مقالات في صحيفة المشرق ابريل 2022

قراءة في كتاب

…………………………

 

أنشر هذه المقالات في شهر ابريل 2022 والذي يصادف شهر رمضان المبارك 1443
رمضان كريم
وكل عام والجميع بخير
همى الغيث

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ القرآن المعجز – المؤلف/ د. جاري ميللر

المنطق القرآني سبباً في اعتناق عالم رياضيات للإسلام

 

 

كتاب موجز دوّنه المبشّر السابق وأستاذ الرياضيات د. جاري ميللر، حينما أراد قراءة القرآن الكريم بغية (فضح) ما به من أخطاء وتناقضات، والتي زخر بها من قبل الإنجيل المقدس عندما وقع عليها وهو يعمل كناشط في مجال التبشير المسيحي، وقد اعتقد ابتداءً أنه سيجد في هذا الكتاب وصفاً للصحراء والجمال والخيام المنصوبة فضلاً عن سيرة محمد الذاتية، الأمر الذي حمله إلى اعتناق الدين الإسلامي في نهاية المطاف. اختار اسم (عبدالأحد عمر) بعد اسلامه وعكف على دراسة اللغة العربية من أجل فهم أدق للقرآن الكريم، وأصبح ناشطاً مرة أخرى لكن في مجال التأليف وإلقاء المحاضرات حول الدين الإسلامي، وتعرض شبكة المعلومات عدداً من المواد المسموعة والمقروءة عن المؤلف وكتابه، فضلاً عن مقابلات شخصية معه. ولقد عمل بعد اعتناقه للإسلام في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في المملكة العربية السعودية ضمن أعضاء هيئة التدريس ولعدة سنوات.

بالإشارة إلى عنوان كتابه، لا يعتقد د. ميللر أن المسلمين هم فقط من يصف القرآن الكريم بـ “المدهش”، بل أن هناك الكثير من غير المسلمين من يعتقد فيه هذه الصفة، بل والأكثر دهشة أن بعض من أولئك هم فعلياً من الكارهين للإسلام كراهية كبرى، إلا أن الشمس لا تُحجب بغربال بطبيعة الحال!.

تعتمد هذه المراجعة على الترجمة العربية للكتاب من لغته الأصلية ( The Amazing Qur’an – By: Dr. Gary Miller ) والتي عني بها موقع (إسلام هاوس) على شبكة المعلومات عام 2005. تعرض قائمة المحتويات في صفحة الكتاب الأولى إحدى وأربعين موضوعاً، تحمل عناوين ذكية مثل: (عن البحر، أدق الأشياء: العسل، اختبار عدم الزيف، علم طبقات الأرض، الوحي وأبو لهب، مفارقة مع قس، شهادة مفكر، منشأ العالم والحياة)، والتي اختار منها ما أذهل عالم الرياضيات بعد قراءته للقرآن الكريم الذي (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ)، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

التحدي الصريح والقائم الذي جاء به القرآن الكريم في عدد من آياته ككتاب يخلو من الأخطاء، كآية: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا”. فيعتقد د. ميللر أن موقف التحدي هذا ليس من طبيعة البشر في شيء، حيث يشبهّه بطالب دخل قاعة امتحان وأجاب عن أسئلته، ثم ذيّل إجابته بتحدٍ للمراجع في إيجاد خطئاً واحداً بين إجاباته! بطبيعة الحال، سيتفرغ ذلك المراجع للبحث عن خطأ حتى يجده. عليه، لن ينجح أحد في هذا النوع من التحدي، لذا استخدمه الله مع المعاندين فقط. وبنفس النهج وعلى طريقة الرياضيين، يتتبع د. ميللر موقف أبي لهب وزوجه المعاند، ويعلق بمنطقية كاشفاً جانب من جهلهما قائلاً: “إن القرآن ذكر أن عم رسول الله هو وزوجته من أهل النار، وقد عاشوا بعد هذا التقرير مدة طويلة وماتوا على الكفر والعياذ بالله. فإن لم يكن ذلك وحي من الله فماذا يكون التفسير المقنع؟ لمَ لمْ يدّعي أبو لهب وزوجته الايمان فقط من أجل تكذيب القرآن؟ وقد كان يريد وزوجته اظهار كذب رسول الله بأي طريقة، ولكن هذا لم يحدث أبداً”.

عدم تطرق القرآن الكريم لسيرة النبي محمد ﷺ الذاتية، بل ظهر وهو يعمد إلى تأصيل القواعد العامة في علاقة الإنسان بالخالق وبالخلق. إذ لا وجود -على سبيل المثال- لخبر موت بنيه أو زوجه أو ما راوده من انفعالات حال تنّزل الوحي عليه، وغيرها من أمور التي لا بد وقد شغلت حيزاً كبيراً من عقل النبي ﷺ ونفسه وآلامه وسلوكه، إلا أن عدم ورود شيء من قبيل الانطباعات الشخصية لهو دليل على المصدر الإلهي للقرآن الكريم لا بشريته كما يدعّون. وفي لغة تبدو للبعض (نسوية)، يُثني المؤلف على أم المؤمنين (السيدة خديجة بنت خويلد) بعظيم الثناء وقد اطّلع على السيرة النبوية العطرة، لا سيما أوائلها حيث الصعاب التي واجهها النبي الأكرم ﷺ وتزامنها مع وفاة أكبر معين له، فيقول في استنباط شاعري: “في الواقع، فقد كانت زوجة عظيمة لأنه في بداية الوحي لجأ إليها خائفا يرتعد، فواسته وثبتته وأيدته. وأنت لا تجد حتى في أيامنا هذه أحداً من العرب حينما يكون خائفا أن يذهب لزوجته ليعلنها بهذا الخوف، ولكن لا يتم هذا الإخبار إلا إذا كانت هناك رابطة قوية جداً بينه وبين زوجته حتى يرفع تلك الكلفة بينهما، وهذا يوضح لك مدى قوتها وثقة الرسول عليه الصلاة والسلام فيها. وبالرغم من أن هذه بعض الأمثلة فقط التي تنبئ بما كان يدور في ذهن الرسول، ولكنها كافية لتوضح وجهة نظري”. ومن المدهش أن يستشف رجل أحمر -قرأ لتوه السيرة النبوية- معنى (السكن) بين النبي وزوجه، في حين لم يضع أحد بنو العرب كبرياءه جانباً على امتداد أربعة عشر قرناً ليتأسى ويركن إلى سكنه .. في حاجة وفي غير حاجة، فضلاً عن أن يصرّح بهذا (التنازل) علناً!.

دعوة القرآن الكريم قارئيه لسؤال أهل الاختصاص في أي علم كان .. في علم الأحياء، في علم النبات، في علم الجغرافيا، وغيرها، عملاً بالآية الكريمة: “فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”. وقد كان هذا ديدن المسلمين الأوائل في انفتاحهم على علوم الغير، وانتهاج منهج البحث، وتحقيق الكثير من الاكتشافات المذهلة بناءً على ذلك. وهو كذلك يتطرق إلى عدد من الحقائق العلمية كـ (علم الأجنة) على سبيل المثال لا الحصر، حيث استعان د. ميللر في هذا برأي د. كيث موور وهو باحث أكاديمي من جامعة تورنتو مختص في هذا المجال، الذي أقرّ بأن مراحل تطور الجنين كما جاءت في سورة الحج لم تكن معروفة قبل حوالي ثلاثين عاماً. وقد جاء هذا الاستنتاج من خلال تعاون علمي تم بينه وبين مجموعة من الباحثين في المملكة العربية السعودية. ويستمر د. ميللر في حديثه عن الإعجاز القرآني وفي اختصاص أنثى النحل تحديداً بإنتاج العسل، حيث يعقد مقارنة علمية لا تخلو من طرفة بين أنثى النحل في القرآن الكريم وذكر النحل في مسرحية شكسبير، فيقول: “هل يمكنك التمييز بين ذكر النحل وأنثى النحل؟ يحتاج الأمر لخبير للتمييز بينهما! ولكن تم الاكتشاف بأن ذكر النحل لا يغادر الخلية أبداً لجمع الغذاء. ومع ذلك في مسرحية (هنري الرابع) لشكسبير يدور نقاش بين الشخصيات يوضح أن النحل عبارة عن جنود ولديهم ملك، فهذا ما كان الناس يعتقدونه في عصر شكسبير أن النحل الذي نراه يطير هو جنود ذكور يمتثلوا لأوامر ملكهم، ولكن هذا ليس صحيحاً على الإطلاق، لأن الحقيقة العلمية تؤكد انهن إناث يمتثلن لأوامر ملكتهم”.

وكمقارنة بين الأديان، يستعين د. ميللر بالإنجيل المقدس من أجل الاستدلال بمعجزة جرت على يد السيد المسيح (عليه السلام) في إحياء أحد الأشخاص بعد وفاته لأربعة أيام، فما كان من ثلة من اليهود إلا أن صاحوا في عند وافتراء: “الشيطان يساعده .. الشيطان يساعده”. وقد جاء هذا الاستدلال كتعقيب على حوار جرى بينه شخصياً وبين أحد القساوسة، والذي أشار من خلاله إلى القرآن الكريم موجهاً كلامه إلى القسيس قائلاً: “أنا أثق بهذا الكتاب” ويكمل: “ومن غير أن يعرف ماهية الكتاب الذي أشير إليه، أجاب: (إن لم يكن هذا الكتاب هو الكتاب المقدس، فهو مكتوب من أحد البشر). وكاستجابة لهذه الملاحظة قلت له: (دعني أذكر لك شيئا مما في هذا الكتاب). وأمضيت حوالى ثلاث أو أربع دقائق أسرد له بعض ما جاء فيه، وبعد هذه الدقائق، عاد وغير من لهجته قائلا: (أنت محق ليس هذا قول بشر، هذا من أقوال الشيطان، الشيطان قد كتبه)!. بالطبع هذا التعليق السريع بائس جداً لأسباب كثيرة. فهو اعتذار رخيص جداً، كما أنه هروب من مواجهة موقف محرج”.

وكختام لهذه المراجعة، أبى قلمي إلا أن يسطّر كلمة في نعمة الإيمان بالفطرة، إذ أن الحديث عن هذه النعمة قد تكون أبلغ في التعبير حين يتحصّلها المرء لا عن طريق الوراثة ولا التلقين، بل من خلال عملية التفكير الحر وبتجرد ومنطقية! وهذا ما تترجمه مداخلة د. جاري ميللر في ندوة حضرها كانت تدور حول (الإيمان بالله من وجهة نظر فلسفية)، إذ قال وقد صدق: “إن المتتبع لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لابد أن يؤمن بالله، فإيمانه وثقته التي لاتحد والنور الذي يشع من إيمانه هو بالله سبحانه وتعالى وأثر ذلك على كل تصرفاته، لهي أكبر معين ننهل نحن منه، فمن نوره نقتبس نور إيماننا، فهو النور الذي لا ينضب، وهو المثال العملي الذي يغنينا عن آراء الفلاسفة، وذلك أدعى إلى الإيمان الثابت الذى لا يتزعزع”.

وبدوري أنتهي بـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا).

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 6 ابريل 2022 – صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/04/5089.pdf

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي

المؤلف/ فريق البحوث والدراسات الإسلامية في مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة

سلسلة التاريخ الإسلامي منذ النشأة حتى الوقت المعاصر

 

 

موسوعة ميّسرة تعرض سلسلة التاريخ الإسلامي في مجلدين، تستهل الجلدة الأولى من المجلد الأول بالنشأة عند تنزّل الوحي مع بداية عصر النبوة، لتقف عند الجلدة الأخيرة من المجلد الثاني إلى ما آل عليه الوضع في العصر الحالي من ضعف وانقسام وتشرذم. وعلى الرغم من أن الموسوعة جاءت في مجلدين، إلا أنه بالإمكان اعتبارها مقدمة تعريفية عامة في التاريخ الإسلامي، والتي تدفع إلى الاستزادة بعد ذلك من خلال مراجع وبحوث متعمقة أخرى.

تأتي أهمية تدوين التاريخ الإسلامي كأعظم وأرقى وأصحّ تاريخ إنساني سرى على ظهر هذه البسيطة، “فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ أمة شاهدة وأمة خاتمة وأمة صالحة وأمة تقية نقية”. كما تذكر الموسوعة، غير أن أهميته لا تقتصر على مجرد تدوينه فحسب بل في اعتباره دستور حياة، من خلال دروس الماضي وفي كل ما يصلح الحال والمآل.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة السابعة والعشرين للموسوعة الصادرة عام 2014 عن مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، والتي عني بها فريق البحوث والدراسات الإسلامية وحققها د. راغب السرجاني، وهو داعية ومؤرخ إسلامي مصري حاصل على درجة الدكتوراة في الطب. وقد جاءت هذه الموسوعة دقيقة ومفصّلة في ثمانية أبواب رئيسية ما يعكس جودة البحث، والتي أعرض منها ما علق في ذهني بعد قراءتها وباقتباس يسير بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

المجلد الأول:

في (الباب الأول: موجز السيرة النبوية) ينقسم تاريخ هذه السيرة إلى فصلين: (الأول: من الميلاد إلى البعثة) ويتم التطرق فيه إلى نسب الرسول ﷺ، وولادته، وكفالة جده عبدالمطلب له بعد وفاة أمه، ومن ثم كفالة عمه أبو طالب بعد وفاة جده. تسرد السيرة بعد ذلك أهم الأحداث التي مرت به ﷺ في تلك الفترة، كحادثة شق الصدر في طفولته، ولقاءه بالراهب بحيرا في الشام وهو غلام، ورعي الغنم في شبابه، وتحكيم القبائل له بعد إعادة بناء الكعبة وهو على مشارف الأربعين. أما في (الثاني: من البعثة إلى الهجرة) فتتطرق السيرة إلى بدء نزول الوحي والدعوة إلى الدين الإسلامي وإسلام السابقين، لتعرج إلى مرحلة الاضطهاد التي دفعت المسلمين الأوائل إلى الهجرتين نحو الحبشة، ومحاولات المشركين في ردهم وما انطوت على مساومات ومقاطعات. ومن أهم أحداث هذه الفترة هو عام الحزن الذي شهد وفاة زوج الرسول ﷺ خديجة وعمه أبو طالب، ورحلة الإسراء، وخروجه إلى الطائف، وزواجه من عائشة أم المؤمنين، ودخول الأنصار في الإسلام، وبيعتا العقبة الأولى والثانية، وهجرته إلى المدينة المنورة. يؤسس الرسول ﷺ للدولة الإسلامية في المدينة بعد هجرته إليها والتي شهدت إنجازات عديدة، كبناء أول مسجد، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وعقد المعاهدة بين المسلمين واليهود. تشهد أيضاً شن الغزوات كغزوة بدر وغزوة بني قينقاع وغزوة أحد وغزوة الأحزاب وغزوة مؤتة وغزوة حنين وغيرها. تم فيها كذلك عقد صلح الحديبية وبيعة الرضوان، وفتح خيبر، ثم فتح مكة وقد كان هو الفتح الأعظم. تنتهي هذه الفترة بحجة الوداع، ووفاته ﷺ ولحاقه بالرفيق الأعلى.

أما (الباب الثاني: الخلفاء الراشدين) فتظهر فيه فترة الخلافة كأصدق الفترات بعد النبوة، إذ لم يكن خلفاؤها ذوي مطامع سياسية أو أصحاب شعارات في الاستقلال والتحرير، بل كانوا فاتحين معلّمين هادين مهديين. وينقسم التاريخ عندها إلى: أولاً (خلافة أبو بكر الصديق – ربيع أول 11 هـ : جماد الأخر 13 هـ)، وتتحدث الموسوعة عن انتخابه كأول خليفة للمسلمين وعن أهم الأحداث التي تصدى لها، كأزمة المرتدين، وإنفاذ جيش أسامة، وبداية جمع القرآن الكريم. تبدأ في هذه الفترة أيضاً فتوحات العراق وبلاد فارس وغزو الروم في الشام. ثانياً (خلافة عمر بن الخطاب – جماد الأخر 13 هـ : ذي الحجة 23 هـ): تتعرض الموسوعة إلى الكيفية التي تم فيها استخلافه بعد وفاة الخليفة الأول، ثم تستهل بسرد الفتوحات التي تمت في عهده وهي كثيرة، مثل فتح دمشق وأجنادين وبيت المقدس ومصر وبلاد فارس، مع شيء من التفصيل في الأحداث البارزة، مثل معركة القادسية ومعركة اليرموك ومعركة نهاوند ويوم عماس ويوم أرماث ويوم أغواث. أيضاً، تتطرق إلى بعض المجريات التي تخللت تلك الفتوحات، كعزل خالد بن الوليد، ومعاهدة أهل إيلياء، وانهزام المسلمين في معركة الجسر، وتثاقل رستم عن مواجهة المسلمين، وانكسار يزدجرد كسرى فارس. تنتهي هذه الفترة باستشهاد الخليفة الثاني في صلاة الفجر بطعنة خنجر مسموم على يد أحد المجوس الذي أسلم ظاهراً. ثالثاً (خلافة عثمان بن عفان – ذي الحجة 23 هـ : ذي الحجة 35 هـ)، وتتحدث الموسوعة هنا عن إنشاء أول أسطول بحري إسلامي في عهده كخليفة ثالث للمسلمين والذي أعقبه فتح قبرص. تتم في عهده عملية جمع القرآن الكريم، وتشهد اشتعال أول شرارة للفتنة بين المسلمين. رابعاً (خلافة علي بن أبي طالب – ذي الحجة 35 هـ : رمضان 40 هـ)، وتواصل الموسوعة في الحديث عن الفتنة التي استمرت في عهده كخليفة رابع للمسلمين، لا سيما موقعة الجمل وموقعة صفين اللتان مهدتا لظهور الخوارج. وفي عهد الخلافة الرشيدة، وبمجرد مقتل الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، سارعت الفرس بنقض المعاهدات وبدأت والروم بمحاولات طرد المسلمين من الشام “فواجه عثمان محنة عظيمة كتلك المحنة التي واجهها أبو بكر في حروب المرتدين”، إلا أن المسلمين الأُول استبسلوا في الدفاع حتى تمكنوا من إعادة السيطرة على تلك المناطق وقبلوا اعتذار أهلها، الذين استمروا في العيش بسلام تحت كنف دولة الإسلام.

في (الباب الثالث: الخلافة الأموية – 41 هـ : 132 هـ) تبرز الخلافة هنا كدولة حافظت على جميع مظاهر القوة بين الأمم رغم ما نالها من فتن وما شهدت من ثورات، ولم تظهر بمظهر الضعف إلا ككبوة. ما كان يميز هذه الفترة هو طابع الجهاد في سبيل الله حيث الإسلام يكتسح مشارق الأرض ومغاربها، ومن كان يصطف في جيوشها من الصالحين وكبار العلماء والتابعين. هنا، يُعرض تاريخ الخلافة في فصلين: (الأول: خلفاء بني أمية) وتستهل الخلافة بمعاوية بن أبي سفيان الذي أعاد الأمن للبلاد وبدأ أولى محاولات فتح القسطنطينية، وقد أولى بالخلافة لابنه يزيد قبل مماته، فيستتب الأمر له ويبايعه المؤيدون والمعارضون كأول أمير للمؤمنين في الدولة الأموية، مع قناعته بمن هو أكثر أهلّية منه بين كبار الصحابة آنذاك، إلا أنه كان يرجو أن يكون “أنفعكم ولاية وأنكأكم في عدوكم” كما قال في خطبته. ومن أبرز خلفائهم ايضاً الوليد بن عبدالملك الذي اكتمل في عهده بناء الجامع الأموي في دمشق، وابنه سليمان بن عبدالملك الذي حاول من جديد فتح القسطنطينية، وعمر بن عبدالعزيز الذي سار على نهج الخلفاء الراشدين الأربع. تنتهي هذه الخلافة بالخليفة مروان بن محمد. (الثاني: الفتوحات في عهد بني أمية) وتمتد الفتوحات في هذه الخلافة شرقاً وغرباً، حيث تأتي على الشمال الأفريقي وصولاً إلى المغرب وبلاد الأندلس، ثم تعكس الاتجاه نحو بلاد ما وراء النهر وبلاد الترك وبخارى وسمرقند، فضلاً عن المحاولات الرامية نحو أرض الهند وأرض الصين.

وفي (الباب الرابع: الخلافة العباسية – 132 هـ : 656 هـ) يتشعب التاريخ في هذه الخلافة إلى ستة فصول: (الأول: خلفاء بني العباس) حيث يتم التطرق أولاً إلى كيفية بدء الدعوة العباسية بتعثر وقد اشتبكت في عراك مسلّح مع الدولة الأموية انتهت باستخلاف عبدالله بن محمد بن العباس كأول خليفة لبنو العباس وقد لُقب بـ (السفاح). يستهل الفصل بأسماء خلفاء العباسيين تباعاً، مثل: المنصور، محمد المهدي، هارون الرشيد، المأمون، المعتصم، الواثق بالله، محمد المنتصر، المستعين بالله، المعتضد بالله، المكتفي بالله، المقتدر بالله، المتقي بالله، المستكفي، الفضل المطيع لله، الطائع لله، القائم بأمر الله، المقتدي بأمر الله، المستظهر بالله، المسترشد بالله، المقتفي لأمر الله، المستنجد بالله، المستضيء بأمر الله، محمد بن الناصر، المنصور بن الظاهر، وغيرهم. تشهد هذه الخلافة أمور جمّة، كبناء مدينة بغداد، ومحنة البرامكة، ومحنة خلق القرآن التي ارتبطت بمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وثورة صاحب الزنج، وتنفّذ السلاجقة الأتراك، وسيطرة البويهيين، وصراع السنة والشيعة، وغزو التتار. يعتلي هارون الرشيد سدة الحكم في الدولة العباسية وهو في الخامسة والعشرين من عمره، وقد كان ذو مناقب عدة، فمع كثرة صلاته واستدامته على الحج عام والغزو عام، كانت فترة حكمه الأكثر رخاءً، وقد لحقتها من النوازل والكوارث الكثير، كمحنة خلق القرآن المذكورة آنفاً. يخاطبه نقفور ملك الروم في رسالة إليه يبدأها بـ “من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب”، فحواها المطالبة باسترداد ما دفعت له الملكة السابقة من جزية، مع تهديد صريح بإعمال السيف بينهما إن لم يستجب! يقلب هارون الرشيد تلك الرسالة الحمقاء ويكتب في ظهرها رداً بليغاً قائلاً: “من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة والجواب ما تراه دون ما تسمعه”. (الثاني: أهم الدول التي قامت في عهد الخلافة العباسية) وتصنّف الموسوعة هنا أحد عشرة دولة استطاعت الاستقلال عن الدولة العباسية التي لم تتمكن من إرسال الجنود لإخضاعها من جديد. هي: الدولة الرستمية التي أسسها رستم بن بهرام في تاهرت بالمغرب على مذهب الإباضية. دولة الأدارسة وأسسها ادريس بن الحسن في المغرب أيضاً على مذهب الزيدية. دولة الأغالبة وأسسها إبراهيم بن الأغلب في شمال أفريقيا ابتداءً من تونس الحالية. وهنالك أيضاً دولة بني زيري بالمغرب، الدولة الطولونية، الدولة الإخشيدية، دولة بني حمدان، الدولة السامانية، الدولة الغزنوية، الدولة الخوارزمية، الدولة الغورية. (الثالث: المسلمون في الأندلس – 92 هـ : 897 هـ)، وتشهد شبه الجزيرة الإيبيرية على بسالة المسلمين الأُول، أمثال طارق بن زياد وموسى بن نصير وعبدالرحمن الغافقي ويوسف بن تاشفين، وكذلك على ذلة المتأخرين منهم حين طُردوا منها شر طرده غير مأسوف عليهم، هكذا على امتداد ثمانية قرون، مخلّفين وراءهم محنة الموريسكيين. وينقسم التاريخ الأندلسي إلى عشرة مراحل، هي: 1. ولاية تابعة للدولة الأموية (92 هـ : 138 هـ) 2. إمارة موحدة (138 هـ : 238 هـ) 3. التدهور الأول (238 هـ : 300 هـ) 4. عودة القوة وإعلان الخلافة (300 هـ : 368 هـ) 5.قيام الدولة العامرية (368 هـ : 399 هـ) 6. التدهور الثاني وسقوط الدولة الأموية (399 هـ : 422 هـ) 7. ملوك الطوائف (422 هـ : 484 هـ) 8. عهد المرابطين (484 هـ : 539 هـ) 9. عهد الموحدين (539 هـ : 620 هـ) 10. دولة بني الأحمر والانهيار الأخير (620 هـ : 897 هـ). ينبري المسلمون ابتداءً في فتح الأندلس حتى يجاوزوا حدود فرنسا، لكن قدر الله شاء أمراً آخراً حينها. يقول جيبون وهو أحد المؤرخين الغربيين المنصفين: “لو انتصر العرب في تور-بواتييه لتُلي القرآن وفسّر في أكسفورد وكمبريدج”. (الرابع: الدولة الفاطمية – 297 هـ : 567 هـ) وكان من أهم سماتها الاعتماد على اليهود والنصارى في إدارة البلاد من خلال توليهم مناصب سامية، الأمر الذي جعل من هذه الفترة معترك للصراع ومرتع للبؤس. (الخامس: الحروب الصليبية وجهاد آل زنكي وصلاح الدين ضدها – الحملة الصليبية الأولى 489 هـ : الحملة الصليبية السابعة 648 هـ) وقد كانت خير مثال للمسلمين وللصليبين على حد سواء في نبذ التعصب واحترام العهود ولين المعاملة، والذود عن حمى الأرض، الأمر الذي ساهم في تأخير السطوة الصليبية عمّا يزيد عن ستمائة عام. (السادس: دولة المماليك – 468 هـ : 922 هـ) لقد كان هؤلاء أهل نزال وانتصارات كما في عين جالوت، غير أن نزالهم الذي ارتد إلى الداخل وولّد الغفلة بينهم عن العدو الخارجي قد سارع في زوالهم من التاريخ. من أعلام تلك الفترة سيف الدين قطز، والعز بن عبدالسلام، والظاهر بيبرس.

 

المجلد (2):

يظهر في (الباب الخامس: تاريخ المغول المسلمين) كيف ذاق المسلمون شر الويلات على أيدي هؤلاء المغول في بداية تاريخهم، غير أن التاريخ يشهد فيما بعد على فضلهم في توسيع رقعة الدولة الإسلامية -بعد أن هداهم الله للإسلام- بشكل لم يسبق له مثيل حتى الوقت الحاضر. ينقسم التاريخ بدوره هنا إلى خمسة فصول: الأول: المغول في شرقي أوروبا وغربي سيبيريا. الثاني: المغول في إيران. الثالث: المغول في بلاد الصين ومنغوليا. الرابع: المغول في تركستان الغربية. الخامس: المغول في الهند. أما عن (الباب السادس: الخلافة العثمانية) فيكفي هذه الخلافة فخراً فتح القسطنطينية الذي لم يكن مقدّراً لغيرها رغم المحاولات المستميتة، وقد توغلت فتوحاتها إلى قلب أوروبا حتى توقفت عند أسوار فيينا. يُعرض تاريخ هذه الخلافة في أربعة فصول: الأول: الدولة العثمانية من النشأة حتى إلغاء الخلافة. الثاني: بلاد العرب، لا سيما في الجزيرة العربية، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب العربي. الثالث: بلاد البلقان. الرابع: بلاد القوقاز. يعرض (الباب السابع: جنوب شرقي آسيا) كيف أن الأسبان والبرتغاليين لم يهنأ لهم بال بعد طرد المسلمين من بلادهم الواقعة غرب العالم وهم يشاهدون اكتساح الإسلام من جديد في شرقه، حيث دفعتهم أحقادهم إلى غزو تلك البلاد والتنكيل بأهلها الذي استبسلوا في الدفاع عن أراضيهم ودحر أعداءهم، سواء كانوا من المسلمين أو من غير المسلمين. يقول لابو لابو وهو أحد ملوك جزر الفلبين المسلمين: “إن الدين لله، وإن الإله الذي أعبد هو إله جميع البشر على اختلاف ألوانهم”. وختاماً، يعرض (الباب الثامن: أفريقيا) وما كان لهذه القارة من نصيب الأسد في استيطان الإسلام والمسلمين، فلا غرو أن تكون الأشد بطشاً على أيدي المستعمرين الأوربيين الذين تركوها خراباً يباباً إلى يومنا هذا. تعرض الموسوعة تاريخ القارة في ثلاث فصول: الأول: الممالك الإسلامية قبل قدوم الاستعمار الصليبي: في غربها، في السودان العربي، في سواحلها الشرقية. الثاني: الاحتلال الأوروبي الغاشم. الثالث: الدول المستقلة في أفريقيا، وهي: الدول ذات الأغلبية الإسلامية التي يحكمها المسلمون، مثل: موريتانيا والسنغال وجزر القمر، والدول ذات الأغلبية الإسلامية التي يحكمها غير المسلمين، مثل: غينيا وأثيوبيا والكاميرون.

… إن الموسوعة مثقلة حقاً بكل ما هو مدعاة للفخر .. والخيبة كذلك، ولا تتسع الصفحات لتلخيصه!

قد تحتاج الطبعات الجديدة إلى تحديثات أكثر واقعية، لتعكس الوضع الأخير للأمة الإسلامية المتخبطة فيما يُسمى بثورات الربيع العربي، والامتهان الأكبر في الاعتراف بدولة إسرائيل وما تلاها من عمليات التطبيع الرسمية.

أختم بما جاء في الصحاح من خير كلام سيد البشر عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: “بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ”.

ومن يدري؟ .. علّنا نكون الغرباء!.

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 13 ابريل 2022 – جزء (1) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/04/5094.pdf

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 14 ابريل 2022 – جزء (2) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/04/5095.pdf

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ الصراع من أجل الإيمان: انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام

المؤلف/ د. جفري لانج

المترجم/ د. منذر العبسي

دار النشر/ دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر

المنطق أو الفطرة .. كلاهما مرادف لجوهر الإسلام

 

 

كتاب تتدفق فيه كلمات مؤلفه على امتداد أكثر من ثلاثمائة صفحة، من أجل الإجابة على سؤال وجهته إليه ابنته يوماً لم يكن يتجاوز حينها الأربعة كلمات: “لماذا اخترت الإسلام يا أبي”؟

إنه د. جيفري لانج (Jeffrey Lang)، البروفيسور في علم الرياضيات. ولد عام 1954 في مدينة بريدج بورت لأسرة أمريكية نصرانية متدينة تعتنق الكاثوليكية، وتابع تحصيله الدراسي حتى حصل على درجة الدكتوراة من جامعة سان فرانسسكو عام 1981، وانخرط في سلك التدريس بعدها، وكان قد هجر الكنيسة حينها واختار الإلحاد. يُسهب البروفيسور وهو يتحدث عن رحلته الإيمانية بدءاً من الكاثوليكية إلى الإلحاد انتهاءً بالإسلام ونطق الشهادتين، وذلك حين لم تُجب الكاثوليكية على أسئلته الروحانية وهو العالِم الذي أسس عقله على بنيان من منطق وبراهين ومنهجية، حتى أهدت إليه إحدى الأسر المسلمة القرآن الكريم، فبدأ معه (صراعه الحقيقي) ورحلة مختلفة نحو الإيمان الحق لم تكن هيّنة على الإطلاق!. تعرض شبكة المعلومات عدداً من المواضيع المسموعة والمقروءة عنه فضلاً عن بعض اللقاءات الشخصية، وله إصداران آخران هما: كتاب/ ضياع ديني: صرخة المسلمين في الغرب، وكتاب/ حتى الملائكة تسأل: رحلة إلى الإسلام في أمريكا.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثانية للكتاب الصادرة عام 2000 عن (دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر) في دمشق، وعن ترجمة مباشرة للكتاب من لغته الأصلية (Struggling to Surrender: Some Impressions of an American Convert to Islam)، وقد عني بها د. منذر العبسي، وهو أكاديمي سوري حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من جامعة جلاسكو في بريطانيا، ويعمل في سلك التدريس الجامعي. وقبل البدء، لقد كانت لفتة راقية أن يهدي البروفيسور كتابه إلى (بناته المؤمنات: جميلة وسارة وفاتن) في خط ديواني أنيق، والذي تعرض محتوياته خمسة فصول رئيسية هي: 1. النطق بالشهادة / 2. القرآن / 3. رسول الله / 4. الأمة / 5. أهل الكتاب. وأعرض فيما يلي شيئاً من جميل ما ورد فيه، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

يسترجع البروفيسور حلماً قد تكرر معه عندما كان يافعاً، وهو أدائه للصلاة في مسجد يقبع أسفل درج ويشعّ النور من كوة بداخله، ضمن مجموعة من رجال مسلمين ينحنون فوق سجادها الأحمر، في وقت لم يكن قد عرف فيه المسجد ولا الإسلام بعد! حتى أتت رؤياه كفلق الصبح بعد يومين فقط من إعلان إسلامه، وعند صلاته مع إخوته الجدد من المسلمين في نفس الغرفة السفلية وفوق نفس السجاد ومن فوقهم كوة النور، لدرجة شعر فيها أنه نائماً متلبساً في حلمه من جديد، أعقبتها برودة سرت في جسده كله، فرجفة، وانتهت بدفء النور والدموع .. في أعجب ما يمكن تصوّره عن مدارج الروح، وهي من أمر الله. وفي محاولة لتأويل رؤياه السابقة بعد بلوغه الذروة وقت سجوده، يعترف قائلاً: “تملكني الخوف والرهبة عندما شعرت لأول مرة بالحب والعطف الظاهرين، لا لأنّا نستحق ذلك، ولكن لأن هذا الحب والعطف كانا دوماً موجدين، وكل ما علينا عمله للحصول عليهما هو أن نعود إلى الله”. بعد سفره بعيداً عن والديه للدراسة، وخبرة مرحلة الانفكاك من التبعية إلى الاستقلالية، يستشعر البروفيسور الحد الفاصل بين المؤمن والملحد، قائلاً: “لا أحد يعرف الوحدة كالملحد. فعندما يشعر الشخص العادي بالعزلة فإنه يستطيع أن يناجي من خلال أعماق روحه الواحد الأحد الذي يعرفه ويكون بمقدوره أن يشعر بالاستجابة. لكن الملحد لا يستطيع أن يسمح لنفسه بتلك النعمة، لأن عليه أن يسحق هذا الدافع، ويُذكِّر نفسه بسخفها. لأن الملحد يكون إله عالمه الخاص به، ولكنه عالم صغير جداً، لأن حدود هذا العالم قد حددتها إدراكاته، وهذه الحدود تكون دوماً في تناقص مستمر”. وفي حديثه عن الإلحاد، يرى أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا ملاحدة بل وثنيين يعتقدون بتعدد الآلهة، غير أنهم لم يكونوا متدينين. عليه، كانت معضلة القرآن الكريم مع هؤلاء القوم ليست في الكفر بالله بل الانحراف في تصوره، مما أرداهم في حياة الفسق الفجور.

كمسلم مستجد، يبتكر البروفيسور طريقة عملية في التنبيه لصلاة الفجر تحديداً، وقد وجد مشقة فيها رغم استشعاره أهمية الصلاة عموماً كفريضة وما تستجلب للمرء من عون وراحة، تمثلت في الاستعانة بثلاثة منبهات موزعة على أماكن متباعدة في مسكنه، يقوم بضبطها على مواقيت متتالية مع فارق قصير بينها. ورغم مشقة صلاة الفجر بالتحديد كما عبّر، يعود فيقول في روحانية: “صلاة الفجر بالنسبة لي هي إحدى أجمل الشعائر الإسلامية وأكثرها إثارة. هناك شيء خفي في النهوض ليلاً بينما الجميع نائم لتسمع موسيقى القرآن تملأ سكون الليل. تشعر وكأنك تغادر هذا العالم وتسافر مع الملائكة لتمجد الله بالمديح عند الفجر”. لقد كان يحرص على صلوات العتمة في جماعة حيث (الجهرية) هو طابعها، ورغم أنه لم يكن قادراً على فهم ما يسمع إلا أن ما يسمعه كان مريحاً بالنسبة له، كالطفل يرتاح لصوت أمه وهو لا يفهم كلماتها، وكذلك كان (صوت) الصلاة الجهرية، وقد تمنى أن يعيش أبداً تحت حماية صوتها. يعتقد أن (اقرأ) كأمر إلهي إنما هو نعمة سماوية في تعلم القراءة، وعن طغيان الإنسان واستغناؤه في منتصف السورة الكريمة يعتقد أن العلم الحديث صوّر للإنسان من عظيم الشأن ما أغناه عن الله، غير أن تلك العلوم وما حملته من فكر تأبى إلا أن تتفق مع ما ورد في القرآن الكريم، الأمر الذي دعى الكثير من أصحاب تلك العلوم إلى اعتناق الدين الذي جاء به.

ينتقل البروفيسور ليتحدث عن الإعجاز القرآني في اختصاص أنثى النحل بإنتاج العسل من خلال آية (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، وعن منهج (التجربة والخطأ) في العمل وارتكاب الخطأ والتسامي عليه بعد إدراكه ومن ثم الاستمرار والتقدم، يقرأ آية (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا)، ثم يبكي بكاء الطفل المفقود بعد عودته لأمه استشعاراً لقرب الله الذي لا يتخلى عمّن بحث عنه، وهو يتلو (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى). وفي لغة فلسفية، يتحدث عن القرآن وقد استشعر بأن القرآن هو من يحدثه، بل يتحداه ويقرأ أفكاره، ويجيب على كل ما راود عقله من تساؤلات. فعن تلك المعركة الروحانية يقول: “ولم أكن في وضع أُحسد عليه، إذ بدا واضحاً أن مبدع هذا القرآن كان يعرفني أكثر مما كنت أعرف نفسي. إن الفنّان يستطيع أن يجعل العين في أي لوحة يرسمها تبدو وكأنها تنظر إليك حيثما كنت منها، ولكن أي مؤلف يستطيع أن يكتب كتاباً مقدساً يستطيع أن يتوقع حركاتك وسكناتك اليومية؟ لقد كان القرآن يسبقني دوماً في تفكيري، ويزيل الحواجز التي كنت قد بنيتها منذ سنوات، وكان يخاطب تساؤلاتي”. وبنفس اللغة يكمل: “وفي كل ليلة كنت أضع أسئلتي واعتراضاتي، ولكنني كنت إلى حد ما أكتشف الإجابة في اليوم التالي. ويبدو أن هذا المبدع كان يقرأ أفكاري، ويكتب الأسطر المناسبة لحين موعد قراءتي القادمة. لقد قابلت نفسي وجهاً لوجه في صفحات القرآن، وكنت خائفاً مما رأيت. كنت أشعر بالانقياد، بحيث أشق طريقي إلى الزاوية التي لم تحوِ سوى خيار واحد”. ثم يتطرق إلى مناقشة بعض الآيات القرآنية المثيرة للجدل عند الغرب، وينظر بمفهوم آخر لبعض الأحاديث النبوية كحديث (فتنة النساء) بعيداً عن المعنى الحرفي وإحالته على أمور حسية، فيرى أنها على الأصح فتنة للرجال في ميلهم نحو ظلم المرأة واحتقارها لضعف يرونه فيها دائماً، ويضرب أمثلة لتلك الفتنة في مسألة الطلاق ومضرة الوالدة بولدها. ويستمر في حديثه عن المرأة أجده شجياً، فيثمّن انتخاب السيدة بنازير بوتو كرئيسة وزراء للباكستان، ويرى أن للأمر انعكاساً طيباً على المجتمع الأمريكي المسلم، حيث إن جلّ من يعتنق الإسلام “هم من النساء الماهرات المدربات في التنظيم والقيادة، وممن يمتلكن مواهب في مجتمع هو في أمس الحاجة إليها”. وبالرجوع إلى القرآن الكريم، يؤكد على أن “ليس هناك في القرآن تصريح مباشر ضد انتخاب نساء قائدات، بل إن القرآن يقدم لنا أنموذجا فريداً عن الحاكمة الصالحة وهي ملكة سبأ بلقيس. ويظهر القرآن هذه الملكة على أنها قائدة حكيمة وعميقة التفكير وديمقراطية كرّست جل اهتمامها لسعادة شعبها ورفاهيته، ولقد قادت أمتها من خلال نفوذ سليمان إلى الإيمان بالله. ونظراً لغياب أي تحريم قرآني لهذه الإمكانية، ولأن المثال الوحيد المذكور في القرآن حول هذا مثال إيجابي، فإننا يمكن أن نتوقع أن تكون فكرة المرأة الزعيمة مقبولة عند المسلمين، ولكن بشكل عام، ليس هذا هو الحال”.

وفي تطرّقه إلى شئون المرأة المسلمة، يعزف على وتر موجع لا يحيد عن موضوعية، مشوب باستفهام مستعص على أي تبرير منطقي، أشاركه فيه مع ابنته ذات الأربعة أعوام حين تساءلت في براءة عن سبب عدم السماح للنساء بحضور المسجد، في مقارنة مع رفيقتها المسيحية وعائلتها الحريصة على زيارة الكنيسة. فيعبّر عن استنكاره متسائلاً بدوره: “لست متأكداً كيف ومتى أصبح للمسجد جو لا يكاد يسمح بدخول النساء إليه؟” ثم يستطرد: “ومن الواضح أن ذلك قد حصل في وقت متأخر وفي وضع ثقافي مختلف”. وبينما يرى أن بعض الثقافات المسلمة توفر للنساء مناهج معينة لإثراء إيمانهن بالله، فأنها لا تقدم لهن بديلاً عن حضورهن للصلاة في المسجد “كاجتماع نسائي أسبوعي مثلاً”، وهذا بدوره “يعني أنك تعطيهن مقاماً من الدرجة الثانية”. ويعتقد في مثل هذا الجو من عدم الاكتراث بتشجيع النساء على المشاركة الفعّالة في اللقاءات الاجتماعية على قدم وساق مع نظرائهن الرجال، فإن الجو العام لمساجد المسلمين سوف يكون عرضة للمزيد من التبدّل وسوف يكون الأطفال عرضة لخسارة النفع المرجو من هذه المشاركات مع أمهاتهن وآبائهن سوية. ونظراً لما لرأيه غير المألوف من تبعات قد لا تكون مرضية، يستكمل موضّحاً: “إنني لا أنادي بتغيير أشكال الشعائر بل إن ما أدعو إليه هو تشجيع اشتراك الأسرة في كل نشاطاتنا الاجتماعية والعمل على تسهيل ذلك والترحيب به”. ثم ينتقل -وهو لا يزال يتحدث عن شؤون المرأة المسلمة- إلى اللباس الشرعي، إذ يوصي المسلمين في المجتمعات الغربية وقد واجهوا المصاعب في تطبيقهم “لهذا النظام من اللباس” بأن يكون نهجهم “سمحاً ولطيفاً وليس اتهامياً وتوبيخياً”. فيطالب بأن يتم إعطاء النساء مساحة أكبر من الحرية في اختيار الملابس التي يرتدينها بحيث لا يثنيهن عن المساهمة الفعالة المتوقعة منهن في المجتمع. وتحقيقاً لهذا النفع، يوجه نصحه للرجال المسلمين على أن يتحلوا بالقدر الأكبر من التفهّم. ثم يصف منظراً تناقضياً في هذا الشأن عاينه شخصياً يقول فيه: “ولم يمض وقت طويل على مشاهدتي لمنظر سخيف كانت فيه النساء المسلمات تعانين فيه حر الشمس على إحدى طاولات النزهة، فيما راح أزواجهن يمرحون عند الرمال والأمواج بين الأمريكيين والأمريكيات الذين كانوا يأخذون حمامات الشمس”.

في حديثه عن القضية الفلسطينية-الإسرائيلية، يسترجع طفولته في حي بريدج بورت حيث كان يقطنه سكان من أعراق وثقافات مختلفة، وقد كانت كلمة (يهودي) بحد ذاتها هي المفضلة لدى الأطفال كلما أرادوا أن يكيلوا الشتائم لبعضهم البعض، سواء لليهودي منهم أو لأي عرق آخر. وفي حين كان غير اليهودي يعتبرها مرادفاً لـ (القذارة والتعاسة والجبن)، فإن اليهودي كان لا يجد له معيناً من ذويه ضدها كمذمة. أما في سن الرشد، فقد كان البعض من أصحابه يعترفون له بسر (يهوديتهم) وكأنهم “متهمين سابقين” حسب تعبيره، في حين كان يتنصل البعض الآخر منها، باعتبار أن اليهودية ليست سوى ديانة لم يعودوا يؤمنون بها. وفي مناصرته للقضية الفلسطينية، يعود للتاريخ ليقول: “يتفق المؤرخون على أن الغالبية العظمى من العرب الفلسطينيين لم يقدموا إلى فلسطين مع الفتح الإسلامي، بل إن هؤلاء هم بشكل رئيسي أبناء الساميين الذين تعود ملكيتهم لفلسطين لثلاثة آلاف عام على الأقل قبل الميلاد، وقد تكون هذه هي أبسط فترة ملكية في العالم وأطولها. أما العبرانيون القدماء فقد جاءوا إلى فلسطين بعد ذلك بكثير، وذلك بحوالي ألف وأربع مئة عام قبل الميلاد”. ثم يتساءل في مبحثه ويجيب: “هل لليهود حق أخلاقي-ديني في فلسطين”؟.

ختاماً، لقد كانت رحلة صراع روحانية من النقيض إلى النقيض ..  من الإلحاد إلى الإيمان، وعرض أكثر تجلياً لروح الدين الإسلامي من وجهة نظر غربية ومنطقية. لذا، لا أجد بد وأنا أختم هذه المراجعة باقتباس يوافي هذه اللحظة الشاعرية على لسان د. جيفري لانج في لغة صوفية قلّما يسوقها الرياضيون: “ومع ذلك فإني مدرك دوماً أن لي نقاط ضعفي وتقصيري! إنني أعلم الآن أنني أذا ما فقدت الله ثانية فإنني بالتأكيد سوف أفقد كل شيء، وإني أدعوا مع رابعة العدوية: (إلهي هل صحيح أنك سوف تُحرق قلباً يحبك كثيراً). وإني أجد عزاءً في جوابها”.

 

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 20 ابريل 2022 – جزء (1) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/04/5099.pdf

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 21 ابريل 2022 – جزء (2) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/04/5100.pdf

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ جدد حياتك

المؤلف/ د. محمد الغزالي

دار النشر/ نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع

الطبعة/ الأولى – 1996

مبادئ الإسلام مقابل توصيات مفكر أمريكي

 

 

كتاب تفاؤلي تكمن روعته في الدعوة للانفتاح على الحياة من خلال ما ورد فيه من آراء واقتباسات ولمحات توقظ العقل وتعزّز الشعور الصادق الكامن في الوجدان والفطرة الإنسانية، والتي -ولا عجب- حملها من يختلف عنّا عرقاً وعقيدة وثقافة. هذا ما فعله الداعية المجدد د. محمد الغزالي عندما أفرد قلمه ليسطّر ما استلهمه من خواطر الكاتب الأمريكي (ديل كارنيجي Dale Carnegie) الرائد عالمياً في تنمية الذات، في كتابه الأشهر (دع القلق وابدأ الحياة How to Stop worrying and Start Living)، لكن بمنهج إيماني خالص، وبأسلوب يبتعد عن التعصب أو رفض الآخر. لقد وجد الغزالي فيه من آراء الفلاسفة والمصلحين وأحوال الخواص والعوام ما يتفق إلى حد كبير مع المبادئ الإسلامية، فعزم على وضع كتاباً باللغة العربية يرد فيه هذا الكتاب إلى “أصوله الإسلامية” كما ارتأى، وقد انتهج في هذا نهجين: عرض النصوص الدينية وعرض ما يقابلها من النقول المذكورة في كتاب الأمريكي. لم يفت الغزالي وهو يضع كتابه أن يحرص على إحياء اللغة العربية وما تزخر به من حكمة، كصدّ للتوجه العالمي المعادي للعرب وللغتهم، فيقول مخاطباً قرّائه: “وإذا كان ديل كارنيجي يحيا بقرّائه في جو أمريكي بحت، فمن واجبي أن أعيش مع قرائي في جو عربي خالص، لا أتركه إلا للمقارنات الإنسانية الأخرى وهي مقارنات لا صلة لها بجنس معين”.

إنه د. محمد الغزالي (1917 : 1996) عالم دين ومفكر مصري، عُرف بمنهجه التجديدي للخطاب الديني وبأسلوبه الأدبي الرصين، وبمناهضته للآراء الدينية المتشددة التي واجه بها ردود فعل معادية. حفظ القرآن الكريم في صغره ودرس أصول الدين في جامعة الأزهر الشريف، ثم عمل في الدعوة والإرشاد. انخرط فيما بعد في جماعة الإخوان المسلمين بعد أن تعرّف على مؤسسها حسن البنا، وقد أودع السجن إثر حلّ الجماعة عام 1984، حتى خرج منها نهائياً بعد خلافه مع المرشد، ليلتحق أخيراً بسلك التدريس الجامعي. لُقب بالغزالي تيمناً بالإمام أبو حامد الغزالي الذي رآه والده في منامه يبشّره بمقدمه ويوصيه بإطلاق اسمه عليه.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 1996 عن (نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع). وبينما يعرض فهرس الكتاب أربع وعشرون موضوعاً تبدأ بالمقدمة وتنتهي بالخاتمة، أكتفي في الأسطر القادمة بعرض ما جال في المواضيع العشر الأولى، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

يعبّر الغزالي في (مقدمة) كتابه عن الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها في تمييز الخير عن الشر، والتي تظهر لدى أصحاب العقول والأنفس والأمزجة والطباع السليمة بصرف النظر عن الأديان التي يعتنقونها، وهم الذين خصّهم النبي الأكرم ﷺ في وصيته “استفت قلبك”، لما لهم من قابلية على التمييز الصحيح. غير أن تلك الفطرة عرضة لأن يعتريها الانحراف والعلل والمرض ما يقود إلى ظهور الفساد في الأرض، وهو الأمر الذي بعث الله لأجله أنبيائه الهادين المهديين. والشواهد تشير إلى كثير ممن لم يحظ من تراث الأنبياء بشيء لكنه حظي من صفاء الفطرة ما لا يجعله يضل عن الله الواحد الأحد، بل ولعلّه يكون أحسن حالاً وأرجى مآلاً ممّن مكّنه الله من هديه لكنه أخلد إلى الأرض، وكما يُقال: “الناس رجلان: رجل نام في النور ورجل استيقظ في الظلام”. بيد أن انحراف الأمم السابقة عمّا أُرسل إليهم قد ختمه الله برسالة إسلامية خالدة تكفّل بحفظها، إلا أن انحراف المسلمين أنفسهم يشكّل افتراءً على الإسلام الذي قد يوصم لانحرافهم بما ليس فيه. يقول الغزالي: “إن التاريخ سجَّل هزائم كثيرة للطوائف التي تُسمى رجال الدين”، وما أحدثوا في فقه النصوص من فوضى تعرض الدين في قالب مشوّه، فما كانت هزيمتهم تحيق بالدين، إنما جاءت كانتصار للدين وتأصيل للفطرة على “الغباء والجمود والنفاق”.

ينبّه الغزالي في موضوع (جدد حياتك) على أن تمنية النفس بالتحسّن في الحال والتحوّل في المكان وإقران الصفحة الجديدة من الحياة بموعد مع أقدار مجهولة ليس سوى ضرب من التسويف! وعلى الرغم من استشعار القوة مع هذا التسويف وبالنشاط بعد الخمول، فهذا في حقيقته شعور واهم ما يلبث أن يؤول إلى انحدار أشد وأهوى، إذ أن “تجدد الحياة ينبع قبل كل شيء من داخل النفس” .. فهذه النفس التي بين جنبات الإنسان، وحاضره الذي يحيا فيه، والظروف المحيطة به بحلوها ومرّها، هي فقط من ترسم له طريق المستقبل. وفي موضوع (عش في حدود يومك)، يرى الغزالي البعض وهو مستغرق في خط لا ينتهي من التفكير المسترسل الذي لا يقطعه سوى وحوش الوساوس، والتي ما تلبث أن تتحول إلى هواجس وقلق وهموم جاثمة، وذلك يُعدّ من الأخطاء التي يغفل فيها المرء عن حاضره لينوء بأعباء المستقبل. وبينما ينصح (د. أوسلر) طلبته في جامعة (ييل) بأن يبدؤوا يومهم بدعاء مأثور عن السيد المسيح يقول فيه: “خبزنا كفافنا أعطنا اليوم”، فقد ورد عن ابراهيم الخليل دعائه في كل صباح يطلع عليه: “اللهم إن هذا خلق جديد فافتحه عليّ بطاعتك واختمه لي بمغفرتك ورضوانك وارزقني فيه حسنة تقبلها مني وزكها وضعفها لي وما عملت فيه من سيئة فاغفرها لي إنك غفور رحيم ودود كريم”، وهو به قد أدى شُكر يومه. غير أن البعض وهو لا يستشعر الآلاء العظيمة التي انغمس بها من طمأنينة وسكينة وسلامة في نفسه وأهله، يسخط على حرمانه من الثراء، وهو بهذا يكون قد غمط واقعه وأتلف دينه ودنياه. غير أن العيش في حدود اليوم لا يعني تجاهل المستقبل والتخطيط له، بل إن هذا يُعدّ من رجاحة العقل، إنما الفارق هو بين “الاهتمام بالمستقبل والاغتمام به”. ويتساءل الغزالي بدوره ويجيب قائلاً: “أتدري كيف يُسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه في ارتقاب غده، ولا يزال كذلك حتى ينقضي أجله ويده صفر من أي خير”.

ثم يتساءل في موضوع (الثبات والأناة والاحتيال) عن ردة فعل المرء الذي تداهمه شدّة تهدد كيانه كله، ما هو صانع؟ أيقف شامخاً مطمئناً أم يدعها تهوي به؟ يجيب كارنيجي بخطة عملية ثلاثية، هي: أولاً: تحديد أسوأ ما قد يصيبه، ثانياً: الاستعداد للتقبل، ثالثاً: المواجهة ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. إن هذا يتفق وقوله ﷺ: “إنما الصبر عند الصدمة الأولى”، وكما قال الفيلسوف الصيني (لين يوتانغ): “إن طمأنينة الذهن لا تتأتى إلا مع التسليم بأسوأ الفروض” وهو ما يؤكده علم النفس الحديث من أن التسليم يحرر من القيود، وكلما بقي المرء يقظاً لا يستبعد وقوع النوائب ويقلّب وجوه الآراء ليختار أحكمها “فإن النجاح لن يخطئه”. والغزالي بهذا ينبّه على الفرق بين التسليم واللامبالاة، فيقول: “إذا وجدت الصبر يساوي البلادة في بعض الناس فلا تخلطّن بين تبلّد الطباع المريضة وبين تسليم الأقوياء لما نزل بهم .. وأول معالم الحرية الكاملة ألا يضرع الرجل لحاجة فقدها”. وإن الإيمان الحق هو ما يشدّ من عود المرء فلا يهزّه ريح، وإن صبر المرء على فجاءة النوازل لا يبرره سوى نفس أبية تهوّن كل فقد. وشتّان بين نظرة المؤمن وغير المؤمن، فإذا تصوّر أحد الماديين الحياة من التفاهة كصرصار يموت من ضربة عابرة يعود بها إلى العدم ويذهب طي النسيان، فإنها تُصبح عند المؤمن كذكرى حافلة بعد أن ينتقل إلى حياة أخرى أجلّ وأصدق وأكثر وعياً. ويحصر الغزالي في موضوع (هموم وسموم) ما أورده كارنيجي من الإحصائيات التي يظهر فيها بني جلدته الأمريكان مرضى للقلق، تتلاعب بهم علل عضوية وعصبية ونفسية وعقلية، وفي مراحل عمرية متفاوتة لا يسلم منها حتى فئة الشباب، وقد تم تصنيف القلق بالقاتل الأول في أمريكا، وكل هذا سببه اللهاث المحموم نحو إحراز ما أمكن من المال ومتع الحياة الدنيا. ويتساءل “أهذا هو ثمن النجاح؟ هل يعد ناجحاً ذاك الذي يشتري نجاحه بقرحة في معدته ولغط في قلبه؟ وماذا يفيده مرضه إذا كسب العالم أجمع وخسر صحته؟”. ثم يستتبع الغزالي هذا التساؤل بحكمته ﷺ: “إن هذا المال خَضِر حلو، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع”.

لا يجد الغزالي في موضوع (كيف نزيل أسباب القلق) مظلوماً تواطئ الناس على بخسه وتراخوا عن نصرته مثل (الحقيقة)! وإن هذا المظلوم له من العاملين به والعارفين لقدره القلة من الناس. وعن هؤلاء القلّة يقول: “والحق أن الرجولات الضخمة لا تُعرف إلا في ميدان الجرأة”. فكم من دين تأسس على خرافة وأساطير وكم من سلطة حكّمت الهوى وأحالت الخير شرّا. فيقول: “على أن الاهتداء إلى الحق والثبات على صراطه يحتاج إلى جهد ودأب، ويحتاج كذلك إلى استلهام طويل من عناية الله. وقد كان رسول الله إذا حزبه أمر جنح إلى الصلاة يضم إلى عزيمته وجلده حول الله وطوله”. غير أن السكينة في تلّقي الحقيقة مهما كانت وضبط النفس حول ما قد يشوبها من شكوك لهو مطلب أساسي في الوقوف على الحقيقة الدامغة ولا شيء غيرها، ومن ثم التصرف بحزم وإنفاذ القرار بعزم خالص. ويعرّف الغزالي العلم في موضوع (علم أثمره العمل) بأنه إدراك وقواعد وملكة، فالإدراك هو تصّور مجرّد للأمور، والقواعد هي المبادئ والقوانين، والملكة هي الخبرة المكتسبة، غير أن الأخيرة هي ثمرة الإدراك الوافر وإعمال القواعد معاً. وبعيداً عن أي مفهوم نظري، فإن الدين منهجاً تهذيبياً في الإيمان والأخلاق والسلوك والعمل، إذ لا تكمن الفائدة المرجوة منه في تداوله بين الألسن وحفظه في الذاكرة، فلا بد من العمل به. فهذا برنارد شو ينهى عن التلقين قائلاً: “إذا لقنت إنساناً شيئاً فلن يتعلم أبداً”، وكان أحد التابعين يقول: “كنا نستعين على حفظ أحاديث رسول الله بالعمل بها”. فالقلوب يُحيها العمل بالمعرفة، وأي علم تحصّل عن طريق العمل فهو الملكة التي تبعث على الاستنارة. ويضرب مثلاً في الصلاة التي تبدأ بالدروس ومحاولات إقامتها وتنتهي بالخشوع والتسامي والإخلاص بعد الإقبال وطول الإتقان لشكلها وموضوعها. وينقل عن أحد المدراء أسلوبه الإداري في التعاطي مع المشكلات التي يعرضها عليه فريق عمله بين حين وآخر، إذ كان قد فرض عليهم قبل عرض المشكلة عليه تقديم إجابات رسمية عن أربعة أسئلة، وهي: (ما المشكلة، ما منشئها، ما هي الحلول الممكنة، ما هي أفضلها)؟ وهو الأسلوب الذي كان يجده الموظفين قد حلّ ثلاثة أرباع المشكلة قبل عرضها عليه، فلم يجدوا داع لمعونته، وبهذا تقلّص الوقت المخصص للنقاش وطال وقت العمل وحقق أفضل الإنجازات. ثم يحذّر الغزالي من العلم دون العمل، حيث إن مجرد “تعشّق الكمال” عادة لا تتجاوز حدوده طيب الحديث عنه، وهو السلوك الذي كرهه الله لعباده لما يحوطه من شبهة رياء وادعاء، فيقول عزّ من قائل: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ”.

يحذّر الغزالي كذلك في موضوع (آفات الفراغ) من البطالة التي ليست سوى مرتعاً للرذائل ومجلبة للفساد والفناء، وكيف أن العاطلين في حقيقتهم موتى في الوقت الذي يكون فيه العمل رسالة لكل حي. وقد نبّه النبي الأكرم ﷺ عن الغفلة في ظل تواتر نعمتي الوقت والعافية إذ قال: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ “، لذا فإن أفضل ما يصون حياة الإنسان منهجاً يملأ وقته، فلا يتخلله فراغ يتسلل فيه الشيطان بوسوسة أو غواية. ويضرب في المصباح الكهربائي مثلاً مستعيناً بعلم الطبيعة، إذ أن بمجرد إحداث ثقب صغير في مصباح ما فإن الهواء يندفع فيه دفعاً تلقائياً لتعبئة المساحة الخالية “كذلك تسرع الطبيعة إلى ملء النفس الفارغة” لكن بمشاعر من خوف وقلق وغضب وحسد وغيرة “فهي تندفع بقوة بدائية عنيفة متوارثة من عهد الغابة”، وهي من العنف ما تبدد استقرار العقل والسلام الداخلي. ثم يقرّ الغزالي بحقيقة مؤلمة مفادها أن الفراغ الذي يعاني منه الشرقيين يدّمر كل طاقة إبداعية وموهبة تحت ركام التجاهل والاستهانة كما في المعادن النفيسة في مجاهل المناجم، ويقول: “وعندي أن العلة الأولى لتخلّف الأمة العربية والشعوب الإسلامية ما غلب على أحواله النفسية والاجتماعية من قعود واستكانة وتقاعد”. لذا فهو يرى استحالة أن تحصد هذه المجاميع الغفيرة أي نجاح دنيوي وأي فلاح أخروي ما لم تُغير أساليبها في الحياة وتمحو من ميادينها كل شرور البطالة والفراغ. ثم ينتقل إلى موضوع (لا تدع التوافه تغلبك على أمرك) وهو يرى المؤمن يتهيّب الكبائر فتردعه عن اقترافها، غير أن منهم من لا يبالي بصغائر الذنوب حتى إذا تراكمت عليه أهلكته! ويقرّب الصورة برجل تحاشى تناول السم بجرعة كبيرة لكنه دأب على تناوله بجرعات صغيرة في ماء ملوث أو طعام مكشوف. لذا، فقد أهاب النبي الأكرم ﷺ بأمته من اقتراف الصغائر وأوصاها بأن تتطهر حيناً بعد حين من آثارها، فقال: “إياكم ومحقّرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يُهلكنه”. وينقل كارنيجي عن (الأدميرال بيرد) عندما قاد معسكراً في القطب الجنوبي في درجة حرارة تنخفض إلى الثمانين تحت الصفر، وبدلاً من الانتباه إلى الأخطار المحدقة، فقد كان رجاله يتخاصمون لأتفه الأسباب، كأن يتعدى أحدهم على المساحة المخصصة لنوم رفيقه بقدر بوصات أو أن يتقزز الآخر من رفيق آخر له يمضغ الطعام ثمان وعشرون مرة، فيعقّب قائلاً: “ولست أعجب لهذا، فإن صغائر كهذه في معسكر قطبي يسعها أن تسلب عقول أشد الناس دربة على الطاعة والنظام”. وعلى الرغم من أن الله عز وجل يغفر اللمم من الذنوب ويتجاوز عن الصغائر لكل مؤمن يسعى إلى كمال إيمانه، غير أن البعض يقيم الدنيا ولا يقعدها لسيئة وقع عليها في سلوك شخص ما رغم ما هو عليه من شمائل الأخلاق. وعلى هذه الحقيقة المؤسفة يصرّح النائب العام في نيويورك (فرانك هوجان) بأن نصف القضايا التي يتم عرضها على محاكم الجنايات تقوم على أسباب تافهة “كجدال ينشأ بين أفراد أسرة، أو من إهانة عابرة او كلمة جارحة أو إشارة نابية”. إن الحل يكمن في “صقل مرآة الذهن” فلا تلتقط سوى صوراً حقيقية من أروقة الحياة لا تشوبها شوائب، ومن ثم وضع الصورة في نطاقها الأكثر رحابة بحيث لا يتم الحكم عليها بمنأى عن الصور الأخرى، ولا لحظة شر بمنأى عن جبل من الخير.

يؤكد الغزالي في موضوع (قضاء وقدر) على أن المؤمن وهو يقرّ بأن مقاليد السموات والأرض بيد الله وحده كفيل ببث أعظم مقادير الطمأنينة في قلبه، إذ مهما تقلبّت الأحوال واضطربت الأحداث فإنها تحت مشيئة الله العليا. يقول عز وجل: “وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ”. وهذا يفسّر ركون المؤمن إلى ربه بعد أن أدى واجبه على أكمل وجه، فمن توكّل عليه وحده استراح، وليس للقلق معنى في أمور تخرج عن نطاق الإرادة البشرية، وإن كان للمرء تقريع نفسه على تفريط ما استوجب عليه سوء، فإن القدر الذي وقع ولم يطلّع عليه من قبل لا يستلزمه ندم، وهو بهذا لا عليه قلق أو تربّص أو ريبة. غير أن كثير من الناس لا يفقه هذه الحقيقة سواء جهلاً أو جحوداً، فيباشر أحدهم أعماله وهو يحمل هموماً مقيمة لا تقتصر على ما فات وحسب بل على ما قد يرميه به المستقبل لاحقاً، وهو الأمر الذي يتم استغلاله بسوء كما أوضح كارنيجي من خلال المثال الذي ضربه في شركة (لويد) العالمية للتأمين، فقد حققت أرباحاً طائلة خلال المائتين عام السابقة، وستحقق، طالما هواجس الغيب والخوف من المستقبل والخسائر المتوقعة والوهن من تحملّها جميعاً تثقل كاهن البشر، فيقول: “لكن كثيراً من الرجال الناضجين لا تقل مخاوفهم سخفاً عن مخاوف الأطفال والصبيان، وفي استطاعتنا جميعاً أن نتخلص من تسعة أعشار مخاوفنا تواً لو أننا كففنا عن اجترار خواطرنا، واستعنّا بالحقائق المدعومة بالإحصاء، لنرى إن كان هناك حقاً ما يبرر تلك المخاوف”. وليس خيراً من وصية النبي الأكرم ﷺ إذ قال: “ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس”. أما في موضوع (بالحق أنزلناه وبالحق نزل) يرى الغزالي أن الإسلام يعنى بالجانب العقلي من ناحية تنظيم الأفكار التي تنتظم بها مقدمات الأشياء فتنتج الصواب وتحقّ الحق، بينما يعمل في الجانبين النفسي والاجتماعي كأداة لتنظيم المشاعر على أسس من الإيثار والأخوّة والفضيلة ونبذ ما سواها من رذائل. وهو بهذا يمهّد السير نحو الهداية وطريق الحق ومسعى الكمال، لهذا، لا تُصبح الغاية من العبادات المفروضة تقمّص صوّرها واعتياد حركاتها وسكناتها، بل كل ما يعزز إدراك العقل ويقرّبه أكثر فأكثر نحو الصواب، وما يساعد على إحكام الأهواء والسير في الحياة بإحسان من غير دنايا أو مظالم. وهو المقصد في قوله تعالى: “فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ”. غير أن طبيعة الإنسان تحيد به في بعض الأحيان نحو نزوات وشهوات، وليس الخوف من هذه النزعات سوى في مغبّة الاسترسال فلا تلبث حتى تطرحه في مهالك لا يعود بعدها سالماً. يقول ابن المقفع: “المؤمن بخير ما لم يعثر، فإذا عثر لجّ به العثار”. والحل هو أن يحرص المؤمن على ألا يلج هذه اللجاجة فإن وقع فعليه الاستدراك سريعاً ومجاهدة النفس ألا يعود أبداً.

قبل الختام، ومع هذه المفارقة في توفيق المبادئ الإسلامية على يد أحد علماء الإسلام بمنهج حياة دعى إليه مفكر أمريكي لا يعتنق الإسلام ديناً، استحضر قول الإمام محمد عبده الذي تخرّج في الأزهر الشريف وتقلّد منصب مفتي الديار المصرية حينما قال قولته الشهيرة كخلاصة انطباع اتخذه عن واقع عاصره: “وجدت بالغرب إسلام ولم أجد مسلمين ووجدت بالشرق مسلمين ولم أجد إسلام”.

ولا أطيب مسك للختام من كلامه عز وجل في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بيديه ولا من خلفه: “فِطرةَ اللهِ التي فَطَر النَّاسَ عَلَيْهَا”.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 27 ابريل 2022 – جزء (1) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/04/5104.pdf

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 28 ابريل 2022 – جزء (2) صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/04/5105.pdf

 

عدد القراءات:99 قراءة