الكتاب
الغزو الثقافي ومقالات أخرى
المؤلف
دار النشر
المؤسسة العربية للدراسات والنشر
الطبعة
(3) 2011
عدد الصفحات
139
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/28/2018
التصنيف
الموضوع
مقالات في الأدب والنقد والفكر والحياة
درجة التقييم

الغزو الثقافي ومقالات أخرى

كتاب لطيف كما السياحة .. تنقّل فيه الكاتب بين أروقة الأدب وتحت أجواء ثقافية متنوعة، تضمّنت الشعر والفلسفة والفكر وشئون التعليم والتنمية والحياة، ومتفرقات من ذكريات عائلية وانتقادات أدبية وشعرية، وآراء شخصية حول بعض ما صادفه الكاتب في حياته العلمية والفكرية والاجتماعية.

وعن الكاتب .. فهو أشهر من نار على علم! إنه د. غازي عبد الرحمن القصيبي (1940 : 2010)، عُرف كدبلوماسي سعودي بارز وقد تقلّد مناصب وزارية بعد حصوله على درجة الدكتوراة في العلاقات الدولية من جامعة لندن، غير أنه ذاع صيته كذلك كشاعر وكاتب وأديب، وله من الإصدارات الأدبية والشعرية الكثير.

تعرض صفحة الفهرس سبعة عشر مقالة يحظى معها الكتاب بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي، والتي أقتطف منها ما راق لي بعد القراءة، وباقتباس في نص برّاق (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • يستهل د. القصيبي حديثه بالمقالة الأولى التي احتل عنوانها عنوان الكتاب (الغزو الثقافي)، وهو يعتقد أن بزوغ نجم حضارة بعد أفول نجم حضارة أخرى إنما هو قانون طبيعي من قوانين الحياة، حيث كانت الصدارة في القدم للفراعنة والتي انتقلت فيما بعد للرومان ثم للعرب حتى احتلها الغرب في الوقت الحاضر، وذلك في الوقت الذي لم تعد فيه الهيمنة استعمارية بل ثقافية، إذ هي شبكة ضخمة من الاتصالات الحية وسينما هوليوود العملاقة وشاشات عريضة لوسائل الإعلام العالمية. يقول: “والغزو الثقافي الخطر اليوم لم يعد يتخذ شكل مؤامرة استعمارية تستهدف تشكيك شعب ما في تاريخه وأخلاقه وديانته، وإن كان الحديث لا ينقطع عن مؤامرات كهذه .. حقيقية أو وهمية”. وفي سبيل اتخاذ خطوات جادة لدرء خطر هذا الغزو لا سيما في دول العالم الثالث والعمل على النهوض بمجتمعاتها، لا بد من تسليط الضوء على محورين يجدهما الكاتب أساسيين، هما: طبيعة الغزو الثقافي، والأسلحة المضادة للغزو الثقافي .. وهما محوران تلعب من خلالهما أنظمة التعليم ووسائل الإعلام الدور الأكبر. يستأنف موضّحاً: “على أنه يبقى بعد ذلك ضمن الحركة التنموية الشاملة ميدانان رئيسيان تدور فيها أهم معارك الغزو الثقافي وهما ميدان التعليم وميدان الإعلام. وأبادر فأقول إني أقصد التعليم بأوسع معانيه وأبعاده وأدخل في التعريف كل ما اصطلح على اعتباره معرفة أو تربية أو ثقافة. واتحدث عن الإعلام بنفس المفهوم الشامل فأقصد به كل نشاط ذي فعالية إعلامية وان تجاوز وسائل الاعلام التقليدية. كما أسارع إلى القول إني اتحدث عن التعليم والإعلام كمنحى وفلسفة واتجاه، لا كأجهزة بيروقراطية تنفذ مشاريعها ضمن اعتماداتها المالية السنوية”.
  • لم يعرف العرب -والصحراء المقفرة تحيط بهم- أي ضرب من ضروب الأدب وألوان الفن سوى الشعر، والذي كان يُعد بمثابة الرقص أو الموسيقى أو الغناء أو الخطابة أو النحت أو الرسم أو التمثيل أو غيرها من فنون الحضارات الأخرى مجتمعة لديه، فضلاً عن دوره سياسياً واجتماعياً وتاريخياً في حياتهم اليومية، فلا عجب أن يحتل الشعر تلك المكانة الخاصة في قلوب العرب وفي أرواحهم. يعتقد د. القصيبي أن هذه المكانة الفريدة للشعر تعتبر مفتاحاً لفّه الكثير من الألغاز، فيقول في (أزمة الشعر العربي المعاصر): “إن استبسال العرب في حماية الشعر من النثر لم يكن قائماً على جهل أو تعصب، بل كان منطلقاً من رغبة انسانية عفوية في حماية ذلك الشيء الجميل الرائع الذي رش الصحراء القاحلة بقطرات من الموسيقى وومضات من الخيال”. ثم يعرّج على ظروف الشعر في الوقت الحاضر، الذي قد يظهر فيه مناجاة الحبيب على الأطلال كبوم ينعق وسط الخرائب، رغم أن التنقل بين مضارب الخيام كانت أهم حقيقة لدى شاعر البادية آنذاك. أما تشبيه الحبيبة بالغزال فتختلط بصورة لحومها المجمّدة في البقالات اليوم، ويعقّب مستنكراً: “إنني أشك في أن شاعراً من الذين يتحدثون عن (المها) و (عيون المها) اليوم، قد شاهد مهاة واحدة في حياته”.
  • يتطرق د. القصيبي إلى موضوع التنمية في محاضرة ألقاها بإحدى المواسم الثقافية لجامعة الدول العربية، وجاءت في الكتاب تحت عنوان (التنمية: عشر أفكار)، ويفرّق فيها ابتداءً بين التنمية الرأسمالية والتنمية الاشتراكية. فبينما تمثّلت الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية وتأسست على رأس المال الفردي واستغرقت قروناً حتى تبلغ النجاح، استغرقت التنمية الاشتراكية فترة أقصر ولعبت فيها الدولة الدور الحاسم متمثلة في الاتحاد السوفيتي. ثم يلخّص الأفكار -لا النظريات- التي جاء بها عن التنمية وقضاياها في عشرة، هي على التوالي: الحذر من عواقب التطرّف العقائدي. التفاعل النشط في المجتمع بين القوى التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. تحديد الأولويات بشكل واضح. تحقيق تنمية شاملة ومتوازية وتجنب القرارات الارتجالية. اعتبار الإنسان جوهر التنمية وهدفها ومحورها الأساسي. تنقية التنمية من العوامل السلبية. محاربة البيروقراطية. تشجيع عملية الابتكار والاختراع والإبداع. تفعيل التعاون المحلي والإقليمي والعالمي. تطوير نظام تعليمي قادر على مواجهة التحديات التنموية. ويستمر بعد ذلك قائلاً: “يمكن للتنمية أن تتم بدون مواد خام محلية، وقد حصل ذلك فعلاً في اليابان. ويمكن للتنمية أن تتم في غياب الموارد المالية الكبيرة، كما حدث فعلاً في الصين الشعبية. ويمكن للتنمية أن تتم مع حجم سكان صغير، وقد تحقق ذلك فعلاً في سنغافورة. ويمكن للتنمية أن تتم في ظل نظام رأسمالي، كما حدث في الولايات المتحدة الامريكية، وفي ظل نظام اشتراكي كما حدث في الاتحاد السوفييتي. ولكن لا يمكن للتنمية أن تنجح أبداً أبداً في مجتمع من الأميين. وأذهب أبعد من ذلك فأقول إن التنمية لا يمكن أن تنجح مهما فتحنا من مدارس وشيدنا من جامعات إذا كانت فلسفة التعليم في واد ومتطلبات التنمية في واد”. ولا يملك في نهاية خطابه إلا أن يتساءل تلك الأسئلة المريرة عن واقع غالبية الدول العربية وهي تُبقي على مناهجها التعليمية منذ عهود الاستعمار تتجرع أوهامها، والتي تقوم على أسس تلقين ببغائي لا يُفرز سوى حفنة من موظفين أشبه بالكاتبين، في حين أن برامج البحث العلمي لا تحظى سوى بميزانيات تافهة تُخلّف وراءها عقولاً هجرت أوطانها إلى معامل الغرب .. فبالتالي “كيف يمكن أن تنجح التنمية في العالم العربي؟”.
  • وفي (شرارات)، يقلّص د. القصيبي ما أمكنه من كلمات تحمل في ثناياها ايحاءات كبرى وتضجّ بالفاضح من القول والفعل. فيقول في (اغتصاب) مستنكراً أذى الإنسان لنفسه: “كيف يمكن لإنسان أن يغتصب جسداً آخر دون أن يغتصب جسده هو؟”. أما في (نسبة وتناسب) وعّمن يرى سوأة غيره ويتناسى ما عنده من سوأة لا تختلف، فيقول: “عندما بلغ السبعين وبلغت زوجته الخمسين، قال لها: اذهبي يا شمطاء”. وعن المراوغة، يقول في (سؤال): “سؤالك ليس سخيفاً .. السخيف هو جبني عن الرد”. وعن الطغيان الجبان في (تصفيق) يقول: “عندما قال الطاغية: صفقوا لي .. صلصلت الأغلال”. أما (مسالم) فالويل له من الرياء وهو يقول: “أنا لا أؤمن بالعنف!.. قالها وأصابعه تسحق حبات المسبحة”. ويتبعه بسؤال لـ (نسيم) محرجا: “هل إيمانك من الضعف بحيث يهتز ويرتعش لهبوب نسيم من الشك؟”. وحين يتحدث عن الزيف في (مظاهر) يقول: “استخدم (الفيراري) يوماً و (البورش) يوماً .. فأنا لا أهتم كثيراً بالمظاهر”. وعن المفارقة بين (عرب ويابان) يقول: “عندما يفشل الياباني ينتحر .. وعندما يفشل العربي يُرقّى”. أما عن (شهامة) الأب الرؤوم فيقول: “خاف على ابنه المراهق شرّ الخادمة الأسيوية .. فنقلها إلى غرفة نومه”. وعن (ضيافة) العرب التي باتت مشوهة يقول: “ما أجمل الضيافة العربية: فسائل النخيل من أمريكا .. و (دلال) القهوة من اليابان”. ولا يزال القوم بحاجة إلى (آسيوي) فـ: “متى ترسل لنا آسيا المستخدم الثاني: نأكل نحن ويسمن هو؟”. هنالك (فوائد) في الأسفار حتماً، لكن: “في الأسفار خمس فوائد .. وخمس أمراض جنسية”. يا له من (خطر) ذو حدين، فإن: “المربيات الأسيويات خطر على الخليج .. والعكس أصح”. ويقول (عن الرشوة) قولاً دامياً: “تقول إن الرشوة هدية؟ أقول إنها هدية فقدت بكارتها”. ويقول عن (اجتهاد) القوم في حسرة: “كل الذين أعرفهم يجتهدون .. ويتمتمون: لماذا أقفل باب الاجتهاد؟”. إنه (غزو) بالفعل، لكن: “لا تخافوا عليهم الغزو الثقافي .. فالثقافة لا تغزو إلا ثقافة”.
  • يقتطف د. القصيبي من بدائع شاعر الهند طاغور وهو يسرح بـ (جولة في أفكار طاغور)، فيختار منها ما قاله في أصل الإنسان: “أنت .. لا ترى من أنت .. ما تراه هو .. ظلك”. ويختار كذلك ما أوصى به ضد ثرثرة الحياة: “عندما يلتصق بك غبار الكلمات الميتة .. اغسل روحك في الصمت”. ويختار أيضاً عن معنى الحياة في الأخذ والعطاء: “نحن نُعطى الحياة .. ولكننا لا نستحقها إلا عندما نعطيها”.

وعلى أرفف مكتبتي الغراء، تصطف كتب أخرى للكاتب بالإضافة إلى هذا الكتاب، قرأت معظمها، هي: هما / العصفورية / شقة الحرية / الوزير المرافق / حياة في الإدارة / حتى لا تكون فتنة / ثورة في السنة النبوية / من هم الشعراء الذين يتبعهم الغاوون؟

وأختم بـ (شرارة: اعتذار) قال فيها .. “يمكن أن اعتذر لك عن كل شيء .. إلا ذكائي”.

رحم الله د. غازي القصيبي

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: كان تسلسل الكتاب (52) ضمن قائمة من (52) كتاب قرأتهم في عام 2018 .. وقد جاءت خاتمة القائمة موفقة به. كما أنني حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية في نفس العام .. ضمن (140) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

 

تاريخ النشر: مارس 27, 2022

عدد القراءات:73 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.