الكتاب
بنات إيران
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Persian Girls - By: Nahid Rachlin
المترجم/المحقق
عمر الأيوبي
دار النشر
دار الكتاب العربي
الطبعة
(1) 2008
عدد الصفحات
305
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
10/13/2016
التصنيف
الموضوع
كفاح فتاة إيرانية مضطهدة كأختها العربية
درجة التقييم

بنات إيران

ابنة فارس .. كم تشبهين ابنة العرب!

لست من قرّاء الروايات، إلا أن اطلاعي على مقتطفات من هذه الرواية -والتي جاءت عرضاً في موضوع كنت أقرأه عن حالة القمع السياسي في إيران إبان حكم الخميني التي لم تختلف كثيراً في فترة حكم الشاه- قد فتحت شهيتي لقراءة الرواية!. في العموم، لم تتعرض الرواية لهذا الجانب إلا قليلا، فقد كانت عبارة عن سيرة ذاتية تتعرض للجانب الأسري في مجملها.

إنها إذاً سيرة ذاتية (Persian Girls) .. بثت فيها الكاتبة ناهيد رشلان -والتي توجت كفاحها بنجاح في مهنة الصحافة- أحداث مسيرة حياتها السابقة الحافلة بالتقلبات، الأسرية والعاطفية والعلمية والسياسية، ابتداءً من نشأتها كفتاة إيرانية في بيت خالتها العقيم “مريم” حين تنازلت عنها والدتها “محترم” لها، انتهاءً بزواجها من “هاوي” زميلها الأمريكي-اليهودي واستقرارها معه في الولايات المتحدة الأمريكية.

تعرض الكاتبة صفحات من حياتها المفعمة بالأمل والطموح والمثقلة بالحزن والعذاب، في مجتمع طبقي أبوي، ترزح فيه النساء تحت وطأة سلطة ذكور العائلة، مضافاً إليها سلطة المجتمع والأعراف والقانون والدين والسياسة. تقسّم بهذا كتابها إلى ثلاثة أقسام رئيسية، هي:

  1. بنات إيران
  2. أميركا
  3. أرض الجواهر

….. تتسلسل أحداث سيرتها من خلالها في إحدى وأربعين فصلاً.

ومع الحب، تهدي ناهيد كتابها إلى تلك النساء المؤثرات في حياتها: (باري ومانيجة وفارزانة وفارزين ومريم ومحترم).

لم يكن وضع النساء الإيرانيات أهون في حكم الشاه حين انقلب إلى حكم إسلامي!.. فكحال معظم النساء الشرقيات، كانت أحلامهن موؤودة، ومصائرهن رهن إشارة الذكر ذي اليد الطولى! ففي حين دفنت أختها باري أحلامها في التمثيل على المسرح ورضخت لقرار تزويجها بشاب ثري انتهت حياتها معه بالفشل الذريع، تحلّت ناهيد ببعض الشجاعة لتطالب بحق التعليم في أمريكا أسوة بأخويها. وكان لها ما أرادت، وعلى مضض، وبعد جهد جهيد!.

ومما جال في خاطري بعد قراءة الرواية الشجية -وقد حصدت ثلاثة أنجم من رصيد أنجمي الخماسي- وفي نص من الأوركيد رقيق كرقة الأنثى، أسرد الآتي (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • ليس الأب الذي ينفق المال، إنما بما ينفق من كرم أخلاقه!. تقول ناهيد قولاً خانقاً عن وضع كان أكثر من طبيعي آنذاك: “لم أكن افتقد وجود والدي البتة، ونادراً ما كانت الفتيات الأخريات يتحدثن عن آبائهن، بل لم يكن هناك علاقة حقيقية معهم. فالآباء مجرد صور بعيدة في حياة الفتيات الإيرانيات، إلا عندما يتعلق الأمر بالقوانين والعقاب”.
  • تسترجع ناهيد حواراً دائراً بين مجموعة من النسوة بعد أن أعادها والدها إلى منزل العائلة من بيت خالتها التي نشأت فيه. “كنت أعرف أنها تكذب”. هكذا تعقّب ناهيد بعد مرور العمر على رد والدتها الفارغ من أي عاطفة حين سألتها إحداهن عن اشتياقها “أجل لقد اشتقت إليها كثيراً”.
  • كانت فترة المساء الأكثر راحة لناهيد وأخواتها وذلك لسهر أبيهن خارج المنزل، باستثناء والدتها التي كانت تتذمر، لا اشتياقاً، بل على حد تعبيرها: “هو يخرج إلى النادي الليلي مع أصدقائه ويشربون العرق ويتفرجون على الراقصات الشرقيات وأنا عليّ أن أبقى في البيت”.
  • تتأثر ناهيد أكثر فأكثر بأفكار واهتمامات شقيقتها باري المنفتحة، والتي كانت تحلل التزام خالتهما مريم الديني بأنه “طريقة للتعامل مع كل ما ينقصها في حياتها”. وقد تربّت ناهيد في كنفها من ذي قبل وتأثرت بأسلوب حياتها.
  • تندب إحدى النساء طفلتها التي يعاملها أباها وإخوتها الذكور بلطف -وهي تستشرف المستقبل الحتمي- حيث “ما إن تكبر وتظهر بعض إشارات الاستقلالية حتى يستقوون عليها الرجال”.
  • لا تزال ثقافة المجتمع الذكوري تبيح للرجل حق الاستمتاع الجنسي ما استطاع إليه سبيلا، مع شيوع الصورة النمطية المتردية عن أي امرأة ترغب في الحياة، وإن ادعى أولئك الرجال مؤازرتها!. تشاطر باري ناهيد احباطها عن الجانب المظلم لفن المسرح وما يجري خلف كواليسه حين واجهت موقفاً لئيماً فيه. تقول: “والدي ليس الوحيد الذي يعتقد بأن الممثلات عاهرات! يبدو أن من يعملون في الاستوديو يشاركونه الرأي، فقد طلب مني أحدهم أن اخلع ملابسي، فأسرعت بالخروج”.
  • في الفصل الدراسي، تجسّ إحدى المعلمات نبض الطالبات عن خيارهنّ إذا أتيح لهن! في أن يكنّ (نساءً أو رجالاً)؟ بينما يخترن معظمهن قدرهن كنساء، توجه المعلمة لهن نصيحة عظمى يمتعضنّ منها ماعدا ناهيد وباري اللتان وجدتا معلمتهن “محقة تماماً”. قالت المعلمة: “معظمكن في الرابعة عشر من العمر، وبعضكن مخطوبات لرجال أكبر منكن سناً بكثير ويعرفون عن الحياة أكثر مما تعرفن. سيتمكنون دون شك من السيطرة عليكن. يجب أن تقاومن الوقوف في مثل هذا الموقف”. تلتقي باري بمعلمتها بعد ذلك على انفراد تشكو لها برود والدتها وحنان خالتها التي فقدته ووالدها الذي يريد تزويجها. لا تخفي عليها معلمتها الوضع السيء العام للمرأة، وكيف “يصرخ السائقون الذكور في وجهي ويطلقون أبواقهم لمجرد أنني امرأة “، وأنهم يحصلون على أجور تعلو عادة أجور النساء، لأنهم “يقولون إنهم يؤمنّون لقمة العيش ونحن النساء نأكلها”. ….. (وأقول لهؤلاء المخلوقات: تؤمّنونها وأنتم صاغرون ونأكلها نحن هنيئاً مريئا)!. تضرب لها مثلاً في والدها المتسلط الذي قاومته وخلّصت نفسها من قبضته وتصرفت كما تشاء، لكن “ضمن حدود”!.
  • تعرض ناهيد جانباً مما كان يتم تناقله في الجرائد والإذاعات عن بذخ الشاه وعائلته، في حين يرزح الإيرانيون تحت خط الفقر. فتقول نقلاً: “إن بدلات الشاه يخيطها أفضل الخياطين في الخارج وتكلّف كل واحدة منها ستة آلاف دولار أي ملايين التومان، وأن مكتبه وقصوره مزينة بمرايا بانورامية مصنوعة من الذهب الخالص ومرصعة بالجواهر، وسجادات محبوكة بخيطان من الذهب. وأنه يمتلك بيوتاً فخمة في عدة بلدان أوروبية، وأن قيمة ممتلكاته تزيد على مليار دولار أي ما يعادل تريليونات التومان. ووصف بلاطه الملكي بالتبذير والفساد، وأن زوجته الثالثة الشاهبانو فرح كانا يستقلان طائرة خاصة كل أسبوع للتوجه إلى إيطاليا وفرنسا لتناول العشاء في أفخم المطاعم أو قص الشعر أو التسوق، أو الذهاب إلى سانت موريتز للتزلج”.
  • يصدر الإمام الخميني من منفاه فتوى تطال إصلاحات الشاه، الأمر الذي تتصدى له إذاعات الشاه بصرامة من خلال شنّ حملة استخفاف تمس رجال الدين، حيث “أعلن الشاه عبر الراديو أن إصلاحاته ستنقل إيران إلى (عصر الطائرات النفاثة) في حين أن رجال الدين يريدون البقاء في (عصر الحمير)”. يتظاهر فيما بعد طلبة كلية الشريعة في مدينة قم المقدسة ضد افتتاح محلات لبيع الخمور، الأمر الذي يتدخل لصده المظليين ويؤدي إلى تفاقم حدة المظاهرات وينتهي بتدخل القوات الحكومية وقتل المئات. تستمر ناهيد وتقص ما جرى بعدها: “هاجم الخميني حكم الشاه علناً ووصفه بالطاغية، وأطلق على الشاه اسم (يزيد)، الذي يعتبره الشيعة القائد الفاسق الذي أمر بقتل الحسين. وكان يزيد يُسبّ ويُسخر منه في المسرحيات التاريخية التي كانت مريم تأخذني لمشاهدتها”.
  • يقيم الشاه عام 1971 حفلاً أسطورياً لا يوازيه بذخ بمناسبة مرور 2500 عام على قيام داريوس (ثالث ملوك الإمبراطورية الأخمينية) بتشييد مدينة برسيبوليس العاصمة “وفي الخطابات، كان الشاه يشير إلى نفسه بأنه آخر وريث لنظام ملكي يرجع 2500 سنة إلى الوراء، إلى داريوس الأكبر أول أباطرة العالم. ولإثارة إعجاب الشخصيات الأجنبية الرفيعة أنفق ما يقارب من ملياري دولار على ذلك الاحتفال”. تذكر ناهيد بأن السلاح الجوي واصل رحلاته بين شيراز وأوروبا لجلب الخيم المكيّفة والكريستالات والخزف والملاءات والمخمل المخيط في فرنسا لكسوة قاعات الاحتفال، “بالإضافة إلى خمسة آلاف قنينة من النبيذ”. كما قام داخلياً بتخصيص فرق من العمال لتطهير الصحراء -مقر الاحتفال- من العقارب والأفاعي، وبناء النوافير، وشق طرق جديدة، وزراعة فدادين من أشجار الصنوبر، وتنصيب مشاعل توقد من براميل النفط، وجرف بعض القرى، وإعادة صباغة واجهات الأبنية، وطبع الملصقات، وإصدار العملات المعدنية، واستقدام الطعام من فرنسا، وراقصون أجانب، كما قامت شركة أورسون ويلز بإنتاج فيلم (نيران فارس) احتفاءً بالمناسبة. “وأنشأت إليزابيث آردن منتجات جديدة من أدوات التجميل أطلقت عليه اسم فرح نسبة إلى الملكة فرح”. كانت النتائج كارثية، فالطلبة كتبوا شعارات “الشاه اللص يسرق الشعب الجائع” يتم اعتقالهم على إثرها، والخميني يهاجم من منفاه العراق ويفتي بأن ما جرى هو “احتفال الشر”، وتصرّح الجرائد الليبرالية المحلية بانتقاد الشاه في شعارات مثل “بذخ على حساب الشعب الجائع” و “تقديم الطعام الفرنسي إهانة لثقافتنا”. لا تقف الأمور عند هذا الحد، بل “هاجم الإرهابيون عدد من المصارف، واغتالوا مسئولين في الشرطة، ونسفوا دور السينما، وهدد رجال حرب العصابات بجعل احتفالات برسيبوليس حمام دم. أوقف السافاك 1500 مشبوه على الأقل، وتبعهم المزيد. وفي أعقاب الاحتفال، فجّرت القنصلية الإيرانية في سان فرانسيسكو، وادعى اتحاد الطلاب الإيرانيين مسئوليته عن الحادث”.
  • لم تختلف النساء كثيراً عن رجال الدين، فهن لا يبرحن يتحدثن عن “الأحداث التي جرت منذ ألف وخمسمئة عام كأنها تجري الآن”. محمد وصحبه، وما كانوا عليه من شمائل، وما وقع منهم من مخالفات، لاسيما في تنصيب غير علي كخليفة لرسول الله!
  • يُسمح لها -وهي في الثامنة من عمرها- بحضور عرض مسرحي مثلّه الصبيان في ذكرى استشهاد حفيد النبي ﷺ الحسين عليه السلام، مع ارتدائها للشادور كشرط، كما هو الحال في دخولها للمسجد. تسترجع أحداث المسرحية التي جاءت في محاكاة قريبة لساحة المعركة “وقد أشعلوا النار في دمية تمثّل عمر مصنوعة من المناديل الورقية، ولعنوا يزيداً واتهموه بأنه مدمن خمر خالف قواعد الإسلام”.
  • تشهد ناهيد في طفولتها حديث النساء في الحمامات العامة وهن يلتففن بالمآزر الحمراء، عن هراء المساواة بين الرجال والنساء الذي ادعاه الشاه! فالرجل يحصل على ضعف الميراث، ويتزوج بأكثر من امرأة، ويطلّق متى شاء، ويكسب حضانة الأبناء، في حين تحصل المرأة على حقها في الطلاق مقابل التنازل عن أطفالها وحقوقها المالية! وتسمعهن يقلن: “وها هو قد تزوج ثانية من ثريا التي ستواجه المصير نفسه دون شك إذا لم تنجب له صبيا”. ثم يتهكمن على إنجازه الوحيد في إعطاءه المرأة الحرية لارتداء الشادور من عدمه، فيعلّقن قائلات: “لكن ما نفع هذه الحرية إذا كان الأزواج هم الذين يملون على زوجاتهم أن يرتدين الشادور أو لا يرتدينه”. تعلّق إحدى قريباتها وهي تمسح الصابون عن وجهها قائلة: “بوسع الشاه أن يتعلم شيئاً من النبي محمد الذي كان يؤمن بالمساواة مع النساء”. آزرتها إحداهن وهي تذكر النبي ﷺ الذي تزوج امرأة تكبره وقد أخلص لها، رغم قلة ذريته.
  • يبقى الرجل الشرقي ذكراً في أصله وإن ادعى غيره، محافظاً على ازدواجيته (مهما يكون)! فهذا الشاه يكرر تصريحاته الذكورية بامتياز والتي قالها مرة في (مقابلة مع التاريخ) أجرتها الصحفية الإيطالية أوريانا فالاسي: “النساء مهمات في حياة الرجل إذا كنّ جميلات وساحرات وحافظن على أنوثتهن. لنأخذ الحركة النسوية للمساواة بين الجنسين على سبيل المثال. ما الذي يريده دعاة المساواة بين الجنسين؟ تتحدثين عن المساواة. لا أريد أن أكون فظاً لكن!.. أنتن مساويات في نظر القانون لكن اسمحي لي بالقول إنكن غير مساويات للرجال في المقدرة”. ثم يسترسل في استفسارات بهيمية عن النساء ماذا أنجزن؟ مقارناً ومستشهداً بمايكل أنجلو وباخ وطهاة المطابخ! استفسارات لا تنم سوى عن غباء مستحكم أو عقدة نقص متأصلة أو خليط منهما! وأقول: لقد تناسى هذا الساقط أن كل هؤلاء الرجال (العظماء) أنجبهم نساء وربينهم ولا يزلن يفعلن!. فإن أجيز غض النظر عن إنجازاتهن، فيكفيهن إنجازهن الجبار في خلقهم!. ولكن ماذا عنك أنت وقد ضربت مثلاً ونسيت خلقك؟؟؟ لقد بصقت أمة الفرس بأجمعها رجالاً ونساءً على تاريخك، وقد لفظتك الحياة من منفى لآخر حتى نفقت غريباً شريداً طريداً عن دارك جرّاء حماقتك!. تعقّب ناهيد متهكمة وكأنها تؤازرني قائلة: “أذكر في طفولتي أن الشاه تزوج فرح ديبا، وهي امرأة تصغره بتسع عشرة سنة. وكانت بالفعل جميلة ورشيقة وتفيض أنوثة”.
  • تذكر ناهيد في مذكراتها (أزمة الرهائن في إيران) وذلك بعد أن اقتحم عدد من الإيرانيين الثائرين مبنى السفارة الأمريكية في طهران مطالبين “بإعادة الشاه إلى إيران لمحاكمته كشرط للإفراج عن الرهائن”. في الوقت الذي كان يطير فيه بين مصر والمغرب والمكسيك والبهاما، ذليلاً باحثاً عن بقعة أرض تجمع شتاته!. تزداد وتيرة اضطهاد الإيرانيين في الولايات المتحدة على المستوى الرسمي من قمع وترحيل وطرد من البيوت، غير أن ناهيد تسترجع تلك اللحظات التي عادت فيها ابنتها ذات السبعة أعوام يوماً من مدرستها بائسة، وقد أرادت تغيير اسمها من (ليلى) إلى (سندي). لقد سألتها زميلتها عن معنى اسمها فأخبرتها بأنه اسم إيراني “فعبست زميلتها عند سماعها كلمة (إيران)”. لكن ناهيد تعجز عن تبسيط الموقف السياسي المعقد لها.
  • يستغل صدام حسين توتر الأحداث في المنطقة، وانهيار التحالف بين إيران والولايات المتحدة جرّاء تلك الأزمة، ليضغط من جانبه على إيران ويطالبها بالتنازل عن كامل حقها في شط العرب. بالإضافة إلى اعتبار النظام الشيعي الثوري تهديداً للتوازن السني-الشيعي في بلده. يغضب الخميني الغاضب أصلاً على طرده سابقاً من العراق، فيعلن صدام الحرب عام 1980 على إيران! تعلّق ناهيد ساخرة وحُقّ لها: “فكرت في المقارنة بأن شط العرب الكريه الرائحة الذي يتسبب بكثير من الحرارة والرطوبة في الأهواز هو الآن محور خلاف بين البلدين ذي عواقب رهيبة أكثر مما اعتدنا على الشكوى منه”.
  • بعد إعلان إقامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 وتنصيب الخميني قائد سياسي وديني مدى الحياة، لم تتغير وتيرة القمع وإن ازدادت حدة، فالشادور إجباري على النساء، وهناك فصل شديد بين الجنسين، وعملية تطهير ثقافي لكل ما هو غربي، وإقفال دور السينما، وإحراق للنوادي الليلية، ومنع الغناء، وإحكام الرقابة على الكتب!. تخبر إحدى نساء العائلة ناهيد -في زيارة لها فيما بعد لإيران- أن ابنتاها كسائر الشابات يتمردن على بعض القوانين ما استطاعتا سبيلا. وتقول: “توقف شرطة الآداب بعضهن إذا كانت جريمتهن وضع حمرة الشفاه أو طلاء الأظافر أو عدم الالتزام بالحجاب كما يجب. يجلدن، وإذا كنّ يحملن منشورات أو كتباً مناهضة للحكومة يرسلن إلى السجن”. وتستمر قائلة: “الجميع يعشن في خصوصية بيوتهن. يمكنك الحصول على أي شيء تقريباً من السوق السوداء: أفلام الفيديو الأمريكية، والمشروبات الروحية. لكن هناك خوف دائم من الوقوع في قبضة السلطات. إننا نحيا مع الخوف والقلق مثلما كان الحال في ظل حكم الشاه”.
  • تسرد ناهيد خواطرها لاحقاً وهي تهم بقص قماش لتصنع منه شادور فتقول: “أشعر الآن وأنا أقصه بأنني أصنع كفناً”. ثم تسترجع حوار جدتها التي كان تتحدث عن والد الشاه الأكثر صرامة ضد حجاب المرأة، فقد “كانت الشرطة تنزعه عن رؤوس النسوة اللواتي يرتدينه. كان يريد العالم أن يرى إيران بلداً عصرياً”.
  • لا تتغير إيران كثيراً بعد أن عادت إليها ناهيد رغم مرور السنين الطوال، فلا زلن النساء يشغلن قطاعاً صغيراً في مجال الأعمال، وإن حصل وبرزت إحداهن على الساحة العامة، فذلك لنفوذ رجل تنتسب إليه .. زوج أو أب أو أخ!. وتضرب مثلاً قائلة: “هناك امرأة عضوة في مجلس الشيوخ لكن لم يتح لها البتة التعبير عن صوتها الحقيقي. وقد رُفض اقتراحها بإلغاء القانون الذي يفرض على الزوجة الحصول على إذن من زوجها للسفر إلى بلد آخر دون تقديم سبب ذلك. فاستقالت من منصبها بسبب الغضب والإحباط”. أما من حققن نجاحاً في عالم الفن، كالمطربة غوغوش والمطربة هايدا والممثلة إغدشلو والشاعرة فوروخ، فكلهنّ يوصمن “بالإنحلال الخلقي”. يأخذ الإيرانيون المتعلمون التحضر كمسألة فخر “ومع ذلك فإنهم يقولون ما لا يفعلون عندما يتعلق الأمر بمواقفهم من المرأة”. تشاهد ناهيد تلك الفتيات اللاتي يظهرن متبرجات ويرتدين الملابس القصيرة، غير أنه يُفرض عليهن طاعة والديهن وأزواجهن، وتلك الجالسات على المقاهي يناقشن فلسفات “ديكارت وهيغل وماركس” يُجبرن كذلك على التنازل عن حضانة أطفالهن إذا اخترن الطلاق!. وعلى الرغم من التعديلات التي طالت قانون حماية الأسرة في مساواة المرأة بالرجل في حال “الطلاق والوصايا على الأطفال وتسويات الزواج، لكن هذه التعديلات لم تطبق، وغالباً ما كانت النساء يخسرن قضاياهن في المحاكم”.
  • تتحدث ناهيد عن كاريزما عمها أحمد .. الجذاب والمفعم بالحيوية، عندما أخذها وزوجها في جولة داخل طهران أثناء زيارتهما. تقول: “على غرار والدي تزوج فتاة في التاسعة من العمر، تصغره بثماني عشرة سنة”. كانت زوجته محتاب من منطقة تقع في شمال إيران على تخوم روسيا، زرقاء العينين شقراء الطلعة ويجري في عروقها بعض من الدم الروسي. كانت تتردد في بعض الأحيان على الخالة مريم تشكو “أن أحمد يمكث خارج البيت حتى ساعة متأخرة كل ليلة”. فترد عليها مستنكرة: “لديه فتاة شابة جميلة، ألا يكفيه ذلك”؟. لكن ناهيد كانت تحب خالها رغم أخطائه “لأن لديه احلاماً كثيرة”.
  • تزورها خالتها مريم في أميركا وتسترجعان سوية الذكريات!. تصرّح لها خالتها سبب طلاقها من زوجها الوحيد الذي لم تنجب منه، قائلة متنهدة: “بدأ يأتي إلى البيت مع صبي تلو آخر، فيدخلا إحدى الغرف ويمضيان الليل معاً. كان يقول دائماً (هذا ابن عمي) أو (هذا ابن اخي). أخيراً ضبطته. أبلغته أنني أريد الطلاق وعرف لماذا. لم يحدث أي خلاف أو مواجهات، فقد كان من السهل عليّ الحصول على الطلاق بعد أن أطلعت القاضي على ما يجري”.
  • وعن حكمة النساء، تنقل ناهيد قولهن المتفائل في لغة صوفية: “أرأيت عندما تغلق كل الأبواب في وجهك، يفتح الله لك نافذة” وفي التسليم المطمئن: “نحن جزء من مقاصد الله المعقدة التي تتجلى بطرق لا نفهما دائماً”.
  • تسترجع ناهيد ما كانت تمليه عليها خالتها عن الأقدار كلما واجهت انعطافات حاسمة في حياتها، وذلك في لحظة ود جمعتها بزوجها المستقبلي. فتصف تلك اللحظات في قول شاعري: “تابعت مشاهدة الطبيعة ونحن عائدان بالسيارة إلى مانهاتن وفكّرت في حالنا! ما أغرب أن يقع هذا الرجل القادم من ثقافة ودين مختلفين في حبي أنا الإيرانية المسلمة”. وتكمل متسائلة عن موقف خالتها: “هل ستنزعج وهي المؤمنة بالأقدار إذا ما تزوجت رجلاً من غير ديني؟ غالباً ما كانت معتقداتها ومشاعرها متناقضة. تذكرتها وهي تقول لشقيقاتها إن لليهودية نسباً مشتركاً مع الإسلام، وإن القرآن يجلّ الكتاب المقدس كأحد مصادره، وأن المسيحيين واليهود يدعون (أهل الكتاب)”.

رواية قرأتها على مقعد الطائرة، وأسالت القطرات من عيني حين تقاطعت في بعض شجونها مع شجوني.

تاريخ النشر: يونيو 8, 2021

عدد القراءات:125 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *