الكتاب
أنثروبولوجي على المريخ
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
An Anthropologist on Mars: Seven Paradoxical Tales – By: Oliver Sacks
المترجم/المحقق
يونس عمارة
دار النشر
دار كلمات للنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2017
عدد الصفحات
297
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
03/06/2019
التصنيف
الموضوع
الإنسان! جسد ونفس وروح .. بل وأعمق
درجة التقييم

أنثروبولوجي على المريخ

كتاب يعرض سبعة حالات مرضية في لغة علمية مبسّطة، عاينها د. أوليفر ساكس شخصياً .. طبيعتها، أسبابها، أعراضها، وتأثيراتها .. بل واستشعر وطأتها بنفسه بعد أن قرر خلع معطف الطبيب ومعايشة كل حالة لحظة بلحظة وبتفاصيلها اليومية المؤلمة في أغلب الأوقات، وكأنه تقمّص شخص المريض واستغرق في وعيه ونظر بعينيه .. ثم وضع الكتاب!. لم تكن بعض تلك الحالات المرضية لأناس عاديين، فمريض عمى الألوان كان رساماً عالمياً، ومريض الأعصاب لم يكن سوى جراحاً مرموقاً، في حين ذهب ذلك الشاب اليافع ضحية روحانية زائفة، وتلك التي أرادت انتشال خطيبها السابق من إعاقته الطفولية ينتهي أمره بمأساوية تعصف بوالديه .. ومن عوفي فليحمد الله.

لم يكن التأقلم بحد ذاته مع تلك الحالات المرضية ما يثير الانتباه وحسب، بل ثمة سمة فريدة من نوعها تقاطعت بين كل تلك الحالات تظهر بمثابة محصّلة لعملية التأقلم تلك، كأن يصاحب غشاوة العين حدّة بصرية، وأن يتبدّل التشنج العضلي إلى ثبات وتركيز ومهارة أثناء أداء العمل اليدوي، وأن تطغى عاطفة الرفق بالحيوان عند من تم تشخيصها كفاقدة لشعور التعاطف بالكلية.

أما المؤلف (أوليفر ساكس 1933 : 2015) فهو طبيب أعصاب بريطاني أمضى حياته المهنية كلها في الولايات المتحدة الأمريكية، وكان مولعاً بالطبيعة مؤمناً بأن العقل هو الأكثر ادهاشاً في الحياة، وقد كانت مؤلفاته التي وضعها في تتبع الحالات المرضية من خلال سلسلتها التاريخية مصدر إلهام لعدد من الأعمال الدرامية. وما تذكر عنه شبكة المعلومات أيضاً أنه شخصياً كان يعاني مما يُعرف بـ (عَمَه تعرُّف الوجوه)، وهو الاضطراب الذي يصعب معه التعرّف على الأشخاص من وجوههم بل من خلال إشارات سمعية وبصرية، وأخرى كالملبس وطريقة المشي، وقد صرّح قبل وفاته بفقدان بصره تدريجياً.

وعن النعمة المخفية التي يحملها كل مرض والتي لا تجعل منه شر محض، اقتبس في نص بلون العافية ما أورده المؤلف في مقدمة كتابه التي خطّها عام 1994 (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): “بالنسبة لي كطبيب، فإن تنوع الطبيعة وغناها ينبغي أن يدرّس عبر ظاهرة الصحة والمرض وعبر الأشكال اللانهائية للتكيفات الفردية، والتي من خلالها تكيفت الكائنات البشرية الحية والناس وأعادت بناء نفوسها مواجهة تحديات وتقلبات الحياة. فالعيوب والاضطرابات والأمراض بهذا المعنى يمكن أن تلعب دورا متناقضا عبر إطلاق قوانا الكامنة من التطويرات والتحسينات وأنماط من الحياة كان من الممكن ألا ترى ولا حتى أن نتخيلها في غياب هذه الاضطرابات. هذه هي مفارقة المرض، وهي بهذا المعنى تشكل قدرة المرض الخلاقة، والتي تمثل الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب. وفي حين ربما يفزع المرء من ويلات اضطرابات النمو أو الاصابة بأحد العلل فإن للمرء أيضا يمكن أن يراها أحيانا كأمور ابداعية خلاقة، فإذا كانت هذه الاضطرابات قد دمرت بعض الطرق، أعني مسارات معينة للقيام ببعض الأمور، فبإمكانها أن تحفز النظام العصبي لاتخاذ طرق ومسارات أخرى للقيام بها لتُجبره على التطور والنمو غير المتوقع”.

وبينما يحظى الكتاب من رصيد أنجمي الخماسي بثلاث، فإن تصنيفه قد يتقاطع بين الصحة العامة وعلم النفس والقصص الواقعية، والذي أعرض لكل حالة من تلك السبعة في الأسطر القادمة، كما يلي:

  1. حالة (الرسام المصاب بعمى الألوان):

كان (السيد إيه) رساماً تجريدياً مبدعاً عندما تعّرض لارتجاج في المخ إثر حادث سير أفقده القدرة الكاملة على رؤية الألوان كما هي في الطبيعة. وبينما كانت قدرته على استحضار الألوان مدهشة فقد انحصرت رؤيتها بعد الحادث بين درجتي الأبيض والأسود، فأصبحت ثمرة الطماطم في نظره سوداء، وفاكهة الموز رمادية، وبشرة الإنسان مقاربة للون الرصاص. يظهر الرسام ابتداءً في وضع صعب يواجه فيه ألم ما ألمّ به، غير أن مرحلة التقبل التي تخطاها فيما بعد إلى التكيف ومن ثم إلى إبداع أسلوب فني جديد، تعكس حالة فريدة من الإيجابية في التعامل مع ظروف الحياة التي قد لا تجري بما تشتهي السفن.

  1. حالة (الهيبي الأخير):

إثر خيبة أمل تنتاب (ف غريغ) بعد خوضه عالم الأعمال بفشل، يلجأ -وقد كان عاشقاً للموسيقى- إلى اعتناق مذهب صوفي، كتعويض، وكرغبة في الوصول إلى مرحلة التنوير من خلال التضحية والاستغراق في التأمل، حتى يبدأ بملاحظة خلل ما في بصره الذي أخذ بمرور الوقت يتلاشى شيئاً فشيئاً. وبينما يبشّره أهل المذهب أن هذا الخلل ليس سوى إشارة على قرب بلوغه مرحلة التنوير الكاملة، فإن الأطباء يكشفون له عن ورم نمى بشكل كبير داخل دماغه، وقد دمّر الغدة النخامية وجزءاً كبيراً من الفصوص الأمامية وغالبية ذاكرته طويلة المدى! وعلى الرغم من ذاكرته الحاضرة التي كان يعيش بها في مستشفى الأمراض المزمنة بديناً وأصلعاً وضريراً، تجعل من عملية تذكّر تفاعله وانفعاله في لحظة ما إلى التي تليها متعذّرة، فقد كان يتمتع بشخصية اجتماعية محبوبة مع من حوله.

  1. حالة (حياة طبيب جراح):

على الرغم من أن (كارل بينيت) كان جرّاحاً ناجحاً يحظى بثقة المرضى، فقد كان يعاني من متلازمة توريت التي تُعد من أغرب الأمراض العصبية والتي تأتي عادة على الحركات الإرادية للإنسان الطبيعي! فقد اعتاد على أن تفاجئه بعض التشنجات اللاإرادية والتي اعتاد على التحكم بها بمرور الوقت، لا سيما أثناء تأدية عمله الجراحي، فضلاً عن ممارسة هوايته كطيّار موهوب. قد يكون من الغريب أيضاً أن يبقى بينيت غافلاً عن مصابه بهذه المتلازمة رغم النوبات التي كانت تنتابه منذ سن السابعة، حتى يصادف حين بلغ سن السابعة والثلاثين بعض المرضى الذين كانت تنتابهم نفس الأعراض، وقد تم تصنيفهم كمرضى لهذه المتلازمة. لم تعيقه تلك النوبات على قدر شغفه بعمله .. الشغف الذي أعانه على التكيف والتغلب على إعاقته وبلوغ مرحلة عالية من الإبداع المهني.

  1. حالة (أن تنظر ولا ترى):

لم يكن العمى الذي تعايش معه (فرجيل) طيلة خمسين عاماً عائقاً أبداً في ممارسة عمله كمدلّك، رغم أن اعتام عدسة عينه كان قابلاً للتصحيح جراحياً في صغره حيث الأمل بالرؤية من جديد، إلا أن استعادة بصره المفقود بعد مرور العمر كان بمثابة مجازفة لم يكن بحاجتها على الإطلاق! قد يأسى الكثير لحال أولئك الذين حُرموا من إحدى حواسهم في الوقت الذي يكونون فيه قد تكيّفوا تماماً مع هذا الفقد، بحيث ينقلب ذلك الحال المطمئن إلى ما لا يُحمد عقباه عند محاولة تغييره، قد يصل إلى فشل ذريع يودي بالحياة. وكما أن العلم في الصغر كالنقش على الحجر والعلم في الكبر كالنقش في المدر، فقد واجه فرجيل صعوبة تعلّم لغة حاسة جديدة تعتمد على الإبصار لا على السمع أو اللمس أو الاستنشاق كما اعتاد من قبل، ما سبب له إرباكاً في استيعاب ما كان يدور حوله وضمن نطاق وأحجام ومقاييس وحيّز مكاني لم تكن خبرته السابقة تحمل أي تصوّر عنها. قد يبدو فعلاً أن الخير الذي يتمناه البعض لمن حُرم منه هو ليس بالضرورة كذلك عند ذلك المحروم.

  1. حالة (اللوحة الطبيعية لأحلامه):

وكما أن (الثورة تولد من رحم الأحزان) حسب تعبير الشاعر نزار قباني، فإن النوستالجيا التي رحلت بـ (فرانكو مانياني) إلى طفولته في قرية بونتيتو في توسكانا الإيطالية قد شحذّت موهبته في تصويرها بدقة منقطعة النظير استعصت على ذاكرة الكثيرين ممن عاش فيها، رغم انقطاعه عن زيارتها لسنوات طويلة، إذ لم تعكس لوحاته ثلاثية الأبعاد أي حالة مرضية، بل حالة متقّدة من الذاكرة الحاضرة بتفاصيلها الدقيقة، ومتعمّقة في الحنين إلى الماضي، وشوقاً لا يشبهه شيء إلى المكان والزمان. وإذا كان السم الذي لا يقتل يزيد في القوة، فإن الذاكرة المثقلة بتفاصيل ما قد سبق تُبدع فناً لم يأت به أحد من قبل.

  1. حالة (أعاجيب):

بل إنها حالات لعدد من أولئك الذين يُطلق عليهم نعت “الحمقى الموهوبين” أو في لغة علمية (مرضى التوحد)، وهو مرض عجيب في حد ذاته، فهو شائع باسمه وغامض فيما يحمل من أحاسيس مخفية! فالمرضى به يتمتعون عادة بمواهب إبداعية ترقى إلى مرتبة الهبات الربّانية، كمهارات العزف والرسم والحساب من غير تلقين، وقد تبرز لديهم فجأة وتختفي فجأة لا سيما في سن مبكرة جداً .. مثل (توم) الأعمى العازف الماهر، و (بيدر) الرياضي البارع، و (نادية) الرسامة الإبداعية، و (مارتن) ذو الذاكرة الفوتوغرافية. وبينما ينظر الجميع إلى هذه المواهب بإكبار، يراها أصحابها مجرد أداة اعتيادية تساعدهم على أداء مهمة ما يفرغون منها سريعاً، بحيث يصبح الدعم الاجتماعي مطلباً أساسياً تجاههم، لتعزيز الثقة نحو ما يحملون من مواهب ليست اعتيادية كما يتصورون.

  1. حالة (أنثروبولوجي على المريخ):

(د. تيمبل غراندين)، وهي الأخيرة التي تأتي كنموذج مستفيض عن مرض التوحد ضمن الحالات في أعاجيب. وبينما تتعدى تيمبل سن الأربعين وهي تحمل درجة الدكتوراة في علم الحيوان وتعمل كبروفيسورة في جامعة ولاية كولورادو، تدعو إلى الرأفة بالحيوان وتؤسس ما أطلق عليه عالمياً “مرافق الماشية الإنسانية”، وقد جاء عنوان حالتها اقتباساً من وصفها لتلك التفاعلات الاجتماعية. وهي مع هذا تتمتع بشخصية جذابة وتلقائية في كل شيء، بالإضافة إلى نبوغها العلمي.

إنها بحق قصص قادمة من الطبيعة .. من تلافيف الأدمغة ومن عمق النفس الإنسانية المعقّدة في وظائفها وما تخفي بين طيّاتها .. وهو كتاب يحمل مع المعلومة العلمية التي جاءت بشكل استثنائي، روحانية تسبّح بعظمة الخالق “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا”.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (13) في قائمة ضمت (85) كتاب، قرأتهم عام 2019 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط! وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية عام 2017 ضمن (55) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

 

تاريخ النشر: أبريل 21, 2022

عدد القراءات:117 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.