الكتاب
العبودية المختارة
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Discours de la servitude volontaire – By: Étienne de La Boétie
المترجم/المحقق
صالح الأشمر
دار النشر
دار الساقي
الطبعة
(1) 2016
عدد الصفحات
95
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/17/2018
التصنيف
الموضوع
الحرية كفطرة والعبودية كنظام بشري
درجة التقييم

العبودية المختارة

كتاب قصير في سرده عميق في مضمونه .. يترجم كثيراً مما تحمله مقولة (كما تكونوا يولّى عليكم) من مسئولية الإنسان في صنع أقداره! إنها حقيقة موجعة صادمة لا مفر من نكرانها .. فإننا نحن من نصنع الطغاة ومن ثم نستمرئ العبودية حتى يُخيّل لبعضنا أنها (شرف)!. الحرية حق والعبودية اختيار، وبينهما تتجلى معادن البشر .. إما في ثورة كرامة أو في خنوع مستلذ.

يكتب إتيان دو لا بويسي (1530 : 1563) مقالته في (العبودية الطوعية) وهو لا يزال طالباً جامعياً في الثامنة عشر من عمره، في الوقت الذي كان فيه محبطاً مما تسببت به الحرب الأهلية من أهوال، والدائرة رحاها بين البروتستانت والكاثوليك في فرنسا .. فتصبح هذه المقالة أهم اعماله على الإطلاق. ومع هذا، فقد كان كاتباً وشاعراً وقاضياً وفيلسوفاً ومفوّضاً دبلوماسياً في بلده، ينتسب إلى عائلة لها باع في القضاء. شرع في دراسة الحقوق في جامعة أورليان الفرنسية بعد أن أكمل دراسته في كلية الإنسانيات، ليتولى منصب (مستشار) في برلمان بوردو وهو في الثالثة والعشرين من عمره، أي قبل بلوغه السن القانوني لتولي هكذا منصب مرموق!. ومما يجدر به الذكر أن هذه المقالة لم تُنشر إلا بعد وفاته وهو ابن اثنان وثلاثون لمرض ألمّ به، وقد اطلّع عليها من قبل صهره وصديقه الكاتب البارز (ميشيل دي مونتين) الذي تولّى نشرها فيما بعد في أحد كتبه.

يشنّ بويسييه في هذا المقالة هجوماً ضارياً على الأنظمة الديكتاتورية مؤكداً أن الشعوب وحدها هي من أعطت الطغاة السلطة المطلقة على طبق من ذهب، حين فضلّت الرقّ على الحرية والانصياع على الرفض .. في علاقة طردية بين الطاعة والطغيان! غير أنه يؤكد رغم ذلك أن هذا الامتياز الممنوح من قِبل الشعوب يسهل سحبه دون الحاجة للجوء إلى القوة والثورة.

يستقطع الكتاب نجمتان من رصيد أنجمي الخماسي، والذي أعرض مما جال في ذهني بعد قراءته الآتي، وباقتباس في نص ثائر (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • يصرّ بويسييه الثائر على قول الحقيقة، وهي أن التساؤل عمّا إذا كانت (الحرية أمر طبيعي) هو تساؤل لا طائل منه، إذ لا يوجد امرئ يخضع للعبودية وهو في منأى عن الأذى، وأنه ليس في العالم بأسره ما هو أشدّ ظلماً من عداء المنطق والفطرة والطبيعة! إن الحرية أمر طبيعي تماماً لا يولد معها الإنسان فحسب، بل بشغف الدفاع عنها كذلك!
  • ويستمر ليتتبع جذور هذه “الإرادة العنيدة في الإقبال على الخدمة”، والتي يظهر معها أن عدم حب الشعب للحرية بات أمراً طبيعياً، وأن عدم شعوره بألم العبودية لهو دليل على أن مرضه قاتلاً. لذا، يرى بويسييه أن الشعب لو عاش وفق ما أنعمت عليه الطبيعة من حقوق وبموجب الدروس التي تمنحه إياها، لكان مطيعاً لأهله وخاضعاً لعقله .. لا لأحد سواهما! فطاعة الوالدين أمر فطري ترشده الطبيعة، أما العقل فهو بذرة طبيعية -بصرف النظر ما إذا كان يولد بولادة الإنسان أم لا كما يناقش الفلاسفة- فإن تم احتوائها بالفضائل والنصائح والأعراف الحسنة لأزهرت، في حين أنها تذبل وتموت إذ لا طاقة لها على الصمود أمام الرذائل.
  • وللمفاضلة بين سمو الحرية وحضيض العبودية، يعقد بويسييه مقارنة لاذعة بين أهل البندقية وبين ما أسماهم برعايا “السلطان الأعظم .. سلطان الإمبراطورية العثمانية”. ففي حين ينشأ هؤلاء على رفض كل مباهج الحياة مقابل ذرة من حرية قد يفقدونها بحيث يصبح أقصى طموحهم هو التنافس على أعلى مستوى للحرية فيما بينهم، يولد أولئك لخدمة السلطان وحده لا شريك له وبذل النفس رخيصة في سبيل ديمومة سلطانه!. فيفترض لو أن رجلاً من هؤلاء زار أولئك “أيظن ذلك الرجل أن أهل البندقية ورعايا السلطان خُلقوا من طينة واحدة؟ أم يُخال على الأرجح أنه خرج من مدينة يسكنها البشر ودخل زريبة للبهائم؟”. ولم يعلم بويسييه وقد عاب زريبة حصرية للبهائم عاينها وهو يعيش في القرن السادس عشر، أن الزريبة قد اتسعت والزرائب عمّت أرجاء وطن شاسع يُطلق على كائناته اسم (عرب) .. وهم في القرن الواحد والعشرين!.
  • وإن بويسييه قال بـ (الأمس) قولاً لا يزال (اليوم) يردد صداه، وكأنه يصف الحال أو يتنبأ. يقول: “وكما يذهب إليه الأطباء من أن جسم الإنسان إذا شكا منه عضو فإن سائر الأعضاء تتأثر به وتنجذب إليه، كذلك ما إن يعلن ملك أنه أصبح طاغية حتى يلتف حوله ويعضده حثالة المملكة – ولا أعني رهطاً من صغار اللصوص الذين لا يرجى منهم خير ولا شر، بل أولئك الذين يتملكهم طموح جامح وجشع شديد- لكي ينالوا نصيباً من الغنيمة وليصبحوا طغاة صغاراً في ظل الطاغية الكبير”.

في قول أخير .. إن العبودية المختارة هي قبول غير المقبول، وأنه لا وجود للاستبداد دون الخضوع .. وإن الحل ممكن وهو في طوع الشعوب ورهن اختيارها!

إنه نصّ تحريضي .. ماثل وحي ومستمر .. ومن أجمل النصوص في الحرية.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: كان تسلسل الكتاب (45) ضمن قائمة من (50) كتاب، قرأتهم في عام 2018. وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية في نفس العام .. ضمن (140) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

 

تاريخ النشر: مارس 17, 2022

عدد القراءات:163 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.