الكتاب
الفناء الملعون
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Prokleta Avlija - By: Ivo Andrić
المترجم/المحقق
د. وليد السباعي
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2019
عدد الصفحات
129
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
11/30/2022
التصنيف
الموضوع
راهب صربي رهين سجن تركي
درجة التقييم

الفناء الملعون

رواية مبعثرة في أدب السجون، حاول المؤلف لم شتاتها بجعل الشخصية المحورية في أحداثها ترمز بشكل مباشر إلى الإمبراطورية العثمانية في سيطرتها على الشرق الأوروبي خلال قرون مضت، ومناصبتها العداء!.

وبينما يصوغ المؤلف الديانات الإبراهيمية الثلاث في شخصيات الرواية الثلاث: (حاييم اليهودي، بيتر المسيحي، جميل المسلم)، يجعل الأخير بطلها! لم يكن الشاب (جميل أفندي جمشيد) سوى ابناً وحيداً لباشا تركي وأم يونانية فائقة الجمال ورث عنها المحيّا الأخاذ الذي لم ينتقص من رجولته شيئاً، واللذان واجها في زواجهما معارضة العشيرة اليونانية لأسباب عرقية صرفة!. ورغم تنامي جسده قوة وصلابة لا سيما من خلال مهارته في السباحة والمصارعة إضافة إلى نبوغه العقلي، فقد عزف عن حياة اللهو وممارسة الرياضة التي شارك بها أقرانه باكراً، وانكب في المقابل على الكتب والدرس والمطالعة، الأمر الذي باركه أباه، حتى يموت والداه ويتركان له ثروة ضخمة وهو لا يزال شاباً، فيزداد انطواءً على نفسه ويتعمق في قراءة التاريخ. يأخذ منه ذلك التاريخ مأخذاً حتى يُخيّل له أنه ليس سوى (جم)، السلطان المرتقب للإمبراطورية العثمانية في ندية لأخيه الأكبر (بيازيد) السلطان الفعلي في زمانهما الفائت .. أبناء السلطان (محمد الفاتح) المتصارعان على الخلافة بعد مماته، وقد حبّذ الأصغر الطائش على الكبير راجح العقل. أما (جم) الذي بدى لـ (جميل) أنه تقمّصه روحياً، فيقصّ التاريخ وفاته مريضاً أسيراً بعد أن تقاذفه ملوك أوروبا فيما بينهم من مصر إلى نابولي ثم إلى باريس، بمعاونة بابا روما وكاردينالات الكنيسة، في محاولات لا هوادة فيها لابتزاز أخيه السلطان، وذلك بعد أن لجأ إليهم عندما فشل في خططه لإسقاط أخيه في سبيل توليه الحكم!. يستلم أخيه جثمانه بعد أن تم تحنيطه من قِبل الأوروبيين، ويُدفن من خلال مسيرة جنائزية مهيبة في مقبرة بورصة حيث مدافن الحكام الأتراك، وذلك عام 1499. وعندما يودع (جميل أفندي) السجن في قضية اشتباه عن حراك ضد السلطة الحالية، ومن ثم في الإقامة الجبرية، يفتعل المستجوبين معه نقاشاً حاداً يصل إلى حد التشابك بينهم بالأيدي، فينتهي به المطاف إلى (تيمار خان) حيث ملجأ المرضى الروحيين والمجانين كذلك.

يضع الرواية التي جاءت عن ترجمة متقنة من نصّها الأصلي (Prokleta Avlija)، الروائي اليوغسلافي (إيفو آندريتش -1975 : 1892 Ivo Andrić)، الذي يعود مسقط رأسه إلى جمهورية البوسنة إبان الحكم العثماني، والحاصل على جائزة نوبل للأدب عام 1961. أما سيرته الذاتية، فتحكي قصة كفاح خاضها منذ أن كان طفلاً وُلد لعائلة فقيرة وعمل كقاطع أشجار بعد وفاة والده، غير أن شظف العيش لم يمنعه من استكمال تعليمه الأكاديمي الذي حصل به على درجة الدكتوراة في الفلسفة، ومن ثم انخراطه في السلك الديبلوماسي ممثلاً بلاده كسفير في أكبر العواصم الأوروبية. وبالإضافة إلى عمله في الدراسة والنقد وكتابة المقالات، فقد ترك عدداً من الأعمال الروائية صُنّفت ضمن روائع الأدب العالمي، والتي تعكس بعضها روح ثقافة شبه شرقية عايشها بأعرافها وبشعوبها الذين يدينون بالأديان السماوية الثلاث. أما تجربة السجن التي خاضها شاباً وتركت في نفسه أثراً غائراً حتى كبره، فقد ترجمها مبكّراً في مجموعة شعرية حمّلها عنوان (إكس بونتو)، ثم ختمها بـ (الفناء الملعون) التي ختمت بدورها مسيرة عطائه الأدبي.

لم تصوّر الرواية أجواء أدب السجون الكلاسيكية المتشّحة بالرعب بطبيعة الحال، من تعذيب أو تجويع أو استجواب أو قتل أو عراك أو اعتقال ….، إنما بدى في شتات الرواية أطرافاً من هنا وهناك! فيظهر من هنا الراهب (بيتر) الذي تبدأ بموته الرواية وتنتهي به، وذلك على وقع تأملات الراهب الشاب (راستي سلاف) في الدير! (بيتر) الذي يُعتقل إثر شبهة من قبل شرطة إستانبول فيودع في (دي بوزيتو) أو (الفناء الملعون)، والذي لم يكن سوى بلدة صغيرة لا يقطنها في الحقيقة سوى المساجين وحرّاسهم، وهو الراهب الذي يبدو أنه قد مثّل المؤلف في تجربة سجنه شاباً .. هنالك أيضاً (زعيم آغا) السجين العجوز الذي لم يكن يكف عن سرد أكاذيب تتمحور حول زيجاته المتعددة وصنعاته الأربع الأهم في حياته .. ومن هناك، (كراكوز)، مدير السجن الأكثر خطورة عمّن سبقه رغم إنسانيته البادية للعيان، والذي يُعفى لديه السجين لو اعترف بذنبه خلافاً لمن أصرّ على البراءة إذ لا أمل في تسريحه! وقد كان ابن جاه انحرف في شبابه، وحتى يتم إصلاحه أنيط بهذا العمل وتسلّط على رقاب رفاقه السابقين المنحرفين .. هنالك (التاجران البلغاريان) المنزويان في طرف السجن في عزلة عن المساجين الآخرين إلا من إيماءات كانا يتبادلانها مع (بيتر)، فدخلا صامتين وخرجا كذلك .. هنالك (حاييم) السجين اليهودي من بلدة سميرنا الذي كان يشتبه بالبلغاريين كجاسوسين والذي كان يحدّث (بيتر) عمّا عرفه من حكاية (جميل أفندي) وعائلته، ويتحاشاه كلما وجدهما معاً .. وهنالك رفقة السجن الذين ما أن اجتمعوا حتى تلذذوا بالمرأة كفاكهة حديثهم .. يشتهونها وقد حُرموا منها!.

ملاحظة: يعلو غلاف الرواية المظلم شبح امرأة تبدو كراقصة باليه أو أشبه .. الغلاف الذي لا يمتّ لمضمونه بصلة البتة!.

ومن الرواية التي لم تُصِب سوى نجمة واحدة من رصيد أنجمي الخماسي لمتفرقات من بين شتاتها، أقتبس من بين فصولها الثمان في نص كئيب (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) ما جاء على لسان مدير السجن (كراكوز) الذي كان يستفزّ المساجين بلازمة “بخي .. بخي .. ي .. ي” أثناء استجوابهم، وقد آمن بشرور بني البشر كآفة متأصلة إذ لا بريء منهم عنده! يقول في الفصل الأول: بخي! لقد أطلقت سراح عدد كبير من الناس، أحياناً بأوامر عُليا، وأحياناً على مسؤوليتي. نعم، لكن كلاً منهم كان مذنباً. هنا لا يوجد بريء، وإنما يوجد آلاف من المذنبين الذين ليسوا هنا ولن يأتوا أبداً، لأننا لو أدخلنا كل مذنب هذا المكان لتوجب أن يكون هذا الفناء من البحر إلى البحر. أنا أعلم بالناس كلهم مذنبون، لكنه لم يكتب على كل منهم أن يأكل الخبز هنا“.

ختاماً، كم يروق لي ما عنّ لأحد أطراف الرواية وهو يتساءل عن قدرة الأمور في الحياة -وقد تكون أبسطها- من تهييج طاقة شر كامنة في أي إنسان .. “لكن الغضب والكراهية لا يبحثان عن سبب، وإنما كما هي العادة، تثير إحداهما الأخرى وتنموا جنباً إلى جنب”.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الرواية (25) في قائمة من الكتب خططت لها بأن تكون طويلة لهذا العام 2022 .. وقد حصلت عليها من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية عام 2020 ضمن (90) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض، كما تحظى مكتبتي برواية (جسر على نهر درينا) للمؤلف، والتي تُعد من أشهر أعماله.

تسلسل الرواية على المدونة: 356

 

تاريخ النشر: نوفمبر 30, 2022

عدد القراءات:49 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *