BOOK0759
الكتاب
الدرويش الباكي عشقاً
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Aşka Ağlayan Derviş Yunus Emre - Mahmut Ulu
المترجم/المحقق
محمد عبداللي
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2023
عدد الصفحات
232
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/30/2026
التصنيف
الموضوع
حين يصبح العشق طريقاً إلى الله
درجة التقييم

الدرويش الباكي عشقاً

حين تكلّم الحب شعراً!

هنا العشق بوصفه معرفة في تجربة التصوف الإنساني، لعاشق .. قرر الخروج إلى فضاء الخلق!

ليس رواية في القالب المتعارف عليه، كما جاء على غلاف الترجمة المتقنة لـ (Aşka Ağlayan Derviş Yunus Emre – Mahmut Ulu)، إنما هو حديث متعمّق في الصوفية ومدارجها! قد يصّنف كسيرة ذاتية، لا تقليدية ولا تاريخية .. تستحق القراءة بقلب مفتوح وبتأنٍ.

بالأحرى، هنالك منفذاً في هذا النص لروح الصوفي التركي (يونس إمرة)، وتجربته في العشق الإلهي التي صاغت حياته وكلماته وأشعاره، وجعلت منه أحد أكثر المتصوفة قرباً من الناس، وأبعدهم عن التكلّف والتنظير واللغو الإنشائي، حيث يبدع مؤلفه في وصفه كدرويش صيغ بالحب قبل أن يتكلم عنه، وشهد على أن التصوف لا يعني انعزالًا عن العالم، بل انغماساً أعمق في معانيه.

ينطلق المؤلف من البيئة الروحية والاجتماعية التي نشأ فيها يونس إمرة، زمن الاضطراب السياسي والتحولات الكبرى في الأناضول، حيث كان الإنسان مهدداً بالخوف والفقد، وكانت الطرق الصوفية آنذاك ملاذاً للطمأنينة ومعيناً للمعنى، حيث يظهر المتصوف حاملاً قلبه الجائع للحقيقة، وهو يطرق أبواب الشيوخ ويخضع نفسه للتجربة ويتربى على التواضع والانكسار قبل الكشف.

يركّز الكتاب على فكرة العشق الإلهي بوصفها محور تجربة يونس إمرة، التي تظهر كمنهج حياة لا كمجرد حالة وجدانية لعاشق عابر! فالعشق هنا ليس نشوة، بل ألم واع، وبكاء دائم، واحتراق داخلي يذيب الأنا ويعيد تشكيلها من الداخل، وحيث لا يعرض يونس إمرة بكائه كضعف بل كامتلاء .. امتلاء بالحب وبالشوق وبالكشف، وبردم الفجوة بين الإنسان وخالقه.

يتتبع المؤلف كيف تحوّل هذا العشق إلى لغة شعرية بسيطة وعميقة في آن، حيث هي لغة تخاطب العامة دون أن تُفرغ المعنى، وتستعمل المفردات اليومية لتصف أعقد الحقائق الروحية. وهو في تتبعه، يعرض كيف تمكّن يونس إمرة من كسر احتكار النخبة للمعرفة الصوفية، وعرضها متاحة للناس .. عبر الشعر والحكمة والتجربة المشتركة، لا عبر التفسير وحسب! لا يكتفي بهذا، بل يستمر في تتبعه ليقف عند عتبة البعد الإنساني العالمي في تجربته الروحية، حيث الدين لا يُختزل في الطقوس، ولا الإيمان محصوراً في الحدود، بل يضع الإنسان قبل الانتماء، ويقدّم القلب على العقيدة الشكلية، وهو المسعى الذي صنع ليونس إمرة صوتاً للتسامح، وللمحبة العابرة للهويات الضيقة، دون أن يفقد جذوره الإسلامية الصوفية.

لا أجد الكتاب يؤرخ للأحداث بقدر ما يسعى إلى بناء صورة روحية لدرويش سار في طريق الفناء والبقاء، فتعلّم الصمت كما تعلّم الكلام، ورسم الشعر كأثر لتجربة عشق لا كغاية ذوقية وحسب! من هنا، يصبح يونس إمرة رمزاً للإنسان الذي لم يبحث عن الله في السماء فقط، بل في القلب، وفي الخلق، وفي الألم، وفي الحب.

لا يزال الكتاب يقف على مفرق طريق المزايا والعيوب … وهي كما يلي:

المزايا:

  • لغة روحية دافئة: بالأحرى، بروح محبة لا بطول شرح، ما جعل النص مؤثراً وسلساً وقريباً، يبتعد عن الجفاف الأكاديمي.
  • التجربة لا التنظير: يظهر التصوف كمسار حياة لا مجرد مفاهيم ومصطلحات مبهمة، ما ينسجم مع روح المتصوف.
  • البعد الإنساني العالمي: ينجح في تقديم الدرويش كصوفي مسلم وإنساني في آن، دون تمييع أو تسطيح.
  • مناسب للقارئ غير المختص: يصلح كمدخل عذب لعالم التصوف لمن يعتقد بتعقيده.

العيوب:

  • ضعف التوثيق التاريخي: فهو أقرب إلى السيرة الروحية منه كدراسة تاريخية دقيقة أو بحث أكاديمي.
  • نبرة وجدانية طاغية: يغلب عليه التعاطف مع الشخصية، ما يقلّل نوعاً ما من المسافة النقدية.
  • افتقاره للمفاضلة: يركّز على الدرويش دون محاولة إدخاله في حوار أوسع مع تجارب صوفية موازية.

ختاماً أقول: إنه كتاب لا يُقرأ بالعقل وحده، بل يُقرأ بالقلب الذي يعرف أن الطريق إلى الله لا يمتد عبر النور المتلألئ دائماً، بل قد يكون عبر دمعة صادقة .. بل إن التصوف لا يُحسن به أن يؤخذ كفكرة، إنما خبرة، تعين على الشعور والفهم والتساؤل!

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (9) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيت قراءته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الماضي ضمن (240) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو تاسع ما قرأت في شهر يناير ضمن (10) كتب.

خاطرة في بداية العام: لقد ختمت عامي 2024 و 2025 بـ (150 كتاب) في كليهما، الأمر الذي يرفع من حماسي في تحقيق مستوى تحدٍ للذات، أعلى، في العام الحالي .. وهو العام الذي أطلقت عليه: “عام الوعي لا عام الكم”.

من فعاليات الشهر: كعادة كل عام، يسجل الشهر الأول منه في قائمة أعماله، ما تبقى من أعمال آخر شهر في العام السابق، والتي لم تتم في وقتها، فتستقطع عملية إتمامها من الوقت المخصص للقراءة! لا بأس، فالأشهر القادمة تتكفل بالتعويض!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: رحلة إلى البلدان الاشتراكية

تسلسل الكتاب على المدونة: 759

تاريخ النشر: فبراير 4, 2026

عدد القراءات:20 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *