الكتاب
الأنا وجحيم الآخر: ديناميات العنف في المجتمعات المتشظية
المؤلف
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2018
عدد الصفحات
362
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
08/23/2021
التصنيف
الموضوع
صور العنف المتفجّر في المجتمعات المتخلفة
درجة التقييم

الأنا وجحيم الآخر: ديناميات العنف في المجتمعات المتشظية

العنف .. هي القيمة العليا التي تحرك الشعوب المتشظية -كما أسماها الكاتب في إشارة إلى دول العالم الثالث أو النامية أو حديثة العهد بالاستقلال من الكولونيالية الغربية- كقيمة إنسانية متأصلة لدى شعوبها، التي وإن شقت خطواتها نحو التحضر والعصرانية وولوج حضيرة المجتمع المتحضر، حيث تشرع بالتحكم نوعاً ما في نوازعها وتقيّم انحرافاتها وتستلهم فضائل الأخلاق والسلوكيات القويمة، فإن أي ريح عابرة كفيلة بردها القهقري وبإشعال فتيل الصراعات والأزمات والنزاعات والحروب، الاضطراب الذي يغذّيه طبيعتها القبلية المتعصبة في ظل حكوماتها البطريركية الذكورية.

يقسم الباحث -وهو عضو في اتحاد الأدباء العراقيين- كتابه إلى ستة فصول رئيسية، يتطرق من خلالها إلى موضوعات عديدة ذات الصلة، ينال بها الكتاب أربع نجمات من رصيد أنجمي الخماسي، وهي كالآتي:

  1. الفصل الأول: ضجة في صف المفاهيم: دلالات العنف وأشكال تجلياته
  2. الفصل الثاني: الإنسان والعدوان: أصول الدوافع العنيفة في الطبيعة البشرية
  3. الفصل الثالث: أقنعة العنف: أنماط العنف من الفكرة إلى الخبرة
  4. الفصل الرابع: سوسيولوجيا العنف: عوامل تحول العنف من الإمكان إلى القوة
  5. الفصل الخامس: أخلاقيات العنف: شرعية العنف بين الدولة والمجتمع
  6. الفصل السادس: أجيال التعميد بالدم: من المواريث البدائية إلى المثيرات الميديائية

… وينتهي بـ: بدلاً من الخاتمة: هشاشة وحدة الأنا والآخر: من التأكيد إلى النفي

ومن الكتاب الذي استخدم لغة بحث أكاديمية تعززها قائمة ثقيلة من المصادر والمراجع، أدون مقتطفات مما علق في ذهني بعد القراءة، وباقتباس في نص عنيف (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • يسهب الباحث في الفصل الأول في الحديث عن العنف كظاهرة راسخة في المجتمعات البشرية، وهو يستعرض ما يقع في مضمارها من تصورات وسلوكيات بما تحمله من دلالات ومعاني، فيتدرج في حديثه إلى خمس وعشرين حالة على التوالي: العنف، العدوان، القوة، الإكراه، القسوة، التعذيب، القمع، الإذلال، الحرمان، الصراع، الردع، التطهير، الاجتثاث، الانتقام، التعصب، التطرف، الحرب، الإرهاب، غسل الدماغ، المقاومة، الغضب، الاغتصاب، السفاح، الإهمال، الاغتيال. أما عن (الاغتصاب) كممارسة جنسية مستهجنة يأتي بها الرجل ضد المرأة، تقوم على الإكراه المصحوب بالعنف، فهي تخلّف بطبيعة الحال جملة من مغبّات نفسية وأخلاقية واجتماعية، تذهب فيها المرأة كضحية أولى!. يقول الباحث: “ولإظهار بشاعة هذه الممارسة العدوانية ضد الجنس الآخر، ومن ثم تعرية مدى وحشية العنف الذي يتمخض عنها، أشار الباحث (ممدوح عدوان) إلى أنه «بالمقارنة صار يمكن القول إن الحيوان لا يجلب حيوانات أخرى تمسك له أنثاه كي يغتصبها، كما أنه لا يقيدها بالحبال أو يخدرها كي يفعل ذلك. ومن البديهي أن الحيوان لا يمارس الجنس مع الجثث أو مع حيوانات من غير جنسه. وما دمنا في هذا الجانب الجنسي من العنف، فقد تبين في دراسة عن الاغتصاب نشرت في مجلة (التايم) العدد (5) أيلول / سبتمبر 1983) ومن خلال بحث بين مرتكبي جرائم الاغتصاب، أن الجنس ليس وحده ما يحرك المغتصب، بل (الاغتصاب هو التعبير الجنسي عن العدوانية)، وتبين أن معظم هؤلاء المغتصبين ينظرون إلى الفعل الجنسي ليس فقط بأنه مفرج عن الكبت، بل بأنه يحط من قدر الطرف الآخر. وهم بهذا نتاج ثقافة تؤكد هذا الرأي. ومن ثم فإن المغتصب يستخدم الجنس كسلاح للحط من قدر المرأة (أو قومها)، أو كما يقول أحدهم: الطريقة الوحيدة التي تجعلني أحس بأنني أفضل منها هي أن أجعلها تحس بأنها أسوأ مني»”.
  • وهو إذ ينتقل إلى الحديث في الفصل الثالث عن نمطية العنف التي تندرج من الفكرة إلى الخبرة، فهو يؤكد على أن الإشكالية لا تكمن في ما يحمله البشر من اعتقاد نحو مفهوم العنف كفكرة كامنة في الوعي الجمعي، وإنما فيما يصطدم بالواقع ويشتبك مع مكونات المجتمع ككل!. وعلى هذا الأساس، يستعرض الباحث تسعة أنماط رئيسية تشكّل أبرز صور ممارسة العنف التي يمارسها أفراد المجتمع البشري ضد بعضهم البعض، هي كما يلي على التوالي: أولاً: العنف السلوكي/ الجسدي، ثانياً: العنف السلطوي/ السياسي، ثالثاً: العنف العرقي/ القومي، رابعاً: العنف الطائفي/ الديني، خامساً: العنف العشائري/ القبلي، سادساً: العنف اللغوي/ الرمزي، سابعاً: العنف الجندري/ الجنسي، وينقسم إلى: العنف الجنسي/ الفسيولوجي: (نقص التكوين ونجاسة الوجود)، العنف الجنسي/ الشبقي: (نزعة الإغواء ولعنة الإيروسية)، العنف الجنسي/ الاجتماعي (دونية المكانة وهامشية الدور)، العنف الجنسي/ الاقتصادي (بضاعة للبغاء وسلعة للمتعة)، العنف الجنسي/ الثقافي (فجاجة العقل وطفولة الوعي). ثامناً: العنف القيمي/ الأخلاقي، تاسعاً: أنماط أخرى للعنف، وهي: العنف المكاني/ الجغرافي، العنف الغنائي/ الإعلامي. وفي حديثه عن (العنف القيمي / الأخلاقي)، يؤكد الباحث على أن هذا النمط من العنف يظهر في أشدّ صوره في المجتمعات المتصدعة في بنيتها والمتشظية في مكوناتها، والتي تتعرض لنظام حكم بطريركي في العادة! بيد أن هذا النمط لا يُمارس -كما هو متوقع- من قبل فرد أو جماعة ضد أخرى بدافع الانتماءات أو الولاءات أو الثقافات أو الهويات أو غيرها من العوامل الهامشية، إنما تفرضه في الواقع الأنظمة السياسية بغرض فرض سلطتها وتعميم أيديولوجياتها. وهي في هذا تضغط على زناد الانفجار بين الدولة ككيان مستقل وبين مكونات المجتمع، ما يؤسس لحالة مستدامة من العنف بين الجماعات الأصولية المتباينة في مرجعياتها، والتي تفرض بدورها حالة من الالتزام العلائقي بين أفراد تلك الجماعات لا يحكمها الضوابط الأخلاقية بقدر الخوف من بطش السلطة. يقول الباحث: “وحالما تطلق السلطة العنان لفرض سلطتها، وشيوع قيمها، وتعميم أخلاقياتها عبر احتكارها للمؤسّسات الأيديولوجية (التعليمية والتربوية والإعلامية)، وتحكمها بالفضاءات السيكولوجية والرمزية (المناسبات الوطنية والدينية)، حتى تتمكن من غزو بنى الوعي الاجتماعي، وتحتل منظومات الثقافة الوطنية، وتغدو بالنسبة للجميع بمنزلة المرجعية العليا التي تحدد خياراتهم، وتعيّن توجهاتهم، وتؤطر تفكيرهم بما ينسجم والأهداف التي تسعى إليها، والغايات التي تتوخى بلوغها، بعد أن تكون قد انتزعت منهم القدرة الذاتية على الرفض أو المانعة حيال كل ما يصدر عنها من قرارات وممارسات، بصرف النظر عما إذا ما اتسمت الأولى بالشرعية، وحظيت الثانية بالإنسانية من عدمه. ولهذا، فحين «يحل حكم السيف تضيع الكرامة، ويستسلم الناس، ويستدعون من أنفسهم كل الكوامن الخبيثة ليعايشوا السلطة القاهرة بأسلحة طباعها. وفي بعض فترات التاريخ، يبدو الواقع حاداً شديد الحدة، فيخيل للإنسان الذي يعايش هذا الواقع أن كل ما قرأه عن القيم الخيرة والنزوع البشري إلى الخير ما هو إلا أوهام كتاب حالمين لم يصطدموا بالواقع. فعند احتدام هذا الواقع، لا يستطيع الإنسان أن يميز بين الخطأ والصواب، وحين ينتصر الباطل في أفصح صوره، موقعة في إثر موقعة، ويكتسح الحكم الإرهابي أمامه كل العقبات، يحدث ما يشبه الوباء العام، وتصبح غالبية الناس جبناء ونهازين وقتلة ومجرمين، حتى يصعب تصديق أن الطبيعة البشرية تحتوي على أي إحساس يمتُ للخير بصلة. إن نفوس الناس تنهار واحدة في إثر الأخرى، والعدوى تنتقل انتقال الوباء المستشري، وتفقد البشرية إحساسها بالكرامة، كأنها هي تحكم على نفسها بالانحطاط إلى أبعد مدى، تعاقب نفسها بما ترتكبه من آثام. وليست المسألة بعد ذلك صراعاً بين قوى ظالمة وقوى مظلومة، إنما هي في الواقع صراع بين القيم الإنسانية العليا والقيم السفلى، ومهما تلبس القوى من أردية المنطق والعدالة السياسية فإنها في الواقع تنخر في صميم الكيان البشري، وتوشك أن تؤدي بهذا الكيان إلى الفناء»”.

ومع الفائدة العلمية أو الأدبية أو الفكرية التي أرتجيها في العادة مع كل كتاب اقرأه، فإن الكتب التي سأسعى للحصول عليها من خلاله هي فائدة أخرى أتوخاها! وبفضل هذا الكتاب، سأسعى للحصول على هذه المجموعة من الكتب: الاستشراق جنسياً – المؤلف: أرفن جميل شك / سيكولوجية التعصب – المؤلف: أندريه هاينال / التضحية غير المجدية: بحث في العنف السياسي – المؤلف: بول دوموشيل / تحطيم العقل – المؤلف: جورج لوكاش / المرأة العربية والمجتمع التقليدي المتخلف – المؤلف: د. سلوى خماش

ختاماً .. إنه كتاب ذو تحليل ثاقب ومتعمق لا يخلو من واقعية ونظرة متجذرة في الماضي، واستشرافية نحو المستقبل.

إنه يستحق القراءة وإعادة القراءة.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (14) في قائمة حوت (55) كتاب، قرأتهم عام 2021، وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية عام 2020 ضمن (90) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

 

تاريخ النشر: يوليو 9, 2022

عدد القراءات:69 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *