الكتاب
أمثال يسوع بين الأمس واليوم
المؤلف
المترجم/المحقق
د. ممدوح زخاري
دار النشر
دار المشرق
الطبعة
(2) 2015
عدد الصفحات
120
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/25/2021
التصنيف
الموضوع
المسيح يزورنا ويتفقد أحوالنا
درجة التقييم

أمثال يسوع بين الأمس واليوم

ماذا لو زارنا المسيح؟ هنا يتصور المؤلف بأنه -عليه السلام- لا يزال بين ظهرانينا ونحن في القرن الحادي والعشرين لميلاده، فيراه يطوف مع تلاميذه ويبدي رأيه في كل ما يدور حولهم .. في: الفن، المواصلات، التكنولوجيا، الهجرة، الثراء، العلاقات، المرأة، الإيمان … وغيرها من أمور الحياة، في قول عذب وفي حكمة بالغة، تتجلى بشكل أكثر سمواً في قيمة الحرية التي تتوج الإنسان إنساناً بحق قبل كل شيء، وبعدم تمكّنه من تمثيل المحبة الخالصة ما لم يقاسم البشر آلامهم ومعاناتهم، راعياً ومتضامناً ومتعايشاً.

يقدّم الأنبا يوحنا لكتاب الأب هنري اليسوعي، وهو يلفت انتباه القارئ العربي ابتداءً للصدمة التي قد يشكّلها له هذا الكتاب في مخالفته نمط الثقافة التقليدي السائد، غير أنه يطمئنه بأنها ستكون صدمة رائعة، والكتاب يعزف أنشودة الحب والإيمان في كلماته الصادرة عن روح عبقرية! فهنا المسيح يعلّم طفلاً كيف يقود دراجته، ويحضر محفلاً لتخريج الطلاب، ويجتمع في حفل مع أصحاب الثروات، ويهاجر مغترباً تحت أجواء الصقيع .. غير أن الأبنا يوحنا يستطرد ويؤكد للقارئ من جديد أن تلك الصدمة ليست سوى إشعالاً لطاقة العقل ومنبّه صاخب للروح، حتى يطلق لوجدانه العنان في الارتحال نحو الكون الفسيح، ويلمس مدى محبة المسيح له في كل أركانه ومع كل مخلوقاته .. مع العلماء وهو يناقشهم ومع الصيادين وهو يغسل أرجلهم، ومع الأطفال وهو يعلمّهم .. وهو يهدف إلى تجديد هذه الرسالة السامية معه ومعنا في همومنا وقضايانا وشواغلنا وأحوالنا .. في روحانية واقعية تمزج عبق الماضي بروح الحاضر، والواقعية بالمثالية، والمسيح بالإنسان.

يمشي المسيح برفقة تلاميذه، عبر مخيلة المؤلف، في حوارينا، فيطرق أبواباً ليحدّث عمّا خلفها، تظهر في المواضيع التالية كما يعرضها فهرس الكتاب، وقد حظي بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي:

  • الدراجة: رب ضارة نافعة
  • الخريجون
  • الطفل في الحاضنة
  • الحفل
  • الفيلم
  • البركة
  • عودة يسوع إلى لبنان
  • الجدار
  • التكنولوجيا
  • الطبيعة والمرأة: سماء جديدة وأرض جديدة
  • أنا الألف والياء
  • المهاجر

ومن الأروقة التي سار فيها المسيح، أنثر عبقاً مما تنشّق في روحي بعد القراءة، وباقتباس في نص روحاني (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • خلق الله للإنسان قدمين ليتحدى بهما قوانين الجاذبية ويتعلّم الوقوف عليهما منذ صغره ويتوازن وينطلق ويسعى، غير أن هذا التحدي الظاهر هو خطوة نحو التحدي الأكبر في تجاوز ضعفه وشحذ قدراته نحو المزيد من التفوق والإنجاز والسمو. يقول في (الدراجة: رب ضارة نافعة) عن قدرات الإنسان اللامحدودة، وإصراره الذي يصنع المعجزات: “فالاعتقاد بحدوث الشيء يُحدثه، والرهان على المحال يوجده”.
  • يندب المسيح في (الطفل في الحاضنة) حظ العالم العاثر الذي لم يقدّر قدسية الإنسان حق تقديرها، فيقول: “إن أحشاء الأم تمثل بكل تأكيد هيكلًا مقدسًا على غرار الهياكل الحجرية، بل أعظم منها قدسية بمراحل. ألم نجد أيضاً في القرآن الكريم هذه العبارة الجميلة التي تبدأ بها السور (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ فيها هاتان الصفتان المشتقتان من كلمة رحم، مما يوحي برحمة الله وحنانه وأمومته؟”. ويستمر ليؤكد على أن الرحم وهو “الفردوس الأصلي” الذي احتضن الإنسان منذ الأزل وأصبح بمثابة وسط إلهي يشهد على إعجاز خلقه، لن يكف أبداً عن حمله وحمايته وإحاطته بعظيم الحب والاهتمام والرعاية، مهما كبر ومها بعُد.
  • ينتاب المسيح شعور عارم بالإعجاب حول ما أنجزته البشرية من تقنية حديثة، لإبقاء العالم على اتصال دائم مع كل بقعة من بقاع الأرض المترامية .. في العواصم وفي الأدغال، وكأن الأرض أصبحت بالفعل قرية صغيرة يعيش فيها كافة البشر كأسرة واحدة، وبالغزير من مشاعر الأخوة والتقارب والتضامن. ورغم هذا الانبهار في (التكنولوجيا) ومنافعها، يطرح سؤالاً أكثر أهمية، وهو يؤمن بدوره في بثّ الروح داخل هيكل هذا الإنجاز وبحضوره في شخص كل واحد من البشر، فيقول: “هل مجرد المزيد من شبكات الاتصال والمواصلات حول الكرة الأرضية لكافٍ للتوحيد بين القلوب والأرواح؟ هل مجرد سرعة وصول الأخبار فورياً إلى أقاصي العالم كفيل بأن يشعر البشر بالوحدة والتضامن؟”.
  • إن المرأة هي رمز الجمال الفائق، إنها الأروع والأكثر إبداعاً بين كافة المخلوقات، إنها البشرية في ذروتها، إنها أوج العز والمجد .. إنها مصدر دهشة المسيح. يقول في (الطبيعة والمرأة: سماء جديدة وأرض جديدة) قولاً مفعماً بجمال الروح الصافية، وهي تتذوق الجمال لذاته لا لملذته: “ولكن هناك فرق بين نظرة ونظرة، بين النظرة الشهوانية التملكية التي تحول المرأة إلى سلعة استهلاكية، والنظرة التأملية الشفافة الطاهرة التي تكتشف فيها الحضور الإلهي ووجه الله البهي في وجه المرأة وجسمها وجمالها. هذه النظرة الرقيقة اللطيفة السامية تفتح المجال لخبرة تصوفية تتخطى الظواهر لتصل إلى العمق، إلى قدس أقداس الكيان. ألا تتذكرون كلامي هذا في موعظتي على الجبل: (طوبى لأنقياء القلوب فإنهم يعاينون الله) (مت: 5, 8)؟”. لا يمنع هذا القول العذب المسيح، من التأكيد على الرغبات والمشاعر والأحاسيس الإنسانية، فلا هو ينكر الجنس ولا يقهر الجسد ولا يرفض المتع المادية، لكنه يؤمن بأن الجمال البشري هو دعوة لاستظهار الجمال الإلهي، وهو يقوده نحو طريق يوصل إلى جوهر الوجود وإلى ملكوته العظيم.
  • ختاماً، تشرق في وجه المسيح السعادة وهو يتأمل السماء الساطعة بألوان قوس قزح الناصعة المتلألئة، وهو يؤكد بأن قلبه لا يهنئ وأحدهم ضال حتى يحمله فوق منكبيه، وإن عالم السلام والأخوة والمحبة يتحقق عندما يعكس كل إنسان ما بداخله من نور ساطع، كما فعل هو. يقول في (البِرْكة) عن حبه الذي لا يحدّه حد: “إن علاقتي بأي بشر هي قصة حب قلباً بقلب وحوار ود وجهاً لوجه، فكل منكم فريد وحيد كما ورد في نشيد الإنشاد: (حبيبي هو لي وأنا له) .. إن علاقة العشق هذه بيني وبين الإنسان التي تمنحه الوجود وتضفي على حياته معنى مطلقاً، فهي أساس كيانه”.

قول ولا أبلغ .. وجمال ولا أروع!

وعلى السيد المسيح السلام.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (50) في قائمة حوت (55) كتاب، قرأتهم عام 2021، وقد حصلت عليه من متجر نيل وفرات الإلكتروني للكتب العربية في يونيو من نفس العام، ضمن (80) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من تلك الشحنة.

 

تاريخ النشر: أغسطس 8, 2022

عدد القراءات:34 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.