الكتاب
أرجوك لا تفهمني
المؤلف
دار النشر
دار الشروق للنشر والتوزيع
الطبعة
(3) 2001
عدد الصفحات
150
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
07/31/2019
التصنيف
الموضوع
مقالات تنساب حكمة في أروقة الحياة
درجة التقييم

أرجوك لا تفهمني

ليس ثمة شيء يُدعى “نشوة الكتابة” حيث الوقت المسروق من يوم أي كاتب وهو مستغرق خلف مكتبه يحيك كلماته على الورق، إنما يقابله ما يُدعى “عناء التفكير” في موضوع ما، وشقاء التدقيق في كل كلمة، يليه هلاك التحقيق في المراجع لتوثيق معلومة واردة عرضاً، يتبعه “عذاب الشك” في قيمة ما قدّم، ثم “قلق الخوف” من مدى تقبّل القارئ! هكذا يصارح الكاتب الراحل عبدالوهاب مطاوع قارئه العزيز وهو يقدّم له كتابه الذي جمع بين دفتيه مقالات قصيرة تربط بين تأملات وخواطر وقصص إنسانية وتجارب شخصية وأخبار بعض عظماء التاريخ، مع شيء من الطرفة من هنا وهناك .. فيقول ابتداءً في خاطرة بعد صدور كتابه الأخير ضمن سلسلة طويلة من الإصدارات: “إني لم أتخلص بعد من وساوسي تجاه ما أكتب، ولم أجلس مرة لأكتب دون أن يراودني خاطر جميل أشبه بالحلم أستسلم له كثيراً، هو أنني قد وجدت لنفسي «عملاً» آخر بعيداً عن هذا العناء مع أني لم أتخيل لنفسي منذ كنت في الرابعة عشرة من عمري حياة أخرى بعيدة عن دنيا القراءة والكتابة، ولا أصلح لممارسة أي شيء آخر في الحياة سوى هذا الشقاء الأبدي”.

إنه إذاً محمد عبد الوهاب مطاوع (1940 : 2004)، الكاتب والصحفي المصري الذي حرر (باب بريد الجمعة) الأسبوعي في جريدة الأهرام المصرية فيما يقارب ربع قرن من الزمان، وساهم في زيادة نسبة التوزيع للأعداد الصادرة في ذلك اليوم، فقد كان يتلّقى أسبوعياً آلاف الرسائل من القرّاء التي تحمل هموم مادية أو صحية أو عائلية أو اجتماعية، فيتصدّى لها بأسلوب أدبي إنساني رفيع يجمع بين ثراء عقلي وجزيل الحكمة يدعمه بالمأثور من القول، وبمجهود شخصي يعينه فيه فريق عمله لإعانة أولئك واستقبال من أمكن منهم في مكتبه، حتى استحق لقب (صاحب القلم الرحيم) .. رحمه الله. بالإضافة إلى المناصب التي تدرّج فيها في الحقل الصحفي حتى وصل إلى منصب رئاسة التحرير، فقد أصدر زهاء الخمسين كتاباً تتضمن قصص إنسانية مختارة من بين رسائل بريد الجمعة، وشيء في أدب الرحلة، ومقالات في أروقة النفس والحياة.

لُطفاً لم يترك الكاتب عنان الأمر لنفسه حين قال: “ولو تُركت لنفسي، ما جلست إلى مكتبي إلا لأقرأ وأستمتع بما عانى غيرى لكي يسطره على الورق”، إذ لم يكن ليأتي هذا الكتاب الذي تنساب حكمته سلسة بين أدب وفكر وخواطر تتنشّق الحياة، وتعرض كيف يتناسخ البشر في قوالب من معادن نفيسة ورخيصة تتفاوت، وإن اختلفت أسمائهم وأشكالهم وعناوينهم.

وبينما يعلو غلاف الكتاب رسم كاريكاتوري لفتاة تصد القارئ عن فهمها وقد ارتدت بدلة رياضية كانت سائدة عند جيل التسعينيات من القرن الماضي حيث صدور الكتاب، يعرض الفهرس تسعة عشرة مقالة يحظى بها الكتاب بثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي. وكانتقاء، أقتطف من ذاكرتي ما علق فيها من أروقته، وباقتباس في نص من لافندر يبعث معنى السلام والحكمة والإبداع (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • في مقالة (عفواً .. لقد نسيت)، يتحدث الكاتب عن ذاكرة الإنسان التي قد تخونه في بعض الأحيان رغم ما قد يكون عليه من دقة ملاحظة وحدّة في الذاكرة وسمات نبوغ وحنكة وعظمة أيضاً! فها هو القائد الفرنسي الأبرز نابليون بونابرت ينسى أخصّ الأمور في حياته اليومية، بينما يتذكر وبدقة تثير العجب أسماء ضباطه على كثرتهم، والمعارك التي خاضها، وتفاصيل المؤامرات التي حيكت ضده. أما العرب الذين عُرفوا بملكة الحفظ الخارقة والتي كان لها الفضل في حظوة كتب الأدب بالشعر الجاهلي، فلم يكن عجباً أن يزخر مجلس الوزير الصاحب بن عباد بألف رجل، وقد اشترط مسبقاً لمن سيلتحق بمجلسه الشعري أن يكون حافظاً لعشرين ألف بيت من الشعر. كذلك: “العالم الألماني اليهودي ألبرت أينشتاين الذي تبرع بمخه بعد وفاته لمراكز البحث العلمي لتقوم بتشريحه ومعرفه تكوينه وسر عبقريته، توصل إلى نظرية علمية معقدة كان عدد من يستطيعون فهمها في العالم كله في بعض الأوقات لا يزيد على عشرات، وكان يستطيع أن يجرى حسابات رياضية معقدة اعتماداً على ذهنه المتوهج وذاكرته العلمية المذهلة. ومع ذلك، فكثيراً ما شكى من ضياع قلم كان بيده منذ لحظات وعجز عن تذكر أين تركه، وفي بعض الأحيان كان يبحث عنه ويستنجد بزوجته فتمد يدها إلى مكتبه أمامه وتقدمه له”.
  • أما في مقالة (قل لي من فضلك)، فيتحدث الكاتب عن عدد من المواقف المحرجة التي تعرّض لها بعض المشاهير في مواقف مختلفة، وصور من ردود أفعالهم ما بين دبلوماسية وسلاطة لسان، غير أن المقالة التي جاء عنوانها بالعبارة اللبقة (أوه باردون)، فهي في الحقيقة -رغم هذا- عبارة لا تنفع على الإطلاق في تبرير التعصّب بجميع أشكاله، كما يعتقد الكاتب، في حين تأتي مقالة (مجرد سوء تفاهم) الأشد وقعاً على النفس، إذ لا يلبث القارئ أن يلتقط أنفاسه أمام قصة بدت وكأنها من نسج الخيال، ليحبسها من جديد حين يعلم في خاتمتها بأنها قصة حقيقية ماثلة بأبطالها .. إنها قصة جريمة قتل في أبشع ما تسطره سخرية الأقدار وتصاريف الأيام، بين أم وفلذة كبدها.
  • تعرض (حياة صاخبة) في نهايتها صورة لجزاء من جنس عمل صاحبه، وعن دَيّن جاء سداده مخصوماً من عمره المحتوم! إنها قصة الفنان أحمد سالم الذي ظهر على شاشة السينما المصرية في أربعينيات القرن الماضي، والذي انغمس في حياة مترفة لا يردعه البذخ الطاغي فيها عن شيء! ففي إحدى سهراته الماجنة التي يحاول فيها أحد أصحابه الاستئذان باكراً -وقد كان طبيباً- بحجة عملية استئصال زائدة دودية سيجريها لأحد مرضاه صباح اليوم التالي، يتحداه سالم في استطاعته إجراؤها شخصياً لبساطتها وحسب، فليست بحاجة إلى طبيب ولا تستحق مغادرة السهرة من أجلها. يصل التحدي بين الصديقين مداه، فيسمح الطبيب -وقد كان من علية القوم- أن يباشر سالم العملية الجراحية، فيحين الوقت صباحاً ويتلّقف سالم المشرط ويستأصل الزائدة الدودية وسط ذهول الأطباء ليموت المريض بعد فترة وجيزة! وفي حين يتم التستر على الجريمة لنفوذ سالم وشريكه الطبيب من جهة، وضيق حال أهل المريض -فضلاً عن جهلهم بما حصل- من جهة أخرى، ومع استمرار الطغيان، يأبى العدل الإلهي إلا أن يقول كلمته الفاصلة في نهاية المطاف، حيث “تجيء النهاية الأكثر درامية لتلك الحياة العريضة الصاخبة رغم قصرها ويموت أحمد سالم في شرخ الشبـاب .. فهل تعرف كيف مات؟ بانفجار في الزائدة الدودية! فاجأه على حين غرة قبل أن يجرى له الأطباء تلك الجراحة البسيطة التي سخر منها ذات يوم وقال إن أي إنسان يستطيع أن يقوم بها بغير حاجة لدراسة الطب”.
  • ومع (إلهام زعلانة)، يعلّق الكاتب فتور سيل الكتابة لديه على مزاجه الذي لا يحضر دائماً، وما كانت (إلهام) سوى رمز لمزاجه المتقلب هذا! فهي إن حضرت استراح وسعد وسعدت معه أسرته بأكملها، وإلا خيّم الشقاق في الأرجاء والأجواء طوال اليوم. وفي هذا، يسترجع الكاتب سيرة عدد من الكتّاب العالميين من بينهم الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي، والذي كان “يستدعي تلك الغادرة فتواتيه صاغرة على الفور” حسب تعبيره. ثم يستطرد ليصّور أجواء من تلك المنحة التي حظي بها هذا الأديب، فقد كان يكتب واقفاً أحياناً، وعلى مائدة صغيرة لليالٍ طوال أحياناً أخرى، وإلى جانب سرير زوجته المحتضرة وبعد وفاتها أيضاً، “ناهيك عن الغرف القذرة التي كان يستدعيها إليها في معظم سنوات شبابه ورجولته وهو يكتب «الجريمة والعقاب» و «المساكين» و «المقامر» أو «ثلوج سيبيريا الموحشة»، التي صاحبته فيها أربع سنوات طوال، كتب بعدها روايته «ذكريات من منزل الأموات» التي صوّرت عذاب المنفيين في سيبيريا والعقاب الجسدي الذي يتعرضون له وأثرت في القراء تأثيراً عظيماً، حتى أن قيصر روسيا الإسكندر الأكبر كانت دموعه تسقط على صفحات الرواية وهو يقرأها، وأمر بتشكيل لجنة لبحث إلغاء العقاب الجسدي الذي صوره دوستويفسكي، وانتهى البحث بإلغائه سنة 1863 .. بفضل هذه الرواية قبل كل شيء”.

تلك غيض من فيض كلمات كُتبت في تسعينيات القرن الماضي، والتي لا يزال يتردد صداها إلى اليوم رغم رحيل كاتبها، وكأنه يؤكد على أن ما يصدر من القلب بصدق، يصل ويتواصل. وأختم بدوري هذه المراجعة بحكمة ختم بها الكاتب إحدى مقالاته قائلاً: “وما أحلى أن ينال كل إنسان مخلص لعمله وقيمه ومبادئه جائزته من النجاح والتقدير .. الآن أو غداً أو بعد غد .. لا يهم! لكن المهم هو أن تأتي الجوائز ذات يوم”.

 

تم نشر المراجعة على: صحيفة المشرق العراقية 9 نوفمبر 2022 – صفحة (10)

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (48) في قائمة ضمت (85) كتاب قرأتهم عام 2019، رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط! وهو آخر كتاب اقرأه في شهر يوليو من بين عشرة كتب.

وعلى أرفف مكتبتي الجوداء، يصطف 42 كتاب آخر للكاتب في طبعاتها الأولى، اقتنيتها جميعاً وأنا في سن مبكرة جداً وقد أسالت الكثير من دموعي حينها. رغم هذا، فهي من الكتب المحببة لدي والتي لا أتردد في تصنيفها بـ (تستحق القراءة وإعادة القراءة). إذاً، إنه كتاب قرأته في العنفوان، وها أنا بعد مضي الأعوام أعود لقراءته، لأجدد معه ما حملته في تلك السن المبكرة من أدب وفكر وخواطر تتنشّق الحياة.

تسلسل الكتاب على المدونة: 108

 

تاريخ النشر: فبراير 28, 2022

عدد القراءات:269 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *