الكتاب
بغداد عروس عروبتكم
المؤلف
دار النشر
مكتبة مدبولي الصغير
الطبعة
(1) 2000
عدد الصفحات
804
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
11/20/2017
التصنيف
الموضوع
القدس .. بغداد .. ومدن العرب .. كلهن عرائس العرب المغتصبات
درجة التقييم

بغداد عروس عروبتكم

كتاب قديم-حديث .. تتجاوز صفحاته الثمانمائة وينزف قلب القارئ مع كل صفحة منه يطويها -كمداً وقهراً- سوياً مع كاتبه، على وضع مزر لأمة عربية آخذة في مزيد من التردي والذل والهوان .. ولو استبدل تاريخ نشره بتاريخ اليوم، لما أحدث تغييراً يُذكر في مجرى الأحداث ومرّ الهوان!

يجمع الكتاب بين دفتيه عدد من المقالات ضمنّها الكاتب في خمس (براءات) أساسية، استبرئ فيها لنفسه من عماء ضرب الأمة بأسرها يدفعها لا محالة إلى مصرعها، وقد احتلت البراءة الأولى عنوان الكتاب. أسردها متتالية كالآتي:

  1. البراءة الأولى: بغداد عروس عروبتكم
  2. البراءة الثانية: المحاولات
  3. البراءة الثالثة: يهتز عرش الله
  4. البراءة الرابعة: مقالتان ممنوعتان
  5. البراءة الخامسة: مختارات من رسائل القراء

ومن الكتاب الصاخب الذي استنزف أربع نجمات من رصيد أنجمي الخماسي، أعكس ما تردد صداه في رأسي بعد القراءة، وباقتباس في نص جهور (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • يفضح الأكاديمي والفيلسوف والمؤرخ والناشط السياسي نعومي تشومسكي في مقالة (اللغز) التخبط الأمريكي الذي يحتار فيه المفكرون، بين مبادئ العدالة التي ترفعها بلادهم وبين مناصرة الطغاة. ليس هذا في نظر تشومسكي سوى سياسة تأمين وتمكين للطبقة الأمريكية العليا ومعهم المستثمرين الأجانب، في الوقت الذي تُسحق فيه أي دولة أدنى تحقق نوع من الاستقلال والاكتفاء الذاتي. يقول الكاتب: “إن الوحش الأمريكي يعتبر العالم كله مجاله الحيوي، أما البشر الذين يقطنونه فمجرد قردة يجب أن ترقص على أنغامه”.
  • يتوسع المؤرخ في فضح ما أخفاه الإعلام الأمريكي -أو الراعي الرسمي العالمي لحقوق الإنسان كما يدعي- من قصص بشعة في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تذهب الديمقراطية التي ما برحت السياسة الأمريكية تتغنى بها إلى الجحيم، ما تعارضت مطالبها مع مصالح المستثمرين. ففي سبيل إعاقة عمل الحكومات البرلمانية والتمرد المنبثق عنها، لم تكن الوسائل المستخدمة عادية، بل كان القتل بسبب التعذيب هو الأداة. يقول تشومسكي: “لم يكن عمل القوات التي حركناها هو القتل العادي، ولكن كان بصفة رئيسية القسوة والتعذيب السادي! تعليق النساء من أقدامهن بعد قطع اثدائهن وتقشير بشراتهن، قطع رؤوس الناس وتعليقها على خوازيق، رطم الأطفال بالحوائط”. يصف أحد المدربين في الكتائب القتالية التي انخرط جنودها في قتل جماعي للمتمردين بدل حصدهم كمساجين بـ (المتوحشين تماماً)، الأمر الذي تسبب في قتل عشرات الآلاف وتحويل أكثر من مليون فرد إلى لاجئ. ينقل عنه تشومسكي قائلاً: “لا تكتفي فرق الموت بقتل المواطنين بل تفصل رؤوسهم وتضعها على خوازيق، تنزع أحشاء الرجال وتقطع أعضاء ذكورتهم وتضعها في أفواههم. لا يكتفي الحرس الوطني باغتصاب النساء بل يقطع أرحامهم، ولا يكتفي بقتل الأطفال بل يسحلهم على الأسلاك الشائكة أمام أعين آبائهم”.
  • وحين ينتقل تشومسكي إلى مقالة (المجرمون)، لا يتردد في تجريم كل الرؤساء الأمريكيين ووصمهم بـ (مجرمي حرب)، وذلك عن خططهم الإجرامية التي تكفل الحق الأمريكي أولاً وأخيراً. لم تظهر تلك الخطط في السياسات الاقتصادية لإفقار دول العالم الثالث وتفعيل الكوارث الإنسانية فيها فحسب، بل في القضاء على فرص كانت حقيقية لتقدم تلك الدول. ثم يوجه للرئيس الأمريكي السابع والثلاثون قولاً قاسياً قائلاً: “يا مستر ريتشارد نيكسون: ليست ليبيا ولا سوريا ولا إيران ولا السودان دول مجرمة كما قلت في كتابك (الفرصة سانحة). لا ليسوا هم المجرمين .. أمريكا هي المجرمة .. أنتم المجرمون”.
  • في مقالة (بغداد عروس عروبتكم)، يتجنب الكاتب لفترة الحديث عن العراق بعد أن احتوش قلبه هواجس الطفل الذي بُترت يداه بعد انقطاع سريان الدم فيهما، وقد قيدهما والده كعقاب له والذي انتحر أمام توسلاته البريئة بإعادة يديه بعد أن اعترف بخطئه. يتوسل الكاتب بدوره من ثم إلى ولاة أمر أمة العرب الذين شدّوا الوثاق على يديها المبتورتين بأن يعيدوها، مع قوتها المهدرة وعقلها المخدّر ووعيها المفقود .. وأن يعيدوا للإنسان العربي الحرية والكرامة، وللمنهوب منهم الثروة، وللانتخابات السياسية فيها النزاهة!. وفي حين يأسى الشاعر العراقي أحمد مطر على قتلى الوطن، ويقسم “والله اشتقنا للموت بلا تنكيل”، يكيل الشاعر مظفر النواب هجاءً نابياً يقذف به شرف حكام العرب في قصيدة ساخنة بعنوان (القدس عروس عروبتكم) والتي جاء عنوان الكتاب محاكياً لها. يقول في بعض أبياتها:

“القدس عروس عروبتكم
فلماذا أدخلتم كل زناة الليل إلى حجرتها؟
ووقفتم تستمعون وراء الباب لصرخات بكارتها
وسحبتم كل خناجركم
وتنافختم شرفاً
وصرختم فيها أن تسكت صونا للعرض
فما أشرفكم
أولاد القحبة هل تسكت مغتصبة؟
أولاد القحبة
لست خجولاً حين أصارحكم بحقيقتكم
إن حظيرة خنزير أطهر من أطهركم
تتحرك دكة غسل الموتى أما أنتم
لا تهتز لكم قصبة”

  • يتمنى الكاتب لو بثّ في مقالة (مفتتح آخر) رائحة شواء لحم بشري ليشتمّ القارئ العربي لحوم أخوته العراقية التي احترقت في أبشع محرقة على مرّ التاريخ، حيث قُدّر القصف الأمريكي على العراق في عام 1991 بما يعادل أربع قنابل نووية. وفي مقالة (التنكيل بالعراق)، لا تنفي الحكومة الأمريكية عملها الإجرامي وتلك الحقائق البشعة، إذ تطلّ وزيرة خارجيتها آنذاك مادلين أولبرايت “تؤكد علناً أن قتل نصف مليون عراقي كان عملاً مبرراً”، كما أن المماطلة في استخدام الفيتو في لجنة العقوبات، وتعريض العاملين في مجال المساعدات الإنسانية للمضايقات، وفرض الغرامات التي تصل إلى مليون دولار، وسنّ عقوبات تقضي بسجن أي مواطن أمريكي 12 عام في حال تقدّم بهبات من ألعاب وأدوية للرضع من أبناء العراق “هي بعض الأساليب التي أقرتها الحكومة الأمريكية المصممة على تنفيذ الإبادة البطيئة بحق شعب كامل، المسنون والمرضى والنساء الحوامل النحيلات والأطفال والرضع الذين يعانون نقصاً خطيراً في الوزن، والذين لا أمل لهم في البقاء، والضعفاء كلهم وعددهم بالملايين هم الذين تستهدفهم واشنطن بالإبادة. في الوقت نفسه يبتسم كلينتون وأولبرايت وآخرون ابتسامة العلاقات العامة ويتحدثون عن حقوق الإنسان”. هذا ما يقوله الكاتب الأمريكي جيف سيمونز.
  • وعلى سبيل الأدب الساخر في مقالة (القرن الحادي والعشرون 2099)، يصطحب أباً أولاده إلى المسرح ليطيلوا الضحك على شخصية (العراقي). وأثناء العودة تسأله ابنته: “بابي .. ما معنى عراقي”؟ يحتار الأب، وحتى لا يُكشف جهله يُجيب بحزم قائلاً: “يعني قزم”. يعترض ابنه الذي لحقه لقب (الإرهابي) ويرد قائلاً: “بل كان يوجد مكان بلاد ما بين النهرين بلد كبير اسمه العراق تحالف أخوته مع أعدائه على شعبه فحاصروهم وحاربوهم وأبادوهم. الباقون منهم أقزام أو مشوهون كما رأيتم نتيجة الجوع والحرب النووية والمواد الكيماوية”. لا يرضى الأب بما قال ابنه الإرهابي الصغير، فيهمس لابنته قائلاً: “لا تصدقيه فإنه يخرّف”.
  • أختم بعد حديث مرهق طويل مع الكاتب باعتراف: اعترف بأنني اترنح يكتنفني الدوار .. أشعر بالإعياء كأنما أصابني كل صاروخ قصف العراق .. وكأنني نزفت كل قطرة دم نزفها شهيد أو جريح هناك”. وأصرخ معه صرخة سيد الشهداء الإمام الحسين: “عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أئمتنا”.

على الهامش، تسترجع ذاكرتي البعيدة مراسلتي للكاتب -وقد كان كاتب عمود أسبوعي في إحدى الصحف العربية- حين لفت انتباهي في مقالة له تطرق فيها إلى كتاب (الرجل الصنم)، وهو كتاب يتحدث عن الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك وجرائمه التي ارتكبها في حق الدين والشعب!. حصل وإن اقتنيت الكتاب بعد مدة من المراسلة لم تكن بالقصيرة.

ختاماً .. إنه كتاب رائع صاخب ذو شجن، كنت قد اقتنيته منذ حوالي خمسة عشرة عام مضت حين قرأته للمرة الأولى، وها أنا أعود إليه مجدداً لاسترجع أحداثاً جرت لا تزال حديث الساعة .. فما أشبه اليوم بالبارحة.

كتاب يستحق القراءة وإعادة القراءة.

تاريخ النشر: نوفمبر 10, 2021

عدد القراءات:39 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *