الكتاب
أرجوك لا تفهمني
المؤلف
دار النشر
دار الشروق للنشر والتوزيع
الطبعة
(3) 2001
عدد الصفحات
150
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
07/31/2019
التصنيف
الموضوع
مقالات تنساب حكمة في أروقة الحياة
درجة التقييم

أرجوك لا تفهمني

كتاب تنساب حكمته سلسة في أروقة الحياة بقلم صاحبها الأديب الراحل .. يجمع بين دفتيه مقالات قصيرة تربط ما بين تأملات وخواطر وقصص إنسانية وتجارب شخصية وأخبار بعض عظماء التاريخ، مع شيء من الطرفة من هنا وهناك.

وبينما يعلو غلاف الكتاب رسم كاريكاتوري لفتاة تصد القارئ عن فهمها وقد ارتدت بدلة رياضية كانت سائدة عند جيل تلك الحقبة، يعرض الفهرس تسعة عشرة مقالة يحظى بها الكتاب بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي. وكانتقاء، أقتطف من ذاكرتي ما علق فيها من أروقته، وباقتباس في نص من لافندر يبعث معنى السلام والحكمة والإبداع (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • في مقالة (عفواً .. لقد نسيت)، يتحدث الكاتب عن ذاكرة الإنسان التي قد تخونه في بعض الأحيان رغم ما قد يكون عليه من دقة ملاحظة وحدّة في الذاكرة وسمات نبوغ وحنكة وعظمة أيضاً! فها هو القائد الفرنسي الأبرز نابليون بونابرت ينسى أقرب الأمور في حياته اليومية، بينما يتذكر وبدقة تثير العجب أسماء ضباطه على كثرتهم، والمعارك التي خاضها، وتفاصيل المؤامرات التي حيكت ضده. أما العرب الذين عُرفوا بملكة الحفظ الخارقة والتي كان لها الفضل في حظوة كتب الأدب بالشعر الجاهلي، فلم يكن عجباً أن يزخر مجلس الوزير الصاحب بن عباد بألف رجل، وقد اشترط مسبقاً لمن سيلتحق بمجلسه الشعري أن يكون حافظاً لعشرين ألف بيت من الشعر. “والعالم الألماني اليهودي ألبرت أينشتاين الذي تبرع بمخه بعد وفاته لمراكز البحث العلمي لتقوم بتشريحه ومعرفه تكوينه وسر عبقريته، توصل إلى نظرية علمية معقدة كان عدد من يستطيعون فهمها في العالم كله في بعض الأوقات لا يزيد على عشرات، وكان يستطيع أن يجرى حسابات رياضية معقدة اعتماداً على ذهنه المتوهج وذاكرته العلمية المذهلة. ومع ذلك، فكثيراً ما شكى من ضياع قلم كان بيده منذ لحظات وعجز عن تذكر أين تركه، وفي بعض الأحيان كان يبحث عنه ويستنجد بزوجته فتمد يدها إلى مكتبه أمامه وتقدمه له”.
  • وفي مقالة (قل لي من فضلك) يتحدث الكاتب عن عدد من المواقف المحرجة التي تعرّض لها بعض المشاهير في مواقف مختلفة، وصور من ردود أفعالهم ما بين دبلوماسية وسلاطة لسان. أما المقالة التي جاء عنوانها بالعبارة اللبقة (أوه باردون)، فهي في الحقيقة -رغم هذا- عبارة لا تنفع البتّة لتبرير التعصب بكل أشكاله، كما يعتقد الكاتب. غير أن مقالة (مجرد سوء تفاهم) فكانت الأشد وقعاً على النفس، إذ لا يلبث أن يلتقط القارئ أنفاسه أمام قصة بدت وكأنها من نسج الخيال، ليحبسها من جديد حين يعلم في خاتمتها بأنها قصة حقيقية ماثلة بأبطالها .. إنها قصة جريمة قتل في أبشع ما تسطره سخرية الأقدار وتصاريف الأيام، بين أم وفلذة كبدها.
  • تعرض (حياة صاخبة) في نهايتها صورة لجزاء من جنس عمل صاحبه، وعن دين جاء سداده مخصوماً من عمره المحتوم!. إنها قصة الفنان أحمد سالم الذي ظهر على شاشة السينما المصرية في أربعينيات القرن الماضي، والذي انغمس في حياة مترفة لا يردعه البذخ الطاغي فيها عن شيء! ففي إحدى سهراته الماجنة التي يحاول فيها أحد أصحابه الاستئذان باكراً -وقد كان طبيباً- بحجة عملية استئصال زائدة دودية سيجريها لأحد مرضاه صباح اليوم التالي، يتحداه سالم في استطاعته شخصياً القيام بها .. لبساطتها وحسب، فليست بحاجة إلى طبيب ولا تستحق مغادرة السهرة من أجلها. يصل التحدي بين الصديقين مداه، فيسمح الطبيب -وكان من علية القوم- أن يباشر سالم العملية الجراحية .. فيحين الوقت ويتسلّم سالم المشرط ويستأصل الزائدة الدودية وسط ذهول الأطباء، ليموت المريض بعد فترة وجيزة. وفي حين يتم التستر على الجريمة لنفوذ سالم وشريكه الطبيب من جهة، وضيق حال أهل المريض فضلاً عن جهلهم بما حصل من جهة أخرى، ومع استمرار الطغيان .. يأبى العدل الإلهي إلا أن يقول كلمته الفصل في نهاية المطاف، حيث “تجيء النهاية الأكثر درامية لتلك الحياة العريضة الصاخبة رغم قصرها ويموت أحمد سالم في شرخ الشبـاب .. فهل تعرف كيف مات؟ بانفجار في الزائدة الدودية! فاجأه على حين غرة قبل أن يجرى له الأطباء تلك الجراحة البسيطة التي سخر منها ذات يوم وقال إن أي إنسان يستطيع أن يقوم بها بغير حاجة لدراسة الطب”.
  • ومع (إلهام زعلانة)، يعلّق الكاتب فتور سيل الكتابة لديه على مزاجه الذي لا يحضر دائماً .. وما كانت (إلهام) سوى رمز لمزاجه المتقلب هذا! فهي إن حضرت استراح وسعد وسعدت معه أسرته بأكملها، وإلا خيّم الشقاق في الأرجاء. وفي هذا، يسترجع الكاتب سيرة عدد من الكتاب العالميين من بينهم الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي، والذي كان “يستدعي تلك الغادرة فتواتيه صاغرة على الفور” حسب تعبيره. ثم يستطرد ليصّور أجواء من تلك المنحة التي حظي بها هذا الأديب، فقد كان يكتب واقفاً أحياناً، وعلى مائدة صغيرة لليال طوال أحياناً أخرى، وإلى جانب سرير زوجته المحتضرة وبعد وفاتها أيضاً، “ناهيك عن الغرف القذرة التي كان يستدعيها إليها في معظم سنوات شبابه ورجولته وهو يكتب «الجريمة والعقاب» و «المساكين» و «المقامر» أو «ثلوج سيبيريا الموحشة»، التي صاحبته فيها أربع سنوات طوال، كتب بعدها روايته «ذكريات من منزل الأموات» التي صوّرت عذاب المنفيين في سيبيريا والعقاب الجسدي الذي يتعرضون له وأثرت في القراء تأثيرا عظيما، حتى أن قيصر روسيا الاسكندر الأكبر كانت دموعه تسقط على صفحات الرواية وهو يقرأها، وأمر بتشكيل لجنة لبحث إلغاء العقاب الجسدي الذي صوره دوستويفسكي، وانتهى البحث بإلغائه سنة 1863 .. بفضل الذي هذه الرواية قبل كل شيء”.

وعلى أرفف مكتبتي الجوداء، يصطف 42 كتاب آخر للكاتب في طبعاتها الأولى، اقتنيتها جميعاً وأنا في سن مبكرة جداً، وهي مجموعة أسالت الكثير من دموعي .. رغم هذا، فهي من الكتب المحببة لدي والتي لا أتردد في تصنيفها بـ (تستحق القراءة وإعادة القراءة).

إذاً .. إنه كتاب كنت قد قرأته وأنا في عمر العنفوان، وها أنا بعد مضي الأعوام أعود لقراءته، لأجدد معه ما حملته في تلك السن المبكرة من أدب وفكر وخواطر تتنشّق الحياة .. ولأستيقن الآن أن البشر يتناسخون في قوالب من معادن نفيسة ورخيصة تتفاوت .. وإن اختلفت أسمائهم وأشكالهم وعناوينهم.

تلك كلمات كُتبت في تسعينيات القرن الماضي، ولا يزال صداها يتردد إلى اليوم رغم رحيل كاتبها، مؤكداً أن ما يصدر من القلب بصدق .. يصل ويتواصل.

وأختم تدوينتي بحكمة ختم بها الكاتب إحدى مقالاته قائلاً: “وما أحلى أن ينال كل إنسان مخلص لعمله وقيمه ومبادئه جائزته من النجاح والتقدير .. الآن أو غداً أو بعد غد .. لا يهم! لكن المهم هو أن تأتي الجوائز ذات يوم”.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (48) في قائمة ضمت (85) كتاب، قرأتهم عام 2019 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط!

 

تاريخ النشر: فبراير 28, 2022

عدد القراءات:104 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.