BOOK0765
الكتاب
Beyond Coincidence
المؤلف
دار النشر
Thomas Dunne Books / St. Martin's Griffin Press
الطبعة
(1) 2005
عدد الصفحات
276
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
02/28/2026
التصنيف
الموضوع
حين تبدو الصدفة أذكى من العقل
درجة التقييم

Beyond Coincidence

هناك لحظات في الحياة يتوقف عندها الإنسان لحظة صامتة: رقم يتكرر بطريقة ملفتة، لقاء غير متوقع مع شخص لم يره منذ سنوات، خبر يبدو كأنه صدر عن قصة خيالية ……! هذه اللحظات عادة ما تُسمى (مصادفات)، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بذكاء هو: هل هي حقاً مجرد مصادفات؟

ينطلق الكتاب من هذه اللحظات اليومية البسيطة ليقود القارئ إلى سؤال أعمق بكثير، حيث لا يكتفي بسرد حكايات مدهشة خارقة للطبيعة، بل يحاول أن يكشف جانباً عن الطريقة التي يعمل بها العقل البشري نفسه: لماذا يندهش من المصادفة؟ ولماذا يميل إلى ربط الأحداث المتفرقة في قصة واحدة ذات معنى؟ فبين الطرافة والإحصاء، وبين علم النفس والتأمل الفلسفي، يضع هذا الكتاب القارئ أمام احتمال مثير للتفكير: ربما لا تكمن غرابة المصادفات في العالم من حولنا، بل في العقل الذي يحاول تفسيره!

في الحياة، هناك نوعان من الكتب عن المصادفات، النوع الأول يكتفي بسرد القصص الغريبة: خاتم يظهر في بطن سمكة، رقم يتكرر بطريقة مذهلة، لقاء غير متوقع بين شخصين بعد سنوات طويلة ….، أما النوع الثاني -وهو الأندر- فيحاول أن يسأل السؤال الأعمق: لماذا تدهشنا المصادفات أصلاً؟ ينتمي هذا الكتاب إلى هذا النوع الثاني، فالكتاب وإن بدا للوهلة الأولى كمجموعة حكايات طريفة عن أحداث غير محتملة، ينتهي في الحقيقة إلى تأمل فلسفي وعلمي حول العلاقة بين الاحتمال والصدفة والعقل البشري.

وكمتحف للمصادفات، يبني المؤلفان كتابهما على عشرات القصص الواقعية أو شبه الواقعية التي تتراوح بين الطرافة والدهشة، حيث يقرأ القارئ مثلاً عن شخص يجد خاتماً ضائعاً داخل سمكة اصطادها بعد سنوات من فقدانه، أو عن رجل يصبح جداً لأربعة أطفال في أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، أو عن لاعب غولف يحقق عدداً غير معقول من الضربات المثالية. وفي مواضع أخرى تأخذ المصادفة طابعاً أكثر غرابة، كأحلام تتحقق بعد أيام، أو لقاءات غير متوقعة بين أشخاص لم يلتقوا منذ عقود! وبينما يروي المؤلفان هذه القصص بأسلوب صحفي لطيف أقرب إلى وصف متحف صغير لحوادث عجيبة، فهما لا يقدمانها باعتبارها أدلة على قوى غامضة، بل بوصفها مادة محفزة للتفكير!

يبدو أن الحديث هنا يتناول (العقل الذي يبحث عن الأنماط)! فالفكرة المركزية التي يلمّح لها الكتاب هي أن الإنسان كائن مهووس بالأنماط، وأن العقل البشري تطور ليكتشف العلاقات بين الأشياء بسرعة، لأن ذلك كان ضرورياً لبقائه .. إلا أن لهذه القدرة جانباً آخر، حيث غالباً ما يرى البشر أنماطاً حتى عندما لا تكون موجودة، فعندما يتكرر رقم ما أو يحدث حدثان متقاربان في الزمن، يميل العقل فوراً إلى ربطهما في قصة ذات معنى. أما علم الإحصاء، فلديه رأي مختلف، حيث في عالم يضم مليارات البشر وتريليونات الأحداث اليومية، فإن وقوع أحداث تبدو مستحيلة ليس أمراً مستبعداً على الإطلاق، بل إن بعض المصادفات العجيبة حتمية إحصائياً .. بعبارة أخرى: المصادفات التي يعتبرها البشر مدهشة ليست دليلاً على أن العالم غامض، بقدر ما هو دليل ربما على مدى اتساعه فقط!

ماذا عن (يونغ والاحتمالات)؟ لا يكتفي الكتاب بالتفسير الإحصائي، بل يفتح الباب أمام تفسير آخر طرحه عالم النفس كارل يونغ. فلقد تحدث يونغ عن مفهوم سماه التزامن (Synchronicity)، أي حدوث وقائع مرتبطة بالمعنى دون علاقة سببية واضحة بينها، ووفق هذا التصور، قد تكون بعض المصادفات انعكاساً لارتباطات خفية بين النفس والعالم، إلا أن المؤلفين يتعاملان مع هذه الفكرة بحذر واضح، حيث يعتبرانها بمثابة احتمالاً فلسفياً وحسب، لا كحقيقة علمية .. وهذا التوازن بين الدهشة والشك قد يكون هو ما يمنح الكتاب طابعه المميز.

وفي الكتاب، هنالك ما أسميه (الاعتراف الضروري). فمن ألطف جوانب الكتاب تلك التي يعترف فيها المؤلفان صراحة بأن قصص المصادفات كثيراً ما تتعرض للمبالغة أو التشويه! فالإنسان بطبعه يحب ما يدهشه من القصص، وغالباً ما يضيف إليها تفاصيل صغيرة تجعلها أكثر إثارة، لهذا يصبح من الصعب أحياناً التمييز بين المصادفة الحقيقية والحكاية التي تضخمت مع الزمن. هذا الاعتراف يمنح الكتاب قدراً من الموضوعية الذي يفتقدها كثير من الكتب التي تتناول الظواهر الغريبة.

وأخيراً، مع (المصادفة الكونية). إن أكثر ما يلفت الانتباه في الكتاب هو خاتمته! فبعد مئات الصفحات من المصادفات الصغيرة، ينتقل المؤلفان فجأة إلى فكرة أكبر بكثير تتعلق بالمصادفة التي جعلت الكون نفسه ممكناً .. القوانين الفيزيائية الأساسية، مثل سرعة الضوء وقوة الجاذبية، التي تبدو مضبوطة بدقة مذهلة، بحيث لو تغيرت قيمها قليلاً فقط لما تشكّلت النجوم، ولا الذرات المعقدة، ولا الحياة نفسها! هذه الحقيقة تقود إلى سؤال فلسفي قديم: هل هذا التوازن نتيجة تصميم مقصود؟ أم أنه مجرد مصادفة كونية نادرة للغاية؟ المفارقة، لا يجيب الكتاب عن أي سؤال، بل يتركها مفتوحة!

في كلمة قصيرة، أجد أن ما يميز الكتاب هو قيمته التي لا تكمن فيما سرد من قصص وحدها، بل في الطريقة التي استخدم بها تلك القصص ليكشف عما هو أعمق من طبيعة الإنسان .. الإنسان الذي لا يحب المصادفات لأنها غامضة فحسب، بل لأنه في أعماقه يرغب في أن يجعل للعالم معنى خفي، وبهذا تتحول المصادفة من مجرد حادثة عابرة إلى مرآة تعكس علاقته بالكون.

ختاماً، لا يقدّم هذا الكتاب تفسيراً حاسماً لظاهرة المصادفة، ولا يحاول أن يحسم الجدل القديم بين الصدفة والتصميم، لكنه يقدم ما هو أكثر إثارة، في إعادة طرح الأسئلة! فالإنسان يعيش في عالم هائل الاتساع، تتقاطع فيه بلا توقف مليارات الأحداث والاحتمالات، وخلال هذا الضجيج الكوني من الوقائع، لا بد أن تظهر هنا وهناك تلك اللحظات التي تبدو وكأنها تتحدى العقل والمنطق! غير أن المفارقة تكمن في المصادفة التي قد لا تكون لغزاً كونياً بقدر ما هي لغز مستقر في الإنسان نفسه، فهو الكائن الذي لا يطيق الفوضى ويسعى دائماً إلى تحويل الوقائع المتناثرة إلى قصة ذات معنى. ولهذا، كلما ظهرت مصادفة مدهشة، يندفع العقل فوراً ليمنحها تفسيراً: قدر، رسالة خفية، علامة من النظام العميق للكون …….!

ربما تكون المصادفات مجرد لعبة احتمالات، وربما تكون أكثر من ذلك بقليل .. لكن المؤكد أن الدهشة منها تكشف أمراً أساسياً عن الطبيعة البشرية: لا يبحث الإنسان فقط عن تفسير لما يحدث، بل عن معنى يربط كل الأمور ببعضها، ولهذا ستظل المصادفة -مهما حاول العلم تفسيرها- واحدة من أكثر الظواهر قدرة على إثارة الفضول في حياة الإنسان.

في النهاية، وبلغة شاعرية أتساءل:

هل الكون نفسه مصادفة؟ ربما لهذا تحديداً تبقى المصادفات ساحرة .. لا لأنها تثبت غموض العالم، بل لأنها ربما تذكّرنا بأننا ما زلنا نحاول فهمه .. فبين رقم يتكرر، ولقاء يحدث في اللحظة غير المتوقعة، وحكاية تبدو أكبر من احتمالها، يتوقف الإنسان قليلاً كأنه يلمح خلف فوضى الأحداث خيطاً رفيعاً من المعنى: هل هو وهم صنعه العقل؟ أم نظام خفي لا يمكن رؤيته بعد؟ لا أحد يعرف يقيناً، لكن ما هو معلوم هو أن المصادفة في لحظة حدوثها، تجعل العالم يبدو -ولو لثوانٍ قليلة- أكثر غموضاً واتساعاً وجمالاً.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (15) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، وهو خامس ما قرأت في شهر فبراير، وقد حصلت عليه من موقع أمازون في يناير 2023 ضمن مجموعة كتب باللغة الإنجليزية

خاطرة في بداية العام: لقد ختمت عامي 2024 و 2025 بـ (150 كتاب) في كليهما، الأمر الذي يرفع من حماسي في تحقيق مستوى تحدٍ للذات، أعلى، في العام الحالي .. وهو العام الذي أطلقت عليه: “عام الوعي لا عام الكم”.

من فعاليات الشهر: يصادف الثامن عشر منه، شهر رمضان المبارك، الذي تصبح القراءة فيه نوع من الترف .. إن تمكّنت منه!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: نقد القوة: رسائل فلسفية إلى الضعفاء

تسلسل الكتاب على المدونة: 765

تاريخ النشر: مارس 15, 2026

عدد القراءات:8 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *