الكتاب
الإنسان والبحث عن المعنى: معنى الحياة والعلاج بالمعنى
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Trotzdem Ja zum Leben sagen: Ein Psychologe erlebt das Konzentrationslager - By: Viktor Emil Frankl
المترجم/المحقق
طلعت منصور
دار النشر
مكتبة الأنجلو المصرية
الطبعة
(1) 2012
عدد الصفحات
142
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/20/2021
التصنيف
الموضوع
والحياة تستحق العيش .. مهما كان
درجة التقييم

الإنسان والبحث عن المعنى: معنى الحياة والعلاج بالمعنى

يخط الكاتب عن بينة ما تُملي عليه نفسه من آهاتها وآمالها، لا لأنه طبيب اختص بالنفس، بل لأنه كان في قلب الحدث العصيب، وليس الخبر كالعيان! إن الحياة بظروفها وتعقيداتها وأقدارها ليست هي من تصنع الإنسان، بل الإنسان هو من يبني ذاته في مواجهتها، ففي المعتقل النازي الذي وزّع ناره بالعدل عل كافة المعتقلين ولم يبخس أحدهم من العذاب شيئا، جنح بعضهم إلى التواطؤ مع الجلادين، في حين تقاسم أصحاب النفوس الشامخة مع أقرانهم، ما تبقى في جيوبهم من كسرات الخبز المخبأة عن أعين سجانيهم .. منهم من قضى نحبه، ومنهم من شاء له القدر أن يعود إلى الحياة من جديد ليحدّث عن المعنى التي تبّثه في حلوها ومرها .. وكان منهم مؤلف الكتاب!.

إنه د. فيكتور إميل فرانكل (1905 : 1997)، طبيب نفسي وأعصاب، نمساوي من أصل يهودي، وأحد الناجين من محرقة الهولوكوست الجماعية التي أشعلتها ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية وأبادت ستة ملايين يهودي، حيث مكث فيها وحيداً عارياً، يعاني من الجوع والبرد والعذاب، ويترقب الموت في كل لحظة، ومجرّداً من أي معنى لحياته، بعد أن سيق والداه وأخوه وزوجته إلى الإعدام في أفران الغاز. ساهمت تجربته القاسية كمعتقل في تلك المعسكرات النازية في تطوير تقنية العلاج بالمعنى، والذي يعتبر أحد طرق العلاج النفسي الوجودي، ويقوم على اكتشاف المعنى في كل صورة من صور الوجود حتى في تلك الصور الأكثر قساوة، ما يعطي دافعاً لاستمرارية الحياة. تذكر شبكة المعلومات تجربته الأولى عندما كان لا يزال طالباً، حيث لاحظ في العامين 1928 و 1929 ارتفاع نسبة المنتحرين من فئة المراهقين في فيينا، فأسس ابتداءً مركزاً لتقديم المشورة الطبية المجانية بمعاونة عدد من الشخصيات البارزة، والذي لاقى نجاحاً باهراً بحيث لم يتم تسجيل أي حالة انتحار بين المراهقين خلال عام 1930. لقد كان يوجه سؤالاً واحداً إلى المرضى الذين كانوا يعانون من الاكتئاب أو خضعوا لتجربة انتحار، عن سبب رغبتهم في إنهاء حياتهم، ليستوحي من خلال إجاباتهم العلاج النفسي الفعّال لكل واحد منهم. ينتقل إلى ألمانيا بناءً على دعوة من زميله الطبيب النفسي فيلهلم رايش، فيلتحق بأحد مستشفيات الطب النفسي التي كان يعالج فيها في كل عام ما لا يقل عن ثلاثة آلاف مريض، حتى يعود إلى فيينا عام 1940 لينضم إلى أحد المستشفيات فيها كرئيس لقسم الأعصاب، ويؤسس فيما بعد عيادته الخاصة التي عمل فيها حتى تقاعده عام 1970. حصل على درجة الأستاذية في علم الأعصاب والطب النفسي، وكذلك على درجة الدكتوراة في الفلسفة عن أطروحته (إله الوعي) التي ربطت بين علم النفس والدين، بالإضافة إلى حصوله على ما يقرب من ثلاثين درجة دكتوراة فخرية، كما عمل كأستاذ محاضر في جامعات عالمية، وأصدر ما يقرب الأربعين كتاب ترجمت إلى حوالي خمسين لغة عالمية.

ينقسم الكتاب -الذي جمع بين علم النفس والسير الذاتية وأدب السجون- إلى جزئين رئيسيين، يسهب فيهما المؤلف حديثه حول معنى الحياة والاستشفاء به من خلال طرح عدد من المواضيع ذات الصلة، يحظى معها الكتاب بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي. هي كما يلي:

الجزء الأول: خبرات في معسكر اعتقال

  • الصدمة هي الطور الأول لردود الأفعال النفسية:

وفيه، يتطرّق المؤلف إلى هذه المواضيع: الوهم / الوجود المتعري / نمط غريب من المرح / من حب الاستطلاع إلى الدهشة / فكرة الانتحار والإحساس بالعدم / رد الفعل غير الطبيعي إزاء موقف غير طبيعي هو رد فعل طبيعي.

  • البلادة والموت الانفعالي هما الطور الثاني لردود الأفعال النفسية:

وفيه، يتطرّق المؤلف إلى هذه المواضيع: الألم النفسي / البلادة كآلية للدفاع عن الذات / اختفاء الدافع الجنسي / السبات الثقافي / خلاص الإنسان هو من خلال الحب وفي الحب / الهروب إلى الماضي / الإحساس بالجمال / تنمية روح المرح كحيلة دفاعية للمحافظة على الذات / المعاناة حالة نسبية / الأنا والقيم / إغفال الوجود الإنساني / قصة “الموت في طهران” / توقع الحرية / بين الأمل واليأس.

  • صورة عامة عن الحياة النفسية للسجين:

وفيه، يتطرّق المؤلف إلى هذه المواضيع: الحاجات والأحلام والواقع / الحرية والاختيار / العظمة الداخلية / الخبرة بالزمان والمكان / الأفكار الراجعة إلى الزمن الماضي / الانتصار الداخلي / التطلع إلى مستقبل / وماذا يحدث عند فقدان الثقة في المستقبل؟ / العقل والبدن / ويل لمن لا يرى في الحياة معنى / المسئولية ومعنى الحياة / القدوة والكلمة وأثرهما العلاجي / الأمل كمدخل علاجي.

  • الطور الثالث من ردود الأفعال النفسية: سيكولوجية السجين بعد الإفراج عنه:

وفيه، يتطرّق المؤلف إلى هذه المواضيع: فقدان القدرة على الإحساس بالسرور / اختلال الإنية / الشهية الزائدة / الكلام الزائد / الطريق من حرب الأعصاب إلى السلام العقلي / القسوة / التحرر من الوهم.

الجزء الثاني: المبادئ الأساسية للعلاج بالمعنى:

وفيه، يتطرّق المؤلف إلى هذه المواضيع: إرادة المعنى / الإحباط الوجودي / العصاب معنوي المنشأ / الديناميات المعنوية / الفراغ الوجودي / معنى الحياة / الالتزام بالمسئولية جوهر الوجود / معنى الحب / معنى المعاناة / المشكلات الإكلينيكية الكبرى / المسرحيات النفسية القائمة على العلاج بالمعنى (اللوجودراما) / المعنى الغائي / زوال الحياة / العلاج بالمعنى كأسلوب / العصاب الجمعي / نقد الحتمية الشمولية / فلسفة الطب النفسي / إعادة أنسنة الطب النفسي.

ومن الكتاب الذي جاء يتحدث عن معنى الحياة والمؤلف ينظر إليها من ثقب إبرة، أدوّن في الأسطر القادمة ما علق في روحي بعد القراءة، أدوّن في الأسطر القادمة ما علق في نفسي منها بعد القراءة، وباقتباس في نص مفعم بالحياة (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • يؤكد د. فرانكل في (الالتزام بالمسئولية جوهر الوجود) على أن تحمّل المسئولية يمثّل جزءاً أساسياً في تقنية العلاج بالمعنى، بل إنه مطلب وضرورة، “وهكذا تعيش كما لو أنك كنت تعيش بالفعل للمرة الثانية، وكما لو أنك قد عملت على نحو خاطئ في المرة الأولى مثلما تفعل الآن”. لذا، فهو يعتقد بأنه لا يمكن لأي شيء استثارة حس المسئولية لدى الإنسان مثل هذا المبدأ “الذي يدعوه إلى أن يتخيل أولاً أن الحاضر ماض، وثانياً، أن الماضي ربما يخضع أيضاً للتغير والتحسن. وتلك قاعدة سلوكية تواجه الإنسان بما في الحياة من تناه وكذلك بما فيها من نهائية، مما يحققه لحياته ولنفسه على حد سواء”. ومع الوعي الذي يكتسبه الإنسان من خلال العلاج بالمعنى حول التزامه بمسئولياته، لا بد أن تًترك له حرية اختيار أهدافه في الحياة، ومن ثم تحمّل مسئولياته تجاهها كإنسان فاعل ومسؤول. وبهذا، يعتقد د. فرانكل أن المعالج بالمعنى يختلف عن المعالجين النفسيين الآخرين في “فرض أحكام قيمية على المريض”، إذ أنه لا يسمح للمريض بإيكال مهمة إصدار الأحكام واتخاذ القرار له كمعالج، بل على المريض نفسه اتخاذ القرار المتعلق بتفسير مهام حياته كمسؤول أمام نفسه وأمام المجتمع.
  • ورغم ما سبق، فإن د. فرانكل يشير بإصبعه ضد كل ما من شأنه أن يحيد بحرية اختيار الإنسان ويؤطرها حسب ما يمليه الدين أو العرف أو السياسة أو غيرها من مصادر قوى. فيقول: “إلا أن الغالبية من الناس يعتبرون أنفسهم مسئولين ومحاسبين أمام الله سبحانه وتعالى، وهم بذلك يمثلون أولئك الأشخاص الذين لا يفهمون حياتهم على أساس المهمة المقررة لهم فحسب، ولكنهم يفهمونها أيضاً في ضوء ما يقرره السادة ممن يكلفونهم بهذه الأعمال. وليس العلاج بالمعنى تعليماً ولا وعظاً، فهو بعيد عن التفكير المنطقي وبعيد كذلك عن النصائح الأخلاقية”. إن مهمة المعالج بالمعنى تتحدد في تمكين المريض من رؤية العالم بشكل كامل وعلى نحو واقعي، ما يبصّر المريض بالمجال الشامل لمعنى الحياة. يستمر د. فرانكل في قوله الحكيم ويوضّح بأن: “الدور الذي يلعبه المعالج بالمعنى، إذا تكلمنا بشكل مجازي، أقرب إلى دور الطبيب أخصائي العيون منه إلى الرسام، فالرسام يحاول أن ينقل إلينا صورة عن العالم كما يراها هو، في حين أن طبيب العيون يحاول أن يمكننا من أن نرى العالم كما هو في الواقع. وعلى هذا النحو، يتحدد دور المعالج بالمعنى بمد المجال البصري للمريض وتوسيعه لكي يصبح المريض واعيا بالمجال الكلي للمعنى وما ينطوي عليه من قيم ويكون قادرا على رؤيته والتبصر به. فالعلاج بالمعنى ليس بحاجة إذن إلى أن يفرض أي أحكام على المريض، لأن الحقيقة تفرض نفسها بالفعل ولا تحتاج في الواقع إلى تدخل أو وساطة”.
  • يعرض د. فرانكل في (المسرحيات النفسية القائمة على العلاج بالمعنى) نماذج لمرضى نفسيين في عيادته، كامرأة حاولت الإقدام على الانتحار بعد وفاة أحد ابنيها، والذي لم يمنعها من الانتحار سوى ابنها الآخر الكسيح الذي كانت الحياة -رغم ذلك- تمثّل له معنى. وبعد الانتهاء من عرض الحالات وما كان فيها من الأخذ والرد بين الطبيب والمرضى، ينتقل إلى طرح سؤالاً مخاطباً فيه المجموعة ككل، يفضي إلى إدراك أكثر رحابة لما لهذه الحياة من معنى للإنسان في عالمه وما وراء عالمه: “وكان موضوع السؤال عن القرد الذي يستخدم في تجارب للتوصل إلى مصل لشلل الأطفال، وعن أنه لهذا السبب يتعرض للهلاك مراراً، وعما إذا كان للقرد أن يكون قادراً على أن يدرك معنى لمعاناته. وبالإجماع، أجابت المجموعة بأن القرد ليس في مقدوره ذلك بطبيعة الحال، فبسبب إدراكه المحدود القاصر لا يستطيع أن يدخل في عالم الإنسان، وهو العالم الوحيد الذي يمكن فيه إدراك المعاناة وفهمها. ثم مضيت قدماً بالسؤال التالي: “وماذا عن الإنسان؟ وهل أنتم متأكدون من أن العالم الإنساني مرحلة نهائية في تطور الكون؟ ألا ترون أنه لا يزال يوجد بعد آخر ممكن، وهو عالم ما وراء عالم الإنسان، وهو عالم نجد فيه إجابة على السؤال الخاص بالمعنى الغائي للمعاناة الإنسانية”.
  • يقول عن خبراته في معسكر الاعتقال وهو يطرق موضوع (بين الأمل واليأس)، بأن الإثارة التي توقظها توقعات الحرية يأتي وقعها مدوياً على النفس إذا ما تعرضت تلك التوقعات للخذلان! وذلك ما تعرّض له هو وعدد من رفاقه حين مكثوا في السجن وقد تهيأوا للخروج منه مع بقية المساجين الذين أقلتهم شاحنات كبيرة، وذلك بناءً على أوامر عليا تقضي بإخلاء المعسكر ضمن صفقة ما لتبادل أسرى الحرب. لكنه، وبعد أن نال الإحباط منه ورفاقه حين استعدوا للرحيل وهم لا يزالون يتأرجحون بين الأمل واليأس، يحكى ما جرى عليهم من تصاريف الحياة، فيقول: “بعد عدة أسابيع اكتشفت أنه حتى في تلك الساعات الأخيرة كان القدر يلعب معنا نحن القلة الباقية من المسجونين. واكتشفنا عندئذ كيف تكون القرارات الإنسانية غير أكيدة، خاصة في أمور الحياة والموت. فلقد فوجئت بصور جرى أخذها في معسكر صغير لا يبعد كثيراً عنا، ووجدت أن زملائي الذين اعتقدوا أنهم راحلون إلى الحرية قد أخذوهم في تلك الليلة في الشاحنات إلى هذا المعسكر، حيث قاموا بإغلاق الأبواب والمنافذ الموجودة في الأجنحة التي وضعوهم فيها، وأحرقوهم حتى الموت. وكان يمكن التعرف من الصور على جثثهم شبه المتفحمة”.
  • ينظر د. فرانكل كمعالج بالمعنى إلى قيمة الحب من منظور علاجي باعث على التأثير، لما للحب من قدرة على سبر أغوار المحبوب ولما له من طاقة على شحذ الأمل فيه من جديد. فيقول في (معنى الحب) قولاً مرهفاً: “الحب هو الطريقة الوحيدة التي يدرك بها الإنسان كائناً إنسانياً آخر في أعمق أغوار شخصيته. فلا يستطيع إنسان أن يصبح واعياً كل الوعي بالجوهر العميق لشخص آخر إلا إذا أحبه. فبواسطة الفعل الروحي للحب، يتمكن الإنسان من رؤية السمات والمعالم الأساسية في الشخص المحبوب، بل إن الإنسان يرى أكثر من ذلك، ما هو كامن في الآخر، يرى ما ينبغي أن يتحقق مما لم يتحقق فيه بعد. وعلاوة على ذلك، فإن الشخص المحب بحبه إنما يمكّن الشخص المحبوب من تحقيق إمكاناته، فبواسطة تبصيره ليكون على وعي بما يمكن أن يكون عليه وبما ينبغي أن يصير عليه، إنما يجعل مما كان كامناً من هذه الإمكانات حقيقة واقعة”.

وعن الكتب التي تنير الإنسان روحانياً حتى تبثّ له الحياة من أعماقه، تحظى مكتبتي بمجموعة غنية بالإضافة إلى هذا الكتاب، أذكر منها على سبيل المثال: تجاوز مستويات الوعي – لمؤلفه: د. ديفيد هاوكينز / الصحوة: دليل في الروحانية بلا دين – لمؤلفه: سام هاريس / رحلة الأرواح: دراسات لحالات عن الحياة بين الحيوات – لمؤلفه: د. مايكل نيوتن / قوة الآن: الدليل إلى التنوير الروحي – لمؤلفه: إكهارت تول / الأرض الجديدة: كيف تكتشف معنى حياتك؟ – لمؤلفه: إكهارت تول / الجلطة التي أنارت بصيرتي: تجربة شخصية لعالمة في المخ – لمؤلفه: د. جيل بولتي تيلور / فن اللامبالاة: لعيش حياة تخالف المألوف – لمؤلفه: مارك مانسون / سحر الواقع: كيف تعرف حقيقة الواقع؟ – لمؤلفه: ريتشارد دوكنز

ختاماً أقول، إن الإنسان في سعيه نحو اختيار الأفضل من البدائل اللامتناهية، سيجعل من الإمكانات المتاحة ما يندثر بعضها وما يعيش منها البعض الآخر، كبصمة محفورة في جدار الزمن “فينبغي أن يقرر الإنسان في كل لحظة، ما سيتركه من أثر لوجوده وذكريات لحياته، سواء أكانت آثاراً حسنة أم سيئة، وذكريات عطرة أو بغيضة”.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (47) في قائمة حوت (55) كتاب، قرأتهم عام 2021، وقد حصلت عليه من متجر نيل وفرات الإلكتروني للكتب العربية في يونيو من نفس العام، ضمن (80) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من تلك الشحنة.

 

 

تاريخ النشر: أغسطس 4, 2022

عدد القراءات:7 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.