الكتاب
الثقافة والمقاومة: محاورات مع ادوارد سعيد
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Culture and Resistance: Conversations with Edward W. Said - By: David Barsamian
المترجم/المحقق
ينال قاسه
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2013
عدد الصفحات
195
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/17/2022
التصنيف
الموضوع
شجون رجل عربي حر
درجة التقييم

الثقافة والمقاومة: محاورات مع ادوارد سعيد

حوار دار عام 2003، لكنه يحمل قضايا ومبادئ ومفاهيم وأطروحات لا تزال حديث الساعة حتى اللحظة .. بين ادوارد سعيد الذي تبنى القضية الفلسطينية طيلة عمره، فعاش عليها ومات، وبين محاوره الكاتب الأمريكي ديفيد بارساميان صاحب إذاعة (آلتيرنتيف راديو) الذي لم يقل إبداعاً، وجاء طرحه من العمق ما استخرج هكذا حوار فكري مثمر.

إنه ادوارد وديع سعيد (1935 : 2003)، المولود في مدينة القدس الفلسطينية والمتوفى في مدينة نيويورك الأمريكية .. أحد أشهر المفكّرين والمثقّفين والأدباء العرب في القرن العشرين، وأكثرهم تأثيراً لا سيما في دفاعه عن حقوق الإنسان الفلسطيني وعن قضيته العالمية. وهو أكاديمي حاصل على درجة الدكتوراة في النقد الأدبي والأدب المقارن من جامعة هارفارد الأمريكية الرائدة، حيث انخرط بعدها في سلك التدريس الجامعي، وشغل بالإضافة إلى هذا عدد من المناصب المهمة، كعضو في بعض الجهات الأكاديمية، وكمحرر وكاتب عمود في بعض الصحف العربية والعالمية، كما كان نشطاً إعلامياً من خلال الندوات والمحاضرات والحوارات الإذاعية والتلفزيونية.

يتشعّب الحوار ويدلو المفكّر بدلوه! فمن اقتراح حلّ القضية الفلسطينية من خلال “فكرة التعايش”، أو عبر إنشاء دولة قومية تجمع العرب الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين، يسبقه تطبيع ثقافي شامل، التوجه الذي أثار غضب القوميين العرب .. إلى الانتفاضة الفلسطينية وما ينجم عنها من عمليات استشهادية أو “الصراع المسلّح” و “المغامرات الثورية” التي ذهبت بالكثير من الأبرياء في الوقت الذي لم تحرز تقدم سياسي يُذكر في القضية .. ومن ثم إلى الحركات الإرهابية التي تموج بها الساحة الحالية وتعود أساساً إلى معارضة السياسة الأمريكية العالمية، وهي السياسة التي استخدمت (الإرهاب) كتعبير مضاد لكل من تسوّل له نفسه مخالفتها .. إلى ما تعرّض له شخصياً من مضايقات في محاولة لإسكات صوته المناصر للقضية الفلسطينية وما يتعرّض له العرب والمسلمين عامة من عنصرية أمريكية موجّهة وممنهجة …، وغيرها من قضايا تناولها المفكّر بأسلوب موضوعي ولغة خطابية وفكر حر، ما ينم عن خلفية ثقافية موسوعية، سياسية وفلسفية وحضارية وأدبية وفنية، تميّز بها، فضلاً عن مراقبته الثاقبة والناقدة والتحليلية المستمرة باستمرار الأحداث.

وبعد لمحة عن المحاورين، وبطاقة شكر، ومقدمة، تظهر محاور الكتاب الذي ارتكز عليه حوارهما، صريحة كما يلي، وقد انتهت بمنشورات مختارة للمفكّر، وتعريف بالأرشيف الصوتي للبرنامج الإذاعي الخاص بالمحاور الأمريكي:

  • حل الدولة الواحدة
  • انتفاضة عام 2000 / الانتفاضة الفلسطينية
  • ما يريدونه هو صمتي
  • أصول الإرهاب
  • المنظور الفلسطيني للصراع مع اسرائيل
  • ملتقى النصر

يحظى الكتاب -الذي جاءت ترجمته متقنة جداً- بنجمات ثلاث من رصيد أنجمي الخماسي، والذي استقطع مما علق في ذهني منه بعد القراءة في الأسطر التالية، وباقتباس في نص صريح (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • يتم حظر كتب المفكّر في فلسطين زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات، غير أنه يتم تداولها إلكترونياً حسب علمه، وقد صادف شخصياً بائع خضار أخبره بأنه يبيع الكتب كذلك، وأنه يحتفظ بكتبه تحت منضدة خشية مداهمة رجال السلطة.
  • يستمر الحوار في محور (حل الدولة الواحدة)، ليسهب المفكر في تحديد العوامل التي تعزز من رأيه المطالب بإقامة دولة ثنائية القومية. أحدها هو التمازج بين القوميتين بشكل يأخذ طابع واقعي معاش، إذ يقول: “هذه هي المرة الأولى في حياتي منذ أن رحلت عن فلسطين في نهاية عام 1947، التي أزور فيها الضفة الغربية وغزة وإسرائيل بشكل نظامي. ذهبت خمس مرات في العام الماضي، وكلما ازداد عدد زياراتي كلما ازداد تأثري بحقيقة أن اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين يمتزجون ببعضهم سكانياً على نحو لا يمكن إلغاؤه. هذه أول نقطة أحدثت صدمة لي، فلدى الإسرائيليين هوس بإنشاء الطرق، والكثير من هذه الطرق يلتف حول البلدات والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة. لكن رغم ذلك لا يمكن لطرف أن يتجنب الطرف الآخر كلياً لأن المساحة قليلة جداً. ثانياً، يستخدم الإسرائيليون عمالة فلسطينية لتشييد وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية وغزة، وهذه واحدة من أعظم المفارقات على الإطلاق. كما يعمل الفلسطينيون في المطاعم داخل إسرائيل مثل تل أبيب والقدس الغربية وحيفا. وبالطبع، في الضفة الغربية، حيث يوجد مستوطنون، في بلدات مثل أريحا، لكن بشكل مثير للانتباه في القدس ومحيطها، الذي يضم أكبر البلدات الفلسطينية، مثل بيت حنين، والتي لم تكن على الإطلاق جزءاً من القدس لكنهـا أصبحت جزءاً من الحدود البلدية للمدينة. يتفاعل الفلسطينيون والإسرائيليون مـع بعضهم بعضاً، من خلال الكراهية والعداوة، لكن من الناحية المادية هم في نفس المكان. ونتيجة تأثري بطريقة ما بما يمكن أن أراه وما أعرفه كحقيقة أملى علي بأن هذا أمر لا يمكن تغييره بسحب الناس وراء حدود معزولة أو دولتين منفصلتين. إن استغراق كل طرف بالآخر، وبشكل رئيسي، نتيجة العدوانية التي دخل بها الإسرائيليون إلى الأراضي الفلسطينية، ومن ذات بدايتهم لغزو المكان الفلسطيني، أملى علي أنه لابد من تأسيس صيغة من الترتيبات تسمح لهم بالعيش معاً بشكل آمن قدر الإمكان. وهذا لن يتحقق عن طريق الفصل”.
  • يعتقد المفكّر بأن جوهر السياسة الإسرائيلية تجاه العرب يقوم على حقيقة مفادها أن اللغة الوحيدة التي يمكن استعمالها مع العرب هي (العنف)، لذا لا يأتي الاحتلال سوى كشكل من أشكال العنف، ما يجعل من رمي الحجارة وبعض “الاعتداءات الإرهابية” رغم بشاعتها، أمور لا تقارن مع معاقبة ثلاثة ملايين نسمة في غزة خلال الثلاث والثلاثين عاماً الماضية. يذكر المفكّر كذلك وهو يستمر في محور (انتفاضة عام 2000 / الانتفاضة الفلسطينية) بأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تقرّ قوانينها التعذيب! فبينما يشكّل المواطنون الإسرائيليون داخل إسرائيل من العرب لا اليهود ما يقرب حوالي العشرين بالمائة، فإنهم يُعاملون معاملة الزنوج الأفارقة، فلا هم يتمتعون بحقوق ولا يتملّكون الأراضي ولا حتى باستطاعتهم التأجير أو الشراء .. “هذه سياسة عنف وتمييز من أفظع الأشكال”.
  • يتطرق الحوار في محور (ملتقى النصر) إلى الحد الفاصل بين الفن والجدل، وفيه يعتقد المفكّر أن الاهتمام السياسي وجد له حيّزاً كبيراً في الشعر والأدب العربي، حيث تمت المواءمة فيهما بين الأطروحة السياسية والسمة الفنية. يعزو المفكر السبب إلى هذا المنحى إلى سببين، أولهما: الاحتلال الإسرائيلي واضطهاد شعب بأكمله وطرده وسد سبل العيش أمامه على كافة المستويات. أما “السبب الحيوي الآخر هو ضغط تقليد اللغة العربية والإسلامية ذاته، وهو ضغط قوي جداً. اللغة هي التعبير الثقافي المركزي للعرب. إنها لغة لصيقة -في الحقيقة- بلغة الله، كما في القرآن، فالقرآن منزّل. إنه منزّل من الله مباشرة. إنه كلمة الله من غير واسطة”. يحرّض هذا الرأي المحاور لإخبار المفكّر عن خرافة آلاف الكلمات العربية المعنية بالقتال، التي يعتقد بها الأمريكيون، ما يدفع المفكّر بدوره إلى الرد قائلاً: “نعم، ذلك مضحك! هناك تشويه لصورة اللغة العربية. يسود اعتقاد بأنها أول كل شيء لغة مثيرة للجدل لأنها لغة الإسلام، كما يعتقد بأنها لغة عنف، لكن في الحقيقة، بالنسبة لشخص مثلي يعرف العديد من اللغات، فإنها أجمل اللغات. إنها لغة جد متناسقة في بنيتها ومنطقها. تمتاز اللغة العربية ببنية أرسطووية قوية”.

لقد قرأت للمفكر كتاباً سابقاً بعنوان (خيانة المثقفين) والذي جاء كتجميع لمقالاته الأخيرة لاسيما تلك التي تتمحور كذلك حول القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي، بالإضافة إلى كتابه الموسوعي (الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق) والذي جاء بمثابة بحث موضوعي عن حركة الاستشراق التي اجتاحت الشرق مع بداية القرن الخامس عشر على أبعد تقدير وقبيل عصر التنوير الأوروبي، وهي الحركة التي ما برح الغرب ينحاز من خلالها ضد الشرق في آراء مسبقة مغرضة، تذّكيها النزعة العرقية والمطامع الاستعمارية في المقام الأول.

وكعادتي في التطلع إلى حصيلة الكتب التي سأخرج بها مع كل كتاب اقرؤه، في مراجعه أو في مادته، فقد كان هذا الكتاب كريماً في اقتراح المجموعة الآتية: (تغطية الإسلام، الثقافة والامبريالية، بيانات المثقف، خارج المكان، تأملات في المنفى ومقالات أخرى) للمؤلف / كتاب الضحك والنسيان – لمؤلفه: ميلان كونديرا / الولاء لكتالونيا – لمؤلفه: جورج أورويل

وفي كلمة أخيرة، يقول المفكّر: “الثقافة هي شكل للذاكرة في مواجهة الطمس” .. كتوصية في الحفاظ على الهوية العربية لا سيما الفلسطينية كدور ثقافي بارز في حركة المقاومة السياسية.

رحم الله ادوارد سعيد.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً من المفكّرة: جاء تسلسل الكتاب (3) في قائمة لا تنتهي من الكتب التي خصصتها لهذا العام .. 2022، وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية عام 2018 ضمن (140) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض.

أنشطة شهر يناير: حضرت معرض للكتاب في إحدى المدن العربية، وكانت الأجواء حافلة اضافة إلى احتفائي بما يزيد عن (120) كتاب جديد انضموا إلى مكتبتي الغرّاء كحصيلة مشترياتي من ذاك المعرض.

 

تاريخ النشر: أغسطس 15, 2022

عدد القراءات:29 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.