الكتاب
الدولة الأكثر ذكورية: المرأة بين السياسة والدين في السعودية
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
A Most Masculine State: Gender, Politics and Religion in Saudi Arabia – By: Madawi al-Rasheed
المترجم/المحقق
صبا قاسم
دار النشر
منشورات الجمل
الطبعة
(1) 2016
عدد الصفحات
502
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/16/2019
التصنيف
الموضوع
المرأة السعودية بين مطرقة الدين وسندان السلطة
درجة التقييم

الدولة الأكثر ذكورية: المرأة بين السياسة والدين في السعودية

كتاب فضائحي ثلاثي الأبعاد في الدين والاجتماع والسياسة، يتحدث عن تركيع السياسة للدين في مضاجعة سفاح بين قبيلة بدو حالفها النصر وزمرة من وعاظ سلاطين، أسفرت عن خلق مذهب غير شرعي هجين بين قمع سياسي وأساطير الأولين.

تُبدع الباحثة الحصيفة أيما إبداع من خلال تحليل موضوعي للسياق التاريخي، وربط خيوط التآمر الديني-السلطوي الذي يظهر جلياً وبشكل فصامي في تبدّل المواقف الدينية تبعاً للأجندات السياسية!. ففي تطرقها إلى طبيعة الدولة الذكورية، لا يظهر الأمر في اضطهاد الدين الإسلامي للمرأة من منظور تبسيطي وحسب، بل يتعداه إلى تسليط الضوء على العديد من العوامل التي رسّخت لثقافة تهميش المرأة تاريخياً، لا سيما من خلال الحلف المشار إليه بين الدين والدولة، وما أسمته الباحثة بـ “القومية الدينية”. إنها الإيديولوجية التي حرصت عليها الدولة من ذي قبل في تأسيسها مستخدمة النساء كرمز لعفتّها، والتي تأسست ابتداءً على يد محمد بن عبدالوهاب عندما أقام حد الرجم على امرأة اعترفت بجرأة عن خطيئتها وتقاعست عن التوبة كما ارتأى، حتى طُرد بأمر زعيم مدينة العيينة التي كان يقطنها. بيد أن هذه العفة النسوية قد تداعت أركانها والدولة تنفتح كقوة حداثية ودفاعية عن حقوق المرأة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، على الرغم من أن سطوة القومية الدينية تلك لا تزال تؤكد هذا الصراع القائم الذي يضمن بقاء النساء عالقات في رمزية العفة من جهة، والتوجه الحداثي الذي بات يعتبرهن قوى عقلانية يتساوين مع نظرائهن الذكور من جهة أخرى. لا يمنع هذا الباحثة من الإشارة إلى نمو الوعي النسوي بشكل وطيد بين السعوديات وإن ظهر متباطئاً وهو في أوله.

إنها د. مضاوي الرشيد، المولودة في باريس عام 1962 لأم لبنانية وأب سعودي، كان ابناً لآخر حاكم في عائلة الرشيد التي استوطنت مدينة حائل في المملكة العربية السعودية. نشأت هناك، ثم انتقلت مع عائلتها إلى لبنان عام 1975 إثر اغتيال الملك فيصل في الوقت الذي وجهت فيه السلطات السعودية لعائلتها اتهاماً بالتورط في الحادثة، فحصلت هناك على درجة البكالوريا عام 1981، ثم التحقت ببرنامج الأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع في الجامعة الأمريكية في بيروت. انتقلت عائلتها بشكل نهائي إلى المملكة المتحدة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وهناك استكملت درجة الماجستير التي حصلت عليها عام 1986 ومن ثم درجة الدكتوراة عام 1989 في الأنثروبولوجيا الاجتماعية من جامعة كامبردج. تعمل حالياً كأستاذة علم الأنثروبولوجيا الديني في قسم اللاهوت والدراسات الدينية بكلية الملوك في جامعة لندن، وتترأس على الساحة الفكرية الكثير من الجلسات النقاشية حول الشأن السعودي الديني-السياسي. هي كذلك كاتبة عمود في صحيفة القدس العربي، ولها الكثير من الإصدارات العلمية والأكاديمية.

يعرض فهرس الكتاب عدد من الموضوعات التي تتفرع عن سبعة مباحث رئيسية، تتقدمها مقدمة مطوّلة وتنتهي بخاتمة وصفحتي المصادر والمراجع. هي:

  1. من الإحياء الديني إلى القومية الدينية
  2. تعليم النساء: الدولة بوصفها المربي المعطاء
  3. رموز التقوى: الفتاوى حول النساء في الثمانينات
  4. البحث عن الحداثة الكونية
  5. نساء يبحثن عن أنفسهن
  6. الروائيات الشهيرات والفنتازيا الكونية
  7. صون النفس والأمة: الواعظات والناشطات

يحظى الكتاب بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي، والذي أخص ما يلي من الأسطر ما علق في ذهني منه بعد القراءة، وباقتباس في نص جريء (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

ملاحظة: عادة، يعتمد أسلوبي في التدوين على التعبير بـ (قلمي) عن فكرة الكتاب ككل بعد قراءته، مع القليل القليل من الاقتباسات مما يعبّر بشكل مباشر عن الفكرة المطروحة. رغم هذا، أستثني الكتب التي يجتمع فيها جمال (الرأي والأسلوب) في قالب واحد بحيث يصبح نقل النص كما ورد هو الخيار الأمثل، بدل التعبير عنه بأسلوب آخر. لذا، تدفعني بعض الكتب لاقتباسات أكثر مما اعتدت عليه، وهذا قلّما يحدث في مراجعاتي!. جاء هذا الكتاب ضمن هذا الاستثناء، لذا وجب التنويه.

  • يُنصّب محمد بن عبدالوهاب نفسه حامي الحمى دونما أي تفويض من الحاكم المحلي، فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويفرض على الرجال عقوبة ترك الصلاة وزيارة الأضرحة، في الوقت الذي هدم فيه عدد من المزارات المقدسة بغية تنقية شبه الجزيرة من أي علامة فسق أو كفر. “تغاضى الزعماء المحليون عنه طالما أنه لا يتعدى على سلطاتهم السياسية، فلم ير فيه أحد تهديداً جدياً، حتى ارتكب عملاً تم على أثره طرده من بلدة صغيرة في وسط الجزيرة”. لكن يبدو أنه في حين كانت لدى ابن عبد الوهاب القدرة على الوعظ بالتوحيد (وحدانية الله) والقدرة على تدمير علامات الكفر الجسدية دون إثارة أية ردة فعل قاس، اهتاج السكان العرب المستقرين بفعل الرجم العام الذي تم بحق المرأة الشجاعة. ربما كانت ممارسة الزنا واسعة الانتشار بحيث خشي الكثيرون نساءً ورجالاً من العقاب. وهكذا حرم الطرد الداعية الوهابي من بيته وشبكة أتباعه. وأصبح ابن عبد الوهاب مشرداً، ولنستخدم لغة معاصرة، أصبح منبوذاً متجولاً، شخصاً غير مرغوب فيه، عرضة لسوء المعاملة وللسرقة، والقتل. ولابد أنه أدرك بعد طرده أنه لن يستطيع الاستمرار بقيادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بدون سلطة سياسية لحمايته”. يحصل ابن عبدالوهاب أخيراً على ملجأ مرّحباً به في منطقة الدرعية بعد أن تم تقديمه رسمياً إلى حاكم الدرعية. ومن المفارقة أن يساهم العنصر النسائي في مصيره! فبينما تتسبب الأولى المعاندة في طرده، تباركه الثانية المتعاطفة عند زوجة حاكم الدرعية .. هكذا من خلال شبكة متصلة من الإناث، فيستقر، ويقيم فيما بعد حلفاً مع الحاكم في تأسيس الدولة. تؤكد الباحثة على هذه الحقيقة التاريخية، إذ أن “حجر الأساس في بناء الدولة الوهابية السعودية وضع بفضل جهود نساء قدّرن تبشيره ووعظه واقتربن من أزواجهن بهدف الترحيب والاحتفاء بالشيخ. قد تكون نساء مدينة الدرعية مسرورات بأخبار عقاب الزنا، وربما كن أكثر سعادة لرؤية الحد يقام على هؤلاء النسوة اللواتي قدن أزواجهن إلى الضلال، وحرموهم من السلام في الزواج، وأفسدن النسب الصافي”. وتكمل مؤكدة مرة أخرى: ما يهمنا هنا هو كيف أكد مؤرخو الدولة الوهابية السعودية الأولى على مركزية (دور) اثنتين من الشخصيات النسائية، شخص العيينة والمتعاطفات التقيات في منطقة الدرعية”.
  • تستمر الباحثة لتخلص إلى المركزية النسائية التي استقرت في الوعي التاريخي للدولة السعودية، والتي ساهمت في ثنائية متناقضة (الزانية-المتعاطفة) إلى تشكيل دولة إسلامية أصولية، الأولى تهدد قيامها والثانية تتبناها كمشروع ممكن. بهذا، لا تتأسس الدولة على إقامة نظام يحارب الكفر بل نظاماً حريصاً كل الحرص على الفصل بين هذين التوجهين! تقول الباحثة: “يعتبر انتهاك النساء لقوانين المجتمع وتأييدها لها خلقاً وتحطيما للمجتمع السياسي على حد سواء. فالخوف من قوة المرأة ليس خاصاً بالمذهب الإحيائي الديني الوهابي، إذ أنه يسيطر على تصورات معظم التقاليد الدينية حول موضوع الأنثى. لكن ما هو فريد من نوعه في السياق السعودي هو حقيقة أن هذا الخوف قد صاغ سياسة الدولة”.
  • بينما يخفف محمد بن عبدالوهاب من وتيرة النهي عن المنكر ووسائله الذي اقترح له أن يكون “بلطف وسرية” كما يؤكد ما يكل كوك المؤرخ البريطاني والباحث في الشأن الإسلامي، يشدد حاكم آل سعود تركي بن عبدالله على أهمية تطبيقها حتى تحولت إلى ركن من أركان الإسلام، وذلك بعد ما وفرّه علماء الوهابية من غطاء ديني على شرعيته، فأمر مبعوثيه بمراقبة الناس ورصد أحوالهم بغية الحفاظ على النقاء الديني، فأحصوا من اجتمع لتدخين التبغ ومن تخلّف عن صلاة الجماعة. أما عن التخفيف من حدة الحماس المبكر في تطبيق الشريعة، فقد جاء تساهلاً من ابن عبدالوهاب والعائد إلى تجربة طرده ونبذه بعد رجمه للزانية العيينية، وللخوف الذي طاله من تطبيق الشريعة ذاتها ضد رسالته التبشيرية التي استهلها. “هذا يعكس سعي دولة القرن التاسع عشر الضعيفة لرصد ومراقبة المجتمعات تحت ستار النقاء الديني والورع، في وقت لم تكن تمارس فيه أية سلطة حقيقية عليهم”.
  • تسهب الباحثة كثيراً في المفاضلة بين النساء قاطنات الصحاري ونساء الواحات، وتتطرق إلى لباسهن وأعمالهن وزهو بعضهن في انتقالهن خارج منازلهن مرتين فقط، الأولى إلى منزل ذوي الزوج والثاني نحو القبر. ثم تتطرق إلى “نخوة نورة” كما ترسّخت في المخيلة السعودية وكما هو الحال في “نخوة الملك” إذا نودي للحرب. إنها نورة شقيقة ابن سعود، الملازمة له، والمستشارة الخفية، والملهمة التي ساهمت في مثالية إعانته كعاهل للمملكة على تأسيس ملامحها الأولى، وكمفاخرة في الآصرة الأخوية، في الوقت الذي لم يكن يُسمح فيه برفع أسماء الإناث إلا على سبيل شحذ همم الرجال للدفاع عن شرفهم لا سيما وقت المواجهة مع رجال آخرين.
  • عقب فشل حركة جهيمان العتيبي عام 1979 في الاستيلاء على الحرم المكي، شعرت الدولة بالقلق تجاه الحراك الديني الداخلي الذي بدأ يشكك في نشوء الدولة لا سيما فيما أشار إليه جهيمان من فساد أخلاقي وسياسي. تشهد هذه الحقبة صعوداً صارخاً لعلماء الوهابية الذين سلّمتهم الدولة مقاليد الحكم الديني بغية الحفاظ على الطابع الإسلامي المميز، والذي كان للنساء فيه نصيب الأسد من “المسموح والمحظور”، في الوقت الذي شكلت فيه العولمة تهديداً حقيقياً للدولة الدينية ولتقاليدها المتخيلة، حيث “عملت المؤسسة الدينية والدولة يداً بيد للتصدي للفساد الأخلاقي المزعوم للأمة عن طريق استعادة دورها المركزي كحارسة أخلاقية”.
  • تعود الباحثة إلى حقبة الثمانينات لتستشهد بـ (سلوى) التي كانت متفوقة دراسياً، والتي حصلت على منحة أكاديمية استكملت بها درجة الدكتوراة في الولايات المتحدة الأمريكية استغرقت ستة أعوام. لم يكن خفياً على سلوى التغير الذي وصفته بالخطير والذي طرأ على النساء والبلاد على حد سواء بعد عودتها من بلد غربي! ففي حين اعتبر المجتمع السعودي حادثة جهيمان بمثابة عقاب وقع عليه لانفتاحه السافر، كنّ النساء يناهضن الاختلاط بالرجال الذي بدى لهن منافياً للأخلاق، وقد حرصن على ارتداء الحجاب كواجب ديني رغم عدم مواظبتهن على ارتدائه من قبل، بل ولا تتردد إحداهن من إمطار الحاضرات في الدوائر النسائية بسيل من آيات وأحاديث كواعظات ما طرأ طارئ، وقد اكتسبن تلك الثقافة الدينية من ملازمتهن الدائمة للبرامج التلفزيونية الوعظية والتي ساهمت بشكل كبير في تشكيل هذا الوعي الديني الجمعي. وعلى الرغم من أن سلوى قد شهدت في نشأتها الاجتماعية اختلاطاً اعتيادياً بين النساء والرجال للاستماع للموسيقى وللرقص والغناء، إلا أن الرجال أصبحوا يتسللون خفية من خلال أبوب خاصة للاستمتاع مع نساء عوائلهم في الحفلات التي شهدت فصل تام، بالإضافة إلى والدتها التي أصبحت تمارس عليها ضغوطاً لإثبات التزامها الديني، رغم تشجيعها لها في السابق على ما هي عليه الآن .. “برأيها، قد أصبح السعوديون فجأة شديدي الحاجة لإعادة النظر في «خطاياهم» وليقوموا بكل شيء وفقاً للفرائض الدينية. في فترة الثمانينات تصرفوا جميعهم كأنهم كانوا مسلمين مولودين من جديد”.
  • تُسهب الباحثة بعد عرض نموذج سلوى وهي تتعرّض لهيكلة الفتاوى التي سادت فترة الثمانينات بحيث “تعكس المحتويات والكم الهائل من فتاواهم مدى اهتمامهم الذي يصل إلى درجة الهوس بالمسائل الأنثوية”، في الوقت الذي لم تطل هذه الفتاوى لا سياسية الدولة ولا الشئون الخارجية أو الاقتصادية أو الجيش أو الدفاع، وقد وصل الحد بأحدهم أن دعى لهدم المسجد الحرام وإعادة بنائه على نحو أكثر تشدداً في الفصل بين الجنسين. وانطلاقاً من عام 1980، أصبحت دلائل التقوى علامة في “الأمة المتدينة” والتي كان النساء يمثلنها بوجه خاص، “فكان اختفاءهن في الحياة العامة بشكل يدعو للسخرية علامة واضحة على تقوى الدولة والتزام الأمة بالإسلام”. فتجاوباً مع قضايا اجتماعية ومن أجل التأصيل لنمط سلوكي واستهلاكي معين، أصدر المجلس الأعلى للعلماء أكثر من 30،000 فتوى نسائية، فضلاً عن الكتيبات وأشرطة الكاسيت التي اكتسحت السوق المحلي لآراء الشخصيات الدينية البارزة آنذاك، بحيث “نادراً ما تُرك أي جانب من جوانب جسد الأنثى وسلوكها دون أن يكون منظماً بفتوى”. وأكتفي من غثاء تلك الفتاوى بما يلي، وأنا استرجع مقولة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: (إن أكثر الشعوب تحريماً لشيء هي أكثرها هوساً به):
    • منع النساء من تولي مناصب قيادية في الحياة العامة، في حين انبرى العلماء نحو تفصيل آراء دينية تحصر المرأة في أعمال محددة بذاتها، مشروطة بموافقة ولي أمرها “والغرض من ذلك هو حراسة رمزية السياسات المتعلقة بالجنس في المملكة”. ففي المملكة “تحدد النساء الطابع الديني والأخلاقي للأمة لكنها لا يستطعن قيادتها”، فبرغم أنهن يلعبن دوراً بارزاً في إدارة شئون أسرهن، إلا أنهن لسن محل ثقة لإدارة شئون الأمة.
    • لقد كان الحصول على منحة دراسية لتحصيل درجة علمية عليا خارج المملكة مشروطاً بمرافقة محرم ذكر، الأمر الذي منع الكثيرات من استكمال تعليمهن. ارتبط هذا بفتاوى دينية أخرى من أجل “السيطرة على أجسادهن”، فنودي بما اعتبروه “فرائض دينية” مثل الزواج المبكر وتعدد الزوجات.
    • لا يؤمن العلماء بأهلية المرأة في تولي مناصب سياسية وقيادية ودينية وقضائية، وذلك اعتماداً على تفسير متشدد لعدد من الأحاديث النبوية “فتوصف النساء بأنهن مخلوقات ضعيفات” وعرضة للتقلبات الطبيعية ما يؤثر على كفاءة أعمالهن وتقديراتهن وملكة الشجاعة والدقة والسرعة “وغيرها من الخصائص الذكورية العزيزة”. تستطرد الباحثة وتقول: “يلجأ العلماء إلى الحقائق البيولوجية والطبيعية التي على أساسها يشكلون صورة النساء كضعيفات ومترددات وعاطفيات ويفتقرن للسيطرة الكاملة على أجسادهن وعقولهن، فنزعتهن العاطفية التي تنشأ من طبيعة جسدية محددة تجردهن من أهلية أن يكن أعضاء كاملات العضوية في المجتمع”. وأستنتج بطريقة فيثاغورثية: أن النابغات علمياً الرائدات عملياً الغربيات منهن والشرقيات -باستثناء الصحراويات- لا يحضن!
    • ليس للنساء مكاناً في الصفوف الأمامية إذا حضرن خطبة أو محاضرة، بل الصفوف الخلفية وإن كنّ في منطقة معزولة، وهو أمر كثير ما أثار امتعاض النساء، غير أن هذا ما استحبه الله ورسوله لهن حسب رأي العلماء. لا تغفل الباحثة عن تحليل تلك المكانة الخلفية قائلة: “المرأة المسلمة الصالحة هي تلك التي تحتل آخر الصفوف عن طيب خاطر وبتلهف، ويجب أن يكون وضعها الاجتماعي والديني والقانوني التابع راسخاً في الحيز الفيزيائي. احتلال الصف الأخير، وراء الرجال، لا يحمي فقط الأخير من خطرها المحتمل بل يؤكده أيضاً”.
    • ليس للنساء حظ في ارتداء الأبيض من الرداء بل الأسود ولا سواه، وهو كسائهن حتى الممات! فبالإضافة إلى احتكار الرجال للملابس البيضاء دون النساء، فإن النساء إن فعلن فسيظهرن مقلدات وسيتسبب ذلك في حدوث إرباك ما بين الجنسين. لم تكن ثنائية الأبيض والأسود مجرد رمزاً ثقافياً، بل اكتسبت صفة دينية أضفاها العلماء، “على الرغم من حقيقة أنه لا شيء في المصادر الإسلامية يحدد لون ملابس النساء، إلا أن العلماء السعوديين رفعوا الأسود إلى مرتبة الفرض الديني، وأصبحت ألوان الأبيض والأسود رموزاً وطنية في الحياة العامة على غرار علم البلاد”. لهذا، لا تصبح النساء إذا خالفن السواد الحالك منتهكات للتشريع الديني وحسب، بل يشكلن تهديداً للدولة ولرموزها، كما في تغيير العلم أو النشيد الوطني الذي لا يتم إلا بقرارات سياسية عليا.
    • أما شعر النساء السعوديات فقد كان هو أيضاً مثار للإزعاج على ما يبدو! فاستكمالاً للزي الديني-الوطني الأحادي اللون الحالك في سواده، لم يسلم شعرهن من شر الفتاوى الذي طاله تحريم ألوان قوس قزح عليه. تنقل الباحثة نصاً عن إحدى الفتاوى التي تقول: “على النساء المتدينات أن لا يخضعن للموضة الغربية. تصبغ النساء الغربيات شعرهن بالأصفر والأحمر والأزرق ليجذبن الانتباه إليهن ويقدن الرجال إلى الضلال. قد تشبهت بهن نساؤنا وأحياناً طلب رجالنا منهن أن يصبغن شعرهن. يمكنهم فقط استخدام الحنة لتغميق الشيب لكن لا يجب تقليد نساء الغرب”. وتستطرد الباحثة متهكمة على ما يبدو في الحث على ارتداء الباروكة أو الامتناع عن تصفيف الشعر كلياً أو فرق الشعر على جانبي الرأس تحرّزاً من التشبه بالكافرات. وفي الوقت الذي تزامن افتتاح صالونات نسائية، تصدرت فتاوى تمنع من ارتياد مصففات الشعر، وبهذا “أصبح شعر النساء السعوديات وتصميمه مسبباً للمشاكل. اعتماداً على التقاليد الأصيلة للنساء المسلمات من زمن النبي وصاعداً، أن يفرق شعر المرأة المعاصرة في المنتصف ويقسم إلى ثلاثة. فرق الشعر جانبياً ليس مرتبطاً بالنساء الملحدات المعاصرات فقط لكنه كان أيضاً عادة بين النساء في زمن الجاهلية. على هذا النحو يجب تجنبه من قبل النساء الورعات”.
    • وكتعبير عن ثقافة الخوف من الجسد الأنثوي، تتراكم فتاوى تطال جدلية الطهارة-النجاسة التي تدور في فلك “دماء النساء”، وهي دماء من شأنها تلويث دور العبادة العامة لا الفصيل الذكوري فقط!
    • وعلى الرغم من حظر الكثير من أساليب الحياة الحديثة وأنماط الاستهلاك، فقد برعن السعوديات في افتتاح صالات رياضية ومراكز تدليك وتجميل بشكل غير رسمي من خلال صالونات التجميل المشبوهة أصلاً كما في الفتوى السابقة، إذ لا يسمح القانون باستصدار تراخيص رسمية للأندية النسائية الرياضية والتجارية. يعتمد هذا القانون على فتاوى تصنف هذه المراكز “كجزر للفجور حيث اختلطت النساء وراء الأبواب المغلقة. تصور العلماء عالماً فاسداً في جميع المتاجر النسائية والمراكز الرياضية حيث لا يمكن السيطرة على سلوك النساء”. تنسحب هذه الفتوى على غرف تغيير الملابس الخاصة بالنساء في المتاجر، وعلى الرغم من أن دخولها يقتصر على النساء فقد اعتبرت كذلك “مصدر للفساد” في تقدير رجال المملكة. “فلم يخشوا فقط من تسلل الرجال إلى المتاجر عبر الأبواب الخلفية فقط وإنما أيضاً من العلاقة الحميمية بين النساء. وصدرت فتوى تحظر على النساء خلع ملابسهن خارج منازل أزواجهن. واعتبر هذا انتهاكاً لمبدأ الستر (الحياء) وربما يشجع على الفاحشة (الفجور)، ويسمح فقط للمرأة أن تبدل ملابسها في بيت زوجها أو الوالدين”.
    • يحرص أولئك العلماء على “الأولويات الخاصة بالوطن وزواج نسائه”. فعلى الرغم من أهمية العمل المأجور للنساء لا يجب أن يحظى بأولوية تفوق أولوية الزواج، فهن ملزمات به، كما أن رفض الزواج من أجل مواصلة التعليم يعتبر أمر محظور، ولهن مناقشته مع الأزواج بعد الزواج لا قبله، وطالما أنه لا يعيق الأعمال الأسرية. فيرى أولئك المفتين أن التعليم الابتدائي هو ما يعد ضرورياً فقط، إذ “يتم تشجيع التعليم الذي يتيح للمرأة تعلم القراءة والكتابة، وبشكل أساسي فهم الدين، لكن اكتساب معرفة متقدمة هو مثار جدل، حسب رأي العثيمين. كما تطلعت العديد من النساء لمواصلة التعليم وحتى الالتحاق بالجامعة، أصبحت حالات النساء اللواتي يرفضن الزواج المبكر أكثر شيوعاً. نظر العلماء إلى هذا كعذر باطل. في الوقت نفسه، أداروا طموحات تعليم النساء وأصروا على أن الأولوية بالنسبة للنساء هي الزواج بدلاً من البقاء في التعليم لعدة سنوات”.
    • وكنوع من التشجيع على الزواج، سمح أولئك للرجل المتقدم للزواج من امرأة برؤية وجهها وكفيها، وعن المال المدفوع لها الذي يُطلق عليه شرعاً اسم (مهر) فقد نهوا عن المبالغة فيه وأقرّوا لأباها أن يطلب جزءاً من هذا المال لنفسه “لكن يُفضل ألا يفعل”. وقد حرّموا الزواج المختلط وقصدوا به تزويج أهل الشيعة بأهل السنة، وهم أقلية يقطنون المنطقة الشرقية من المملكة، إذ أنه من الضروري لدى هؤلاء المفتين “حراسة النقاء الديني لأهل السنة ضد تدنيس محتمل من قبل كفر الشيعة”. ينسحب هذا على أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين يعتبرهم هؤلاء المفتين أيضاً كفاراً، فرداً على إشاعة مفادها أن الأزهر الشريف قد أباح زواج المرأة المسلمة برجل من أهل الكتاب، انبرى أولئك للدحض حيث “قال المجلس أن المسلمين مستمرين باعتبار اليهود والنصارى كفاراً ولا يجوز الزواج منهم، فالنساء وأطفالهن سوف يعتنقون هذه الأديان عند الزواج وسيخسرون انتمائهم كمسلمين”.
    • ومن أجل الحفاظ على تقوى الأمة وتجانسها، عزز أولئك تعدد الزوجات الأمر الذي وجد له صدى لدى بعض النساء، وهو إلى جانب هذا “ضرورة قومية واجتماعية وشخصية تجيزها السلطة الإلهية” بل وتتماهى معها أجهزة الدولة. تستكمل الباحثة قائلة: “وفقاً للفتوى، أن تكون زوجة ثانية أو ثالثة لرجل على خلق ومهم اجتماعياً أفضل بكثير من البقاء عانساً”. ويستمرون تباعاً وهم يستشهدون بالحروب التي يموت فيها الرجال وتبقى النساء بلا زواج، فينجرفن في “حياة الخطيئة” أو يدفعهن البقية الباقية من الرجال إلى “ممارسة الدعارة”، فيكثر “أبناء الحرام” وتكثر الأمراض “مثل الزهري”، هذا فضلاً عمّا تمرّ به المرأة من دورات طبيعية وأخرى بيولوجية في الحمل والولادة، كما أن “المرأة العاقر” تشكل عائقاً في تحقيق “الهدف النهائي” للأمة وزيادة عدد السكان بالتكاثر. وعن معضلة رفض الزوجة الأولى التي لم تستعص على إبداعية فتاوى أولئك المفتين، فقد ارتأوا عدم استناد رفضها على رأي شرعي، لذا يحل لزوجها الزواج من ثانية وثالثة ورابعة، إذ “ينص الرأي الديني أن امرأة مع نصف أو ثلث أو ربع رجل أفضل من لا رجل”. ومع شرط العدل، نبّه أولئك على الزوج المعدّد ألا يشغله التعدد عن أداء واجباته الدينية لا سيما صلاة الجماعة في يوم الجمعة، “فالرجل المتعدد الزوجات الذي يحصل على عذراء جديدة ليس بإمكانه أن يفوت هذا الالتزام الديني الهام”. ومن حلولهم الإبداعية كذلك زواج المسيار الذي يستطيع الرجل من خلاله التعدد، وبحيث يتزوج الواحدة منهن “دون أن يتحمل مسئولية مالية تجاه إعالتها” … ويا بلاش!
    • وكتمييز أكثر تحديداً للهوية الإسلامية في المملكة، تربط الباحثة هذا النوع من الزيجات المثير للجدل بزواج المتعة الذي سنّته الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الثمانينات أيضاً، وقد اعتبرته شكلاً من أشكال التنافس نحو إيجاد صيغة زواج شرعية أخرى على غرار المتعة!. وهكذا “أصبح المسيار بديلاً عن زواج المتعة الشيعي”. وعلى الرغم من “البعد المؤقت” الذي يأخذه المفتين الوهابيين على زواج المتعة الشيعي، فقد أقرّ ابن باز الزواج بنية الطلاق، وسمح للمسافر بالزواج المؤقت حتى يأمن خطر الانزلاق في الفواحش ومعاقرة الخمور، على ألا يذكر هذا الشرط في العقد، إذ “يجب أن تبقى النية بين الله والفرد الذي يستطيع إنهاء الزواج في مرحلة لاحقة”. وهذا بدوره يُعرف بـ (زواج المسفار) … وكأنها (تصبيرة)!
    • وتنتهي فتاواهم الزوجية بحصر الحالات التي تستطيع فيها الزوجة إنهاء الزواج حيث الطلاق حق مطلق للزوج، غير أنه يكون لزاماً عليه قبل التطليق إثبات محاولاته ردعها دون جدوى بالعلاجات الإسلامية الثلاث المعروفة في هكذا حالة، ألا وهي: الوعظ ثم الهجر ثم الضرب، على التوالي كما وردت في سورة النساء.
    • تختم الباحثة سلسلة الفتاوى التي ما أنزل الله بها من سلطان بفتوى تحريم قيادة المرأة للسيارة، والتي تصدّرها الثنائي ابن باز وابن عثيمين حين تكرر الحديث فيها إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وكيف تم ربطها بشكل أفعواني بالحياء والحجاب والتمرد والتجوال والحرية والمخالفة والاكتظاظ المروري والنفقات الزائدة، وقد عزز من شرعيتها “حادثة القيادة الجريئة في الرياض” التي وقعت في الوقت الذي استدعت فيه المملكة قوات أجنبية للذود عن حياض الوطن ضد الغزو العراقي للكويت، حيث “قادت مجموعة من النساء المتعلمات -بشكل رئيسي أساتذة الجامعات ومهنيات سياراتهن- إلى الرياض، مما أدى إلى إلقاء القبض عليهن وطردهن من وظائفهن”.

… أما عني فقد قرأت جملة من أعاجيب الفتاوى، منها ما يثير التقزز والآخر الضحك، الأمر الذي يجعل من عملية تمييز حماقة المفتي من حماقة المستفتي مستعصية، غير أنها في النهاية لا تبعث سوى على الأسى تجاه حال تدنى عقلاً وديناً. فقد جادل صالح اللحيدان في حوار تلفزيوني مستشار في الأمراض النسائية والعقم على أن قيادة المرأة للسيارة تؤثر (فشيولوجياً) -كما نطقها- على الحوض والمبيضين، ما يؤثر بدوره على خصوبة المرأة وقدرتها على الإنجاب فيما بعد، وقد استشهد في هذا على نساء من زمن بائد كن يمتطين الأباعر في سفرهن على مسيرة كذا لكذا، ولم ينجبن. أما ابن عثيمين، فقد أجاب على استفتاء شرعية حمرة المرأة وحمالات صدرها، إذ أجاب بالنص قائلاً: “وأما الحمالات فلا بأس أن تضع المرأة شيئاً يجمل ثديها، فإنه لا بأس بها، إلا أني أرى أنه لا ينبغي للمرأة الشابة التي لم تتزوج أن تلبسه، لأنها حينئذٍ ينشأ في نفسها محبة الظهور والافتتان، فلا ينبغي أن تفعل”. وعلى الرغم من تكذيب الفتوى، فقد انبرى كل من عثمان الخميس وسعد الغامدي للإفتاء حين سئل سائل عن حرمة استخدام المرأة للأنترنت، إذ قالا: “فإن النساء مخلوقات كسائر مخلوقات الله لكن فيهن ضعفا بيّناً وهوى يأخذهن نحو الحرام إن لم تجعل الضوابط الشرعية قائمة في المجتمعات التي يقمن فيها. وحكم دخول المرأة للإنترنت حرام حرام حرام، ففي هذه الشبكة من مواضع الفتنة ما قد لا تتمكن المرأة بضعف نفسها على مقاومته، ولا يجوز دخولها إلى مواقع الشبكة ما لم يكن برفقتها أحد المحارم الشرعيين ممن يعرفون بواطن النساء ومكرهن وضعفهن أمام الجنس والهوى”. ثم تطير عدوى هذا النوع من الفتاوى الساخنة  إلى مفتي المهجر، بحيث تُصبح أصنافاً من فاكهة وخضار محرّمة على المرأة ما لم يتدخل محرم، وأنقلها نصاً: “وأهم هذه الفتاوي هي التي أطلقها شيخ صليّنا وراءه صلاة الجمعة في عاصمة اسكندنافية، حيث نصح المصلين من الرجال والنساء بأنه يحظر على المرأة الإمساك بقطع كاملة من الموز أو الجزر أو الكوسا أو الخيار، لأن شكل هذه الخضراوات والفواكه وهي في يد المرأة يذكرها بقضيب الرجل مما يستدعي لديها تخيلات معينة، من المؤكد أن تقودها للإثارة والشعور بالرغبة الجنسية، وفي أغلب الحالات الوصول إلى ذروة النشوة أي العملية الجنسية كاملة وكأنها مع رجل حقيقي في الفراش. وبعد صلاة الجمعة سأله أحد المصلين: سيدي الشيخ، ماذا أفعل وزوجتي وبناتي البالغات يحببن هذه الأنواع من الفواكه والخضروات؟ فأجابه: تأخذها أنت أو أحد أبنائك الشباب إلى زاوية في المطبخ أو المنزل كي لا تراها زوجتك وبناتك، وتقوم بتقطيعها قطعاً صغيرة تفقدها الشكل المثير، ثم تقدمها لهن ليأكلنها. فقاطعه أحد المصلين قائلا بسخرية: طيب سيدي وكيف سأراقبهن وهن في السوق، فربما يشترين خيارة أو موزة، ويمسكنها بأيديهن فترة طويلة يتلذذن بأكلها في فمهن؟. فما كان من الشيخ المفتي الغيور على العفة والأخلاق إلا أن أجاب: دي مش شغلتي .. دي بينهن وبين ربّنا”.

  • تدخل الأجندات السياسية في المملكة مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي تسعى من خلالها استبدال الآراء الدينية القديمة بأخرى حديثة، فهي المرحلة التي تحظى فيها النساء بدعم المؤسسات الإعلامية ضد الآراء الدينية المتطرفة والتي تُشبع الرأي العام بآراء مثيرة للجدل خلافاً للإجماع الديني القديم، حيث بدأن النساء السعوديات يظهرن كـ “ليبراليات” وناشطات عالمياً في مجال حقوق الإنسان وقضايا التمييز بين الجنسين التي لا يجدنها تتعارض مع “الإسلام المعتدل”، وهن “يطالبن بتنفيذ معاهدات الأمم المتحدة” .. بينما تظهر أخريات مرتديات حجابهن بصورة متشددة لا سيما في المحافل الدولية وبنقابهن، وهن يطالبن بذات المطالب لكن مع الالتزام بالتعاليم الإسلامية، “فالنقطة المرجعية لهن ليست الخطاب الدولي العالمي بشأن المساواة بين الجنسين وإنما هو الإسلام التاريخي، حيث يتخيلن الماضي المجيد الذي كانت تُعطى فيه النساء حقوقاً استثنائية قبل اعتماد الغرب هذه الحقوق للنساء” وهن يستشفعن في هذا بنساء الإسلام الأُول وزوجات النبي ﷺ. غير أن هذين الصوتين النسويين المتعارضين يشتركان في مطالبة الدولة بإقصاء تلك الفتاوى التي كانت تسيطر على مقدّراتهن ومكانتهن كعناصر فاعلة في المجتمع السعودي. وعودة على الإعلام والعمل الصحفي، فقد شجعت الدولة بالمضي قدماً نحو كشف العور الاجتماعي، كالعنف الأسري والبطالة النسائية ونظام الوصاية وحظر القيادة ومسألة الاختلاط وتعاطي المخدرات وهروب الفتيات مع عشاقهن، وغيرها من أمراض كانت ولا تزال مثار حراك ساخن في المحاكم والمناقشات العلنية، غير أن قضايا مثل “زنا المحارم والاغتصاب” لا تزال محظورة حيث يتم معالجتها في طي الكتمان. وقد عزى الكثير من الصحفيين والليبراليين والناشطين السعوديين إلى أن “قضية النساء” إنما هي مسئولية “التفسيرات الوهابية المتشددة للحقبة السابقة” والتي هي أحد المعضلات التي تتطلب معالجة، وقد أدان بعضهم علماء الدين الذين طلّقوا نساء من أزواجهن بناء على تفسيرات غامضة حول التوفيق بين الزوجين، وأولئك الذي وقّعوا على عقود زواج فتيات قاصرات من رجال كبار السن، وكذلك الذين أصدروا أحكام متساهلة ضد المغتصبين.
  • وبينما أصبحن الناشطات يطرحن قضايا اجتماعية هامة كالزواج والعنف والطلاق وزواج القاصرات ويطالبن بسن قوانين تعاقب الآباء على تزويج بناتهن مبكراً لا سيما برجال طاعنين في السن، تُثير نادين البدير الجدل -وهي إعلامية في قناة الحرة الأمريكية الناطقة باللغة العربية- حينما نشرت مقالاً في (صحيفة المصري اليوم) يُقرأ من عنوانه (أزواجي الأربعة وأنا) وقد دعت إلى المساواة في زواج النساء من أربع رجال، بل وشجّعت على إقامة علاقات جنسية قبل الزواج، فهي أحرى بدوام العاطفة حسب رأيها. وعن مقالتها (حياتي كعزباء) فقد تصدى لها أحد شيوخ الدين مطالباً الحكومة السعودية بإسقاط الجنسية عنها.
  • وبينما تمضي الدولة قدماً في سياسة تقويض السلطة الممنوحة لرجال الدين على مؤسسات الدولة لا سيما المؤسسات التعليمية الخاصة بالنساء، يتصدى أحدهم في فشل من خلال جلسات “مبادرة الحوار الوطني” ويدعى محمد العريفي، من خلال نبش الماضي وتقيؤ تظاهرة قيادة النساء لسياراتهن المذكورة آنفاً، وهو لا يكف عن التطرق إلى ملابسهن التي يرتدينها في المدارس، في محاولة يائسة لاستثارة حفيظة المفتين الذين فقدوا نعيمهم القديم في ظل سياسة حكومة ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ومن خلال حرص الدولة على التأكيد رسمياً إزاء المساواة بين الجنسين، فقد تقدمت بخطوة رائدة نحو تعيين عنود الفايز كنائب وزير في وزارة التربية والتعليم، غير أن نشر صورها عبر شبكة الأنترنت -وقد كان ضد توصيتها- أثار موجة من التفاعل المتضارب بين تهنأة وإدانة. وقد استشاط آخر غضباً -يُدعى عبدالرحمن البراك- ضد الاختلاط في الجامعة الجديدة وقد صرّح بأن أولئك الذين شجّعوا عليه إنما هم “مرتدون يجب قتلهم إذا لم يغيروا قولهم”، بل وطالب بطرد أولئك الذين يقبلون بالاختلاط من وظائفهم. أما الشتري وقد خرج على العوام من خلال شاشات التلفاز موّبخاً وزير التعليم الأمير فيصل بن عبدالله -وهو صهر الملك- عن الاختلاط في الجامعة الجديدة، وقد شبك بها أمور كالبيعة والولاء والوهابية ومبادئ الإسلام والجهاد في أفغانستان والفتيات كمحظيات والأبناء كأفراس والخلوة والمنكر والمعصية وخطاب فرعون .. مناشداً الملك بالتدخل الفوري لحماية الدين، الخطاب الذي تمت عليه إقالته بعد تجاهل الملك لحججه المزعومة. وبينما لزم العلماء الآخرون الصمت حيال هذا القرار، انبرى أحدهم بتمجيده، فقد أدان أحد القضاة -ويُدعى عيسى الغيث- أولئك العلماء المناهضين للاختلاط، وأكدّ على دور العلماء في حماية المصلحة القومية دون إحداث أي شقاق وإرباك وقال “قبل كل شيء لا ينبغي على علماء الدين أن يسببوا الفوضى ويقوضوا القيادة. يحترم بلدنا وقيادتنا الشريعة ويجب أن لا نعتمد الآراء المتطرفة في تطبيقها”. أما أحمد الغامدي -وهو مدير لجنة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مكة- فقد ذهب أبعد من هذا حين صرّح بأن مصطلح الاختلاط إنما هو “بدعة في الإسلام ولا يمكن تبريره”، وأن الشواهد التاريخية الإسلامية تعكس الاختلاط بين الجنسين بحيث لا يصبح به الاختلاط محظوراً إسلامياً، “وأشاد بالجامعة المختلطة الجديدة باعتبارها خطوة عملاقة نحو تحقيق المعرفة، واتهم هؤلاء الذين انتقدوها بالنفاق والجهل في الشؤون الدينية”. غير أن الغامدي هو الآخر قد تمت إقالته من منصبه فيما بعد، تحت ضغط متزايد “من قبل العلماء الوهابيين الجدد”.
  • ومن جملة الإصلاحات أن “أصبحت محلات بيع الملابس الداخلية النسائية قانونية”، وسُمح للنساء بالعمل كمحاسبات في مراكز التسوق ومتاجر السوبرماركت، الأمر الذي تصدى له البعض بحملة مقاطعة تلك المتاجر، وفتاوى متعلقة بها بحجج اختلاط ومس وذل وفتنة ووجوه مبتسمة وقوام أنثوي جذاب ... وفي الوقت الذي صنّف فيه البعض عمل النساء كمحاسبات ضمن (الإتجار بالبشر)، فقد تم كذلك شن حملات عنوانها (تحرشوا بالكاشيرات) من قبل بعض المواقع السلفية لإجبار المحاسبات على ترك أعمالهن، بل وأقدم أحد الصحفيين ويُدعى عبدالله الداوود بتبني الحملة على حسابه في تويتر، الأمر الذي تناولته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية كانتهاك للتوجه السعودي العام نحو تمكين المرأة.
  • تنتقل الباحثة بعد ذلك للحديث وبإسهاب عن إلتجاء عدد من النساء السعوديات إلى الأدب الروائي، كمجال هامشي إثر سياسة التهميش التي سادت منتصف القرن الماضي، لا سيما وقد أدين الأدب الخيالي وبالأخص فن الرواية كنمط غريب ومشبوه ومنحط ومستورد من الغرب، في حين احتل الرجال المتعلمون المناصب الرئيسية في عملية التنمية اللازمة للدولة. لقد امتهن بعضهن الكتابة كتعويض عن كل المحرمات التي أحاطت بهن، وللتعبير عن أنفسهن من خلال التواري خلف عالم من الخيال لا سيما وقد حُرّم عليهن تنظيم أي حراك نسوي، فضلاً عن أنه نوع من التعبير لا يطاله لا تشريع ديني ولا سلطة قضاء. رغم هذا، فقد تم إدانة البعض منهن للسّمة (اللاأخلاقية) التي تم وصف رواياتهن بها فضلاً عن فتاوى التكفير التي طالتهن، غير أن الأمر لم يصل إلى حدّ الاعتقال كما في المعارضين السياسيين الذي طالبوا بالإصلاح وبجرأة واضحة، وقد خصصت بعض دور النشر العربية المجال العريض للكاتبات السعوديات ولرواياتهن الجريئة. تعكس هذه التجربة الأدبية النسوية جرأة غير مسبوقة في المجتمع السعودي على أيدي كاتبات -بعضهن عازبات- على تناول أمور الجنس والجسد والشهوة والعاطفة والمثلية والتحرش ودعارة الأطفال وزنا المحارم، “واللقاءات الجنسية النسائية الخاصة” كما في رواية (بنات الرياض) التي قدّم لها الدبلوماسي والأديب د. غازي القصيبي، والتي قوبلت بردود فعل عنيفة في المجتمع السعودي. لقد حققت كاتبتها رجاء الصانع -والتي صوّرت فيها فتيات هيب هوب سعوديات- نجاحاً كبيراً عربياً وعالمياً، وقد تُرجمت إلى عشرين لغة، وتلقّت إثرها تهديدات بالقتل ودعاوى قضائية -لم يكسبها المدّعون- للعار الذي ألحقته بنساء الأمة. هنالك كذلك رواية (نساء المنكر) لكاتبتها سمر المقرن التي دفعت ببطلة روايتها إلى ممارسة الفاحشة وبكل إخلاص لا تلوي على شيء. أما سارة بطلة رواية (الأوبة) للكاتبة وردة عبدالملك -صاحبة الاسم المستعار- فتنجرف طائشة معربدة تطلق مجونها بين الرياض وشرم الشيخ ولندن، بعد حياة كانت تنحصر بين طقوس عبادة وفراش زوجية وقد مسّ زوجها التقي الجان وأصبح غير فاعل، وهو الذي أذاقها من ذي قبل مرّ الاغتصاب الزوجي. لكن حالها يؤل كحال زوجها .. باكية حزينة، ويتم الاستعانة بشيخ آخر يجمع عليها بصاقه وتراتيله ويداه التي تمس جسدها متحرشاً، فما تلبث أن تتعافى حتى تستغرق في نشوى ممارسات عادة سرية. تنتقل الباحثة للحديث عن الروائية أميمة الخميس وروايتها (البحريات) التي تعكس بشكل عام التداخل الفسيفسائي المعقّد للأعراف والعادات والتقاليد وأنماط التفاعل معها في المجتمع السعودي، بيد أن القدر هنا يفرض سلطة مركزية ترسم ملامح الحياة ورؤيتها الخاصة فضلاً عن دقة التصوير في تنوع حياة المرأة السعودية وتعقيدها، حيث “يتم استكشاف الشخصية الأنثوية في سياقات متعددة تتعلق بالعمر والمهنة والقبيلة والتعليم والرغبة والطبقة الاجتماعية”. فتظهر بهيجة بطلة الرواية وهي تربط ابهامي قدمها ببعض بعد الولادة لضمان رجوع أعضائها الداخلية إلى وضعها الطبيعي، وقد اعتاد الرجال على الاستياء بعد ولادة زوجاتهن “لذلك يختارون شابات ضيقات غيرهن”. وعندما بات زوجها صالح يلمحّ بهرمها وأنه صار لزاماً العثور على “زوجة شابة”، تستغني بهيجة بدورها عن الحياء النمطي وترفع صوتها عالياً قائلة: “وأنت يا رجلي العجوز قد انتهت صلاحية أشيائك! إنه صالح فقط لأجل التبول”. ثم تنتقل لتصّور اختلاط النساء في الأسواق الذي يصبح عادة مدعاة للتحرش، إذ ما أن تقترب إحداهن من البائع الذي صاح يستدرجها وهو يطري الجمال عموماً وقد عني جمالها وحدها لتعاين بضاعته “حتى يرفع الرجال أثوابهم البيضاء وتنفجر أعضائهم الداخلية”، الموقف الذي يسبب للنساء صدمة بالغة فيتراجعن باكيات. أما عالمة الاجتماع بدرية البشر والتي عُرفت في الأوساط الإعلامية بشدة نقدها للقيود الدينية والآراء المتطرفة، فقد اقترحت في إحدى مقالاتها ساخرة أن تشرع السعوديات في أخذ جرعات من هرمونات الذكورة فضلاً عن إطلاق لحاهن بغية الاعتراف بهن كعناصر فاعلة ومستقلة في عجلة التنمية الوطنية. ولها من الروايات ما تركز على عنف الأنثى ضد الأنثى متمثلاً في النساء الأميّات كما في روايتها الشهيرة (هند والعسكر). تتخذ البشر موقفاً لصالح تلك الجرأة، فتوجه نقداً بدورها لموجة النقد التي طالت أدب الروائيات السعوديات الملتهبة قائلة “إن المواضيع الجنسية الموجودة في الأدب الجديد لا تساوي هوس المجتمع المفرط بالجنس”. وبالإضافة إلى المضايقات التي لاحقتها من قبل زملائها في أعضاء هيئة التدريس في جامعة الملك سعود، تبعاً لمواقفها ضد التطرف الديني والتزامها غير الكامل، فقد تعرض زوجها كذلك للوصم بالكفر عن فتوى أصدرها علماء الدين، وذلك لأدائه أدوار ناقدة ساخرة من خلال سلسة لأحدى المسلسلات الشعبية الناجحة، الأمر الذي اضطر الزوجين (للهجرة) إلى دبي.
  • وقبل الختام، تعرض الكاتبة أصوات نسائية ناقدة داعية تسبح مع تيار المد السلفي ضد تيار الليبرالية والحداثة النسوية، وتخص منهن جواهر الشيخ التي شددت ضمن مقالها (الحياة امرأة) على أنوثة المرأة كوعاء حافظ للأنساب وكرمز للعفة، تحت حجاب ونقاب في محاكاة لنساء الأمة الأوائل، وتأسى لحال بعض الرجال الذين طالبوا بكشف تلك الأغطية في الوقت الذي تزكّي فيه غيرة الرجل العربي “النبيل” ودوره الحارس على عفة المرأة. ثم تستطرد في مقال آخر لها بعنوان (سلاح جديد يسمى النساء) مؤكدة أن حقوق النساء قد تكفلت بها الشريعة كاملة، وأن الدولة في التزامها إذ تمنعهن بعض المهن بما لا يتفق وطبيعتهن، بل وتذهب إلى أبعد من ذلك في الادعاء بالتقائها بعدد من النساء الغربيات اللاتي “يحسدن النساء السعوديات على كل الحماية والفرص التي يتمتعن بها” … وهذه لعمري شطحة بألف سنة ضوئية!.

وكما ابتدأت، تؤكد الباحثة في خاتمة كتابها المثير للجدل حقاً وهي ترفع عنوان (ضوء في نهاية النفق) على أن التعاطي مع المعضلة النسائية في المملكة العربية السعودية لا بد وأن يتم ضمن سياقان رئيسيان سياسي وتاريخي، وأنه على الرغم من تقاسم النساء المسلمات والعربيات نصيبهن من النزعات الذكورية والأعراف الاجتماعية والقيود الدينية بشكل يأخذ الطابع العام، إلا أن قسمة المرأة السعودية من التهميش ليست سوى “صيرورة تاريخية” أخذ فيها الدين طابعاً أيديولوجياً قومياً لهوية الدولة.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (3) في قائمة ضمت (85) كتاب، قرأتهم عام 2019 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط! وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية في نفس العام .. ضمن (140) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض.

 

تاريخ النشر: أبريل 11, 2022

عدد القراءات:79 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.