BOOK0760
الكتاب
الهوية والوجود: العقلانية التنويرية والموروث الديني
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
La Conscience Métisse - Daryush Shayegan
المترجم/المحقق
جلال بدلة
دار النشر
دار الساقي للنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2020
عدد الصفحات
208
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/31/2026
التصنيف
الموضوع
حين تسكن حضارتان في عقل واحد
درجة التقييم

الهوية والوجود: العقلانية التنويرية والموروث الديني

كيف يتمازج الوعي المعاصر عند تحولات المقدّس والهوية؟

هنا حديث في (ما بعد صراع الحضارات)، يبدو محتدماً، لا سيما والباحث يضع الدين والتنوير كرأسي حربة للصراع القائم، وكأن (الهوية) تتشاجر داخل رأسه، متمثلة في الشرق الذي لم يعد شرقاً، كما في أطروحة كتابه!

هذا الكتاب أشبه بمرآة متعددة الأسطح، بحيث يسطع وجهاً جديداً للعالم المعاصر في كل مرة يقترب منها الناظر .. لا كشرق في جهة ولا كغرب في جهة، بل كتشابك هائل داخل وعي الإنسان المعاصر، الذي لم يعد نقي الأصل ولا أحادي المرجع، حيث التمازج في طبقات التفكير والشعور والهوية والذاكرة، تفعل أفاعيلها .. هكذا على طريقة التهجين! ومعه، يلحّ سؤال: كيف بالإمكان التعايش في عالم يتضارب بين عقلانية التنوير، وثقل التقاليد الدينية، ومطالب الديمقراطية، دون الانزلاق في إشكالية صدام الحضارات، أو تقديس الهوية، أو تسييس الدين أو العكس؟

كل هذا يجول في أطروحة (داريوش شايغان)، وهو مفكّر وفيلسوف إيراني-فرنسي، انشغل بسؤال الهوية في عالم ممزّق بين التراث والحداثة، وكرّس مشروعه لتحليل الوعي المأزوم في الثقافات غير الغربية. تميّزت كتاباته بنبرة نقدية عميقة تمزج الفلسفة بالتصوف وعلم الأديان، جاعلاً من الوعي العالمي مفتاحاً لفهم الإنسان المعاصر.

ففي كتابه الذي جاء في ترجمة متقنة عموماً -يشوبها شيء من الترجمة الحرفية- عن النصّ الأصلي (La Conscience Métisse – Daryush Shayegan)، لا يطرح فكرة التمازج كمجرد حل ساذج يُلطّف الفوارق بعاطفية، بل يعتبرها حالة وجودية فرضها متطلبات العصر الحديث، من تمدّن وهجرة واكتساح إعلامي وتشظّي للمرجعيات، بل وتحوّل للمقدّس نفسه إلى أشكال جديدة من الحضور! لذلك، يبدو هذا الوعي المتمازج كعقل يسكنه أكثر من زمن: زمن تقليدي يحمل ذاكرة النبوّات والرموز والأساطير، وزمن حديث يحمل منطق المؤسسات والعلوم والقانون، وزمن بينهما هجين يتولد جرّاء احتكاك الاثنين داخل العقل الواحد! من هنا، تتحول الهوية من قالب ثابت إلى تركيبة هجينة، تمنح صاحبها غنى ومرونة، في الوقت الذي قد يخلق قلقاً وانقساماً وتمزّقاً.

وعوض أن يكتفي بإدانة الشرق بوصفه متخلفاً، أو بإدانة الغرب بوصفه مهيمناً، يقف المفكّر في منطقة أكثر تعقيداً، وهي منطقة تسرح فيها أوهام متبادلة! فالغرب حين يصدّر ثقافته الكونية، قد يفعل ذلك بوعيٍ أخلاقي أو لمصلحة سياسية، في حين يستقبلها الشرق -إن استقبلها- كتقنية ذات نفع رغم رفضها لها من ناحية قيمية. في الحالتين يتولّد اختناق في الوعي كما يعتقد المفكّر، إما في شكل تبعية عمياء، أو في شكل تشنّج للهوية. لذا، يقترح حالة أشبه باللامبالاة تساعد في التنقّل بين العوالم الفكرية دون أن تُسجن في واحد منها .. حالة ترفض خلط الدين بالسياسة، وتقاوم تصلّب الهوية، وتفضح الالتباس الذي يصنعه التوظيف الأيديولوجي للدين أو للحداثة!

ثم يمضي المفكّر نحو نقطة دقيقة تتناول المقدّس وتحوّلاته! فالمقدّس في العصر الحديث، ليس له أن يتوارى ببساطة كما يتوهّم بعض أنصار العلمنة، أو يعود كما لم يكن، إنما هو يتخفّى ويتحوّل ويتلبّس أقنعة جديدة، وقد يصبح هوية سياسية، أو عصبية ثقافية، أو حتى تعويضاً نفسياً عن عالم متسارع الوتيرة! عليه، لا يطرح المؤلف سؤاله في صيغة: “هل ما زال الدين موجوداً؟”، بل في صيغة: “كيف تغيّر شكل حضوره في الوعي الجمعي؟”.

لقد ظهر الكتاب وكأنه يعرّج على محطات مختلفة، وكأن مؤلفه لم يرتضِ السير على خط واحد، فهو مركّب من مجموعة نصوص ومقالات وحوارات، ويتنقّل بين الأدب والفن والفلسفة والحضارة والتاريخ الفكري، حتى إن مدينته طهران ظهرت كمثال للحداثة الملتبسة، كمدينة تحمل قشور الحداثة مع جمرات التاريخ تحت جلدها. من ناحية أخرى، يفتح ملفات فكرية تتصل بفلاسفة عصر التنوير وبالأسئلة الوجودية للحداثة، لا كترف فكري، بل كمحاولة لفهم العطب الذي قد يصيب الإنسان حين يفقد معنى العالم أو حين يضطر إلى العيش داخل صراع مرجعيات مختلفة!

ختاماً أقول: إن الكتاب عميق في تشخيصه للوعي الحديث العالمي، بحيادية تتناول الشرق دون جلد ذاتي، والغرب دون تمجيد لكونية مكتسحة، يلّطفه تلك الإطلالة على الأفق الإنساني .. على المدينة والفنون والفلسفات والأفكار .. الأفق الذي يضفي على الكتاب حياة، وينأى به عن جفاف التنظير.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (10) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيت قراءته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الماضي ضمن (240) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو عاشر ما قرأت في شهر يناير ضمن (10) كتب.

خاطرة في بداية العام: لقد ختمت عامي 2024 و 2025 بـ (150 كتاب) في كليهما، الأمر الذي يرفع من حماسي في تحقيق مستوى تحدٍ للذات، أعلى، في العام الحالي .. وهو العام الذي أطلقت عليه: “عام الوعي لا عام الكم”.

من فعاليات الشهر: كعادة كل عام، يسجل الشهر الأول منه في قائمة أعماله، ما تبقى من أعمال آخر شهر في العام السابق، والتي لم تتم في وقتها، فتستقطع عملية إتمامها من الوقت المخصص للقراءة! لا بأس، فالأشهر القادمة تتكفل بالتعويض!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: الدرويش الباكي عشقاً

تسلسل الكتاب على المدونة: 760

تاريخ النشر: فبراير 4, 2026

عدد القراءات:22 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *