الشرطة من إلقاء القبض عليه، مما دعى وزير الداخلية تقديم استقالته مع مفوض بوليس العاصمة عام 1888. وتلك (إليزابيث براونريغ) التي مارست صنوف التعذيب على خادماتها الإنجليزيات الصغيرات، حتى تم إدانتها عام 1767 وإعدامها شنقاً في الميدان، ومن ثم تشريحها وعرض هيكلها العظمي على الملأ الذي حمّلها لعناته وهي في طريقها إلى مثواها الأخير.
  • إن العقل الذي وهبه الله للإنسان ليستخلف به الأرض -وقد فعل بإعجاز منقطع النظير- هو العقل ذاته الذي سن شريعة العذاب في صنوف تعجز عن خلقها الشياطين. يستعرض الكاتب على مدى فصول الكتاب من تلك الصنوف ما تقشعر له أبدان الموتى، أذكر منها على سبيل المثال ما يلي (وقد لا تصلح لمن هم دون الـ 18):
    • التعذيب بالمخلعة: يتم تثبيت المتهم على المحيط الخارجي لعجلة كبيرة فوق موقد معبأ بالجمر المشتعل، ثم يخلع الجلادون مفاصله، ويكسرون أطرافه، ويمزقون لحمه. وقد أطفأ النزف الغزير للشاب اليهودي، النار الموقدة أسفله أثناء تعذيبه، حين رفض أكل اللحم المحرم في ديانته، وقد كان مسجوناً في سجون قدماء السوريين في القرن الثاني قبل الميلاد.
    • التعذيب بالقارب: يُحشر المتهم بين قاربين مثبتان فوق بعض بالحبال والمسامير، على أن تبقى يداه وقدماه خارجهما، ثم تُدهن بالعسل والحليب مع صب كميات هائلة منها في فمه تصل به إلى درجة التقيؤ. يجذب المزيج الحلو على أطرافه الخارجية الذباب والدبابير والحشرات، بينما تتجمع حشود من الديدان على جسده المحشور بين القاربين بفعل فضلاته المتعفنة. يبقى المتهم على هذا الحال الرهيب فترة طويلة حتى يقضي نحبه، بعد أن يتفسخ لحمه ويصبح بأكمله غذاء للدود. لقد كان هذا (القارب) اختراع إغريقي، غير أن الفرس طوروه إلى (المشهرة) بحيث أصبح هذا القارب أكثر لطافة .. كما سيأتي!
    • التعذيب بالمشهرة: يعلق المتهم فوق صليب عارياً ويُدهن جسده بالمزيج السابق، حتى تفتك به لسعات الحشرات وعضات الهوام. فإذا صمد المتهم أكثر من عشرين يوماً، يتم إنزاله من فوق الصليب وإلباسه زي نسائي ثم يُرمى من فوق قمة جبل. وقد اعتبر الفرس هذا العقاب غاية في التحقير.
    • التعذيب بالكرة النحاسية: يرمى المتهم وسط كرة نحاسية لها باب وفتحتين للأنف والفم، ثم تُغلق عليه وتُشعل تحتها نار يجأر بداخلها المتهم كالثور حتى يهلك. وكان هذا الصنف من إبداعات الإغريق.
    • التعذيب في جوف حمار نافق: تتفتق ذهنية بعض الأشقياء عن صنوف تعذيب لفتاة عذراء، فتثير إعجابهم ويضعونها موضع التنفيذ على الفور. يشرح الكاتب الإغريقي العملية حيث يتم قتل حمار ليتم حشو الفتاة بداخله سريعاً ومن ثم تخييطه عليها، بحيث يبقى رأسها وحده خارجه. والأهم أن يداها ستبقان محجوزتان بالداخل لمنع أي محاولة للانتحار والخلاص من العذاب. يغتبط أولئك الشياطين، ليس بالشمس وهي تشوي الفتاة، بل بموتها البطيء جوعاً وعطشاً ونتناً داخل الجثة المتعفنة. تزداد غبطتهم وهم يراقبون الديدان المتضورة تأكل جثة الحمار المتفسخة والفتاة معاً، غير أن الطيور الجارحة ستفتك بها وهي حية في نهاية المطاف.
    • التعذيب بطريقة (لينغ تشي): يتفنن الصينيون في تعذيب من قتل أكثر من فرد لعائلة واحدة، حيث يُحشر وسط خازوق، ثم يتم تقطيع أجزائه قطعة قطعة وتُرمى للجمهور الغفير الذي احتشد للفرجة. كان الهدف من تقطيع أجزائه هو أن يلقى أسلافه في العالم الآخر مشوهاً حسب ما كانوا يعتقدون، غير أن الهدف العام لهذه الطريقة هو الإمعان في تحقير المتهم، حيث يموت ببطء وبأشد الطرق عذاباً وأكثرها إهانة.
    • التعذيب الهندي والبورمي: اشترك هذان الشعبان في استخدام الفيلة لسحق جمجمة المتهم، غير أن كل منهما قد تفرد بصنوف مختلفة. فقد كان البورميون يلقون بالمتهم في أحد أنهارهم المعروفة بكثرة أسماك الضاري ذات الأسنان الحادة والمتعطشة للحوم، بينما يُربط آخر على جذع شجرة بقرب المجرى حتى يغرق مع المد الجارف. أما عند الهنود فقد اتخذ التعذيب أشكالاً، مثل التعليق بالشاربين، التعليق بالذراعين مربوطان من الخلف، وضع حشرة مخرّشة على السرة أو الصفن، عصر الخصيتين، نزع اللحم بالكابلات، وضع صلصة الفلفل بالعينين، حشر الفلفل الحار في الأعضاء التناسلية.
    • تعذيب آخر عند الإنجليز: حدث في أيام الملك ريتشارد الثاني أن وشى أحد الرهبان للملك بخيانة دوق لانكستر، إلا أن الوشاية لم تؤخذ بصدر رحب، حيث استحق الراهب العقاب! وأي عقاب كان؟ تم ربط عنقه بطرف حبل بينما رُبط الطرف الآخر بعضوه التناسلي، وعُلق، ثم جيء بحجر على بطنه. لقد تم قتله بالثلاثة!.. فقد كانت تلك الأثقال كفيلة بخنقه وشد أعضائه وكسر عموده الفقري. لم يشف غليل الإنجليز كل هذا، بل تم سحل جثته وسط أرجاء المدينة. وقد باتوا قريري الأعين، فقد استحقت خيانته العظمى هذا الجزاء العادل كما ظنوا.
    • تعذيب آخر عند الروس: يشهد أوروبيان على وحشية الروس في مجزرة حدثت في نجازاكي اليابان. فقد أجبروا الفتيات بالحبو عاريات إلى الشارع حيث تم اغتصابهن جماعياً ثم أُلقي بهن في أحواض مليئة بالثعابين فتكت بأجسادهن، في مشهد رهيب من الذل والانهيار لا يمكن وصفه.
    • تعذيب آخر عند الأفارقة: وهو خاص بالزناة! فبعد محاكمة قضائية يرأسها سحرة من القوم والأطباء، يتم تنفيذ الحكم فور إعلان المتهمان مذنبان. يتم أولاً تعريتهما ويؤمران بالمضاجعة على الملأ وسط الغناء الهستيري وقرع الطبول، حتى إذا انتشيا فرقوا بينهما لتخترق عصا جسد كل منهما اختراقاً كاملاً ثم يلوّح بهما في الهواء. يُزف الضحيتين في حشد قبلي تعلو فيه صيحات الضحك والسخرية إلى إحدى البرك المقدسة التي تعج بالتماسيح، حيث تبدأ هناك حلقة من تلاعب الأصدقاء والأهالي بشد شعر المتهمين وتدويرهما حول العصي، لتنتهي بسلسلة من المعارك بين فكوك التماسيح حين تستدعيها طقوس الأطباء السحرية، ثم يُختم المشهد درامياً ببركة حمراء تعلوها الفقاقيع.
    • تعذيب آخر عند الفرنسيين: وقد اختتم به الكاتب كتابه الذي تحدث فيه عن مأساة هنري أليغ، وهو أحد الصحفيين الفرنسيين الشرفاء الذي قاوم الاحتلال الفرنسي في الجزائر منتصف القرن الماضي. رأس أليغ جريدة تحرير جزائرية وبدأ بنشر سيل من الفضائح ضد حكومة ديغول وجنوده، حتى اعتقله أبناء جلدته ومارسوا عليه أبشع صنوف التعذيب. يروي أليغ حلقات سلسلة تعذيب مروعة، حيث تم شتمه ورفسه وجلده وتغطيس رأسه في الماء حتى الاختناق وإجباره على شرب الماء المالح، ومن ثم تعريته ورميه فوق مدفأة، وحرق حلمتيه وأعضائه التناسلية. لقد كان أسوأ تلك الممارسات صعقه كهربائياً من خلال أقطاب تم توصيلها بين فخذيه وفكيه، وقد وصف تلك اللحظة قائلاً: “كانت عيناي تحت الجفون المجعدة تواجهان صوراً من النار .. وخيل إليّ أنني أستطيع أن أحس بهما وهما تنخلعان من محجريهما بسبب الصدمات وكأن شيئاً ما يدفعهما من الداخل”. لم يجد أولئك المجرمين بد من إطلاق سراح أليغ وقد انتصر عليهم بصبره وشجاعته، رافضاً أن يوشي بأصدقائه الجزائريين والأوروبيين الشرفاء. ثم سارع بنشر كتابه (السؤال) الذي تم تحويله إلى فيلم يحمل عنوان (الجحيم)، وقد كتب عن تجربته وفضح فيه حكومته. سارعت الحكومة بدورها في مصادرة الكتاب، غير أنه تم تهريبه ونشره في فرنسا حتى قرأه ديغول شخصياً.

… وهنا أكتفي! فقد امتلأ جوفي قيحاً رغم سطحية ما أوردت، مقارنة بما ورد في الكتاب!.

  • ولإطفاء هذا الجزء المشتعل بشيء من الفكاهة، أسرد هذه القصة: حيث يصف أحد الضباط البريطانيين مع أقرانه الرعب الذي كان يتملكهم من زعيم إحدى القبائل النيجيرية، حيث كانوا يخدمون في الثلاثينيات. كان زعيماً سادياً من أكلة لحوم البشر، يلقي القبض على أفراد الشرطة متى ما ذهبوا إلى القرية في حملة تحريات، ثم يجلدهم عرايا ليعودوا خزايا. وقد أرسل ذات مرة برسالة تحدٍ إلى السلطات البريطانية مستفسراً، إذ لطالما تلذذ بطعم أكباد السود، غير أنه لا يعلم لماذا يجد أكباد البيض على نفس القدر من اللذة؟! أما الإنجليز، فمن جانب آخر وقبل القرن الثامن عشر حيث سادت عقوبة حرق المتهمين أحياء، كان الرجال يعاقبون بالشنق علناً عن جريمة ما، في حين كانت النساء تُحرق علناً على الخازوق عن نفس الجريمة. كانت “الحشمة المتعلقة بالجنس” هو التبرير الذي استخدمه الإنجليز، ويا له من تبرير سخيف حين انبرى أحد المشرعين مدافعاً قائلاً: “إن إنسانية الأمة الإنجليزية قد شرعت تلطيفاً عاماً لهذا النوع من الأحكام ينجي من العذاب والقسوة”.

ومن دماء المعذبين المسكوبة فوق صفحات الكتاب، أجمع قطرات منها في اقتباس دموي (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • يقتبس الكاتب في فصل (التعذيب وسيلة لتحقيق الهدف) من كتاب شارل مالكي (أوهام شائعة غاية في الغرابة) وصفه للمذبحة التي طالت فرسان الهيكل الأبطال الأتقياء، إثر اتهامهم بالسحر كذريعة لنهب ثرواتهم، فيقول: “إنه لمن الصعب تصور ما هو أكثر بشاعة -وما هو معيب أكثر للسلطان- الذي بدأ، وللبابا الذى أيد، وللعصر الذى تسامح، مع هذا الظلم الرهيب. إن تمكن حقد قلة من الناس من اختراع تهمة كهذه هو أمر مهين لكل غيور على جنسه. أما أن يقبله الملايين فهو أكثر اهانة”.
  • وفي نفس الفصل، يعيب الكاتب عقول البشر التي لا يهذبها دين وإن كان هذا هو المتوقع، إذ يقول: “ولقد سبق الاضطهاد المنظم للساحرات الإصلاح البروتستانتي بما يقارب من مئة عام. ولذا كان من المنطقي للكثيرين افتراض أنه مع التغيرات المتسارعة في التفكير الديني، فإن الجنون العام من أمثال السعار ضد الساحرات سوف يتلاشى، إلا أنه وكما لاحظ أكثر من مفكر ذكي، فإن الأمراض التي تصيب عقول البشر لا تشفى بالضرورة مع التغيير الديني. والحقيقة أنه فيما يتعلق بالحرب ضد السحر فقد فاق المصلحون البروتستانت أسلافهم الكاثوليك في الوحشية والقسوة والفعالية”.
  • يستمر الكاتب في الاقتباس، ومن كتاب السير جيمس فريزر (الغصن الذهبي) في هذه المرة، وذلك في حديثه عن تناقض المخلوق البشري والذي مهما بدى متحضراً وعاقلاً فإن معدنه الوحشي يتحين الفرص ليطغى، فيقول: “يبدو في الحقيقة أنه حتى في أيامنا هذه يظل الفلاح وثنياً ومتوحشاً في أعماقه، وتمدنه قشرة رقيقة سرعان ما تزيلها ضربات الحياة القاسية، لتكشف عن الجوهر الصلب للوثنية والهمجية تحتها”.
  • ينشر الكاتب على لسان جريدة التايمز البريطانية صورة إحدى ضحايا (جاك الممزق) في فصل (التعذيب والجريمة)، وهو المجرم الذي استفز الشرطة من خلال رسائل التحدي التي كان يبعثها لهم، والتي باءت محاولات العثور عليه بالفشل، رغم جرائمه المتسلسلة. فنقرأ: “كانت المرأة المسكينة مستلقية على ظهرها في الفراش عارية تماماً وكان عنقها مذبوحاً من الأذن للأذن وحتى العمود الفقري. انتزعت الأذنان والأنف بشكل كامل، كما أن الثديين انتزعا من جذورهما ووضعا على طاولة بجوار السرير. وفتح البطن والمعدة، بينما شطب الوجه إلى درجة لم يعد من الممكن معها تمييز ملامح المخلوقة البائسة. وكذلك فإن الكبد قد انتزعت ووضعت على الفخذ الأيمن. وانتزع القسم السفلي من الجسد مع الرحم ولم يعثر عليه. ليس من الممكن تخيل مشهد أكثر فظاعة أو تقزيزا”.

وكما أقول دائماً: إن الكتاب الذي لا يفضي إلى كتاب آخر هو كتاب أبتر. وقد كان هذا الكتاب سخي في عرض عدد من الكتب التي جاءت بمثابة مراجع علمية وأدبية لمادة الكتاب. أذكر منها على سبيل المثال ما يلي:

السؤال، من تأليف: هنري أليغ / الشهداء، من تأليف: جون فوكس / تأملات، من تأليف: ماركس أوريليوس / الغصن الذهبي، من تأليف: جيمس فريزر/ عقوبات الماضي، من تأليف: وليم أندرز / يوميات الرحلة، من تأليف: فانيس موريسو / سنتان أمام السارية، من تأليف: ريتشارد هنري / جنسية الاضطرابات السلوكية، من تأليف: د. ريتشارد فون /  عذابات وآلام الشهداء المسيحيين، من تأليف: أنطونيو غالونيو / نيو إنجلاند تحكمها روح الرب، من تأليف: جورج بيشوب / أوهام شائعة غاية في الغرابة، من تأليف: شارل مالكي / (رحلة إلى سدوم أو مدرسة الفجور ، زولوي ومساعداه ، جوستين أو بلية الفضيلة ، جولييت أو نعمة الرذيلة) ، من تأليف: الكونت دوناتييه دوساد.

في عجالة -وعلى سبيل النقد الأدبي- فإن هذا الكتاب الأحمر:

  • سليم اللغة، واضح المفردات، ويبعد عن الألفاظ الغريبة.
  • متقن الترجمة، بحيث لا يبدو الكتاب وكأنه مترجم عن لغة أخرى.
  • متناغم الإيقاع في سرد الأفكار حول موضوعاته المختلفة على طول الكتاب.
  • مثير في أسلوبه الأدبي لعاطفة القارئ، ومحفز لنظرته الفلسفية نحو خلق الإنسان المجبول على الخير والشر كغريزتين متأصلتين فيه!.
  • خصب الخيال في إيراد الكثير من الأمثلة لتوضيح فكرته.
  • مباشر في عنوانه يُقرأ الكتاب به، على الرغم من ان ترجمة الكتاب الحرفية هي: (التعذيب عبر العصور).
  • يحوي الكتاب عدد من الأخطاء المطبعية، أذكر منها الآتي كما جاءت مسترسلة على صفحات الكتاب: ص138 وسرعات ما بدأت: وسرعان / ص163 تدفن الصفحات: تدفن في الصفحات / ص 164 والذي ما زالوا: والذين / ص164 مما كانوا: ممن / ص169 بزيارة بزيارة أخرى: مكررة / ص172 ولد كان: ولقد / ص199 حول أن يركض: حاول / ص199 فقبل أن يستطيع مغادرة المكان: فقبل أن يتمكن من مغادرة المكان.

إن هذا الكتاب على مكتبتي هو الثاني للكاتب ضمن الأعمال التي قام بترجمتها، إضافة إلى رواية/ سدهارتا – لمؤلفها/ هرمان هيسه، كما امتلك ثلاثة كتب أخرى من تأليفه، هي: حيونة الإنسان / تهويد المعرفة / دفاعا عن الجنون .. قرأتهم جميعاً.

وكمفارقة في الختام، وأنا أهوى أدب السجون كثيراً .. يوجد على أرفف مكتبتي سبع مجلدات ضخمة جاءت بعنوان (موسوعة العذاب) من تأليف عبود الشالجي، وهي موسوعة نفيسة تعرض صوراً من الوحشية كما جاءت في التاريخ العربي والإسلامي.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (57) في قائمة حوت (105) كتاب، قرأتهم عام 2020 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (100) كتاب فقط! وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية عام 2019 ضمن (80) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

لقد كان 2020 عام الوباء الذي جاء من أعراضه الجانبية (ملازمة الدار وقراءة أكثر من مائة كتاب)! لم يكن عاماً عادياً وحسب .. بل كان عاماً مليئاً بالكمامات والكتب.

وفي هذا العام، دأبت على كتابة بعض من يوميات القراءة .. وعن هذا الكتاب، فقد قرأته في شهر (يوليو)، والذي كان من فعالياته كما دوّنت حينها:

لا يزال الوقت حافلاً بالقراءة وإعداد مراجعات الكتب المقروءة .. ولا يزال الحجر الصحي مستمراً“.

 

تاريخ النشر: يونيو 9, 2022

عدد القراءات:14 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.