الكتاب
ابن رشد: طاقة نور في عالم معتم
المؤلف
دار النشر
دار الكتاب العربي
الطبعة
(1) 2013
عدد الصفحات
255
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
02/14/2018
التصنيف
الموضوع
وبعد ثمانية قرون .. لا يزال ابن رشد الحاضر أبداً
درجة التقييم

ابن رشد: طاقة نور في عالم معتم

كتاب قيّم يتناول سيرة فيلسوف مسلم عربي رائد، قد حظي من الاهتمام والرفعة عند الغرب بقدر ما حظي من الإنكار والرفض عند بنو جلدته العرب.

يسجل الكتاب سيرة حياة هذا الفيلسوف العظيم في أكثر من مائتين صفحة، ابتداءً من نشأته في أسرة سليلة العلم والفقه والقضاء، وانتهاءً بما سمي بـ (نكبة ابن رشد) التي ختم بها حياته بعد نفيه من مسقط رأسه في قرطبة، إلى مراكش حيث مماته.

في هذا يستعرض الكتاب ما تخلل مسيرة منهجه الفكري، ورسالته التوفيقية بين الشريعة والفلسفة، وعلى وجه الخصوص حربه الفكرية البارزة مع الإمام أبو حامد الغزالي ضد رأيه المتعنت في الفلسفة وأهلها، اضافة إلى آرائه المناصرة للمرأة رغم اقتضابها …، والكثير من الطاقات النورانية التي فاضت فانهمرت بعد ممات الفيلسوف بأكثر من ثمانية قرون!.

ولأن هذا الكتاب القصير نسبياً يسلط الضوء على أكثر الجوانب أهمية في حياة (الفيلسوف الأول)، فإنه يعتبر بمثابة مقدمة جيدة للإلمام بسيرته، وكبوابة للنهل من بحر علمه المستفيض.

في خضم ما تموج به الأمة الإسلامية المعاصرة من صراعات وتحديات وفرقة، يأتي المنهج الرشدي التنويري كحل عملي ليأخذ بيد أبنائها نحو الخير والتقدم والرقي، على طريق الفكر المستنير والنقاش الحر والعمل الجاد.

يحظى الكتاب بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي، وقد عرضت صفحة الفهرس منه تسعة فصول، أسردها كما يلي:

  1. ابن رشد الشعاع الأخير
  2. طاقة نور في عالم معتم
  3. العقل عند ابن رشد
  4. تكامل العقل والإيمان عند ابن رشد
  5. ابن رشد ومنهجه الفقهي والعلمي
  6. ابن رشد والتوفيق بين الشريعة والفلسفة
  7. الغزالي .. ابن رشد .. أعظم معركة فكرية
  8. ابن رشد .. نصير المرأة والمدافع الأول عن حقوقها
  9. فيلسوف ضحية زمانه

يمنعني إجلالي من تسطير كلمات يسيرة بحق هذا الفيلسوف العظيم، إلا أن الأسطر القادمة قد تسعف القارئ للإلمام بمحتوى الكتاب، والذي اقتبس منه في نص من نور (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

أولاً: عن سيرته:

  • أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد .. سليل العلم والفقه والقضاء. ولد في قرطبة (520 هـ- 595 هـ / 1126 م – 1198 م). كان جده -الشهير بابن رشد الجد- قاضي قضاة الأندلس، وإمام جامعها الكبير في قرطبة، وأحد كبار أئمة المذهب المالكي، وهو الذي لا تزال مخطوطاته تقبع في مكتبة باريس حتى يومنا هذا. وكان والده -ابن رشد الأب- على نفس النهج في الفقه والقضاء وعلوم القرآن. على ذلك، لا غرابة أن يتحلى (ابن رشد الحفيد) بكمال العلم والأدب، فقد نشأ على تعلم اللغة والأدب والفقه والأصول والشريعة وعلم الكلام والحكمة والطب والرياضيات والفلك والفيزياء، بالإضافة إلى المحيط السياسي الذي ترعرع فيه.
  • عند اتساع دولة الموحدين في الأندلس عام 547هـ، كان الطبيب الشاب ابن رشد ذو السابعة والعشرون ربيعاً قد بزغ نجمه، حيث تتلمذ على أيدي أعلام الطب في زمانه، وأصبح محط الأنظار والإعجاب والتقدير لعلمه ولمؤلفاته. وقد لعب الفيلسوف الأكبر ابن طفيل -والذي كان استاذاً لابن رشد ومقرباً إلى السلطة- في تقديمه، وإلحاقه بشئون الإمارة خلفاً لوالده، فانطلق الطبيب الشاب مع نظرائه من الأطباء والمهندسين والقضاة والفقهاء في إدارة مرافق الدولة.
  • من خلال فكره التنويري، ساهم ابن رشد أيما اسهام في إرساء دعائم دولة مدنية ذات سياسة عقلانية، ترتكز أولى مطالبها على: إبطال نفوذ الفقهاء المتكلمين ووعاظ السلاطين. تدريس العلم الطبيعي. الاهتمام بتربية النشء. إحلال المرأة من ربقة عبوديتها للرجل، والحث على مشاركتها الفعالة في كل مناحي الحياة بما فيها إدارة الدولة.
  • قامت سياسة الدولة على نبذ كل ما هو مالكي أو متسلط، وعلى إعادة تأسيس التعليم بركائز من العقل والنقد، فجاءت ضرورة تدريس فلسفة أرسطو كقرار خطير في ذلك الوقت!. لم توكل هذه المهمة لفقيه كهل متزمت، إذ لم يتصدَ لهذا التحدي سوى الفيلسوف الشاب ابن رشد وقد بلغ الثلاثون من عمره .. صاحب الفكر المستنير، القادر على خلق جيل جديد ذو فكر حر، بعيداً عن التعصب الفقهي المقيت.
  • على الرغم من الحرية الفكرية الممنوحة بقوى السلطان للفيلسوف العظيم، إلا أن التحدي الأكبر الذي واجهه تمثل في إنكار فقهاء زمانه لعلمه ولفكره، في نظرة عدوانية للفلسفة يوصم مبتدعها بالزندقة، وفي موقف براغماتي يعتقد أن: (ما لا يبنى عليه عمل غير مطلوب في الشرع). علاوة على أن الدين الإسلامي السائد في الأندلس قد نشأ أصلاً في بيئة أمية، تنزع إلى رفض كل ما لم تألفه العرب، وتستنكر وجود علم يستدل به على آيات الله.
  • في خضم ذلك الجمود، جاءت محاولات ابن رشد لاستخدام المنهج العقلي في تأويل النص الديني، وذلك لإثبات ألا تعارض بين العقل والنقل، ولإيجاد ثابت أوحد بينهما، ألا وهو الحقيقة.
  • برزت علاقة الرشدية باليهودية من خلال تلميذه اليهودي الفيلسوف موسى ابن ميمون والذي اعتبر معلمه وفكره وشروحاته لفلسفة أرسطو بمثابة السلطة الفلسفية المطلقة، كما ساهم اليهود عموماً في نشرها بعد سقوط الأندلس، بواسطة الترجمات الدؤوبة من العربية إلى العبرية.
  • كان بزوغ نجم ابن رشد عامل جوهري في تطور الفكر الفلسفي الأوروبي في عصر النهضة، فمن خلال ازدهار حركة الترجمة إلى اللاتينية، اعتبر ابن رشد أول ناقل لفكر الفلسفة اليونانية إلى أوروبا. ويعبّر (جيلسون) وهو أحد الباحثين في الحضارة الأوروبية عن هذا المعنى بقوله: “ولدت العقلانية الأوروبية في أسبانيا في ذهن فيلسوف عربي، كرد فعل على النزعة اللاهوتية لعلماء الكلام العرب، فترك للجيل اللاحق نموذج من الفلسفة العقلية الصرفة، وهو نموذج كان له أثر باق في تطور الفكر المسيحي ذاته”.
  • ومن خلال ما أطلق عليه بـ “الرشدية اللاتينية”، والتي انطلقت من حركة الترجمة لشروحات ابن رشد عن فلسفة أرسطو، فقد أثارت تلك الثورة الفكرية التنويرية التي اجتاحت أوروبا قاطبة حفيظة الكنيسة، لا سيما ما تعارض منها مع فكر توما الأكويني الذي اعتمد من القضايا الأرسطية ما يتلاءم والعقيدة المسيحية، بالإضافة إلى رفض نشر وثنية يونانية بشروح إسلامية في الوسط المسيحي.
  • ومن أشهر معارك ابن رشد التي خاضها كانت في تصديه لرأي الإمام الغزالي ضد الفلاسفة في كتابه الشهير (تهافت الفلاسفة)، والذي أخذ فيه على الفلاسفة رفضهم للعبادات واستحقارهم للشريعة وحدودها، وتأثرهم البالغ بإطنابات فلاسفة اليونان، واهتمامهم بالطبيعة والعمارة والروحانيات. وقد جرّ بكتابه هذا إلى ممارسة الحجر والاضطهاد على الفلاسفة لعقود طويلة باعتبارهم كفار زنادقة، إلا أن الفيلسوف الأندلسي قد تمكن من التصدي للغزالي في كتابه الأشهر (تهافت التهافت) ومن رد الاعتبار للفلسفة وأهلها. ومن المفارقات أن هذا التراشق يعتبر من أكبر المعارك الفكرية في التاريخ الإسلامي والتي جرت رحاها بين مفكرين بارزين، على الرغم من الفاصل التاريخي بينهما، إذ أن الفيلسوف الشاب ولد في 520هـ، وتولى بعد عقود الرد على أحد فطاحل الفقهاء الشافعية المتوفى في 502هـ.
  • ومما راق لي، وصف الكتاب للعلامتين الفارقتين في سماء الفلسفة الإسلامية في ختام شرحه المستفيض للسجال بينهما، قوله: “إذا كان حجة الإسلام الإمام الغزالي شمس أشرقت في ضحى دولة الإسلام، فإن السياسي الحكيم ابن رشد قمر لياليها”!.

ثانياً: عن أخلاقه:

  • كقاض يختلط بالناس، وكمعلم ينتهج العقل، كان ابن رشد يلتمس الأعذار لأخطاء البشر ويعتمد القاعدة الفقهية (ادرؤوا الحدود بالشبهات).
  • يضرب حكيم قرطبة أروع المثل في أخلاق العالم الحكيم الشاكر لمن اجتهد، المتسامح لمن أخطأ، فقد قال: “ويشبه أن يكون المخطئ في هذه المسألة من العلماء معذورا، والمصيب مشكوراً أو مأجورا”.
  • نادى ابن رشد بالأخذ بآراء العلماء الآخرين لإحقاق الفائدة، وقد التمس العذر لمن أخطأ، سواء مع من شاركه في الملة أو خالفه. وقد ضرب موقفاً متحضراً في ذلك إذ قال: “ومن العدل كما يقول الحكيم أن يأتي الرجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي به لنفسه”.
  • لقد فطن الفيلسوف لجوهر الإسلام القائم على التسامح، إذ أن الله: “مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج”، وقد رأى أن التسامح جوهر ثابت-متجدد بتجدد مشاكل البشر، وبتغايرها من عصر لآخر. فعليه، لابد أن يجدد الفقيه الأحكام الشرعية بالنظر العقلي، فلا تؤخذ أبداً كنصوص قطعية.
  • ومما يجدر الذكر به أن ابن رشد الجد قد اعتزل الفتنة التي قامت إبان حكم دولة المرابطين حول فتوى إحراق كتاب (إحياء علوم الدين) للإمام أبو حامد الغزالي، والذي أمر به أميرهم يوسف بن تاشفين حينها، فامتدت عملية الحرق من عام 503هـ إلى 507هـ، وشهدت وفاة الإمام الغزالي خلالها في عام 505هـ. كما أن الفضل يعود للجد -وقد كان قاضي القضاة آنذاك- في السماح بتدريس المذاهب الأخرى، في وقت ساد المذهب المالكي الأندلس، حيث كان يقال: “لا نعرف إلا كتاب الله وموطأ مالك”، بل وقد كان القمع أو النفي أو ربما القتل مصير كل مخالف. فكان الحفيد كما يقال (خير خلف لخير سلف).
  • لا غرابة في أن يطلق على كل متمسك بدينه لقب “الرشدي” في ذلك الزمان، إجلالاً وتعظيما.

ثالثاً: عن محنته:

  • لا يجتمع الشرق والغرب. وهي قاعدة يستثنى منها الاجماع على الضلال!. لا غرابة، فقد اجمع آنذاك متعصبو الدين وكهان الكنائس على زندقة فكر ابن رشد، وتصنيفه هو ضمن لائحة الملاحدة والمهرطقين!. وللأمانة، فقد بدأ العرب برد الاعتبار لمعلمهم الأول مع نهاية القرن التاسع عشر، وذلك من خلال حركة الفكر المتجددة، والمتنصلة من ربقة المتنطعين بتاريخهم الثقيل.
  • ولأن الفيلسوف أتى بما لم يأت به الأولين، من إعمال العقل والارتقاء بالفكر، اعتبره معاصرو زمانه مغرداُ خارج السرب، فأحرقوا كتبه، وصادروا فكره، ونفوه حتى الموت … وما أشبه اليوم بالبارحة.
  • وبطبيعة الحال، فقد قام الغرب بتكريم هذا المغرد خارج السرب بمنحه لقب “سلطان العقول والأفكار”، وبتبجيل علمه وتدريسه حتى يومنا الحالي.
  • حوى الكتاب على منشور مطول كُتب في عهد الخليفة المنصور ضد الفلاسفة وضد فكرهم الموصوم بالزندقة والكفر والإلحاد، يكيل إليهم الشتائم والاتهامات، ويتوعدهم بالنار وبئس المصير، مستخدماً ألفاظاً تحريضية وكيدية مثل: “خاضوا في بحور الأوهام”، “خلدوا صحفاً ما لها من خلاق”، “الله خلقهم للنار”، “شياطين إنس”… مع حشو عدد من الآيات القرآنية للمزيد من التأثير والاستمالة.
  • وقد تمكن الفقهاء من إيغار صدر الخليفة، وحمله فيما بعد على نفي ابن رشد إلى مدينة أليسانه، وهي مدينة قد كان اليهود جل من يقطنها آنذاك. فجاء اختيارها كمنفى للفيلسوف إمعاناً في التنكيل، وإشارة إلى عدم انتمائه لأمة الإسلام، وإلى أن أقوام النصارى واليهود والمجوس هم عادة من يحدثون في الدين الإسلامي. لا غرابة، فهذا هو ديدن الفقهاء المتزمتين عند الفجور في الخصومة.
  • حذر ذلكم المنشور من ابن رشد وطائفته باستفاضة، حيث ورد فيه: “فاحذروا وفقكم الله هذه الشرذمة حذركم من السموم السارية في الأبدان”، وانتهى بالتهديد الصارخ في: “ومن عثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي يعذب بها أربابه وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه ومآبه”. وقد رافقت تلك القضية تطبيل إعلامي تبارى فيه الشعراء بكيل الذم لابن رشد وطائفته، والمدح والثناء لأميرهم مستأصل شأفتهم.
  • وقد جرى على ابن رشد ما جرى على الفلاسفة الآخرين من التشهير والقذف بالهرطقة وحرق المؤلفات، على غرار محاكم التفتيش التي تلت سقوط الأندلس. ويذكر المؤرخون أن الخليفة المنصور قد ندم بعد نفي الفيلسوف وحرق كتبه، وأقبل على تعلم الفلسفة، فاستدعى الفيلسوف من منفاه، ولم يزل حتى مات رحمه الله، فلم يطل البقاء للخليفة الموحدي فمات بعده بعدة أشهر.
  • ومما يثير الشجن، ما نسب إلى قاضي قضاة قرطبة قوله في ذروة محنته وقد ناهز الثالثة والسبعين من عمره: “أعظم ما طرأ عليّ في النكبة أني دخلت أنا وولدي عبد الله مسجداً بقرطبة، وقد حانت صلاة العصر. فثار لنا بعض سفلة العامة فأخرجونا منه”. 

رابعاً: عن فلسفته:

  • يتلخص منهج ابن رشد الفلسفي في استخدام الفلسفة كبرهان يقطع بصحة الشرع، إذ أن الدين يوجب التفلسف، وهو وسيلة المرء في معرفة الله، فمن خلال مخلوقات الله يُعرف الله. إلا أن الفيلسوف ارتأى بعدم وجوب الفلسفة على الكل، بل على من اختص بها.
  • جاءت فلسفة ابن رشد لتوفق بين الفلسفة والدين أو -كما يقال- بين العقل والنقل، فمن جميل ما يؤثر عنه في اعتقاد توافق العقل والنقل: “إن الحكمة هي صاحبة الشريعة، والأخت الرضيعة لها، وهما المصطحبتان بالجوهر والغريزة “. وفي تزكيته لشأن العقل المؤيد للوحي قال: “كل شريعة كانت بالوحي فالعقل يخالطها، ومن سلم أنه يمكن أن تكون هاهنا شريعة بالعقل فقط، فإنه يلزم ضرورة أن تكون أنقص من الشرائع التي استنبطت بالعقل والوحي”.
  • وحدة العقل البشري كانت إحدى المسلمات التي أخذ بها ابن رشد للدلالة على وحدة الحقيقة، فالأسس والمعايير التي يستخدمها العقل في فهم الواقع وإدراك الحقائق هي واحدة.
  • حاول ابن رشد التوفيق بين شريعة الإسلام وبين فلسفة أرسطو -التي تتربع على عرش العقلانية كما آمن- إلا أن إشكالية التعصب القبلي قد أسلمته للقول بأنهما تشتركان في غاية التوصل إلى الحقيقة المطلقة، وليس في التصاهر بينهما، إذ لا تشابه. وفي هذا رفض ابن رشد المشابهة بين الذات الإلهية وبين الإنسان، لا مرتبة ولا علم ولا عمل.
  • لم يمنع اعتقاد ابن رشد باستقلالية الدين والفلسفة أحدهما عن الآخر من القول بأن الدين أحوج إلى التفسير العقلي والذي تقوم عليه الفلسفة، فالحق لا يعارض الحق و “الحكمة رضيعة الشريعة”، إذ أن الهدف الأسمى في الوصول إلى الحقيقة يجمعهما.
  • يرى ابن رشد أن الفلسفة تفصح عما جاء به الشرع وذلك قمة الإدراك، فإن استعصى الإدراك فلعلة فيه ويستوجب حينها الأخذ بالوحي كما جاء. وقد وافقه تلميذه الفيلسوف اليهودي ابن ميمون في ذات القول، إذ أن للعقل البشري حد يقف عنده.
  • وفي إصراره على انتهاج البرهان العقلي، ورد عنه قوله: “نحن نقطع قطعا أن كل ما أدى إليه البرهان، وخالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل”، وذلك “أنه يوجب التأويل لتطبيق الدين على العلم، لا العلم على الدين، فكل شيء لا يقبله العقل والبرهان العلمي يجب تأويله”.
  • يشرح ابن رشد أن لطف الله قد تكفل بما يستوجب برهان شرعي، فآمن به العوام كفطرة سليمة، ومن خلال ما أتى به الله من أمثلة وتشبيهات، فأخذ العوام بظاهرها، واستفرد الحكماء بمعناها الباطن. وفي هذا يأتي التفريق بين غاية التأويل للنص القرآني عند ابن رشد والذي حرص على التفسير الفلسفي لها “القرآن والفلسفة تبحثان في الوجود”، وبين غاية الغزالي في تفسير المعنى الحقيقي لذات النص.
  • وفي إجلاله للفلسفة، اعتبر ابن رشد كل نبي فيلسوف بغير العكس، واعتبر الفلاسفة المعنيين بـ “ورثة الأنبياء”، من خلال دورهم في إعادة النظر للنص ومحاولة تأويله إذا تعارض مع البراهين الفلسفية.
  • تراوح موقف ابن رشد الفكري بين التشديد على أهمية الفلسفة وضرورة فصلها عن الدين من جانب، وبين ضرورة اخضاع الدين لمنهج الفلسفة العقلي من جانب آخر، وقد جاء هذا الموقف ليشير إلى توجه ابن رشد في ضرورة فصل الدين عن الدولة. عليه، تراوحت أصداء هذا الفكر على مستوى المجتمع المسيحي الذي ما برح يناضل للتخلص من وطأة قساوسة الكنيسة آنذاك، وعلى مستوى فقهاء الإسلام في توجسهم من هذا التوجه، والذي أصبح مدعاة لنقمتهم على الفيلسوف، بالإضافة إلى مناداته بتحرير المرأة من منطلق فكر فلسفي حر، والذي اعتبر رائداً سباقاً فيه.
  • يبرز منهج ابن رشد الفقهي من خلال مؤلفاته الرئيسة الثلاث، وهي: (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) و (الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة) و (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال). يصنف الكتاب الأول ضمن أمهات كتب الفقه المقارن حيث تصدى ابن رشد للأصول والفروع وما شابها من تداخل، وما تفرّق عليها من آراء. وفي الكتاب الثاني، يتناول علماء الكلام وما وقعوا فيه من مخالفات في مسائل عقائدية جوهرية كرؤية الله ومعجزات الأنبياء وحدوث العالم وقدمه وعلم الله بالكليات والجزئيات وغيرها. ويسلط في كتابه الثالث الضوء على الفلسفة كمنهج عقلي يبرهن على أحقية ما جاء ت به الشريعة، مع التمييز بين الخطاب الديني والخطاب الفلسفي وإبراز ما بينهما من صلة وتوافق.
  • وفيما يتعلق بالتأويل، لا تخرج الشريعة عند ابن رشد عن ثلاث: نصوص محكمة لا يجوز تأويلها فهي ظاهرة، ونصوص متشابهة يجوز تأويلها مع الحفاظ على سياقها اللغوي، ونصوص متشابهة معضلة واجب تأويلها وحل ما عارض العقل منها. عليه، تكون النصوص الظاهرة فرض العوام إذ لا تعدو غايتهم منها سوى الأخذ بنصها الظاهر، أما النصوص المتشابهة ففرض العلماء، إذ تستلزم الفهم العميق، ولا يلزمهم الإفصاح عن تأويلها للعوام، باعتبارهم من أشار إليهم القرآن بـ (الراسخون في العلم).
  • يقسّم ابن رشد القياس كمصدر تشريعي إلى ثلاثة أقسام رئيسية، ينقسم بناءً عليها الناس إلى ثلاث أقسام بالتبعية: برهاني، وجدلي، وخطابي. فالقياس البرهاني يقوم على البرهان العقلي، ويختص به الفلاسفة والراسخون في العلم، ولا ينبغي لهم نشره بين العوام لعلوه فوق مستوى إدراكهم. أما القياس الخطابي فيأخذ بظاهر النص ويختص به العوام، ويكتفون به للامتثال والإذعان. أما القياس الجدلي فيتخذ موضع وسط بين القياسين السابقين، وأصحابه من فئة الخطابين، من هم دون الفلاسفة مرتبة، وأعلى في الإدراك من العوام.
  • ومع البرهان، يستنتج حكيم قرطبة ألا تخرج الأمور عن ثلاث احتمالات: أمور يتحقق بها البرهان مما جاء به الشرع، فلا إشكال، وأمور يتحقق بها البرهان مما سكت عنه الشرع، ولا إشكال، وأمور ناقض البرهان ما جاء به الشرع، فتأتي ضرورة إعمال التأويل لإزالة ما تناقض بين النص والبرهان.
  • وفي قضية ظاهر النص وفرضية التأويل، قسم حكيم قرطبة الناس إلى ثلاث فئات: فئة تعيب الحكمة وهم الفقهاء المتعصبون، وفئة تعيب الشريعة وهم المتمردون الدهريون، وفئة تجل الشريعة والحكمة معاً وهم الفلاسفة المؤمنون حقا.
  • وعلى الرغم من موقف الفيلسوف من المعنى الباطن للنص والواجب تأويله، فقد أخذ بالنصوص الظاهرة كمسلمات وهي في ثلاث مسائل رئيسية: الإيمان بالله، الإيمان بوحدانيته، الإيمان بصفاته السبع (العلم، الحياة، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام)، وقد تم استشفافها كلية من النص القرآني الصريح.
  • ومما يحسب لابن رشد، حياده فيما يتعلق بصفات الذات الإلهية والتي خاض بها الأشاعرة والمعتزلة، فاكتفى بوصفه عز وجل بالنور قياساً على الحديث الشريف: “إن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدرك بصره”، إذ أن الأحرى بصفة النور تنزيه الله عن التجسيم، واستعلائه على الإدراك.
  • تطرق الفيلسوف إلى قيمة الإنسان الأخلاقية، فصنفها في أربع: فضائل نظرية يمثلها العقل الفلسفي، فضائل علمية يمثلها العلم والعمل، فضائل عملية تمثلها السياسة، وفضائل خلقية يمثلها السلوك.

خامساً: عن المرأة:

  • لقد ذهب التحليل المعاصر لنهج حكيم قرطبة وقاضي قضاتها ليبرهن تصدره طلائع المجددين، وبالأخص فيما يتعلق بإطروحاته حول قضية تمكين المرأة، إذ سبق زمانه الذي لم يحو تراثه ما يعزز مكانة المرأة، وسبق المثقفين العرب المعاصرين في تبنيهم لهذه القضية. وقد يكون الفيلسوف في هذا أول من أسس لمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة من خلال بعد عقلي وإنساني ونظري وعملي.
  • ففي سابقة فريدة خالف فيها ابن رشد نظرائه اليونانيين والمسلمين معاً، تبنى قضية المرأة بحق في شروحه لـ (جوامع سياسة أفلاطون) من خلال كتابه المفقود لنسخته العربية، والمنشور في كتاب (ابن رشد والرشدية) للمؤرخ الفرنسي أرنست رينان ، إذ ورد عنه قوله السديد: “أن النساء والرجال نوع واحد، وأنه لا فرق بين الرجل والمرأة في الغاية الإنسانية. الفرق الوحيد الذي يراه هو في احتمال الكدِّ الجسماني الذي يقدر عليه الرجل أكثر من المرأة، في حين أن النساء أكثر حذقاً في أعمال أخرى، كفنّ الموسيقى مثلاً. وبما أنه لا فرق بين المرأة والرجل في الطبع الإنساني، وجب على النساء أن ينلن التربية نفسها التي يحظى بها الرجال وأن يشاركنهم سائر الأعمال، حتى الحرب والرئاسة”.
  • لا غرابة بعد هذا القول إن يُفقد كتاب الفيلسوف بين بني العرب، وأن تسعّر عليه وطيس الحرب في الزندقة والتكفير، ولا غرابة في أن وضع المرأة العربية لا يزال يقبع تحت سيطرة مجتمع طبقي إقطاعي، تعصف به موروثات أبوية ذكورية ما أنزل الله بها من سلطان، تحرّم على المرأة حقها الطبيعي في العلم والعمل.
  • وفي نقده للمرأة الأندلسية، ورد في كتابه (الضروري في السياسية) ما يلي: ” … فذلك دليل أن الأنثى تفعل هي أيضا نفس ما يفعله الذكر. وإنما زالت كفاية النساء في هذه المدن (مدن الأندلس) لأنهن اتُّخذن للنسل وللقيام بأزواجهن، وكذا للإنجاب والرضاعة والتربية، فكان ذلك مبطلاً لأفعالهن (الأخرى). ولَمّا لم تكن النساء في هذه المدن مهيئات على نحو من الفضائل الإنسانية، كان الغالب عليهن فيها أن يشبهن الأعشاب. ولكونهن حملاً ثقيلاً على الرجال صرن سبباً من أسباب فقر هذه المدن. وبالرغم من أن أنهن فيها ضِعف عدد الرجال، فإنهن لا يقمن بجلائل الأعمال الضرورية، وإنما ينتدبن في الغالب لأقل الأعمال، كما في صناعة الغزل والنسج، عندما تدعو الحاجة إلى الأموال بسبب الإنفاق، وهذا كله بين بنفسه”. 

لطالما أجللت هذا “الفيلسوف الأول” و “الفقيه الكبير” و “السياسي الحكيم” من خلال ما قرأت من شذرات متفرقة في سيرته العطرة، وها أنا أحني جبيني اجلالاً بعد قراءة صفحات يسيرة تعبق بنور فكره وحكمته.

ومن المفارقات، أن يشبه منهجي منهج هذا الحكيم، فما حاربني من حولي إلا لأنني غلّبت عقلي على عاطفتي في الحكم، ولأنني -وهذا الأدهى- اترفع عمن يبتلع نصوص الدين حرفياً ثم يتقيؤها على العوام كثوابت أزلية، ويحكم على من أنكرها بالكفر والفسوق والعصيان -وكأنه وكيل الله في الأرض-، بل أنني أحكّم العقل على النقل!..

ويشبه اعتزازي اعتزاز الفيلسوف في ترفعه عن مسلك (وعاظ السلاطين) في زيفهم وتزلفهم وتملقهم للحاكم وعلية قومه. فنال الفيلسوف النفي ثمناً لكبريائه، ونلت ما نلت في اعتزازي المماثل.

 

مع ختام هذه السيرة العطرة، يستحضرني قول الشاعر الحكيم أبو العلاء المعري:

“فإني وإن كنتُ الأخيرَ زمانَهُ .. لآتٍ بما لم تستطعهُ الأوائلُ”.

هل من يوم ألتقيك يا معلمي؟ أرجو هذا في حياة أخرى أنقى وأجلّ .. آمين!.

تاريخ النشر: أبريل 4, 2021

عدد القراءات:140 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *