الكتاب
الحنين إلى الممكن
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
La Nostalgie, l'Automobile Et l'Infini: Lectures de Pessoa - By: Antonio Tabucchi
المترجم/المحقق
نزار آغري
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2021
عدد الصفحات
92
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
11/24/2023
التصنيف
الموضوع
حنين مختلف عند شاعر برتغالي
درجة التقييم

الحنين إلى الممكن

كتاب في النقد الأدبي خص به كاتبه أعمال شاعر البرتغال الأول (فرناندو بيسوا)، وهو أكاديمي وأديب إيطالي عشق بيسوا حينما كان طالباً في فرنسا ووقع بالصدفة على بعض من أشعاره وقد كان مغموراً حينها، فارتبط به وجدانيا بشكل عميق منذ تلك اللحظة .. الوجد الذي دفعه لتعلّم اللغة البرتغالية من أجل قراءة أعمال الشاعر كما جاءت في لغتها الأصلية. لم يتعلم الكاتب البرتغالية لمجرد تمكينه من قراءة أعمال الشاعر وحسب، بل حرص على دراستها أكاديمياً مكّنته فيما بعد من ترجمة أعماله والكتابة عنها وعنه، لا سيما من جانب فلسفي كما كانت أعمال الشاعر التي لم تخلُ في العموم من حس الغموض وصوت النوستالجيا الممتد والشعور بالخواء وفراغ الروح وعبثية الحياة. وعلى الرغم من تلك السوداوية التي أحاطت بأعمال الشاعر، وكتعويض عن حياة البؤس التي كان يحيا بها، فقد خلق لنفسه في داخلها، لا نقل حياة بل كون فسيح، قابل فيه شخصيات متضادة خلقها من بنات أفكاره، وجهل لكل منها سيرة ذاتية مختلفة وشخصية متفرّدة قائمة بذاتها، لكنها مثّلت خير تمثيل فكر الشاعر العميق وروحه المتباعدة ونظرته التشاؤمية وخواطره وتأملاته وأشعاره. ومن تلك الشخصيات المتخيلة اختار الكاتب ثلاثة (ريكاردو رييس، ألفارو دي كامبوس، برناندو سواريس)، وتناولها بالنقد الأدبي. لذا فهو يقول ابتداءً: إذا كان الحنين إلى الحاضر هو ما يميز الشخصيات المستعارة فإن كل واحدة تعرف إذاً حنينها الخاص والمحدود لهذا، فمن المستحسن أن نعمد، ولو على نحو مقتضب، إلى تحليل الحنين في أعمال ثلاث من الشخصيات المستعارة لفرناندو بيسوا: ريكاردو رييس، ألفارو دي كامبوس، برناندو سواريس“.

أما بطل الكتاب الحقيقي فهو: أنطونيو فرناندو بيسوا (1888 : 1935)، أعظم شعراء البرتغال والذي يُصنف ضمن أهم الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، وهو كذلك فيلسوف وكاتب ومترجم وناقد أدبي. توفي والده وهو في سن الخامسة، ثم انتقل برفقة والدته إلى جنوب أفريقيا والتي تزوجت من القنصل البرتغالي هناك، واستكمل تعليمه كاملاً باللغة الإنجليزية. لم يستقر في حياته، فقد كان يتنقل بين الفنادق والغرف المؤجرة، ولم يطرق الحب قلبه سوى مرة واحدة وبعنف ولمدة قصيرة، حتى مات في المستشفى الفرنسي في لشبونة لمرض ألم بكبده يغلب الظن على سببه إفراطه في تعاطي الكحول. وبالإضافة إلى إصداراته المنشورة، تذكر شبكة المعلومات بأنه ترك عند وفاته ما يقرب خمس وعشرين ألف مخطوطة ضمّنها أشعاره وفلسفته وآرائه ومسرحياته وترجماته، فضلاً عن الخرائط التي تصف الشخصيات الأدبية التي خلقها بتوجهاتها الفكرية ووضع عنها إصداراتها المستقلة، والتي وصلت إلى نحو ثمانين شخصية متفرّدة، وهي محفوظة اليوم في (أرشيف بيسوا) في مكتبة لشبونة الوطنية، وله نصب تذكاري وهو جالس خارج مقهى كان يتردد عليه، في العاصمة لشبونة.

أما عن أنداده المستعارون أولئك، فقد كان (ألبرتو كاييرو) أولهم، وهو معلم بيسوا وسائر الشخصيات اللاحقة. ولد ومات في لشبونة بمرض السل كوالد بيسوا الحقيقي، وبسبب مرضه فقد كان انعزالياً أمضى حياته يقرض الشعر التي رغم اعتبارها ساذجة، قد عكست ملاحظات قوية للواقع. جعله بيسوا معتدل القامة، أشقر، شاحب، وذو عينين زرقاوين. أما (ألفارو دي كامبوس) فهو من كتب عن بيسوا قصيدة (دكان التبغ) أو (مكتب التبغ)، وقد كان رجلاً ضخم البنية أسود الشعر، مرهف الحس أحياناً وبرجوازياً أحياناً أخرى. لم يعمل في مهنته بعد حصوله على دبلوم الهندسة البحرية لكنه ذهب في رحلة إلى الشرق عبر المحيط الأطلسي، وتوفي في لشبونة في نفس العام الذي توفي فيه بيسوا. وبينما كان (ريكاردو رييس) طبيباً، لم يكن معلوماً ما إذا كان يتكسّب من مهنته من أجل تحصيل الرزق وحسب، فقد كان شاعراً مادياً “نيوكلاسيكياً” وقد تم نفيه إلى البرازيل بسبب أفكاره الفوضوية. أما (برناردو سواريس) ورغم عمله البسيط كمساعد محاسب، فقد ألف عن بيسوا كتابه (اللاهدوء) أو (اللاطمأنينة) الأشهر، وقد تعرف على بيسوا في مطعم صغير تناول فيه العشاء معه وأطلعه على أحلامه ومشاريعه الأدبية. يموت (أنطونيو مورا) في مصح للأمراض النفسية منهياً حياته بعد أن يودع بيسوا مخطوطاته الملحمية، وقد كان فيلسوفاً طويل القامة له نظرة ثاقبة يكسو محياه لحية بيضاء، وقد ألف كتاب (عودة الآلهة) التي مثّلت فيما بعد الوثنية الجديدة في البرتغال.

وعن محتوى الكتاب الذي وضعه كاتبه باللغة الفرنسية (La Nostalgie, l’Automobile Et l’Infini: Lectures de Pessoa – By: Antonio Tabucchi)، فقد كان أساساً مادة لثلاثة محاضرات ألقاها الكاتب في (المعهد العالي للدراسات الاجتماعية) في باريس عام 1994 بعنوان (الحنين إلى الممكن). يؤخذ على الكتاب أنه جاء متخصصاً ويزخر بالكثير من المصطلحات والمفاهيم الأدبية والنقدية، ما يجعله ينغلق على القارئ العادي باستثناء الدارسين أو المطلعين على أعمال الشاعر البرتغالي بشكل كاف. لا أعتقد في ترجمة الكتاب كعامل مؤثر في هذا المأخذ، فقد جاءت متقنة.

ومن الكتاب الذي أصاب من رصيد أنجمي الخماسي واحدة، أقتبس في نص من شوق (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) ما جاء في خواطر المهندس ألفارو دي كامبوس وهو يقود سيارته الشيفروليه على طريق مدينة سينترا التاريخية التي كثيراً ما تبدو خيالية، وقد عُرف عنه استعارة سيارات أخرى ليتجول بها بدلاً من سيارته الخاصة:

خلف مقود الشيفروليه على طريق سينترا

في ضوء القمر والحلم، على الطريق الخالي

أقود السيارة وحيداً، أسوق على مهل إلى حد ما

وسرعان ما يلوح لي، أو أنني أرغم نفسي كي يلوح لي

أنني أسير في طريق آخر، في حلم آخر، في عالم آخر

أنني أسير ولم أترك لشبونة خلفي، وسينترا ليست أمامي

أسير، لكن ماذا يعني أن أسير سوى أني لا أتوقف عن المسير؟

أطيع حركاتي اللاشعورية خلف المقود

تنط تحتي السيارة التي استعرتها

أبتسم لعلامة المرور

أبتسم لفكرة العلامة، وللانعطاف إلى اليمين

كم من الأشياء التي استعرتها أسير بها في هذا العالم

أشياء استعرتها وأسير بها كما لو كانت لي

لقد استعرت الكثير من الأشياء، يا لتعاستي، بدءاً مني

على طريق سينترا في ضوء القمر، مثقلاً بالحزن، أمام الحقول والليل

أقود السيارة المستعارة من دون سلوى

أتوه على طريق المستقبل، أغوص في المسافة التي أقطعها

ثم تنتابني رغبة رهيبة مفاجئة، عنيفة، غريبة

فأزيد السرعة“.

وأختم بما قد ينتاب كل فرد يعيش في هذه الحياة من حنين للبعيد، يختلف عما قد يكون بيسوا شعر به .. حسب اعتقاد الكاتب: “أشعر بحنين شفيف لا يباغ يا للأسف حدّ (حنين فرناندو بيسوا إلى الممكن) بل هو مثل كل حنين دنيوي .. شوق إلى الماضي”.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (27) في قائمة من (50) كتاب خصصتها لعام 2023 والذي رجوت مع بدايته أن يكون استثنائياً في جودة الكتب التي سأحظى بقراءتها فيه .. وهو سادس ما قرأت خلال شهر نوفمبر ضمن عشرين كتاب، وقد حصلت عليه في نفس العام من معرض للكتاب بإحدى المدن العربية ضمن (400) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض.

ولشاعر البرتغال قرأت: كتاب اللاطمأنينة / دكان التبغ: وقصائد أخرى / حوارات حول الطغيان: ونصوص أخرى .. أما (الباب وقصص أخرى) فاقتنيته ولم اقرؤه بعد!

وعلى الرف في مكتبتي، تصطف بعض الإصدارات في الأدب البرتغالي، منها: (الفراشة والمرآة) تأليف (سعيد بنعبد الواحد) / (العمى) و (المنور) و (كل الأسماء) و (قصة حصار لشبونة) و (الإنجيل برواية يسوع المسيح) تأليف (جوزيه ساراماجو) /  (هيا نشتر شاعراً) و (دمية كوكوشكا) تأليف (أفونسو كروش) / (الشتاء في لشبونة) تأليف (أنطونيو مونيوز مولينا) / (نظرية عامة للنسيان) تأليف (جوزيه أغوالوسا) / (ميتتان لرجل واحد) تأليف (جورج أمادو) / (الحياة في خريطة) تأليف (نونو جوديس) / (أجمع الذكريات كي أموت: 32 شاعرا برتغاليا معاصرا) تأليف (شعراء برتغاليون)

من فعاليات الشهر: لا يزال جدولي اليومي مزدحماً .. ولا زلت أصارع الوقت لاستقطاع ما أمكنني منه للقراءة.

تسلسل الكتاب على المدونة: 427

تاريخ النشر: ديسمبر 13, 2023

عدد القراءات:221 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *