الكتاب
أديان العالم
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
The World's Religions - By: Huston Smith
المترجم/المحقق
سعد رستم
دار النشر
دار الجسور الثقافية
الطبعة
(3) 2007
عدد الصفحات
597
النوع
إلكتروني
تاريخ القراءة
01/06/2016
التصنيف
الموضوع
إلى من يؤمن بالله وبتعدد كتبه ورسله .. مما قصّ علينا ومما لم يقصص!.
درجة التقييم

أديان العالم

كتاب يُبحر بقارئه في رحلة روحانية متعمقة نحو أديان العالم الكبرى، ليكشف عن روح كل دين، وجوهر الحكمة وراء فلسفته وطقوسه وتعاليمه، في لغة تخالف التقليد العلمي السائد نحو مجرد عرض كل دين في قالب أكاديمي صرف (بكتبه المقدسة ومعلميه ومعتنقيه ومذاهبه وتعاليمه الرئيسية ومدى انتشاره …الخ)، معززاً بالبيانات والجداول والإحصائيات! لا تأتي هذه اللغة من فراغ، بل من عصارة ممارسات إيمانية عميقة لتلك الأديان، انهمك فيها المؤلف في نحو خمسين عاماً، وأخلص لها إخلاص المؤمن الحق!.

بهذا النهج المتفرد، لا يعرض المؤلف شيئاً من آرائه وانطباعاته الشخصية كباحث في هذا المجال، على الرغم من اعتناقه لكل هذه الأديان، وممارسة شعائرها طويلاً فوق أراضي معتنقيها، بل جاء عرضه حيادياً بالكلية. أيضاً، لا يعمد إلى التجريح أو التهكم مهما حمل أي دين من معتقدات أو ممارسات غير مألوفة قد تدعو لذلك، بل يجده القارئ أحياناً متصدياً لما يحوم حول كل دين من أقاويل وشبهات، فيعمد إلى تصحيحها، علمياً ومنطقياً وفلسفياً. عليه، يتحلى الكتاب بالصدق والمصداقية معاً، فالمؤلف تلقّى علوم كل دين من مصدره، وألّف مؤلّفه بعد أن اعتنقه ومارسه!

يخصّ الكتاب في نهايته صفحتين لعرض جانب من سيرة مؤلفه الذاتية!. إنه الناسك الروحي البروفيسور د. هوستن سميث (1919-2016). وُلد ونشأ في الصين لأبوين أمريكيين نصرانيين يعتنقان البروتستانتية ويعملان في التبشير، البيئة التي تفتحت عليها مدارك العالم الصغير نحو تنوع الأديان وفلسفتها، الأمر الذي دعاه للالتحاق ببرامج الفلسفة الجامعية بعد عودته لوطنه وهو في الخامسة عشرة من عمره، ليتوّج مسيرته بالحصول على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة شيكاغو عام 1945، ومن ثم الانخراط في سلك التدريس في عدد من جامعات بلاده العريقة.

استمر في اعتناق المسيحية رغم إعجابه الشديد بالحكمة الشرقية، وقد تتلمذ على أيدي رهبان الهندوسية، ومارس الزن من خلال معلمي البوذية، وقد صرّح في إحدى المقابلات بأنه يُديم الصلاة خمس مرات يومياً باللغة العربية منذ ست وعشرين عام. عمل على إنتاج سلسلة من الوثائقيات المتلفزة خلال الستينات من القرن الماضي، وله العديد من المؤلفات في نفس المجال، أشهرها الكتاب الذي بين أيدينا والذي لا يزال يُصنّف عالمياً بالمرجع العلمي الأول في الأديان، وقد وصلت مبيعاته إلى المليون والنصف نسخة كما تشير هذه الطبعة!.

يعرض فهرس الكتاب عشرة مواضيع رئيسية، بالإضافة إلى مقدمتي المؤلف والمترجم، تبدو أهمها على الإطلاق: (الهندوسية، البوذية، الكونفوشية، الطاوية، اليهودية، المسيحية، الإسلام، الأديان البدائية)، ويتفرع عن كل منها عدد لا بأس به من موضوعات لا تقل شأناً في الأهمية. حظي الكتاب معها بأربع نجوم من رصيد أنجمي الخماسي.

من عبق الروحانيات، أسرد نفحات مما علق في ذهني كما يلي:

  • في إسقاطات لمعنى تمثال ذو أذرع متعددة تعكس رمزياً براعة الإله اللامتناهية، يرى د. سميث أن فعالية القصص والأساطير أقوى أثراً على الإنسان من قوة القوانين والأحكام الرسمية، إذ تنطوي على قيم تحوّل بقدرتها اهتمام البشر من العالم المحيط إلى التفكر في الله، وتمجيده، والتضرع إليه، والنظر في إبداعه، وحبه آخراً.
  • تتجلى معاني الصيام الإسلامي في الانضباط الذاتي، وكبح الشهوات، وفي تذكير الإنسان بضعفه وحاجته الدائمة إلى الله. كما يولّد عنده الإحساس بالشفقة، والشعور بالآخرين، إذ لا يشعر بالجوع إلا من جاع فقط، ومن ارتاض الصيام تسع وعشرين يوماً يكون الأكثر تسامحاً وتفاعلاً مع من يقصدهم من الجائعين!.
  • ينافس الهندوسي (سوامي) نظيريه البوذيين (دائي) و (لائي)!. ففي حين سيواصل الأخيران المقرفصان تأملهما اليوم منذ استيقاظهما في الساعة الثالثة فجراً حتى الحادية عشرة ليلاً بغية سبر أغوار بوذا داخلهما، سيواصل الأول تأمله الذي ابتدأه منذ خمس سنوات مقرفصاً صامتاً في قعر داره على قمة جبل الهملايا، مستثنياً ثلاثة أيام في السنة يتحدث فيها.
  • عن أولئك الذين ترقوا روحياً في مراتب من الإدراك والوعي والتجلي، تعكس سيرتهم نموذج أسمى في النوع الإنساني! فهم حكماء، متحررون، أقوياء الشخصية، فائقو السعادة، ما من شيء في الحياة كفيل بأن يعكر صفوهم العقلي، أو يُقلق طُمأنينتهم، أو يقودهم للصراع، أو يأسرهم، أو يُرعبهم، أو يُحزنهم .. إنهم مبتهجون على الدوام، يجودون على من اختلط بهم بأنوار من القوة والطهر والانبساط.
  • لا يتردد المستشرق ماكس موللر في الإشارة إلى (الهند) كإجابة عن سؤال حول الأرض التي شهدت أعمق التأملات العقلية، وأتت بجملة من الحلول في مسائل الحياة، تهم الإنسان، وتثير اهتمام من درس فلسفتي كانت وأفلاطون أيضاً! ولا يتردد من الإشارة إلى (أدب الهند) للإجابة عن سؤال حول الأدب الذي صحح مفاهيم تشرّبها الإنسان من الفكر اليوناني والروماني، وعمل على تغذية روحانياته، في سبيل حياة أكثر شمولية وعالمية وإنسانية، ليس في الحياة الآنية فقط، بل في الحياة الأبدية كذلك.
  • يناكف أحد اللا أدريين أحد الهنود المتنورين، بأنه كان سيجعل للصحة عدوى بدل المرض، لو كان ربّا! فيفحمه الأخير بأن الشكّاك لا يمكنه استيعاب أن الفضيلة هي فعلاً معدية للرذيلة، والسعادة معدية للتعاسة … كما العدوى بين الصحة والمرض.
  • في استنباط لافت، يشير د. سميث إلى كلمة (القراءة) كمعنى مشتق لكلمة (القرآن)، وبأنه الكتاب الأكثر تلاوة وحفظاً وتأثيراً على مستوى العالم. فلا عجب أن يكون (معجزاً) كما سمّاه نبيه، وتابعيه من بعده.

ومن عبق الروحانيات، اقتبس شذرات وأكسيها لون عشبي كما يلي .. (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • يحفل الأدب الهندي بالاستعارات والتشبيهات والصور البيانية التي توجّه أنظار الإنسان نحو “الوجود المطلق اللانهائي” في الكون الفسيح، والكامن عميقاً بين ثنايا وجدانه. تقول إحداها: “إننا مثل شبل أسد فقد أمه بعد ولادته، فعاش صدفة بين مجموعة من الخرفان، فصار يرعى ويأكل العشب معهم ويثغو مثلهم، ظاناً نفسه خروفاً كأقرانه!. إننا مثل العاشق النائم الذي يحلم في منامه أنه يجوب الدنيا بحثاً عن حبيبته دون أن يجدها، غافلاً عن كونها مستلقية على الفراش إلى جانبه”.
  • تترافق أوجه الشبه بين مشروع المؤلف وبين أحد علماء التشريح الذي اعتاد أن ينبّه طلبة الطب في أول محاضرة، قائلاً في بصيرة: “في هذه المادة سوف نتعامل مع اللحم والعظام والخلايا والأعصاب، وستأتيكم أوقات تبدو لكم فيها كل هذه الأشياء باردة لا حقيقة لها. ولكن لا تنسوا! إنها حية تتحرك”.
  • في إنصاف وحيادية معهودة، يؤكد د. سميث على الحرية الدينية التي تمتع بها اليهود والنصارى والهندوس إبان الحكم الإسلامي شرقاً وغرباً. وفي مقارنة بين سماحة المسلمين الأتراك مع النصارى عند فتح القسطنطينية، وبين جرائم محاكم التفتيش التي نصّبها الصليبيون الأسبان لتعذيب المسلمين بعد سقوط الأندلس، يعتقد المسلمون أن “سجل المسيحية هو السجل الأكثر سواداً في هذا الصدد”، بينما يتفق المؤرخين المنصفين بأن “سجل الإسلام في استخدام القوة لم يكن أبداً أظلم من سجل المسيحية”.
  • تتجلى معاني الوحدانية في ترانيم الطاوية .. منها:

“هناك كائن رائع وكامل

وُجد قبل السماء والأرض

كم هو هادئ

وكم هو روحي

يبقى وحيداً لا يتغير

يوجد قريباً وبعيداً .. هنا وهناك، ومع ذلك فهو لا يعاني من هذا التواجد

يلف كل شيء بحبه كثوب يغطي كل شيء

ومع ذلك فلا يدّعي شرفاً أو مقاماً ولا يطلب أن يكون سيدا

أنا لا أعرف اسمه، ولذلك اسميه (طاو) الطريق

وأبتهج بقوته”.

  • في لغة صوفية تحلّق بعيداً عن رحابة ميدان رياضة اليوغا، وتتقاطع مع العشق الرومي، تنساب الوصية عذبة بأن: “كل ما يجب علينا فعله في هذه اليوغا أن نحب الله حباً جما، لا مجرد أن نقول بلساننا أننا نحب الله، بل نحبه حقاً، ونحبه وحده، ولا نحب شيئاً غيره إلا لأجله، ونحبه لذاته لا لغرض آخر أو هدف أبعد، حتى ولا انطلاقاً من الرغبة بالخلاص والتحرر، بل نحبه للحب فقط. نجاحنا في ذلك يمنحنا بهجة وسعادة، لأنه ما من تجربة يمكن أن تقارن بتجربة من يعيش حباً تاماً صادقاً. علاوة على ذلك، كلما قوي تعلقنا بالله واشتد حبنا له، كلما ضعفت سيطرة العالم علينا. نعم قد يحب القديس العالم، بل هو يحبه فعلاً أكثر من محبة المدمن له، لكن حبه للعالم يختلف تماماً عن حب الآخرين له. إنه يحبه لأنه يرى فيه انعكاساً لمجد الله الذي يعبده”.
  • ينتقد د. سميث ربط التماثيل الهندوسية بمعاني الوثنية أو الشرك أو تعدد الآلهة، بل يعتقد بإنها مسارات تتنقل خلالها الحواس البشرية نحو “الأحد”. ويضرب في هذا مثلاً بكاهن القرية الذي يعتقد بأن حدود إمكانياته البشرية تسببت له بثلاث خطايا يرجو غفرانها، فيفتتح صلواته بدعاء:

“يا رب! اغفر ثلاثة خطايا ناجمة عن حدودي البشرية

أنك في كل مكان لكني أعبدك هنا.

أنك من غير شكل ولا جسم، ولكني أعبدك في هذه الأشكال.

أنك لا تحتاج إلى الثناء والمديح ولكني أقدم لك هذه الصلوات والتحيات.

رب! اغفر ثلاثة خطايا ناجمة عن حدودي البشرية”

  • وأختم في قول د. سميث عن لغة القرآن، حيث يقول مقتبساً: “لا يوجد شعب في العالم تحركه الكلمات، سواء المقولة شفهياً أو المكتوبة، كالعرب. من النادر أن يكون لأي لغة في العالم تلك القدرة على التأثير على عقول مستخدميها كالتأثير الذي لا يُقاوم للغة العربية”. ثم يُعقب قائلاً: “يمكن للجماهير في القاهرة أو دمشق أو بغداد أن تُلهب مشاعرها وتُثار إلى أعلى درجات الإثارة العاطفية ببيانات، إذا ما تمت ترجمتها تبدو عادية”. 

في انطباعات شخصية متفرقة، وعلى طريقة رؤوس الأقلام، أكتب عن:

  • الأديان!.. تختلف برمتها لكنها تصب انتهاءً في عبادة الله وحده، والتي تحقق السكينة الروحية كمطمح أزلي.
  • الهندوسية!.. كان عجيباً أن أجدها تتقاطع مع الدين الإسلامي في توحيد الإله .. “تطير من الأحد نحو الأحد” .. على الرغم من الاختلاف الجذري بينهما.
  • البوذية!.. من الصعوبة بمكان، وقد بدت معقّدة في روحانياتها، مما دفع بـ (كبريائي الأدبي) نحو البحث عن مؤلفات أخرى، لتحقيق فهم أفضل .. عل وعسى!.
  • الكتاب!.. يدفع الفضول نحو مزيد من البحث، بغية الاستزادة من المعرفة حول كل دين.
  • الطرح!.. يكتنفه قدر من الصعوبة قد يعود إلى النظرة التحليلية الفلسفية التي يقوم عليها الكتاب في تناوله للأديان، أو الصعوبة المتعلقة بجوهرها، أو للترجمة في أحايين قليلة.
  • الترجمة!.. متقنة جداً. فعلى الرغم من عمق معاني كل دين، جاءت الترجمة لتستخلص جوهرها. لا يدلّ هذا سوى على تمكن المترجم، خلاف ما تزخر به الساحة من ترجمات ركيكة عن أصحابها!
  • الكاتب!.. لا يغفل عن إسداء جزيل الشكر والعرفان لزوجه التي لم تدّخر جهداً في تنقيح ومراجعة كتاب زوجها بكل سعادة، الذي لم يكن من المتوقع له تحقيق أعلى نسب المبيعات قبل طرحه! .. في لفتة شاعرية جميلة .. بل روحانية!.

نعم .. إنه ليس كتاب ترويجي، ولا نقدي، بل روحاني بالدرجة الأولى، يقدم للقارئ خلاصة ما اكتسبه مؤلفه من معرفة وجدانية وتجارب روحانية عاش بها ولها ومعها، يُضفي على القارئ أنوار من الفكر، وأبعاد من الفهم، وبصيرة أقوى، وحكمة أعمق، وأفق أكثر رحابة، نحو تصور الحياة ووجود الإنسان على ظهرها، وإدراك أكثر وعياً بما يحيط به من مصاعب وآلام، وطرق حلولها من زوايا دينية مختلفة، وأكثر اتساعاً من ذي قبل!.. لتصبّ جميعها في نهاية المطاف في فضاء الحقيقة المطلقة: (الله تبارك وتعالى).

ومسك الختام ..

(لا إله إلا الله) .. بها نحيا وبها نموت وبها نلقى الله.

تاريخ النشر: ديسمبر 31, 2020

عدد القراءات:215 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *