الكتاب
المعجزة السبينوزية: فلسفة لإنارة حياتنا
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Le miracle Spinoza : Une philosophie pour éclairer notre vie - By: Frédéric Lenoir
المترجم/المحقق
محمد عادل مطيمط
دار النشر
دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2020
عدد الصفحات
237
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
02/18/2024
التصنيف
الموضوع
فيلسوف يدين بحب الله
درجة التقييم

المعجزة السبينوزية: فلسفة لإنارة حياتنا

فكر سابق لأوانه في تصور الإله، جاء خلاف الاعتقاد الديني المتطرف الذي كان سائداً في العصر الذي عاش فيه الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا .. وهو موضوع الكتاب .. فليس الإله لديه سوى حب محض وليس الإنسان لديه إلا نفخة روحه!

ففي التقديم الذي جاء بقلم المترجم وبعنوان: (ما معنى أن يكون المرء اليوم سبينوزياً؟)، فإن هذا الكتاب الذي وضعه الكاتب والصحفي وعالم الاجتماع الفرنسي (فريدريك لونوار 1962)، لا يقدم تحليلاً أكاديمياً جافاً لفلسفة سبينوزا، بل يعرض درساً فلسفياً أخلاقياً (إيتيقي) مستخلصاً من نسق فلسفته، لا سيما في ارتباطه بحياة الإنسان الفردية والاجتماعية والسياسية. والمترجم إذ يطرح السؤال الآنف، فذلك لما لمساهمة سبينوزا في تاريخ الفلسفة من تأثير عظيم، ولما يقتضيه طبيعة حال الواقع المعاش من ضرورة البحث عن الدروس الدينية والأخلاقية والسياسية ضمن مناهل الفكر الإنساني، التي لا ينضب معينها بانقضاء المرحلة التاريخية التي احتضنتها، بل إنها تبقى حاضرة أمام الأسئلة الجوهرية التي يفرضها الوجود الحالي والمتعلق بمصير أبنائه.

ومع تعرّض سبينوزا للملاحقة واتهامه ومحاولة قتله إضافة إلى مصادرة كتبه، فقد أخذ المؤلف على عاتقه إيصال “رسالة سبينوزا الأزلية إلى الإنسانية” .. فهي في نظره أشبه برسالة المسيح الأزلية التي جاءت تخاطب العقل البشري، دون وساطة ودون علامات! فالعقل البشري كما أقرّ الفيلسوف ديكارت هو “أعدل الأشياء قسمة بين البشر”، وأنه جدير بتوجيه البشر نحو الحقائق الأزلية ما تم استخدامه بشكل سليم .. “الحقائق التي تستطيع وحدها إتاحة الغبطة التامة والبهجة المطلقة”. لذا، يسلّط المؤلف الضوء على أهم المفاهيم والبراهين والقضايا وما تخلل سيرة سبينوزا في مراحل حياته الخاصة، التي من خلاها تتجلى رسالته الإنسانية، ويتجلّى المعنى المقصود في العنوان الذي اختاره المؤلف ليصف رسالته .. إذ يقول عنه: “ظل وفياً لحب الحقيقة، مفضّلاً حرية التفكير على طمأنينة العائلة والطائفة وعلى الانسياق للفكر السائد. لقد كان ضحية أبشع الانتهاكات! تم التنكّر له من قبل أهله وعاش تحت التهديد المتواصل، ولكنه بقي وفياً دائما للخط الموجه لمسيرته. كان عرضة للكراهية ولكنه لم يكره أبداً. تعرض للغدر ولكنه لم يغدر أبداً. تعرض للسخرية ولكنه لم يستخف بأحد قط. تم شتمه في كثير من الأحيان ولكن رده كان دائماً هو الاحترام. عاش دائماً باعتدال وكرامة وفي انسجام مع أفكاره”.

عليه، يأتي هذا الكتاب كمنهج لفهم تجربة العيش المشترك بشكل أعمق، ولمقاومة التقهقر الذي تشهده ديمقراطيات العالم الحديث وقد أخذت بالتملّص من المبادئ التي تأسست عليها، وللتصدي لأشكال التطرف الديني والسياسي المرافقين لها .. وهو كذلك كمنهج للحكمة، يتكفّل بتخليص الإنسان من ظروف البؤس والحزن والاضطراب وإبداله بحياة سليمة وسعيدة .. وهو يشرح “كيف تمكّن معلم الحكمة (سبينوزا) من إهداء البشر أفضل طريق ممكن إلى الخلاص”.

فمن هو إذاً (باروخ سبينوزا 1632 : 1677)؟ هو أهم فلاسفة القرن السابع عشر، الذي وُلد في مدينة أمستردام في هولندا لعائلة يهودية تعود في أصولها إلى البرتغال، وقد هاجرت بعد تعرّضها للاضطهاد الديني في شبه الجزيرة الإيبيرية. وبينما تولّى والده -التاجر، المتعصّب لعقيدته- مناصب دينية في أوساط المجتمع اليهودي، ورغم دراسته للتلمود واللغة العبرية، فقد تعرّض سبينوزا للنبذ من الجالية اليهودية بل والطرد من قبل عائلته في نهاية المطاف، وذلك لاعتناقه أفكاراً تعارض الفكر الديني اليهودي، لا سيما في تصوّره عن الإله الذي وجده يكمن في الكون.

ينقسم فهرس الكتاب إلى جزئيين رئيسيين يفصّلان مواضيعهما في سبعة فصول على حدة، ويتفوق الكتاب بأن يحصد رصيد أنجمي الخماسي كاملاً .. والفهرس كما يلي:

  • الجزء الأول: هذا الرجل الثوري بالمعنى السياسي والديني
    • الفصل الأول: اعتناق الفلسفة
    • الفصل الثاني: رجل جريح
    • الفصل الثالث: مفكّر حر
    • الفصل الرابع: القراءة النقدية للكتاب المقدس
    • الفصل الخامس: «سبينوزا» والمسيح
    • الفصل السادس: هل خان سبينوزا اليهودية؟
    • الفصل السابع: مُؤسّس الأنوار
  • الجزء الثاني: معلم الحكمة
    • الفصل الأول: كتاب الإيتيقا .. المرشد إلى الغبطة التامة
    • الفصل الثاني: إله «سبينوزا»
    • الفصل الثالث: أن يَعظُم المرء قدرة وكمالاً وسعادة
    • الفصل الرابع: فهم هذه المشاعر التي تتحكم فينا
    • الفصل الخامس: فلنعتن بالرغبة
    • الفصل السادس: ما وراء الخير والشر
    • الفصل السابع: الحرية والحب والأزل

وبينما يبدأ الكتاب بصفحة (تقديم)، يليها صفحة (مدخل الفيلسوف – المعجزة)، يختتم بصفحة (خاتمة: عظمة المذهي السبينوزي وحدوده، مع (تذييل مراسلات مع «روبير مسراحي») .. ثم بصفحة (بيبليوغرافيا)، ثم بصفحة (شروح لكتاب الإيتيقا)، ثم بصفحة (كتب حول سبينوزا) .. وينتهي تماماً بصفحتي (فهرست الأعلام) و (المصطلحات).

ومنه، أدوّن ما علق في ذهني وروحي بعد القراءة، وباقتباس في نص روحاني (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • يعرض (الفصل الثاني: رجل جريح) من الجزء الأول، نظرة سبينوزا نحو المال والألقاب الدنيوية وغيرها من الملذات الحسية، والتي تتسبب في “الشرور والمآسي” كما أوضح من خلال رسالته في (إصلاح العقل). ومع الأزمات المالية التي واجهها سبينوزا، وحادثة طرده من الطائفة اليهودية، ومحاولة قتله، فإن الكاتب يشير إلى احتمالية “فقد ذكورته نتيجة معاشرته للمومسات” وإصابته “بكآبة ما بعد الجماع المعروفة، والتي تكون شديدة بقدر ما يكون فعل الجماع خالياً من الحب”، كما أنه خاض قصة حب فاشلة، انتهت بزواج حبيبته من منافسه الكاثوليكي وبقراره الامتناع عن الزواج طيلة حياته. لذا، قد يبدو أن إشارة سبينوزا إلى “المرض القاتل” يعود على ذلك الألم الذي سببّه صدّ رغباته، المرض “الذي جعله يلقي بنفسه في عالم البحث عن الحكمة باعتبارها دواءً شافياً”. يعلّق المؤلف قائلاً في نهاية الفصل:يحاول الشاب سبينوزا عبر الانخراط جسداً وروحاً في التفكير في نفسه وفي العالم مداواة تلك الجروح البليغة، ومثلما يفصح هو نفسه عن ذلك، فإنه يلزمه قليل من الوقت كي يتخلّص من سلطة الخيرات الحسيّة والمادية ليكتشف أنّ الغبطة العارمة التي يوفرها له البحث عن الحقيقة يمكنها أن تشبع كيانه. لذلك امتنع «سبينوزا» نهائياً عن الزواج وقرّر الذهاب للحياة في الغابة حتى يتفرّغ كلياً لهوايته الجديدة التي ستكون منذ تلك اللحظة هواية حياته بأكملها: الفلسفة“.
  • أما في (الفصل الرابع: القراءة النقدية للكتاب المقدس)، فيؤجج سبينوزا خطورة وضعه لدى الطائفة اليهودية في حديثه حول “انتخاب الشعب العبري”. فبحسب الأمر الإلهي أو قانون الطبيعة، فإن تفرّد الشعب العبري يتمثّل فقط في السعادة الدنيوية المحصورة في دولته وفيما يليها من مزايا مادية. وهو إذ يستحضر تلك النبوءات التوراتية، يوضح أن تكوين دولة قوية تتأسس على الشريعة وتضمن الأمن المادي للشعب، هو “الشيء الوحيد الذي وعد به الله الآباء”. فهذه الشريعة في جوهرها لا تعد العبرانيين بشيء مقابل طاعتهم، سوى بالدوام السعيد لدولتهم وبالمزايا الأخرى لهذه الحياة. وفي المقابل، فإنها تتوعّدهم بخراب الدولة وبأفظع الكوارث إذا ما عصوها ونكثوا العهد. وبهذا المعنى يكون الانتخاب جماعياً وزمنياً بل ومؤقتاً”. على هذا، فإن فكرة الانتخاب قد فقدت معناها تماماً منذ انهيار دولة إسرائيل قبل قرنين ونصف القرن “ولم يعد اليهود منذ تلك اللحظة مطالبين بالامتثال لمبادئ شريعة «موسى» ولكنهم أصبحوا مطالبين مثلهم في ذلك كمثل كل البشر بالامتثال لمبادئ العقل الطبيعي الذي يُملي عليهم سلوكاً عادلاً وحسناً بواسطة العقل الإلهي المنقوش في قلوبنا”. يدفع هذا القول سبينوزا لتوضيح أهمية الفرق بين الأمر الإلهي كإلزام ديني وبينه كأساس لحب الله. فيقول: “ينهي سبينوزا تفكيره في النبوّة مؤكّدا على ضرورة التمييز بين الشريعة الإلهية، مفهومة باعتبارها معرفة حقيقية ومحبة لله، والشريعة الإلهية مفهومة على أنها قواعد وإملاءات دينية تتجسد بتوسط العبادات والاحتفالات الدينية. إنّ الشريعة الإلهية الحقيقية حسب «سبينوزا» ليست اتباع الطقوس والعبادات ولكنها السعي إلى الخير الأسمى وإلى البهجة التي تتأتى لنا من المعرفة ومن حبّ الله”. وقد كان هذا هو المحور الأساسي الذي توّج به سبينوزا كتابه (الإيتيقا).
  • يختم المؤلف (الفصل الثاني: إله سبينوزا) في الجزء الثاني، بتوضيح السبب الذي جعل من سبينوزا يفتتح كتابه (الإيتيقا) بالتفكّر حول الله، وقد اعتبر كتابه بمثابة دليل إلى السعادة التامة. تأتي الإجابة ببساطة في وجوب ارتكاز كل قيمة أخلاقية على ميتافيزيقيا ما، أي على تصوّر ما للعالم والله” .. وكما يوضح المؤلف الأمر بقوله: “إن أفعالنا، وكذلك التوجيه العميق الذي نعطيه لحياتنا، يتغيّران بحسب فهمنا لصلتنا بالعالم والمطلق”. لذا، فإن “مسار الحكمة لا يكون بهذا المعنى صعوداً نحو السماء أو العالم الماورائي الذي لا يمكننا التعبير عنه، وإنما تعميق للوجود في عالمنا الوحيد، أي في الطبيعة”. يضيف المؤلف إلى هذا رأي سبينوزا في كيفية تحصيل السعادة، قائلاً: أنه إذا كان سبينوزا يعدنا بالسير نحو البهجة، فإن الغبطة الأكثر نقاءً تحصل لنا عندما نكون قد تعلّمنا كيف نوفق بين طبيعتنا الخاصة والطّبيعة، وكيف نضع أنفسنا -بفضل العقل- في تناغم مع السمفونية الكونية”. وعن مدى تأثير هذا التوجّه الكوني للإنسان في سعيه، يؤكد المؤلف قائلاً: “لقد أثر هذا التطوّر بعمق في ألبرت أينشتاين. فقد سُئل في كثير من الأحيان حول ما إذا كان يؤمن بوجود الله، ولكنه كان يجيب دائماً بالطريقة نفسها: بإله التوراة؟ كلا ، ولكن بإله «سبينوزا» الكوني، نعم. حتى أنه عندما طرح عليه حاخام نيويورك الأكبر السؤال نفسه، أجاب قائلا: «أنا مؤمن بإله «سبينوزا» الذي يتجلّى في انسجام كل الموجودات، ولكنّي لا أؤمن بإله يكون مُنشغلا بمصير البشر وأفعالهم»“.

ختاماً .. وبينما يقرّ الفيلسوف الإغريقي أرسطو بأهمية التأمل الإلهي -الذي هو النشاط الأكمل للعقل البشري- في تحقيق السعادة القصوى، فإن سبينوزا قد ذهب إلى أبعد من حدود ذلك النشاط التأملي، ليقرّ “أن ما يكمن فيه خيرنا الأسمى وبهجتنا .. هو المعرفة ومحبة الله”.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (17) ضمن قائمة لا تنتهي من الكتب التي خصصتها لعام 2024، والذي أرجو أن يكون استثنائياً بحق في جودة الكتب التي سأحظى بقراءتها فيه، وهو الكتاب (5) في شهر فبراير .. وقد حصلت عليه من متجر (بيت الكتب) الإلكتروني للكتب العربية في ديسمبر من العام الماضي، ضمن (122) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من تلك الشحنة.

وعلى رف (المنطق والفلسفة) في مكتبتي، يصطف الكثير الكثير من الكتب .. أذكر منها: (دين الفطرة) تأليف: جان جاك روسو / (فلسفة الوحدة) تأليف: لارس سفيندسون / (التأملات) تأليف: ماركوس أوريليوس / (ابن رشد المقلق) تأليف: جان باتيست برونيه / (لصوص الله: إنقاذ اليوتوبيا الإسلامية) تأليف: عبدالرزاق جبران / (تاريخ فلاسفة الإسلام) تأليف: محمد جمعة / (جمهورية أفلاطون) تأليف: حنا خبّاز / (دلالة الحائرين) تأليف: موسى بن ميمون القرطبي الأندلسي / (مقدمة إلى فلسفة الرياضيات) تأليف: برتراند راسل/ (تاريخ الشك) تأليف: جينيفر مايكل / (All About Greek Philosophy) تأليف: Don Domonkos

من فعاليات الشهر: لا شيء جديد سوى أنني لا زلت أترقّب شحنة الكتب التي طلبتها من متجر نيل وفرات للكتب، والتي ستحمل لي أكثر من ستين كتاب.

تسلسل الكتاب على المدونة: 467

تاريخ النشر: فبراير 24, 2024

عدد القراءات:214 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *