BOOK0750
الكتاب
اللغة التي يخاطب بها الله
المؤلف
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2023
عدد الصفحات
190
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/11/2025
التصنيف
الموضوع
العربية لغة الوحي والإنسان
درجة التقييم

اللغة التي يخاطب بها الله

ومع العنوان الأخاذ، تتجلى قيمة هذا الكتاب كمشروع فكري يتعامل مع اللغة العربية بوصفها وعاءً إلهياً للخطاب القرآني، لا كمجرد أداة تواصل أو تراث ثقافي لا أكثر، حيث ينطلق مؤلف الكتاب -وهو أستاذ للبلاغة والنقد في جامعة حلب، وعضو مجمع اللغة العربية في دمشق- من اعتبار اللغة العربية لغة الاصطفاء الإلهي التي كُشف من خلالها عن الوحدانية، وأُعلنت مقاصد الخلق، وتجلّت بها العلاقة بين الخالق والمخلوق على أكمل وجه. لذا، لا تغدو اللغة العربية وفق هذا التصور مجرد لغة قوم، بل لغة معرفة، ووسيلة إدراك، وجسر كوني لفهم الوحي.

من ناحية أخرى، يؤكد الباحث على أن مركزية اللغة العربية تكمن أساساً في العبادة، لا سيما في تلاوة القرآن وإقامة الصلاة، حيث جعلت منها محوراً روحياً ومعرفياً في تشكيل الوعي الإسلامي والإنساني على السواء، وأسهمت في تأسيس حضارة عالمية شارك في بنائها أقوام من أعراق وأديان ولغات عدة، حين اتخذوا العربية كأداة تفكير وتأليف وتعليم وإنجاز. يقول الباحث في هذا المعنى: “فالذهن الوقاد محتاج في بث نتاج عبقريته إلى لسان كلسان الضاد”.

تُبرز البحوث العشر الواردة بين دفتي هذا الكتاب، طبيعة اللغة العربية الاشتقاقية الفريدة، وقدرتها على توليد المعاني، واحتضان العلوم، وصقل الذهن، ما جعلها لغة قادرة لا على النقل وحسب، بل على إنتاج الفكر الفلسفي والعلمي والأخلاقي، حيث يناقش الباحث علاقة ازدهار الحضارة الإسلامية بمدى تمكّن علمائها من اللغة العربية، وهو يقدم في حقها دفاعاً معرفياً في مواجهة التهميش والاستخفاف، دون أن يدعو إلى الانغلاق الذاتي أو إقصاء اللغات الأخرى، بل إنه يؤكد على أن إتقان العربية لا يتناقض مع الانفتاح على لغات العصر.

وعن البحوث العشرة التي تشعّبت إلى العديد من المواضيع ذات الصلة، وجاءت في قول عربي مبين، يُشبه ما دعا إليه الباحث من فخر واعتزاز، فهي:

  1. العرب والبيان: تأملات في الطبيعة البيانية للشخصية العربية
  2. عربية القرآن التي عرّبت العالم
  3. توتر التناسب والالتئام في لغة القرآن الكريم
  4. البينات وأولو النهى: البلاغة القرآنية والعقل العربي
  5. جمالية المفردة القرآنية عند ضياء الدين ابن الأثير
  6. عناصر تداولية في الدرس اللغوي العربي: الأحوال الشاهدة بالقصود عند ابن جني
  7. أبعاد الذات والموضوع في الكتابات العلمية والأدبية
  8. العربية لغة المستقبل
  9. التعريب الفكري واللغوي للعلوم الأساسية والتطبيقية: المفهوم والضرورات والأدوات
  10. نحو استعمال واسع للعربية لغة للإبداع في العلم والأدب

وكشذرات من تلكم البحوث، يخلص الباحث في بحثه الأول عن (العرب والبيان) إلى أن لفظ «العرب» نشأ دالاً على الإبانة والوضوح قبل أن يتحوّل إلى اسم علم لقوم مالوا بطبعهم إلى البيان وجعلوه جوهر ذائقتهم الجمالية، فصقلوا لغتهم وارتقوا بأساليبها انسجاماً مع فطرتهم، حتى جاء القرآن الكريم ليعزّز هذه الخصيصة البيانية، ويكفل للعربية دوامها وقدرتها على التجويد والتطوّر.

أما في بحثه الثاني المعني بـ (عربية القرآن)، فيخلص فيه الباحث إلى أن «العربية القرشية» لغة القرآن الكريم، بلغت قبل نزوله درجة عالية من الصقل والتهذيب ما جعلها معيار للفصاحة والأدب بين العرب، حيث سعت القبائل الأخرى إلى محاكاتها حتى غلبت لهجات الجزيرة وحلّت محلها. ومع نزول القرآن بها وتثبيته حفظاً وترتيلاً، ازدادت رسوخاً وبهاءً، ثم انتشرت مع الفتوحات فحلّت محل لغات عريقة كالآرامية والقبطية والبربرية، وخاضت تفاعلًا وصراعاً مع الجارة الفارسية ولغات المشرق العربي وبلاد الأندلس في مغربها، لتغدو أداة لتعريب جزء واسع من العالم، حاملة معها مقومات الارتقاء الروحي والعقلي والسلوكي، وأسُس النهوض الحضاري.

وفي بحثه الثامن المتعلق بـ (العربية لغة المستقبل)، فيخلص معه الباحث إلى هاجس هذا المستقبل الذي ظل حاضراً في الوعي الفكري العربي منذ أواخر القرن التاسع عشر، وقد تناوله مفكرون وأدباء بوصفه قضية مصيرية لا ثقافية هامشية! حيث يشير إلى أن بعض مشاريع النهوض باللغة العربية -لا سيما ما اقترحه صادق الرافعي- قد تحققت جزئياً كما في إنشاء المجامع اللغوية، وإصلاح التعليم، وتعريب العلوم، وتحسين لغة الصحافة، غير أن العائق الأكبر بقي في عدم الجدية، وسوء التنفيذ، والاكتفاء بالمظهر دون الجوهر. ثم يؤكد الباحث على أن وصايا تلك المشاريع لا تزال صالحة لتشكّل أساساً متيناً لدستور لغوي شامل، بشرط توفر الإرادة، والاستعداد للتطوير، والتخلّي عن الصيغ غير الفاعلة لصالح ما هو أصلح. يبرز الباحث من ناحية أخرى دور تعلّم القرآن الكريم تعليماً صحيحاً بوصفه أداة فعّالة في ترسيخ العربية الفصحى لدى عامة الناس. ثم ينتقل الباحث إلى تصوّر معاصر يرى أن تمكين اللغة العربية مرتبط بوحدة لغوية تخدم الاقتصاد، والسوق المشتركة، والبحث العلمي، وتعريب التقنية، وتوطين المعرفة الرقمية، وهي مهام لا تقدر عليها إلا الفصحى بما تملكه من رصيد علمي ومعجمي. لذا، فهو يُحمّل الإعلام مسؤولية مركزية في ترسيخ مكانة الفصحى عبر تحسين حضورها، ودعمها مادياً وتشريعياً، أسوة بما تفعل الدول المتقدمة مع لغاتها. ثم يختم بالتأكيد على أن اللغة العربية -لكي تكون لغة المستقبل- تحتاج قبل أي شيء إلى وعيٍ جمعي بأهميتها المصيرية، وإلى جدية إدماجها في صميم الحياة الفكرية والعلمية والعملية، لتغدو لغة نهضة حية قادرة على حمل مشروع عربي أكثر نضجاً وازدهاراً.

أخيراً وليس آخراً، يورد الباحث في مقدمة كتابه التي جاءت بعنوان (تقديم في فضل العربية علينا) عن اختياره لعنوان كتابه: “وهو قول تناهى إليّ أن أحد كبار دارسي اللغة العربية والإسلام من علماء الاستشراق قاله عن هذه اللغة. فَسَقيا ورعيا لعهد من قاله أياً كان، ولعله قاله عن إيمان وإيقان، فكان ممن يطربون للإحسان”.

ختاماً، لقد حرص الباحث على تقديم هذه البحوث بوصفها محاولة واعية لإحياء اللغة العربية، أو بالأحرى إحياء الاعتزاز بها، وردّها إلى مكانتها كمصدر فخر حضاري ممتد، وركيزة متينة للهوية، وضمانة أخلاقية وفكرية في زمن اختلت فيه القيم والمعايير، وسعياً منه لإبقائها حاضرة في الوعي الجمعي، لا كذكرى مجيدة بل كقوة حيّة قادرة على الفهم والبناء والنهضة.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (150) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2025، والذي أنهيت قراءته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب عام 2023 ضمن (400) كتاب كانت حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو آخر ما قرأت في شهر ديسمبر ضمن (5) كتب، وهو الكتاب الذي ختمت به العام أيضاً!

من فعاليات الشهر: كعادة كل عام، تتراكم الأعمال في خواتيمه، وأُصبح في سباق مع الزمن لاستدراك ما فات من تقصير في خطة القراءة! وبما أنني قرأت (150) كتاب العام الماضي، فقد جاء قراري مع بداية هذا العام بقراءة المزيد وإحراز (170) كنوع من التحدي الذاتي، لكن ولظروف مصيرية طرأت في نهاية العام، اكتفيت بإحراز التعادل بين العامين، والقبول بـ (150) كمحصلة للتحدي المنشود!

تسلسل الكتاب على المدونة: 750

تاريخ النشر: ديسمبر 11, 2025

عدد القراءات:139 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *