الكتاب
الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات
المؤلف
دار النشر
مؤسسة الانتشار العربي
الطبعة
(2) 2008
عدد الصفحات
368
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
11/26/2020
التصنيف
الموضوع
رأي ملحد في الإله والدين والحياة والإنسان

الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات

لا أدري على ماذا آسف؟ على الساعات التي أنفقتها في سفسطة ملحد؟ أم على نقاء ضميري حين عرّضته لشطحاته الفكرية، بغية إعطائها أقصى فرصة .. عل وعسى تأتي بما يشفع له؟

لقد قرأت واستمعت -ولا أزال- لآراء الملاحدة والفلاسفة والليبراليين وغيرهم من اليساريين (إن صح التعبير) التي لا تخلو من وعي وجدل وحجج منطقية في أحيان عديدة، بغض النظر عن إمكانية دحضها أو الرد عليها، واستحضر في هذا كتاب/ حوار مع صديقي الملحد للدكتور مصطفى محمود رحمه الله. غير أن هذا الكتاب الضخم يأتي خواء من أي فكر أو علم أو منطق سوى في شذرات متفرقة، فضلاً عن بعض الآراء التي التبست طابع الاختبال والتي تُثير بدورها تساؤلاً عن مدى سلامة المؤلف العقلية!. على كل حال -وقد أفضى إلى ربه- فإننا نسأل له الرحمة والمغفرة.

هو عبدالله علي القصيمي (1907 : 1996)، من أشهر مفكري العرب إثارة للجدل لا سيما بعد تحوله من النقيض إلى النقيض، كمدافع أصولي عن السلفية إلى ملحد متطرف. على الرغم من تحفظ المؤلف شخصياً، تذكر شبكة المعلومات العالمية جانباً من طفولته البائسة بين والدين منفصلين، وتدرجه بعد ذلك في طلب العلم بين الرياض والشارقة والعراق وسوريا والهند وآخرها مصر التي شهدت مولده العلمي الحقيقي من خلال دراسته في جامعة الأزهر. يتصدى لأحد الشيوخ الأزهريين في رأيه عن الحركة الوهابية، والتي تنتهي بفصله من الجامعة، ثم ما يلبث أن ينتقل إلى مرحلة تفكير فلسفي حر يتملص فيها من كل إيمان سابق، بل وينشر فيها المؤلفات التي أباحت دمه وعرضته للاغتيال. يموت القصيمي في مستشفى للسرطان بالقاهرة، وعلى الرغم من شهادة المحامي المرافق له آنذاك بموته على ما كان عليه، فقد شهد له آخرون في المستشفى بالرجوع إلى الإسلام في أيامه الأخيرة والعكوف على قراءة القرآن الكريم، فضلاً عن إطراء دماثة أخلاقه.

للإنصاف، وقبل الشروع في خوض بحره اللجي، أنقل نصاً ما يورد موقع ويكيبيديا عن القصيمي قوله: “سيجد القارئ في هذا الكتاب أمثال كلمات: إله، آلهة، دين، أديان، نبي، أنبياء. وقد يشعر أحيانا أنها كلمات لا تحمل الاحترام الواجب لهذه الأسماء، أو أن فيها شيئا من التهوين والمساس. لهذا ظننت أني ملزم بوضع تصحيح صغير لهذا الذي قد يعد لدى فريق من القراء التباساً. إني لا يمكن أن أعني بالإله أو الآلهة إله الكون وخالقه وواهبنا الحياة والعقل والخيرات الجمة. وإنما أعني بذلك الطغاة أو الأصنام أو الأوهام أو النظم الاجتماعية المتأخرة الظالمة المنسوبة إلى الإله. وكذلك أعني بالأنبياء والأديان حيثما جاءت في كلامي غير أديان الله وأنبيائه. هذا تصحيح أسجله على نفسي كاحتياط مبالغ فيه جدا”.

يعرض الكتاب الذي وضعه مؤلفه عام 1972 -والذي حمل صفراً من رصيد أنجمي الخماسي- عدد عشرة مباحث، وقد احتل عنوان المبحث التاسع عنوان الكتاب الرئيسي. وهي:

  1. إذا انتصر النبي هزمت نبوته
  2. أيها الملاك.. أنت أبشع جلاد
  3. يكذبون لكي يروا الإله جميلاً
  4. كل هذا السلاح لقتل الشيطان
  5. الإنسان .. هل خدع خيال الآلهة؟
  6. كيف رأته كل العقول؟
  7. رأسك أكثر أعضائك انخفاضاً
  8. السيف واهباً للإله صفاته
  9. الإنسان يعصي لهذا يصنع الحضارات
  10. شعبي شجاع جداً

بشكل عام، تصطبغ أفكار المؤلف بالفلسفة التشاؤمية لا سيما العدمية الوجودية التي لا تؤمن باي قيمة للحياة، في نظرة مضادة للتفاؤل القائم تحديداً على الإيمان بوجود الخالق. ولقد كان من رواد هذه الفلسفة، الفرنسيين فولتير، وجان جاك روسو.

أتعرض في الأسطر القادمة -مع قدر من الحيادية- لبعض ما طرحه الكتاب، بغض النظر عمّا يحمله من تطرف فكري أو عقائدي أو فلسفي، فلقد اختار الإنسان حمل أمانة التكليف التي أشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال، وهذا هو جوهر خلقه، وعليه يكون قد اختار مآله إما إلى جنة أو إلى نار.

وقبل الشروع، فإني أبرأ إلى الله من سفاهة القول وفجوره وكفره، إنما أنقل ما قرأت .. {سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا}

آراء إلحادية:

  • يردد البشر أقوالاً ينصرونها أو ينفونها، وهم لا يريدون قولها ولا يعنونها ولا يفهمونها، ويسمعونها كذلك على نفس النهج. بل إنهم ينادون إلهاً لا يعلمون من هو وأين هو وما هو مذهبه وما هي أخلاقه وما هي لغته، وإن كان يسمع ندائهم أم لا، وإن استمع فهل يستجيب، وإن لم يستجب لا يغضبون منه أو يهجرون.
  • البشر ينفقون لغاتهم وطاقاتهم وأنفسهم ووجودهم عبثاً، وعبادة الآلهة لا تحمل أي تفسير أو خطة أو وظيفة أو منطق سوى منطق التبديد! إن تبديد الإله لوجوده ووجود البشر والنجوم والحشرات أعظم نموذج لهذه العبثية. لم يبدد الإله طاقته في خلق وبناء وصنع الكون بأشيائه ليقضي عليه بالقتل والفناء والدمار؟ هل هنالك من حاجة أو هدف أو رسالة؟ هل يعي الإله ما يصنع بالكون؟
  • لا أحد يضاهي الإله في هزائمه لا سيما من قبل المؤمنين به، ولا أحد يضاهي الشيطان في انتصاره على هذا الإله من خلال انتصاره على أنبيائه وكتبه وتعاليمه. إن هذا الإله لم يخذله أحد كما خذله أصحابه، وذاك الشيطان لم يمجّده أحد كما مجّده أعدائه اللاعنين له المؤمنين بالإله.

لا يقول هذا الكلام عاقل بغض النظر عن إلحاده!.

آراء جدلية:

  • يفقد أي نبي نبوته حال انتصاره، إذ تتحول رسالته من السلم إلى الحرب، ومن التسامح إلى البطش، بعد أن يكون قد تحول هو بدوره من صومعة التحنث إلى عرش السلطة. وهكذا يأتي انتقام المهزوم وحشياً حين ينتصر.
  • إلحاق العيب بالسفينة بغرض حمايتها من غصب الملك كتشويه وجه امرأة جميلة بغرض حمايتها من اغتصاب الرجل. عليه يُصبح الجمال لعنة، ويكون كمن اعتدى على من اعتدى عليه فاستوجب العقاب. وبنفس المنطق، لا بد من إفقاد العبقري عبقريته درءاً لحسد الحاسدين، وإلا فلتتحمل العبقرية مسئولية ما سيقع عليها من اعتداء.

شخصياً، يُذكرني هذا القول بجدل الأحفاد في إلقاء اللوم على الأخت المحظية، حين سنّ جدهم القاتل قابيل شريعة القتل من أجل سواد عينيها.

ويستمر المؤلف في جداله حول منطقية التخلص من الحاسدين من أجل حماية العبقري بأي طريقة، سواء بمنعهم أو تعجيزهم أو بالإلقاء في روعهم عدم الرغبة في الحسد.

شخصياً، يُذكرني هذا القول المنطقي بحجة د. نوال السعداوي في تحجيب عين الرجل الشهوانية بدل تحجيب المرأة كنوع من توخي شرور شهواته غير المحكمة!.

  • خلق الغلام ثم تسليط القدر عليه لقتله بحجة شره المستقبلي أشبه بتشييد مصنع وقد كان معلوماً أنه متهدم لا محالة فوق رؤوس العاملين، فيتم هدمه قبل العمل فيه توخياً من تهدّمه فوق الرؤوس. لم تم تشييده إذاً؟

لمَ يخلق الله الغلام الكافر به والطاغي على أبويه ثم يأمر الرجل الغامض بقتله؟ إذا كان الله يرفض أن يحيا الأشرار والكفار في أرضه، فلم يدبّر خلقهم من الأصل؟ أليس الأمر أكثر ذكاء ونخوة وأقل تكلفة وخطورة لو لم يتم خلقهم؟ أيعطي هذا التبرير الحق بقتل أي مولود بشبهة الشر التي يحمل بذرتها؟ ألا يتعارض هذا مع إرادة الخلق ومسئولية التكليف التي حملها الإنسان؟ فإذا كانت إرادة الله في أن يؤدي الغلام دوره، فلم منعه بقتله؟ وإذا كانت إرادة الله في ألا يؤدي الغلام دوره لشره فلمَ خلقه؟ ولم قُتل هذا الغلام تحديداً والأرض جميعها تموج بالأشرار والطغاة والكفار وسفاكو الدماء؟ بأي حكمة وبأي منطق؟

  • يُثني المؤلف على الكذب النبيل وكأنه أرحم خالق، فلولاه لبدت كل ما خلقته الآلهة أو الطبيعة دميماً كما خُلق. فأمام القبح، لا يطلب الكذب من الناس فقئ أعينهم بل أن يفترضوا عدم وجودها، وأمام القذارة، لا يطالبهم بتنظيف ملابسهم بل ارتدائها من الداخل أو من الخارج مع تعليق يافطة تُطري نظافتها، وأمام التقوى، لا يطلب إصلاح النوايا بل الطاعة في هيئة حركات ظاهرة وصلوات.
  • قد يكتب أحد الشعراء أو الرواة أو المفكرين دواوين ضخمة تستغرق عمره ليبثّ لواعج جوعه نحو أعضاء المرأة، ولوعته وهيامه وجنونه وهزاله وبكاءه حد الفضيحة، حرقة وشوقاً إليه. ثم يصف جمال هذه الأعضاء وما يكتنفها من فنون وأسرار وخوارق، وكيف أن الممارسة معها تستجلب مجد الإله. إن العلاقة الساخنة بين ذاك الجوع أو الحب أو الشهوة وبين أعضاء المرأة وما تحتويها من مزايا دينية وأخلاقية وجمالية لهي مزايا للناس والحياة والكون، وأن الصراع والنفاق والمراوغة واللقاء بينهما لهو عمل إنساني وأخلاقي وفدائي، وأن قصّ القصص حولهما لهو عمل نبيل من أعمال التقوى والاستشهاد في سبيل الإنسان والوجود.

آراء سفيهة:

  • لا يسلم الإنسان من العدوان وهو موجود، فإن كان ضعيفاً باركه الناس واحتقروه، وإن كان قوياً هابه الناس ولعنوه، بل إن وجوده عدوان وإرهاق وتكليف باهظ للسماء. بيد أن عدم وجود الإنسان يحل المشكلة، فهو لن يتبادل العدوان مع الناس، وهو لن يثير غضب الآلهة ولن يسرّها، ولن تضطر لوجوده من استخدام أجهزتها المخابراتية في مراقبته وإحصاء ذنوبه. سيكون عدم وجوده راحة للآلهة ولأجهزتها، وتوفير وقتها وجهدها.
  • تتعالى أصوات الوعاظ في الدعوة إلى تطهير النيات ومغالبة الشهوات ومحاسبة النفس، غير أن الوعظ في هذا الأسلوب يبدو أشبه بتوبيخ أعضاء الإنسان المحرمة، المخزية، المفتقرة للتهذيب، المعاندة للدين. إن الاشتغال بدعوة هذه الأعضاء للتطهر وللحياء وللتقوى لا يختلف عن دعوة الحشرات لذلك. عليه، إن هؤلاء الوعاظ ليسوا سوى وعاظ حشرات!.
  • ليس الوجود بكل أطواره سوى ضرب من الجنون، وليس لأي جنون أن يكون سوى الوجود. إن العقل واهب الجنون، به تُخلق الآلهة والأديان والشرائع والأخلاق والتقاليد والمجتمعات. أيمكن أن تكون هذه العاهة الكونية المثخنة بسلالات الجراثيم وأفواج الحشرات والمياه الملوثة وغبار الصحاري والجبال والكواكب المتناثرة في المجرات سوى إبداع من جنون؟ لقد أحسنت الآلهة في عقاب نفسها بتدمير الكون بعد تكريم الإنسان بخلقه، غيرة وحسداً من عندها.

آراء منطقية:

  • توجهاتنا الدينية والإنسانية والأخلاقية والفكرية ليست في الحقيقة كذلك، بل عرقية وقبلية وجسدية في المقام الأول. إنها الدستور التاريخي الذي يرسم للإنسان مسار طموحاته وأفكاره وصفاته وشهواته واحتياجاته ومخاوفه وآلامه.
  • يجد الفقير لذة في انكساره وبؤسه وقهره حيث النقاء والتقوى ورضا الإله، كيف لا وقد جاء القديسين والأنبياء معدومين ومحرومين ومضطهدين؟ فيغدو وهو يكيل الرذائل للأقوياء والمتفوقين والمبدعين والسعداء، لدرجة أن يصبح التفوق الذاتي والعقلي ضرباً من الزندقة.
  • يتبرأ كل مغلوب من تاريخه البائس حين يبتسم له الحظ وينتصر، فيفتك أولاً بالطبقة التي كان ينتمي لها ككائن آخر لم يكن يرتبط بها من ذي قبل، بكل ما أوتي من قسوة ووحشية وعدوان، يكاد أن يقاتل ذكرى تلك المرحلة أو بمجرد الحديث عنها.

آراء استهوتني:

  • يستحق الصادق الرثاء لما يواجه من عدوان، فهو الشاذ والمشوه والمزعج والبذيء والمتوحش والهمجي .. وهو والغريب، غير أنه غريب لأنه كائن فريد من نوعه!. إن عيناه ترى الأشياء كما هي، وعقله يفهمها كما هي، ولسانه يتحدث عنها كما هي، وإيمانه يفسرها كما هي. إنه يجرؤ على ذلك.
  • يُعاقب المتفوق بأمور سيئة ومؤلمة، جريرة تفوقه، وكأن المتفوق يعاقبه تفوقه.

اقتباسات نصية: تظهر في نص حالك (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • يقول في مبحث (إذا انتصر النبي هُزمت نبوته) عن طغيان الإنسان الترابي: “ما أفظع أخلاق التراب حينما يتحول إلى تيجان، حينما يتحول أي التراب الى قادة وأبطال وأنبياء. أيها التراب، إني لا أرهب شيئاً مثلما أرهبك حينما تتحول الى قادة وأبطال وأنبياء لتتحدث بلغة السماء من فوق هامات النجوم”. ثم يأتي بتشبيه بليغ عن تردي أخلاقه إذا تمكّن وقد كان مغلوب على أمره، فيقول: “إن الحيوان الضعيف المقهور لا بد أن يصبح أقسى الوحوش وحشية لو أنه تحول من موقف الأضعف الى موقف الأقوى”. ويصف مظهر قسوتهم بعد لينهم قائلاً: “ما أفتك الأظفار والأنياب التي لا تلدها أظفار وأنياب بل التي تلدها الدموع والأحزان والصلوات المقهورة”. ثم يصف مآل من علّقوا آمالهم على هذا الصنف، فيقول: “لقد جاءوا أحزاناً ودموعاً في عيونهم وقلوبهم، ثم تحولوا إلى أحزان ودموع في عيون وقلوب من جاءوا لهم ومن أجلهم”. وفي مزيد من التوضيح يقول: “إن أكثر الناس إذلالا واحتقارا للطبقات المغلوبة هم أبناؤها إذا ارتفعوا فوقها وانفصلوا بانتصارهم وقوتهم عنها. إنه لا أحد يقسو على الطبقة المقهورة مثل ابنائها إذا خرجوا منها بأن أصبحوا قادرين”.
  • في نفس المبحث وفي نفس السياق، يتحدث عن طغيان الولاة محدثي النعمة وقد شبههم بآلهة شر على ما يبدو، فيقول: “إني لأخاف الإله الذي ولده إنسان ضعيف مهان متواضع أضعاف خوفي من إله قد ولده أقوى وأقدم إله. إن الآلهة أبناء الآلهة لن يكونوا في وحشيتهم مثل الآلهة أبناء البشر أو أبناء الإنسان”. ويستمر ليعبّر عن مخاوفه تجاههم ويقول: “أيتها الأرض، إني ارتجف من طغاتك الذين يتفجرون عليّ وتحت أقدامي من قاعك أكثر مما ارتجف من الطغاة الذين يهبطون علي من فوق هامات النجوم. يا طغاة السماء، إني لا أخافكم مجتمعين مثلما أخاف طاغية واحداً من طغاة الأرض”.
  • ويستطرد وهو لا يزال في نفس المبحث ليوضح كيف أن مفهوم (التقوى والنظافة) يتغاير بين بنو البشر كل حسب مرتبته، فالأمر ليس سيان بين الواعظ والضعيف والفاجر والتقي. فيقول: “إن التقوى والنظافة هما دائماً بلا وعاء، أي بلا تطبيق، أي بلا إنسان. إن جميع الناس مهما تفاوتوا وتفاوتت أساليبهم يفعلون التقوى والنظافة على مستوى ما وبتعبير ما، ولكن كما يفعلون الفجور والتلوث، أي يفعلونهما بلا أخلاق أو تديّن، أي كما يشترون الطعام ويجدون لذة أو راحة في ابتلاعه ومضغه، وكما يتجنبون مهالك الطريق ويشتهون النساء، وكما يصابون بالخفقان حين رؤيتهن وبلا رؤية لهن. وكما يتفاوتون في ممارساتهم لهذه كذلك يختلفون ويتفاوتون في ممارساتهم لما يزعمونه تعرى ونظافة”.
  • في مبحث (أيها الملاك أنت أبشع جلّاد) يرفع المؤلف العديد من علامات الاستفهام حول الأديان والأنبياء والكتب المقدسة، من ضمنها استفهامه في: “هل الأنبياء والأديان والكتب المنزلة ابتداء من الفراغ أم هي تجميع وتركيز وتوكيد وتكرار وإلحاح وطرق دائم عنيف على الباب القديم الذي كان موجوداً بالأيدي القديمة التي كانت موجودة”. ثم يكيل عيار من هجاء لاذع ضد الملائكة والذين في رأيه يعينون على أبشع طغيان في الكون اشتهاءً للطغيان فحسب، وقد قبضوا ثمن كونهم أعواناً له، فهم يضربون بنو البشر بالمرض والعذاب والقتل والتشويه والزلازل والبراكين. وقد عاب على الإنسان محاباة الملائكة فيما تمتلك من مزايا، بنفس الأسلوب الذي يحابون به الآلهة، وعجزهم عن توجيه أي نقد لها -أو لسكان السماء حسب تعبيره- وقد سلطوا عدوانهم على وجوده وأخلاقه وجسده وذكائه وتفكيره، فيتساءل مجدداً: “والآن هل تقبل أن تكون رديئاً أو وحشاً أو جلاداً أو عميلاً للطغيان الرهيب كالملائكة؟ هل تستطيع أن تمارس من البذاءة والذم والهجاء الظالم ما يجعلك تجرؤ على أن تصف أي كائن بأنه ملاك مهما كان رديئاً أو وحشاً أو جلاداً أو عميلاً للطغيان والقبح؟ الآن هل تقبل أو تجرؤ على ذلك؟”. ويقول: “إن أقسى وأفجر جلّاد لأقسى وأفجر طاغية لهو أكثر ملائكية من الملائكة، وإنه لأقل إبليسية أو شيطانية من الملائكة”.
  • وفي شطحة سافرة حول تبرير القرآن قتل الغلام في قصة موسى والخضر، يقول وهو مستمر في نفس المبحث: “إنه لو وجد كل من يقتلون مسوغاً لأن يقتلوا لبقي قاتل واحد لا يجد هذا المسوغ للقتل ولكان هذا الواحد هو الله. إن كل الناس يغفرون للإله ما لا يغفرون لأنفسهم أو لأي كائن غيره، حتى الأنبياء، إنهم يغفرون للإله ويتقبلون منه ويفسرون له ما لا ستطيعون أن يغفروه أو يتقبلوه أو يفسروه لأحد سواه. لقد عجز النبي موسى أن يغفر قتلة واحدة لذلك الرحل الغيبي الغامض الذي وقع عليه الشروط مع إنه أي النبي موسى يغفر للإله أن يقتل كل أحد، وأن يفعل كل الآلام والدمامات والذنوب المشهودة”.
  • وفي استفسار سوداوي حول ما يحيط الإنسان من كون وحياة ووجود وناس وأخلاق ومنطق وفكر ونظم وأمثال ومذاهب ومشارب وغيرها من عوامل قتالية لا تحمل سلاحاً، يقابلها الإنسان بالمقاومة والرفض والاستنكار فكرياً وأخلاقياً ونفسياً، يقول وهو لا يزال في نفس المبحث: “هل يوجد إنسان لا يقاتل هذا القتال؟ هل يوجد إنسان واحد -مهما كان عدواً للحروب والقتال ومهما كان جباناً أو ضعيفاً ‏ لا يقاتل هذا القتال الذي هو قتال بلا سلاح وبلا أحداث جراح؟”.
  • يندب المؤلف في مبحث (كل هذا السلاح لقتل الشيطان) حظ الإنسان البائس وقد ارتبط بسماء تحمل من الأنبياء الطغاة ما تصنع له ماضيه وحاضره وقد امتلكوه وأذلوه، فيقول: “لقد أصبح حظ الإنسان والحياة من هؤلاء الأنبياء الطغاة الكذبة الذين حبلت بهم وولدتهم السماء حظاً عظيماً. ما أقسى حظوظ الحياة وحظوظ الإنسان بمن تحبل بهم السماء وبمن تلدهم السماء. إن كل حبل السماء وكل ولاداتها ليست إلا تشويهاً للحياة وللإنسان، إنها حبل بالعاهات وولادة لها”.

لم تكن قراءة الكتاب الأول للمؤلف المثير للجدل تجربة مرهقة للأعصاب بسبب آرائه الإلحادية أو لوثته الفكرية أو هرطقته أو سفسطته فحسب، بل للتكرار الهستيري الذي جاء حرفياً كطابع عام في أسلوب الكاتب الأدبي. بيد أنه جاء بمنفعة وحيدة حين أتاح لي تطوير مهارة القراءة السريعة (skimming and scanning)، حتى ضقت ذرعاً في آخره .. زاد في حدة هذا الصراع الحجر المنزلي الذي بدى سرمدياً ضد وباء كورونا!.

عليه، جاء ترددي في تدوين مراجعة الكتاب من قناعة عدم استحقاقه، غير أن هذه التدوينة جاءت لتوثيق رأيي في عدم استحقاقه بالحجة … لا أكثر ولا أقل!.

قفشة على الهامش: استحضر دوراني المكوكي في معرض للكتاب بإحدى المدن العربية وتوقفي ببراءة عند دار نشر لبنانية للاستفسار عن إصدارات الكاتب، واستنكار البائع بدوره، فقد كان بطبيعة الحال على قائمة الكتب الممنوعة حيث لا يتم تداولها رسمياً في معارض الكتاب! إذ قال رافعاً حاجبه الأيسر: “ولو؟؟؟” ولا أعرف أن كنت حينها قد بدوت في نظره (ساذجة) حقاً، أم (مشبوهة) على طريقة المخبرين وقد كشف سري؟!

بعدها، جاء الكتاب ضمن قائمة مشترياتي الإلكترونية من موقع جملون كعينة اختيارية للتعرف على القصيمي ومؤلفاته! لم تنته المشكلة بعد وقد جاء الكتاب مخيباً للآمال، فقد تضمنت القائمة تلك كتابين آخرين للمؤلف هما (العرب ظاهرة صوتية) و (الكون يحاكم الإله). لا تزال المشكلة قائمة حتى وقت كتابة هذه التدوينة، فقد جاء الكتابين المتبقيين في حجم المجلدات!.

… والله يستر!

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (103) في قائمة حوت (105) كتاب، قرأتهم عام 2020 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (100) كتاب فقط! وقد حصلت عليه من متجر جملون الإلكتروني للكتب في ديسمبر من عام 2019، ضمن (35) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من تلك الشحنة!.

لقد كان 2020 عام الوباء الذي جاء من أعراضه الجانبية (ملازمة الدار وقراءة أكثر من مائة كتاب)! لم يكن عاماً عادياً وحسب .. بل كان عاماً مليئاً بالكمامات والكتب.

وفي هذا العام، دأبت على كتابة بعض من يوميات القراءة .. وعن هذا الكتاب، فقد قرأته في شهر (نوفمبر)، والذي كان من فعالياته كما دوّنت حينها:

السفر ممنوع .. والاحترازات جارية“.

 

تاريخ النشر: يوليو 5, 2022

عدد القراءات:63 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *