الكتاب
النسيان
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
El olvido que seremos - By: Héctor Abad Faciolince
المترجم/المحقق
مارك جمال
دار النشر
دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة
(2) 2020
عدد الصفحات
288
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
04/30/2024
التصنيف
الموضوع
ذكرى تستعصي على النسيان
درجة التقييم

النسيان

سيرة أب .. طبيب ومناضل وحقوقي وإنسان …. وشهيد لكل هذا!

أب أغدق على ابنه حب لا مشروط إلى آخر رمق في حياته، وابن أراد تخليد ذكرى أباه ليتحدى النسيان الذي ليس هو سوى آفة ذكرى الإنسان!

لقد كان أباً صادقاً اعتنق مبادئ لم يحد عنها حتى دفع حياته ثمناً لها .. فعاش بها ومات بها وعليها، وكأن أيام حياته الخمس والستون كانت بمثابة اختبار الرجال، فليس كل من يقول يفعل!

هكذا تُكتب سير الأبطال ولهذا تكتب .. الذي يتعرض الموت في وجه أحدهم ليلاً ونهاراً مكشراً عن أنيابه متعطشاً لروحه، متمثلاً في دعاة الظلامية المعادين للحق والعدل والحرية والمساواة والنور والسلام والإنسانية جمعاء، بينما يضحك هو ملء روحه ساخراً، وقد نال منه الموت ولم ينل من مبادئه قيد أنملة!

إنه الأب أباد فاسيولينسي! وعلى الرغم من مكانته الاجتماعية المرموقة كطبيب وكمحاضر، فقد سخّر جهده وبلا مقابل لرفع المستوى الصحي لأبناء وطنه لا سيما الفقراء منهم، متضمناً توفير الحياة الكريمة من غذاء وتعليم ومسكن، بل كان لا يبخل في مد يد المعونة مالياً للمعوزين في محيط عمله، سواء في الجامعة مع تلاميذه أو في المستشفى مع مرضاه .. مدافعاً بلا هوادة عن حقوقهم، عبر الحملات التطوعية والمبادرات الإرشادية وخطاباته الصحفية التي كانت تُسمع فتوجع، متحدياً ومتصدياً لكل مظاهر القمع السياسي، والفساد المالي، والتعصب المقيت، وحركات الخطف والعنف، ومظاهر التزلف لذوي النفوذ .. في وطنه اللاتيني كولومبيا، منتصف القرن العشرين! وهو في خضم النضال وفق مبادئه، لم يكن ليغفل عن بذل خالص حبه وعطفه ورعايته لعائلته المكونة من عشرة نساء وولد عزيز خصّه بحب لا نظير له.

….. كان لا دينياً، لكنه عاش للإنسانية حتى قُتل برصاصة أحد المنتسبين لها، استقرت في صدره مع سبق الإصرار والترصد .. لكنها أيضاً الإنسانية التي خلّدت ذكراه!

لا تحمل السيرة فهرساً لا في أوله ولا في آخره، فرصدتها اثنان وأربعين جزءاً امتدت عبر أربع عشرة فصلاً، أسردها فيما يلي .. وقد اعتلى غلافها صورة (مارتا سيسيليا) أخت الكاتب، العازفة الصغيرة المبدعة، والمتوفاة مبكراً بسرطان الجلد، والتي فجع لموتها والدها وعائلتها بأكملها، ولم تعد حياتهم بعدها كما كانت قبلها أبداً .. وقد افتتح الكاتب سيرته المقدمة هنا للقارئ العربي بمقدمة دافئة، تنم عن إحساس إنساني لا تحدّه حدود العرق أو اللون أو المعتقد:

  1. طفل في يد أبيه
  2. طبيب في وجه الألم والتعصب
  3. الحروب الدينية وترياق العلم الغزير
  4. أسفار إلى الشرق
  5. سنوات سعيدة
  6. رحيل مارتا
  7. جنازتان
  8. سنوات الكفاح
  9. حوادث على الطريق
  10. رجل الحق والإنسانية
  11. فتح الأدراج
  12. كيف يأتي الموت
  13. منفى الأصدقاء
  14. النسيان

قد يعيب السيرة المط في الحديث والتكرار في سرد بعض التفاصيل، غير أنها لا بد أن تأتي هكذا لا سيما لتأريخ حقبة من تاريخ كولومبيا وتوثيق لسيرة نضال أحد أبطالها .. أو قد أجدها أنا هكذا لعدم استهوائي لأدب الرواية والسير الذاتية في العموم! ومنها، وقد جاءت في ترجمة خلابة واحترافية بشكل مبهر من النص الأصلي (El olvido que seremos – By: Héctor Abad Faciolince) ونالت ثلاثاً من رصيد أنجمي الخماسي .. أقطف شذرات مما علق في روحي منها، وباقتباس في نص عزيز (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • يطمئنه والده في رسالة ملؤها الحب الدافئ، حين بعث له خطاباً أثناء إقامته في إيطاليا للدراسة مع زوجته الأولى وطفلتهما، مثقل ضميره لاضطرار والده استمرار الإنفاق عليه .. فيجيبه قائلاً في (طفل في يد أبيه): “إن انشغالك بسبب ما تسميه الاعتماد المادي الذي طال أمداً، ذكرني بفصول الأنثروبولوجيا، حيث تعلَّمتُ أن جنس الكائن، كلما كان أكثر تطوراً، طالت طفولته ومراهقته. وفي اعتقادي أن «جنس عائلتنا» متطوّر إلى حد بعيد، بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. أنا أيضًا كنتُ أعتمد مادياً حتى سن السادسة والعشرين، ولكني بصراحة، لم أنشغل بذلك الأمر قط. تأكد أنك ما دمتَ مُستمراً في دراستك وعملك كما تفعل، فإن اعتمادك علينا لن يكون عبئاً، وإنما التزاماً مُحبّباً إلينا، نأخذه على عاتقنا ببالغ الزهو والسرور”.
  • تنعكس تربية جده القاسية على أبيه في تربيته لابنه لاحقاً، فيجنبه ما قاساه! يبدو هذا الحس المرهف في الحوار الذي تبادله هؤلاء جميعاً، في نفس الفصل (طفل في يد أبيه): “كانت الجدة إيبا تقول: «إن التربية مستحيلة تماماً من دون السوط والشيطان»، وهكذا كانت تخبر أمي التي ما كانت تلجأ إلى هذا ولا ذاك. أما جدي فكان يقول عني أحياناً: «هذا الطفل تعوزه يد قاسية» فيرد أبي قائلاً: أجل، تعوِزه يد قاسية، والحياة كفيلة بذلك، فهي تقسو علينا جميعاً. الحياة أكثر من كفيلة بأن تذيقنا الشقاء، ولا أفكّر في إعانتها على ذلك”.
  • وبرغم من تحفّظ القساوسة عموماً على تقديم الخدمات الخيرية والمساعدات الاجتماعية في المناطق الأكثر فقراً لأجل تحسين ظروف أهلها المعيشية، في كل مرة يجتمع فيها والده مع زعماء المناطق لطرح المقترحات .. فقد كان لا يثنيه عن عزمه شيئاً .. وكما كان يقول في (طبيب في وجه الألم والتعصب): “متى شح الغذاء، فليس صحيحاً أننا نولد سواسية! أولئك الأطفال يأتون إلى الدنيا تسبقهم المصاعب”.
  • وفي (سنوات سعيدة) تبدو الأم وهي تحقق ذلك المستوى الذكي من الأمان الاقتصادي لعائلتها، قد أتاحت للأب فرصة التمسك قلباً وقالباً باستقلاله الفكري. يقول الابن في نهاية الفصل: “وبسبب المثال الذي قدّماه لنا، أصبحت وأخواتي نعلم أن الدافع الوحيد الذي يستحق أن نجني من أجله بعض النقود هو الحفاظ على استقلالنا الفكري والدفاع عنه بأي ثمن، لئلا يتمكن أحد من إخضاعنا للابتزاز الوظيفي الذي قد لا يسمح لنا بأن نكون أنفسنا”.
  • يكتب والده آخر خطاب بعنوان (الصحة العامة بين النظرية والتطبيق) والذي يلقى حتفه بعد نشره بأشهر قليلة، حيث يصرّ فيه على حرية الفكر والتعبير كحق لا بد من صونه وقد انتزعه الإنسان بمشقة بالغة عبر التاريخ .. الحق الذي يتطلب جهوداً مستمرة على كافة المستويات، فضلاً عن خوض المعارك وتقديم التضحيات. ينقل ابنه طرفاً من هذا الخطاب القاتل في (رجل الحق والإنسانية): “إن البديل يتجلى على نحو أوضح فأوضح كل يوم: إما نسلك مسلك الحيوانات الذكية والعقلانية، فنحترم الطبيعة ونسع بعملية «الأنسنة» الناشئة قدر الإمكان، وإما يضمحل مستوى معيشة الإنسان. لقد بدأت شكوك بعينها تراود البعض منا حول عقلانية الجماعات البشرية، وما لم نسلك مسلكاً عقلانياً، فلسوف نلقى مصير بعض الثقافات نفسه، ومصير بعض أنواع الحيوانات الحمقاء، التي لم يتبق لنا منها سوى بقايا حفرية، شاهداً علي انقراضها. إن مصير الأنواع التي لا تغير بيولوجياً واجتماعياً بتغير «موطنها»، يعني الهلاك بعد حقبة من الشقاء الذي لا يوصف”.

ختاماً، والابن البار يقتبس لإهدائه قولاً يقول فيه: “ولأجل حب الذكرى .. أحمل فوق وجهي وجه أبي” .. فهي تبدو بحق ذكرى تستعصي على النسيان .. عن أب حر .. كما شاء ابنه أن تكون! ولتخليدها، كتب هذه السيرة!

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل السيرة (43) ضمن قائمة لا تنتهي من الكتب التي خصصتها لعام 2024، والذي أرجو أن يكون استثنائياً بحق في جودة الكتب التي سأحظى بقراءتها خلاله، وهي آخر ما قرأت في شهر ابريل ضمن (13) كتاب قرأتهم. وعن اقتنائها، فقد حصلت عليها من معرض للكتاب بإحدى المدن العربية العام الماضي ضمن (400) كتاب، كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض .. والتي جاءت كترشيح بل وكهدية من البائع في دار النشر.

وعلى رف (سيرة ذاتية) في مكتبتي، عدد يتجاوز (120) من الإصدارات، منها قديم ومنها حديث .. أذكر منها: (كارمن بن لادن: في قلب المملكة حياتي في السعودية) – تأليف: كارمن بن لادن / (مذكراتي في سجن النساء) – تأليف: د. نوال السعداوي / (دكتور في السابعة من العمر) – تأليف: أصغر جدائي / (عاشوا في حياتي) – تأليف: أنيس منصور / (القصة الحقيقية: ريا وسكينة) – تأليف: محمود صلاح / (حب وحرب: قصة واقعية عن بطولات معركة 67) – تأليف: شوقي حامد / (جريمة في البيت: قصة إعدام إبراهيم طراف طراف) – تأليف: يوسف سلامة / (المشوهة: عندما تتحول جريمة عاطفية إلى قضية دولة) – تأليف: رانيا الباز / (الأميرة: قصة الحياة الحقيقية خلف الحجاب) – تأليف: جين ساسون / (أنا ملالا: ناضلت دفاعاً عن حق التعليم وحاول الطالبان قتلي) – تأليف: ملالا يوسفزاي / (لماذا تقتل يا زيد؟ قصة حقيقية للمقاومة العراقية) – تأليف: د. يورجن توديمهوفر / (مهنة العيش) – تأليف: تشيزاري بافيزي / (يوميات طبيب) – تأليف: د. محمد العاسمي / (تجار اللحم البشري) – تأليف: إفيوما شنوب / (رجم ثؤيا) – تأليف: فريدون صاحب جم / (جان دارك) – تأليف: جورج برنارد شو / (حين يقترب القمر) – تأليف: نادية هاشمي / (هوس العبقرية) – تأليف: باربارا جولد سميث / (ليتر من الدموع: نضال شابة للحياة) – تأليف: آيا كيتو / (هذا الكتاب سيؤلمك: يوميات سرّية لطبيب مبتدئ) – تأليف: آدم كاي/ (صلاة تشرنوبل) – تأليف: سفيتلانا أليكسييفيتش / (دموع الملح) – تأليف: بيترو بارتولو وليديا تيلوتا / (أرجوكم لا تسخروا مني) – تأليف: جودي بلانكو / (مذكرات طبيب شاب) – تأليف: ميخائيل بولغاكوف / (عبدالرحمن السميط: قصة رجل عظيم) – تأليف: عز الدين مراغب / (حياة قلم) – تأليف: عباس محمود العقاد / (سيرة رجل ملون) – تأليف: جيمس جونسون / (سجينة طهران: قصة نجاة امرأة داخل أحد السجون الإيرانية) – تأليف: مارينا نعمت / (شيرين أبو عاقلة: الشاهدة والشهيدة) – تأليف: هيثم زعيتر / (كل شيء هادئ في العيادة: مذكرات يهودي عراقي) – تأليف: سلمان درويش / (Spare) – تأليف: Prince Harry

من فعاليات الشهر: يقابله في العام الهجري 1445 ما تبقى من شهر رمضان المبارك وعيد الفطر في العاشر منه .. وفي هذا الشهر عادة انقطع عن القراءة، غير أنني تمكّنت في هذا العام من استقطاع وقتاً يسيراً للقراءة، وكان مثمراً.

تسلسل السيرة على المدونة: 493

تاريخ النشر: مايو 2, 2024

عدد القراءات:80 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *