الكتاب
الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
The Angel: The Egyptian Spy Who Saved Israel - By: Uri Bar-Joseph
المترجم/المحقق
فادي داؤود
دار النشر
الدار العربية للعلوم
الطبعة
(1) 2017
عدد الصفحات
367
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/25/2019
التصنيف
الموضوع
شرف الوطن في جيب الجاسوسية
درجة التقييم

الملاك: الجاسوس المصري الذي أنقذ إسرائيل

لم تبرح الجاسوسية كظاهرة ضاربة في القدم حيث البقاء للأدهى والأقوى، والمستجدة بصراعاتها الأكثر تعقيداً بتعقيدات تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، أن تحتل صدارة القضايا الأكثر إثارة وغموضاً وجدلاً، بين مكذّب ومصدق، لا سيما في العالم العربي الحافل تاريخياً بسلسلة دامية من الصراعات والتحديات يترأسها الصراع العربي-الإسرائيلي، والنصر الذي حالفه في مرات، والهزائم في مرات أخر.

يتناول الكتاب قضية مثيرة تتمركز حول شخصية أكثر إثارة ارتبطت بالخيانة الوطنية!. لم تأت إثارة الجدل تلك بهدف تقريع الجاسوسية كدناءة أخلاقية فحسب، بل لأن بطلها قد انبثق من قلب بيت كان رمزاً للقومية العربية في تلك الحقبة التاريخية، والأدهى والأمر ابتداره سلك الجاسوسية، ودوره المحوري في حرب أكتوبر 1973 ورسم الخارطة الحالية، وولائه الخالص للموساد على مدى عقود فيما بعد.

إنه الجاسوس أشرف مروان صهر الزعيم الأقوى عربياً جمال عبد الناصر، والمستشار المقرب لأنور السادات من بعده، صاحب النفوذ والحظوة، والكاريزما الساحرة، والنرجسية العمياء، والطموح الذي لم ير أبعد من (أناه) المتضخمة، حتى أردت به ملامحه المركبة تلك إلى أحط أخلاقيات النفس البشرية حين وضع يده بإحكام في يد عدو وطنه وعروبته، لقاء حفنة من الدولارات .. ذلك الدور الذي أرداه قتيلا عندما قرر عدوه تصفيته في شر قتلة.

وفي عام 2009، قامت شبكة (سي بي أس CBS) الأمريكية بتسليط الضوء على سيرة الجاسوس المصري الغامض (أشرف مروان) من خلال برنامجها الشهير (ستون دقيقة 60 Minutes)، والذي استضاف عدداً من أصحاب الشأن في الجانبين المصري والإسرائيلي، في مناقشة صريحة حملت عنوان (الجاسوس الكاملThe Perfect Spy). وفي عام 2017، خرجت قناة الجزيرة الوثائقية بتحرٍ كامل وبتحليل موضوعي حول الظروف الغامضة التي أحاطت بوفاة أشرف مروان، بغية الوصول إلى حقيقة موته، أكانت انتحار أم جريمة قتل؟ والدوافع المحتملة وراء أي الاحتمالين. ثم وفي عام 2018، قامت الشركة الأمريكية الأشهر في صناعة الأفلام والمسلسلات (نتفليكس Netflix) ببث فيلم (الملاك The Angel) والذي استند على رواية مؤلف الكتاب أستاذ التاريخ الإسرائيلي (د. يوري بار جوزف Uri Bar-Joseph) بعمالة أشرف مروان لإسرائيل خلال حرب أكتوبر 1973، وهي رواية تتفق مع رؤية الموساد. أخيراً، وفي عام 2018، قامت قناة الجزيرة باستضافة مؤلف الكتاب (د. يوري بار جوزف) في حوار مباشر حول ما أثارهما الكتاب والفيلم من لغط، بين رؤيتين متعارضتين في شأن عمالة أشرف مروان من عدمها.

وفي التعريف به، د. يوري بار جوزف أستاذ متقاعد في قسم العلاقات الدولية في كلية العلوم السياسية بجامعة حيفا، ومتخصص في الأمن القومي ودراسات الاستخبارات، وضابط سابق بوحدة الأبحاث بجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي.

يُصنف الكتاب ضمن كتب البيوغرافيا حيث استعرض الكاتب سيرة أشرف مروان الذاتية في ثلاثة عشر فصلاً من خلال تسلسل زمني يبدأ مع محاولة اتصاله الأول بالموساد، وينتهي بوفاته تحت ظروف غامضة من شرفة شقته في لندن، مع عرض يسير لحياته الشخصية حول نشأته وأسرته وتعليمه وعمله وزواجه الميمون من ابنة الرئيس الراحل. وفي هذا، يستند الكاتب على عدد كبير من المراجع أفرد لها أربعة عشر صفحة من كتابه، تبدأ مع الصفحة 322 وتنتهي بالصفحة 335، كما يعرض الفهرس تسلسل الأحداث الفاصلة، أسردها تباعاً كما يلي:

  • تمهيد: الجنازة واللغز
  • الفصل الأول: القاهرة، 1944-1970: البدايات
  • الفصل الثاني: لندن، 1970: الاتصال
  • الفصل الثالث: نيسان 1971: الانضمام إلى الاستخبارات العسكرية
  • الفصل الرابع: أيار 1971: الصعود
  • الفصل الخامس: حلم أي وكالة استخبارات على وجه الأرض
  • الفصل السادس: مبعوث السادات للشئون الخاصة
  • الفصل السابع: مصر تتهيأ للحرب
  • الفصل الثامن: التحضيرات النهائية وفاصل في روما
  • الفصل التاسع: التوقيع عند غروب شمس السبت
  • الفصل العاشر: برج الحمام: التحذير والحرب
  • الفصل الحادي عشر: صعود أشرف مروان وهبوطه
  • الفصل الثاني عشر: ملاك في المدينة، الكشف عن الصهر
  • الفصل الثالث عشر: سقوط الملاك
  • المصادر والمراجع

يحصد الكتاب رصيد أنجمي الخماسي كاملاً، والذي أعرض في المساحة التالية أهم مجريات الأحداث التي تعرّض لها، وباقتباس في نص حارق (مع كامل الاحترام لحقوق النشر). وعلى الرغم من أن أسلوبي في تقييم أي كتاب يأخذ طابع المراجعة التي تتراوح بين البسيطة والعميقة، فإن هذا الكتاب كان له الحظ في أن أتصدى له بتفصيل أكبر مما اعتدت عليه.

  • يستهل الكاتب ببداية تمهيدية يعنونها بـ (الجنازة واللغز)، حيث يبدأ من حيث انتهت قصة أشرف مروان في مشهد جنائزي مهيب في صيف الأول من تموز عام 2007، حضره المئات من رجال السياسة والمال، وعلى رأسهم رئيس المخابرات الأسبق اللواء عمر سليمان والذي صادق على تزكية الرئيس مبارك بأنه “الوطني الحقيقي المخلص لوطنه” بما قدم من أعمال جليلة.
  • في حين حضر مراسم الجنازة ذوي منى عبد الناصر أرملة المتوفى رغم الخلاف السابق بينهم، فقد لفت انتباه الصحفيين غياب عائلة أنور السادات رغم علاقة الصداقة التي كانت تربطهما معاً. وأياً كانت الأسباب فقد سرت الهمهمات من تحت الموكب الرسمي المهيب الذي لم يكن إلا ستاراً لفضيحة سافرة خان بها صاحب النعش البلاد والعباد.
  • وفي عجالة وبأسلوب تشويقي، يسلط الكاتب الضوء على النقاط الأبرز في قصة أشرف مروان، حيث استهل مشواره عام 1966 بالزواج من ابنة عبد الناصر الأمر الذي أهله لتولي مسئوليات في مكتبه الرئاسي ومن ثم منصب مستشار لخليفته السادات بعد وفاته، بالإضافة إلى الأعمال الغامضة التي تفرغ لها بعد تخليه عن الخدمة عام 1981 واستقراره في لندن. في عام 2001 وعندما بدأت تسري بعض الأقاويل بين الأوساط الإسرائيلية والمصرية حول “مصدر الموساد العجائبي” والتي أنكرها أشرف مروان حال مواجهته بها، فقد أخذ يشعر بتضييق الخناق عليه حينها حتى لقى حتفه في 2007، وبعد ثلاثة أسابيع فقط من جلسة محاكمة في تل أبيب بشأن عمالته.
  • في الفصل الأول (القاهرة، 1944-1970: البدايات)، يستعرض الكاتب جانباً من سيرة أشرف مروان الذاتية في محاولة لتكوين صورة ذهنية عن شخصيته كجاسوس لاحقاً، تتعلق بنشأته ونسبه وتعليمه وعمله والحدث الأبرز في حياته وهو زواجه بمنى ابنة جمال عبد الناصر، بين تحفظ الأب وإصرار الابنة، وذلك في سرد يسير يفضي إلى مقدمات عمالته لإسرائيل وهي الجانب الأهم في سيرته.
  • ولد محمد أشرف أبو الوفا مروان في عام 1944 في أحد أحياء الطبقة الوسطى في القاهرة، لعائلة سليلة الحسب والنسب، إذ تنتمي والدته لعائلة الفايد الأكثر ثراء، وجده عالم الأزهر رئيس المحاكم الشرعية في مصر، ووالده نائب القائد العام للحرس الجمهوري.
  • كان مروان متقد الذكاء أهلّه لتحصيل أكاديمي متميز، فقد حصل على درجة البكالوريوس في الكيمياء عام 1965، وعمل بعد تخرجه كضابط ومهندس كيميائي في الصناعة العسكرية، كما كان قارئاً مستفيضاً في علوم الاقتصاد والاستثمار، وقد وصفه من حوله بالجاذبية والوسامة والودية.
  • التقى أشرف مروان بمنى ابنة عبد الناصر في إحدى النوادي بتخطيط من أخته عزة، الصديقة المقربة لمنى، والتي وقعت في حبه من النظرة الأولى. لم يكن غريباً على شخصية منى المتعثرة دراسياً والأكثر اقبالاً على مباهج الحياة مقارنة بأختها الكبرى هدى أن تؤخذ بالشاب الوسيم حلو القوام والهندام، وأن تقف بإصرار أمام والدها المتحفظ عليه كزوج مرتقب بناء على تقرير سامي شرف سكرتير المعلومات في مكتبه، والذي أفاد بماديته وشكك في صدق مشاعره. وفي حقيقة الأمر، لم يدفع مروان الارتباط بمنى سوى مركز والدها الرئاسي، وقد تم زواجهما عام 1966 في حفل أسطوري غنّى به عمالقة الطرب في القرن العشرين، أم كلثوم وعبد الحليم حافظ.
  • يعرض الفصل التطور الذي لحق بحياة أشرف مروان بعد زواجه بأفضل مما توقع، إذ التحق بالمكتب الرئاسي في عام 1986، الأمر الذي اعتبره مروان بمثابة خطوة تقدمية، في حين كانت على النقيض عند عبد الناصر إذ أراد إبقائه تحت اشراف مباشر كتعبير عن ثقة مهزوزة. في نفس العام انتقل مروان ومنى إلى مدينة لندن لاستكمال دراسة الماجستير، وهناك تعرفا على زوجين من أمراء الكويت اللذان سددا ديون مروان المتراكمة من تعاطي القمار حين انغمس في ملذات المدينة الساحرة، الأمر الذي أغضب عبد الناصر ودفعه إلى إعادتهما إلى مصر وإرغام مروان على تسديد دينه للأمير، مع الإصرار بتطليق ابنته التي واجهته بعنادها المعتاد.
  • لم يزل الحظ يحالف مروان إذ ما لبث أن استعاد ثقة عمّه عندما أوكله لحل إحدى المعضلات مع قائد القوات الخاصة والتي نجح فيها أيما نجاح، في اعتراف من عبد الناصر بمواهبه وكرمز “يجسد الإرادة الشخصية للرئيس”.
  • إلا أن الامتيازات التي حظي بها مروان من نسب نبيل وصهر لأقوى زعيم ومنصب قيادي كانت أقل من أن ترضي طموح جامح لشاب تدفعه أناه المتضخمة.
  • وفي طرح علمي، يلخص الكاتب الدوافع التي قد تقود أفراد ناجحين إلى بيع العدو أسرار وطنهم في: “الأيدولوجيا، المال، الغرور، الابتزاز، والإغواء الجنسي”. وفي حالة مروان وكشخصية مركبة، يحصر الكاتب عنصري المال والغرور كدافعين رئيسيين لعمالته، فقد كان يتوق لحياة البذخ والتي اصطدمت بسياسة عبد الناصر التقشفية، والاعتداد بالنفس المتعطشة للنفوذ والسلطة.
  • مع الفصل الثاني (لندن، 1970: الاتصال) تتكشف أولى خيوط القصة. ففي عام 1970 وفي جرأة غير مسبوقة، قام مروان اليافع ابن السادسة والعشرين من عمره الاتصال بالسفارة الإسرائيلية عبر إحدى الكبائن الحمراء المنتشرة في لندن، وقد عاود الاتصال مرات عدة إذ لم يؤخذ اتصاله الأول على محمل الجد. ورغم أن موت عبد الناصر في هذه الفترة وتولي أنور السادات الحكم قد أحدث بعض التغييرات في حياة مروان، إلا أن عزمه التخابر مع الموساد ظل ثابتاً.
  • لم يكن من الصعب على فاردي وغورين وهما من أهم موظفي الموساد التعرف على أشرف مروان بمجرد ذكر اسمه أثناء زيارتهما لسفارة بلدهما في لندن، الأمر الذي عجّل عملية الاتصال بمروان وعقد أول لقاء بينه وبين الموساد من خلال المشرف (دوبي). لقد كان لقاء ناجح كسب فيه الطرفان ثقة بعضهما البعض، لا سيما عندما قدم مروان وثائق سرية مكتوبة بخط اليد كـ “عربون ثقة” تكشف عن معلومات عسكرية متعلقة بحرب وشيكة، تلك الوثيقة التي قال عنها غورين قائد عمليات الموساد في أوروبا بأن: “مادة كهذه من مصدر كهذا! إنه أمر لا يحدث إلا مرة كل ألف عام”، والتي لم يخف معها تسفي زامير رئيس الموساد في تل أبيب تقديره لطاقة الجرأة عند مروان كعميل موعود. وبعد مناقشات مطولة، تم اتخاذ القرار بقبول عرض مروان على أن تكون إدارة التعامل معه مركزية من مقر القيادة في تل أبيب خلافاً للعملاء الآخرين. وقد استقر الأمر في نهاية المطاف على منح مروان لقب “الملاك” كإجراء احترازي معمول به.
  • يستعرض الكاتب في الفصل الثالث (نيسان 1971: الانضمام إلى الاستخبارات العسكرية)، تطور العلاقة بين مروان والموساد إلى مرحلة أكثر عملية، فقد تم عقد لقاء سري في لندن نظّمه دوبي بين مروان والمقدم مائير رئيس وحدة الاستخبارات العسكرية/فرع مصر. وعلى الرغم من الغطرسة التي ابتدئها مروان مع نظيره مائير، فقد انتهى اللقاء بينهما أكثر ودية وطمأنينة، فقد وجّه الخبير مائير إلى مروان عدداً من الأسئلة الحرجة والتي كشفت مصداقيته ونفت عنه شبهة العمالة المزدوجة. كانت الأسئلة تنصبّ في معرفة الخطة المصرية لاسترجاع سيناء، واحتمالية التدخل السوفيتي في الحرب.
  • فيما بعد، أصبحت التقارير التي يصدرها الموساد بناء على تسريبات مروان السرية على قدر من الأهمية بحيث كانت ترفع مباشرة إلى رئيسة الوزراء غولدا مائير ووزير الدفاع موشي ديان ورئيس الأركان حاييم بارليف، دون أن تخضع لروتين تحليلات الاستخبارات العسكرية، وذلك تحت اسم رمزي وهو “خوتيل”.
  • وبكياسته المعهودة، لم يتطرق مروان إلى المقابل المادي لخدماته مع الجانب الإسرائيلي والذي انتهى بالاتفاق على دفعات محددة يستلم فيها مبلغ 10 آلاف دولار في كل دفعة.
  • يرى الكاتب في الفصل الرابع (أيار 1971: الصعود) أن موت “أعظم قائد عربي منذ صلاح الدين” كما يحلو له تسميته، قد شكل قفزة نوعية لجودة المعلومات التي لم تحصل إسرائيل على أفضل منها من قبل. فعلى الرغم من تدني خبرة مروان ومهاراته في الاتصال مع الاستخبارات العسكرية، فقد ارتأت مصالح السادات تقريب مروان وتوكيله منصب حساس في إدارة مكتبه الرئاسي، والذي استغله مروان بدوره لصالحه في ضخّ المزيد من المعلومات السرية للاستخبارات الإسرائيلية.
  • وفي هذا الفصل، تطرق الكاتب إلى الجوانب الشخصية والقيادية لأنور السادات كخليفة لعبد الناصر، وما تضاربت به الأقاويل بين ممجّد له ومحقّر من أبناء الشعب المصري، إلا أن موقف صناع القرار الإسرائيليين قد اختصره شيمون شامير، المؤرخ والضابط الاحتياطي في وحدة الاستخبارات العسكرية/فرع مصر حين طلب منه إبداء الرأي إذ قال: “إن السادات شخص لا يتمتع بالمهارات اللازمة لإدارة بلد. إنه يفتقر للحد الأدنى من المواصفات اللازمة لتولي مقاليد الحكم بشكل حقيقي، أو ليكون مقبولا في مصر كخلف لعبد الناصر وكقائد للعرب”. يأتي هذا الراي كمقارنة بين الرئيسين لا سيما أن إنجازات عبد الناصر المتتالية قد شكلت الخطر الأكبر المحدق بإسرائيل والمهدد لزوالها.
  • يسلط الكاتب الضوء في الفصل الخامس (حلم أي وكالة استخبارات على وجه الأرض) على الثقة الاستثنائية التي حظي بها مروان من جانب مشرفيه الإسرائيليين، فالوثائق التي قدمها مروان فيما يتعلق بالخطة المصرية لعبور قناة السويس، والمعلومات اللوجستية الحساسة المتضمنة بنية الجيش وأسماء الفرق وقادتها والأسلحة والطائرات الحربية وغيرها من أسرار عسكرية حساسة قد صنفت مروان كأعظم جاسوس حظيت به إسرائيل في تاريخها، إذ اعتبره تسفي زامير رئيس الموساد “أعظم مصدر حظينا به يوماً” حسب تعبيره. وعن أصالة معلوماته قال أهرون ليفران العميد المتقاعد بأنها “معلومات عالية الجودة من النوع الذي ترغب فيه وكالات الاستخبارات طوال حياتها وقد لا ترى مثلها إلا كل عدة أجيال”، وهو “يساوي وزنه ذهبا”.
  • كان إفشاء تفاصيل النقاشات الجارية بين مصر والسوفييت حول الإمداد بالسلاح، وهاجس التفوق الحربي الإسرائيلي، قد أكدّ للإسرائيليين عدم جاهزية الجيش المصري لشن الحرب، وقد أعطى تصور واضح عن موقف السوفييت من الحرب والذي كان يشكل مصدر قلق حقيقي للإسرائيليين.
  • لم يخلُ الأمر من تشكيك البعض في نزاهة الملاك وعلى رأسهم اللواء إيلي عيزرا، رئيس الاستخبارات العسكرية والذي اعتبر مروان عميلاً مزدوجاً لعب دوره بجدارة في تضليل الإسرائيليين قبيل الحرب، وأن ذلك قد تم “بأمر من السادات، وأعتقد أنهما فعلاها سوية” حسب قوله.
  • يكشف الفصل السادس (مبعوث السادات للشئون الخاصة) عن نجاح مروان في احتراف ثلاث مهن في آن واحد، أولها مهنته الرئيسة كمستشار ومبعوث للسادات، إذ اعتمد عليه السادات في إتمام العديد من المهام الدولية ومع الرؤساء، بالإضافة إلى تزويد مصر بالأسلحة عن طريق الدول العربية. برع مروان ثانياً في توسيع دائرة علاقاته الاجتماعية بأصحاب النخب والقادة، أمثال الملك حسين ملك الأردن، وعدنان وعصام خاشقجي أبني الطبيب الشخصي لملك السعودية، والذين سعوا من ناحيتهم توطيد العلاقة خدمة لمصالحهم. إلا أن استمرار مروان في سلك الجاسوسية كمهنة ثالثة لم تزل دوافعها غامضة، إذ لم تكبحها الثروة التي حققها، ولا رغبة التشفي من عبد الناصر التي خبت.
  • لم يصرح مروان بالسبب الحقيقي لعداء المحيطين به إذ لم تخفَ شبهات فساده على أحد، بل كان يتبجح بأسباب يعزوها إلى الغيرة، إلا أنه في السبعينات، ومع تضخم ملف الشكاوى ضده، شنّ السادات أعمال التحري التي أسفرت عن تجاوزات مالية وأعمال وصفقات وثروة هائلة لم يعرف مصدرها، الأمر الذي لم يجد معه السادات مفر سوى تنحية مروان جانباً حيث انتهى به المطاف إلى مغادرة مصر.
  • يسهب الفصل السابع (مصر تتهيأ للحرب) عن التفاصيل الدقيقة للحرب المرتقبة في السادس من أكتوبر 1973 بين مصر واسرائيل والتي قدمها مروان بسخاء للاستخبارات الإسرائيلية. لقد كان التصور الإسرائيلي الأولي نحو جدية مصر خوض الحرب “قريب من الصفر” في ظل ضعف الاستعدادات الحربية المصرية أمام التفوق الإسرائيلي، إلا أن المستجدات التي طرأت على رؤية السادات قد أكدّت ضمن وثائق سرية رغبة السادات خوض الحرب في أسرع وقت ممكن. لقد كان مروان عميلاً بدرجة امتياز إذ لم يهرع بإبلاغ مشرفيه الإسرائيليين عن تفاصيل الخطة العسكرية وجدولها الزمني فحسب، بل عن تغير قناعات القيادة المصرية بالحد الأدنى من المعطيات المتاحة للجيش المصري لشن الحرب، فليس اليوم أشبه بالبارحة. لكن! وعلى الجانب الآخر، كان التعنت الإسرائيلي وافتقاره للمرونة في التعامل مع المستجدات ورفض فكرة تغير المزاج المصري والقناعة الراسخة بالتصور الأول القائم على استحالة شنّ السادات للحرب، قد لعبت كلها دوراً حاسماً في إلحاق الضرر بإسرائيل رغم تحذيرات ملاكها.
  • كما يبدو من عنوان الفصل الثامن (التحضيرات النهائية وفاصل في روما)، فقد دخلت استعدادات الحرب طورها النهائي والتي لم يكن مروان على اطلاع مباشر بها لابتعاده عن مركز صناع القرار في مصر، في مهمة سرية أفضت إلى إحباط عملية إرهابية ضد إسرائيل في روما. ففي رد فعل غاضب من قبل معمر القذافي الرئيس الليبي الأسبق ضد إسقاط إسرائيل طائرة ليبية في سيناء، فقد قرر الثأر بالمثل وبتدمير طائرة ركاب إسرائيلية، ووقع الاختيار على مطار فيوميتشينو بروما. شارك السادات على مضض في خطة القذافي إذ كان محرجاً أمام الغضب الليبي بسبب فشله حماية الطائرة، رغم أن مصلحته كانت في عدم التحرش بإسرائيل في الوقت الحالي حتى لا يفسد عنصر المفاجأة في هجومه المزمع بعد شهر تقريباً. حظي مروان برضا السادات بعد إفشال المهمة قبل وقوعها والذي ظنّ أن مروان قد نجح في مهمته من خلال رشوة الإيطاليين، إلا أن مروان في الخفاء قد حظي بمكافأة سخية من أعضاء الموساد كعرفان لوفائه منقطع النظير، والذين تولوا عملية إفشال خطة القذافي من خلال ما زودهم مروان من معلومات عنها في غاية السرية.
  • بعد عودته إلى مصر في الخامس من أكتوبر 1973، لم يكن الخبر المباغت لمروان بحلول ساعة الصفر في الغد السبب الأوحد في هزيمة إسرائيل، بل إن التحذيرات والإشارات والدلالات التي لفت انتباه الإسرائيليين لها مسبقاً لم تؤخذ على محمل الجد، في إصرار متعنت وقناعة راسخة بأن مصر لن تشنّ الحرب. قبل يومين من اندلاع الحرب بدأ قادة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بتغيير نظرتهم نحو الوضع، فقد تم ترحيل القوات السوفيتية من مصر مع انتشار طارئ للجيش المصري على طول قناة السويس لم ترَ إسرائيل مثيلاً له من قبل. زاد الارتباك في صباح يوم الجمعة إذ أن سيل المعلومات في الساعات المتأخرة لم يدع مجالاً لتجاهل وقوع الحرب. وفي تمام الساعة الثانية والنصف ظهراً كان زامير رئيس الموساد يتلقى رسالة عاجلة من رئيس مكتبه حملها ملاكهم .. إنها الحرب!.
  • تصف الأحداث في الفصل التاسع (التوقيع عند غروب شمس السبت) الساعات الأخيرة قبل اندلاع الحرب. كان مروان في يوم الخميس الرابع من أكتوبر متواجداً في فرنسا ضمن وفد رسمي، حيث أجرى عشيتها محادثة مقتضبة مع مشرفه دوبي، وغادر في صبيحة يوم الجمعة إلى لندن حيث عرف بمحض الصدقة وعن طريق صديق مقرب بإجراءات مبهمة حول تغيير مسار الرحلات الجوية العائدة إلى مصر، والتي استنتج معها على الفور الاندلاع الوشيك للحرب.
  • في صبيحة ذلك اليوم كان الانتشار المصري قد أخذ موضعه النهائي والذي قال عنه وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان بأنه “قد يصاب المرء بصدمة فقط من مجرد النظر إلى الأعداء”. وفي عشيته، كان اللقاء بين مروان ونظيريه الإسرائيليين دوبي وزامير على أشده، إذ صرح مروان بنية السادات “شن الحرب غداً” أي في أقل من أربع وعشرين ساعة، ولم ينجُ من سيل الأسئلة المربكة التي وجهها له زامير عندما تملكته الدهشة والظنون بكذب الإنذار. برر مروان تأخره في إخطار الإسرائيليين بسفره وبتكتم السادات وبمزاجيته الأخيرة إذ صاح قائلاً: “إنه مجنون”. لم يكن مروان على علم بالقرار الأخير في تحديد ساعة الصفر عند الساعة الثانية عصراً، فقد قدر بأن الحرب ستبدأ مع غروب الشمس، وهذا ما أخبر مشرفيه به.
  • بعد هذا الاجتماع الساخن، أرسل زامير رسالة مشفرة إلى قائد الأركان فريدي عيني بآخر المستجدات، وفي يوم عيد الغفران الموافق السبت السادس من أكتوبر لعام 1973 وبعد الظهر بقليل، كانت الحرب قد اندلعت.
  • يتحدث الفصل العاشر (برج الحمام: التحذير والحرب) عن الأحداث الأكثر محورية والأشد حسماً في تشكيل الخارطة التي انتهت عليها حرب أكتوبر حتى اليوم الحالي. كان التخبط بين صناع القرار الإسرائيلي على أشده، ليس على صعيد النقاش فقط بل التنفيذ، إذ خرق اللواء غونين خطة “برج الحمام” التي أعدها قائد أركان الجيش الإسرائيلي اللواء ديفيد إلعازر، متأثراً برأي رئيس الاستخبارات العسكرية إيلي عيزرا الذي أصرّ على استبعاد وقوع الحرب حتى الساعات الأخيرة. عليه نجح المصريون في عبور القناة والتي شكلت الجزء الأخطر في خطة هجومهم، أمام خسائر فادحة تكبّدها الجيش الإسرائيلي، رغم تفوقه العسكري الهائل مقارنة بنظيره المصري.
  • رغم هذا، لم يكن هناك ثمة شك من أن عمالة مروان قد جنبت وبجدارة الجانب الإسرائيلي خسائر أكثر كارثية مما منيت به، فضلاً عن انتصارها في السيطرة على هضبة الجولان وهزيمة السوريين.
  • ويبرز السؤال الأصعب بين المؤرخين والمحللين: ماذا لو لم يحذر مروان عملائه الإسرائيليين؟ وما الوضع الذي كان سيؤول إليه لولا الاستنفار العام للاحتياطي الإسرائيلي؟ لا عجب بعد ذلك أن يكرّم الموساد عميلها الملائكي بمكافأة مالية وقدرها مائة ألف دولار “استحق كل قرش منه”.
  • يغطي الفصل الحادي عشر (صعود أشرف مروان وهبوطه) الأوضاع الدولية التي سادت أثناء الحرب، ووضع اللاعب الأول فيها حتى بعد قرار وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وعقد معاهدة السلام.
  • نشط دور مروان كمبعوث للسادات بين الدول العربية والأجنبية بشكل لافت حيث صعد نجمه جرّاء ذلك، كما التجأ إليه الموساد لجس نبض السادات من خلاله لا سيما بعد تجديد السادات هجومه، الأمر الذي استغلته إسرائيل في التصدي وبقوة كمحاولة لإرغام السادات على طلب وقف إطلاق النار. أطلع مروان عملائه على إصرار السادات الاستمرار في الحرب لأشهر أخرى، بالإضافة إلى استلامه شحنة أسلحة سوفيتية جديدة، بل ونيته استخدام القصف الصاروخي. برز دور مروان بين قوتين، أليكسي كوسيغين رئيس الوزراء السوفيتي وهنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي في مفاوضات دبلوماسية مكثفة نحو إيقاف الحرب بنجاح.
  • يذكر الفصل أيضاً نجاح مروان في كبح غضب الرئيس القذافي الذي هدد بطرد العمال المصريين من الأراضي الليبية كنتيجة لعدم استشارة السادات له في الحرب، كما نجح أيما نجاح في استشفاف الموقف السوري من خلال مقابلة الرئيس حافظ الأسد والذي كان أقل حدة مما توقعه الإسرائيليون، إذ مهد ذلك عقد معاهدة فصل القوات فوق الجولان بين الطرفين فيما بعد.
  • خلق صعود مروان اللامتناهي، والحظوة التي أحاطت به من القيادة المصرية، وثرائه الفاحش غير المبرر، ونيله شهادة الدكتوراة المشكوك في مصداقيتها، والمكانة الاجتماعية كصهر للرئيس الأسبق، ونقمة الناصريين، وغيرة الدبلوماسيين، بالإضافة إلى حداثة سنه وزهوه وتعاليه على أقرانه .. الكثير من الأعداء، الأمر الذي انتهى بالسادات إصدار مرسوماً في عام 1976 يقضي بإنهاء خدمات مروان من المكتب الرئاسي وتنصيبه رئيساً للهيئة العربية للتصنيع. وفي سعي السادات إبعاد الشبهات، قام بمنح مروان ميدالية مقابل “إنجازاته الباهرة” لمصر أثناء حرب أكتوبر.
  • وبعيداً قليلاً عن أجواء الجاسوسية، يذكر الكتاب بأن السادات قد أوكل لمروان مهمة تمثيله في نادي السفاري، وهو مشروع متعدد الأطراف يهدف إلى الحدّ من سيطرة النفوذ السوفيتي في منطقة الشرق الأوسط، قد تم إنشائه على يد رئيس الاستخبارات الفرنسية الأشد عداءً للسوفييت، واتخذ من القاهرة مركزاً للقيادة كمسئول رئيسي عن عمليتي التخطيط والعمليات. تولى النادي الذي تم الاشتراك في إدارته ممثلين من إيران والسعودية ومصر والمغرب مسئوليات بارزة تتمثل في الاستخبارات، والمساعدات المالية والعسكرية، والعلميات السوداء كالاغتيالات والحروب الباردة، وقد برزت أخطر عملياتها في زائير وأنغولا وموزمبيق وجيبوتي وأثيوبيا. قد يفسر هذا الحملة المضادة التي شنها جهاز الاستخبارات السوفيتي (كي جي بي) على مروان والذي يربط اسمه بأعمال معادية ضد السوفييت على مستوى العالم، والتي قد لا تعدو عن كونها مجرد إشاعات مغرضة.
  • بالإضافة إلى الأقاويل التي تعمّد جهاز المخابرات السوفيتي نشرها حول فساد مروان المالي، شنّت الصحف المحلية حملة مشابهة انتهت كما في المرة الأولى بتكليف السادات له مهام دبلوماسية جديدة بغية إبعاده، وتكريمه مرة أخرى وعلى مستوى رسمي رفيع وفي حضور إعلامي بارز ومنحه أرفع وسام في الجمهورية نظير إنجازاته في حرب أكتوبر، والتي بفضلها “استطاع سلاح الجو المصري إكمال مهامه القتالية بالشكل المطلوب” كما صرح السادات.
  • في عام 1981، استقر مروان في لندن تاركاً مصر والجاسوسية معاً، لأسباب يمكن حصرها في انتهاء الحرب وإحلال عملية السلام، الأمر الذي لم يحتاج معه الموساد لجاسوس حقيقي، فضلاً عن الثروة الطائلة التي حققها مروان واكتفاءه بها.
  • يوضح الفصل الثاني عشر (ملاك في المدينة، الكشف عن الصهر) كيف حافظ مروان على علاقاته الدبلوماسية في مصر والعالم العربي، رغم تفرغه الكامل لإدارة أعماله في لندن، وعلى مكانته المرموقة عند الموساد كجاسوس مخضرم، وكمصدر موثوق به لنقل أخبار السياسة العربية والتي كان الموساد يفتقر لها. وقد أثار هذا الفصل عدداً من الأعمال الغامضة والمشبوهة التي تورط اسم مروان بها بشكل كبير، بعيداً عن أعمال الجاسوسية.
  • وقبل التطرق إلى التطور الذي لحق بعلاقاته الاستخباراتية، يشير الكاتب إلى بعض الشبهات التي حامت حول مروان في أكبر فضيحة مالية لحقت بالعاصمة الإنجليزية آنذاك، وذلك من خلال علاقته المشبوهة بالمليونير رولاند رجل الأعمال البريطاني الشهير، في صفقة (هاوس أوف فريزر) المالكة لمتجر (هارودز)، والمفضل لدى العائلة المالكة البريطانية. كان الصراع يتمحور بين ثلاثة أطراف رئيسية: رولاند ذو السمعة السيئة عند أصحاب النخب البريطانية جرّاء تورطه في أعمال مشبوهة في أفريقيا، وحليفه مروان، والملياردير رجل الأعمال المصري محمد الفايد. كان رولاند يطمح إلى امتلاك أكبر نصيب أسهم في شركة هارودز كمحاولة لتمكينه من السيطرة عليها أمام منافسه الفايد، وقد استعان بمروان بل وأمده بالمال لشراء مليوني سهم، وكسب تصويته مع غيره من المتضامنين سراً مع رولاند في اجتماع مجلس إدارة الشركة. وكمحاولة لضرب الفايد، استعان رولاند مرة أخرى بمروان للتحري عن حقيقة ميزانية الفايد كمصري أولاً، وكمتمرس في سلك المخابرات، ولعلاقته المتينة بأبناء خاشقجي صهر الفايد. كشف مروان لرولاند عن طريق المخابرات المصرية حقيقة ثروة الفايد والتي كانت زائفة عما تبدو علناً، ومساعدات سلطان بروناي له في شراء أسهم الشركة المتنافس على إدارتها. وفي الحملات الشعواء التي شنها رولاند ضدّ الفايد على مدى سبع سنوات في صحيفة الأوبزيرفر المملوكة له والتي كلفته 20 مليون جنيه إسترليني، لعب مروان دوراً محورياً من خلال ما زود به من معلومات إلى حد أثار تخوف عائلة الفايد ودفعها إلى تشديد الحراسة حولهم، إذ تمكّن مروان من استخراج نسخ لشهادات ميلاد أفراد عائلة الفايد لتقويض زعمهم في شراء أسهم الشركة من حرّ مال العائلة، إذ أثبتت الشهادات نسبهم إلى أبناء الطبقة المتوسطة في مصر، كما لم يتورع مروان من استئجار أحد المحققين لأعمال التنصّت على مكالمات الفايد المنزلية.
  • وكرجل أعمال ثري يقطن في لندن، لم يكن مروان يحظى بسمعة جيدة على الدوام، فقد قال عنه كريس بلاكهورست الصحفي المخضرم في جريدة الاندبندنت عبر مقالته الآتي: “الغامض والخفي والشرير هي الأوصاف المفضلة لمروان، اختياره لأصدقائه سيء، إنه مقرب من العقيد الليبي القذافي وابن عمه مستشار الأمن أحمد قذاف الدم”. وفي التحقيق الرسمي الذي أشرف عليه جون غريفيث حول قضية رولاند وهاوس أوف فريزر، فقد قال عن مروان بأنه “لم يكن صادقاً”، في إشارة صريحه عن كذبه الذي عرف به، والذي صرح به شريكه رولاند أيضاً حين قال: “الدكتور أشرف مروان ليس أهلاً للثقة إطلاقاً في مجال الأعمال”.
  • على الرغم من نشاط مروان المعلن في الاستثمار السريع مثل شراء وبيع حصصه في العقارات والممتلكات والذي كان يحقق له أرباحاً جيدة في فترة وجيزة، إلا أن الشبهات كانت تحوم حول صفقاته غير المعلنة في تجارة الأسلحة المحظورة والنسب التي كان يحصل عليها من خلال دوره كوسيط وليس كمستثمر، يمتزج فيها حظه بحصافته.
  • وعودة إلى العلاقة الحميمة بين مروان والموساد، يوضّح الكاتب بأن العلاقة لم تستمر على وفاق بين الطرفين، إذ كلّف الموساد دوبي المشرف القديم لمروان -والذي استمر في صداقته- بلقائه وتسجيل الحوار بينهما في سرية، وكان ذلك إثر فضيحة أقرّ بها أحد ضباط الموساد حيث كان يقوم في السبعينات بتزويد الاستخبارات بمعلومات خاطئة من خلال عميله السوري. كانت رغبة الموساد عندها التحري عن مصداقية كافة العملاء خلال تلك الفترة، الأمر الذي دعى دوبي حمل جهاز تسجيل صوتي في جيبه أثناء لقائه مع مروان والذي انتهى بكشف الجهاز وغدر دوبي وانتهاء العلاقة بينهما ومع الموساد إلى الأبد.
  • بعد ذلك، بدأت وسائل الإعلام الإسرائيلية تلوح في الأفق عن عمالة مصرية كان لها الدور الفاعل في حرب أكتوبر 1973، وبتسريبات وتلميحات أخذت تتكشف معها شيئاً فشيئاً هوية الجاسوس الغامض. لم يأبه مروان بكشف هويته أكثر مما أثار قلقه توالي الأحداث التي زادته قناعة بقرار الموساد تصفيته.
  • في التسعينات وعند تقدم مروان في السن وتدهورت صحته، أصدر عدداً من المؤرخين الإسرائيليين كتباً تتحدث عن تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية و “المصدر” الذي سرّب معلومات حساسة، ووصفه بالخارق وبأنه “أفضل عميل”، إلا أن الكتاب الأكثر إثارة كان قد تورط به إيلي عيزرا رئيس الاستخبارات العسكرية، إذ صرح في نسخته الصادرة عام 2004 بأن “المصدر” ما هو إلا أشرف مروان، يدفعه في هذا قناعته السابقة بأن مروان لم يكن إلا “عميلاً مزدوجاً”، وقد أراد كشف هويته على الملأ. وبقدر ما أضرّ الكتاب بمروان والذي أودى بحياته على الأرجح، فقد كان الضرر الذي لحق بمهنية الموساد أشدّ، وبمقدرتها الحفاظ على سرية عملائها، وتجنيد الجدد من العملاء.
  • وفي عام 2007 وبعد ثلاثة أسابيع من البتّ في حكم قضائي إثر ما سببه الكتاب من فضيحة للموساد، عُثر على مروان جثة هامدة أسفل شقته في لندن.
  • يختتم الفصل الثالث عشر (سقوط الملاك) قصة من أشد قصص الجاسوسية غموضاً وإثارة، ففي يوم 27 حزيران 2007 كان على مروان حضور اجتماع في مبنى مؤسسة المدراء المقابل لشقته والتي تبعد مسافة عشرين متراً فقط، وذلك بخصوص مناقشة مستقبل شركة يوبيكيم التي يساهم فيها بنسبة 80 بالمائة. اضطر الحاضرون الأربع وهم الرئيس التنفيذي ومؤسس الشركة ومدير فرع وممثل عائلة مروان إلى التحدث مع مروان للاستفسار عن سبب تأخره. كان الطرفان ينظران إلى بعضهما البعض من شرفة مبنى كل منهما أثناء المحادثة، وقد لاحظ الرجال اضطراب مروان وتردده في الحضور وحركته غير الطبيعية في تجواله بين الشقة والشرفة، الذي ما لبث أن انتهى بتسلقه درابزين الشرفة وإلقاء نفسه وسط صراخ من شهد، وكان ذلك في تمام الساعة الواحدة وأربعين دقيقة ظهراً. وفي تحقيق أجرته شرطة سكوتلاند يارد، شهد أحد الرجال برؤية شخصين قد ظهرا في الشرفة بعد الحادثة مباشرة تبدو عليهما ملامح شرق أوسطية، قد نظرا للأسفل ثم اختفيا ليظهرا على شرفة أخرى. ولم يبتّ التحقيق بين الاشتباه بالانتحار أو بجريمة قتل.
  • يذكر الكاتب بأن مروان وحسب شهادة المقربين له كان “اجتماعياً ومحباً للحياة” مما ينفي شبهة انتحاره، إذ يبرز السؤال الأكبر: من كان له الصالح في قتل مروان؟ هل هم أعدائه السابقون الذين أصبحوا في عداد الماضي؟ أم كان حسني مبارك أو معمر القذافي كما توارد؟ أم الموساد كما كانت تصرّ أرملته؟
  • في حين مجّده بنو جلدته المصريون وعلى لسان الرئيس مبارك بوصفه “وطني حقيقي”، مجّده الإسرائيليون على لسان رئيس الموساد تسفي زامير إذ قال في مقابلة تلفزيونية: “لقد خسرنا المصدر الأعظم في تاريخنا وخسرناه نتيجة إهمال معيب وأنا فشلت في حمايته”، وقد خصص له فصل كامل في مذكراته التي نشرها عام 2011.

بطبيعة الحال، لا تخلو عملية فك شفرة أي خيانة وطنية من إثارة جدل موضوعي أو بيزنطي بين مناوئ ومدافع ومحايد ومتحفظ، إلا أن صاع الكاتب قد ارتد بصاعين، إذ لم يكن جاسوسه بطل الكتاب عابر سبيل، بل كان صهر الزعيم القومي جمال عبد الناصر، والذراع الأيمن لخليفته السادات، وقد أسفر تاريخه عندما انقشعت هالة (الملاك) المزعومة عن عمالة إسرائيلية رخيصة مبهمة الدوافع، وسط استحياء رسمي على المستوى الجمهوري، وجدل قائم حول فرضية (العميل المزدوج) يعوّل عليه وطنيون آخرون في أحسن حالات الدفاع.

ومن ناحية الكاتب، فقد ضمّن كتابه عدداً من الدلائل التي تجزم بما لا يدع مجالاً للشك عمالة أشرف مروان الممتدة في ثمان وعشرين عاماً وتحديداً من عام 1970 حتى عام 1998. ومن الممكن إلقاء الضوء عليها كما يلي:

  • في تمهيد الكتاب، يظهر هناك جدلاً واضحاً بين الإسرائيليين. ففي حين يزعم اللواء إيلي عيزرا رئيس الاستخبارات العسكرية في مذكراته التي نشرها عام 1993 بأن “المصدر” لم يكن إلا “عميلاً مزدوجاً خان الموساد في أحلك اللحظات وبذلك مكن الجيوش العربية من مباغتة إسرائيل”، يعارض آخرون على مستوى من المصداقية نظرية العميل المزدوج، مؤكدين أن خسارة إسرائيل كانت حتمية لولا تحذير مصدرها في اللحظات الأخيرة.
  • يزعم تمهيد الكتاب أن اللواء عمر سليمان كان من القلائل الذين علموا بالشخصية التي أمرت باغتيال مروان، في محاولة جسورة لحفظ ماء وجه القيادة المصرية حال تمت محاكمة زوج ابنة الزعيم الأسطوري ومستشار خليفته السادات وصهر عمرو موسى كعميل لإسرائيل. وقد صرّحت جريدة روز اليوسف المصرية بأن تلك الشخصية “لم يكن أحد سوى مبارك نفسه” وذلك بعد سقوطه.
  • يرى الفصل الأول -من خلال تحليل شخصي- أن رغبة مروان خيانة عبد الناصر الذي ألحق به ضرراً مادياً ومعنوياً كان الدافع الأكبر في وضع يده بيد عدوه وتمكينه منه بطريقة لم يسبقه فيها أحد، ناهيك عن نرجسية مروان وتعطشه للسطوة والحظوة، والرغبة في أن يكون بجانب الأقوى في الصراع مهما كان هذا الجانب.
  • يستبعد الفصل الثاني فرضية العميل المزدوج لثلاث أسباب رئيسية: أولاً: في تلك الفترة، لم يكن سوى البريطانيون ومن بعدهم السوفييت يحتلون الصدارة في المقدرة على تشغيل عميل مزدوج. ثانياً: نظرة الموساد الدونية لجهاز مثل مصر من أن يزرع جاسوساً، فضلاً عن مقدرته حل مشاكله الداخلية. ثالثاً: جودة ودقة وصدق المعلومات التي كان يقدمها مروان للموساد.
  • يحتجّ الفصل التاسع في محاولة دحض فرضية العميل المزدوج بتحذيرات مروان المبكرة، والتي أتاحت للإسرائيليين نشر الجيش واستدعاء الاحتياطي بل وتوجيه ضربة استباقية، لولا ارتباك صناع القرار الإسرائيليين الذي جاء بنتائج غير مرجوة.
  • يذكر الفصل الأخير رفض القيادة المصرية متمثلة بمبارك آنذاك فتح باب التحقيق في قضية مروان والتي طالب بها محمد حسنين هيكل الصحفي الأكثر تقديراً في مصر، في إشارة إلى صدق عمالة مروان، الحقيقة التي ترغب أصحاب النخبة في مصر دفنها والعار الذي وصم شرف الأمة العربية بأكملها. ويستشهد الفصل بنماذج مشهورة لقت نفس المصير الغامض، مثل الفريق الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري في عهد عبد الناصر ومستشار السادات، حيث عثر على جثته أسفل برج ستيوارت في لندن بعد سقوطه من شرفة شقته الواقعة في الدور الحادي عشر في عام 1973. وكذلك الممثلة سعاد حسني، التي لقت نفس المصير من شقتها الواقعة في الدور السابع من نفس البرج عام 2001، حيث تشير أصابع الاتهام الأولى نحو القيادة المصرية في تصفية معارضيها ومن يشكل تهديداً لها.
  • يلفت الفصل الأخير النظر إلى افتقار الإعلام المصري الرسمي للرأي الثابت والمتكامل حول قضية تمس شرف وطنه، باستثناء كلمات يسيرة تلفظ بها الرئيس مبارك وبعض الناطقين الرسميين حول وطنية مروان وإخلاصه وولائه، في حين يواصل الناشطون المستقلون الإدلاء بآرائهم بعكس ما يأتي به الإعلام الرسمي.
  • يرى الفصل الأخير أن اللعب على قضية اختفاء مذكرات مروان التي كتبها في أيامه الأخيرة وأشرطة الكاسيت التي تسجل أحاديث صوتية له وذلك بعد موته، ليست إلا محاولات يائسة من أجل توريط الموساد بمقتله وإثبات نزاهته الوطنية وخداعه للعدو من خلال عمالته المزدوجة. وتعليقاً على مداخلة د. عبد المنعم سعيد رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في برنامج ستون دقيقة وإصراره على ولاء مروان ودوره المحوري في هزيمة إسرائيل من غير دليل مقنع، يرى الكاتب أن حقيقة كهذه يزعمها المصريون كفيلة بأن تعتبر “أكثر قصص الجاسوسية إثارة للدهشة في التاريخ”، وعليها يجب أن ينظر لها المصريون بأنها “مصدر فخر لا ينضب”.
  • وأختم بما قاله الكاتب في خواتيم كتابه المثير للجدل:

“مضى أكثر من أربعة عقود على نشر لجنة التحقيق الإسرائيلية الرسمية (لجنة أغرانات) اكتشافها حول الإخفاق الإسرائيلي المهين في حرب أكتوبر. وفيها علم العالم أن إخفاقات إسرائيل في الأيام الأولى للحرب لم يكن لها علاقة بالذكاء المصري بل برفض إسرائيل التخلي عن تصورها البالي. في الوقت الحالي، تبقى فرضية العميل المزدوج المصرية فيما يتعلق بأشرف مروان وهماً لا أساس واقعي له. وسيبقى كذلك إلى أن، وما لم، يقدم شخص ما أدلة دامغة لدعمها. على سبيل المثال، متى وأين التقى مروان مع مشرفيه، وماذا قيل في الاجتماعات. إذا كان يعمل حقاً لصالح مصر، فلابد أن يكون هناك سجل ما، في مكان ما، يوثق طريقة تعامله مع مشـرفيه وخداعه لرئيس الموساد. طالما أنهم لا يستطيعون تقديم وثيقة واحدة من الجانب المصري لعمله، وطالما أن كل بيان يصدرونه لا يعدو كونه رد فعل على منشورات أو مقالات إسرائيلية تصدر من مصادر إسرائيلية، فلا مفر من الاستنتاج بأنهم لا يملكون حتى الآن أدنى فكرة عما كان أشرف مروان يفعله قبل الحرب وخلالها، بالرغم من جميع تأكيداتهم. وطالما أن الوضع على هذا النحو، فلا مفر من الاستنتاج بأن أشرف مروان لم يكن عميلاً مزدوجاً على الإطلاق، بل واحد من أهم الجواسيس الذين عرفهم العالم في نصف القرن الماضي”.

وعل سبيل النقد الأدبي:

  • تأتي ترجمة النص الأدبي للكتاب في لغة سلسة ومفردات واضحة بعيدة عن التراكيب اللغوية المعقدة، وهي نقطة تحسب لصالح الكتاب إذ قلّما يخلو أي كتاب مترجم من إشكاليات الترجمة الحرفية أو التكلف ما يخرج النص الأصلي عن السياق الحقيقي، فضلاً عن الأخطاء اللغوية والنحوية، كما أن الترجمة لا تحوي ألفاظاً أجنبية أو مصطلحات معرّبة.
  • يخلو الكتاب بشكل عام من التكرار أو الحشو على الرغم من امتداد موضوعه في 335 صفحة، إلا من أجزاء متفرقة جاء فيها تكرار المعلومة كضرورة من أجل سرد الأحداث التالية أو التذكير بما سبقها.
  • يعمد الكاتب إلى استخدام أسلوب متناغم ومتناسق يعرض فيه الأحداث على وتيرة واحدة وفي سرد تاريخي وثائقي، لا يشذّ بينه وبين أسلوب آخر، أدبي أو خيالي أو روائي أو غيره.
  • جاء التعريف بالشخصيات ذات الصلة في بداية الكتاب وأثناء سرد الأحداث وافٍ، ما أضاف إلى سلاسة الألفاظ وتناغم الأسلوب قيمة تحسب له كنص أدبي.
  • جاءت حبكة الكتاب متماسكة في مسار مستقيم لسرد الأحداث وفق تتابع زمني واضح، خلقت شيء من التوتر حتى بلغت ذروتها عند الخاتمة مع الغموض الذي اكتنف نهاية الجاسوس سواء بمقتله أو بانتحاره، كما عكست قدرة الكاتب على سرد عدد من الأحداث من خلال حبكة مركبة وربطها جميعاً معاً، وبتسليط الضوء على التحولات النوعية في تاريخ الجاسوس الحافل بالمغامرة والتحدي واحتراف العمالة، لاسيما أن حبكة الاسترجاع أو ما يسمى بـ (فلاش باك) الذي ابتدأ به الكاتب قد ساهم في إضفاء المزيد من الإثارة والتشويق لقصة الجاسوس الغامض.

فصل الكلام، لا يزال أشرف مروان -كشخصية مثيرة للجدل وشديدة التعقيد- محط ّحلقة مفرغة تدور حولها استفهامات مبهمة لم يستطع حتى مؤلف الكتاب واسع الاطلاع على ما أعلن وما أخفي من أن يجزم بحقيقة ثلاثة معضلات: لصالح من كان يعمل أشرف مروان؟ ما هي دوافعه؟ ومن قتله؟

لقد قدّر أن يبقى الملاك الإسرائيلي غامضاً في حياته حيث السرية والتعتيم، وبعد مماته حيث أطبق على سره معه وإلى الأبد في مثواه الأخير.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (6) في قائمة ضمت (85) كتاب، قرأتهم عام 2019 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط، وقد حصلت عليه ضمن شحنة كتب من موقع جملون في نفس العام.

 

تاريخ النشر: أبريل 16, 2022

عدد القراءات:989 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.