BOOK0763
الكتاب
كيف نتعامل مع القرآن؟
المؤلف
دار النشر
نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2003
عدد الصفحات
226
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
02/26/2026
التصنيف
الموضوع
القرآن بين التلاوة والحضارة
درجة التقييم

كيف نتعامل مع القرآن؟

في عالم تتراص فيه النصوص على حساب المعنى، يبرز القرآن الكريم ككتاب محفوظ في صدور أتباعه، وهو يحمل رؤية متكاملة للإنسان وللحياة وللعالمين! من هنا، يأتي كتاب «كيف نتعامل مع القرآن؟» للداعية والمفكر الإسلامي «محمد الغزالي»، ليعيد طرح سؤال جوهري: ما طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط المسلم بكتاب الله؟ وعلى الرغم من قِدم صدوره، فهو لا يزال يحظى بأهمية خاصة في سعيه نحو تجديد علاقة المسلم بالقرآن، والإبقاء على جذوة الإيمان حاضرة في عقله ووجدانه، إضافة إلى حضوره اللفظي ترتيلاً، والثقافي في الذاكرة الجمعية الدينية.

ينطلق الغزالي من ملاحظة مؤلمة مفادها حضور القرآن الكريم في حياة المسلمين حضور شكلياً في الأعم، إذ يغيب أثره العميق في التفكير والسلوك والحضارة، فعلى الرغم من إدامة تلاوته وحفظه وعقد المسابقات والاحتفالات على مقامه، إلا أن تأثيره في بناء العقل المسلم ونمو المجتمع يبدو أضعف مما ينبغي. وهنا يطرح فكرته الأساسية التي تحدد المشكلة التي لا تكمن في القرآن، بل في طريقة التعامل معه!

أما عنه، فهو د. محمد الغزالي (1917 : 1996)، عالم دين ومفكر مصري، عُرف بمنهجه التجديدي للخطاب الديني وبأسلوبه الأدبي الرصين، وبمناهضته للآراء الدينية المتشددة التي واجه بها ردود فعل معادية. حفظ القرآن الكريم في صغره ودرس أصول الدين في جامعة الأزهر الشريف، ثم عمل في الدعوة والإرشاد. انخرط فيما بعد في جماعة الإخوان المسلمين بعد أن تعرّف على مؤسسها حسن البنا، وقد أودع السجن إثر حلّ الجماعة عام 1984، حتى خرج منها نهائياً بعد خلافه مع المرشد، ليلتحق أخيراً بسلك التدريس الجامعي. لُقب بالغزالي تيمناً بالإمام أبو حامد الغزالي الذي رآه والده في منامه يبشّره بمقدمه ويوصيه بإطلاق اسمه عليه.

ففي حديثه عن بقاء النص وغياب المعنى، يشرح الغزالي أن هجر القرآن لا يقتصر على ترك قراءته، بل قد يتخذ صوراً متعددة، فقد يُقرأ دون تدبر، أو يُفهم فهماً مجتزئاً عن سياقه الكلي، أو يُحصر في دائرة الشعائر دون أن يمتد إلى ميادين الفكر والعمل، وبهذا يتحول القرآن من قوة فاعلة تحرّك الحياة إلى نص مقدّس معزول عن حركة الواقع. عليه، يرى أن هذا الانفصال أدى إلى نتائج خطيرة في تاريخ المسلمين، كضعف الوعي الحضاري، وتراجع الاجتهاد الفكري، وظهور قراءات ضيقة للدين لا تستوعب عمق الرسالة القرآنية الهادية الشاملة، وهو في دعوته للعودة إلى القرآن كمشروع نهضوي ومعرفي وحضاري، لا يدعو للاكتفاء بالتلاوة أو التعبّد أو الوعظ، بل باعتباره مصدراً لرؤية فكرية متجددة تشمل الإنسان والمجتمع والتاريخ والكون. ولهذا فإن القراءة الحقيقية للقرآن يجب أن تجمع بين التلاوة والفهم والتدبر، وأن تربط النص بواقع الإنسان وأسئلته المعاصرة، فمع تزامن قراءة القرآن بهذه الروح، يتحول في قوته إلى طاقة خلاقة تبلور العقل المسلم، وتدفعه إلى التفكير في قضايا الإنسان الكبرى، كالعدالة والعلم والحرية والعمران.

ومن الأفكار المركزية التي يتناولها الغزالي في خضم حديثه عن القرآن والعقل، دعوته إلى التفكير. فالقرآن في نظره لا يعارض العقل بل يوقظه، والخطاب القرآني يزخر بالدعوة إلى التفكر، والتدبّر، والنظر في الكون، والتأمل في سنن التاريخ وحركة المجتمعات. ومن ثم فإن العلاقة بين القرآن والعقل ليست علاقة خصومة بل علاقة تكامل، مستدلاً بنشأة الحضارة الإسلامية التي ازدهرت في بيئة فكرية متأثرة بروح القرآن، حفّزت بدورها حركة العلم والبحث والمعرفة، غير أن مع تراجع هذا الوعي وابتعاد المسلمين عن القراءة المتدبرة، ضعف حضور العقل النقدي في أروقتها، وتقلصت مساحة الإبداع الفكري.

وعن قوانين التاريخ، يولي الغزالي اهتماماً خاصاً بما يسميه السنن القرآنية، أي القوانين التي تحكم حركة الحياة والتاريخ كما يكشفها القرآن الكريم، وهو إذ لا يكتفي بسرد القصص أو توجيه المواعظ، يبين أن للأمم مسارات تحكمها سنن، مثل العدل والظلم، والقوة والضعف، والعمل والكسل، وإن إدراك هذه السنن يمنح الإنسان قدرة على قراءة التاريخ قراءة واعية، ويمنع الوقوع في التفسيرات السطحية للأحداث، فالنصر والهزيمة ليسا مصادفات عشوائية كما يشير القرآن، إنما نتائج مرتبطة بقيم المجتمعات وسلوكها وأفعالها.

أما عن شمول الرؤية القرآنية، فيؤكد الغزالي أن القرآن يقدم رؤية شاملة للوجود، بحيث لا يعالج جانباً واحداً من حياة الإنسان، بل يجمع بين العالم المادي والعالم المعنوي، فهو حين يدعوه لعبادة الله وحده، يحثّه في الوقت نفسه على الضرب في الأرض، واكتشاف قوانين الطبيعة، وبناء المجتمع على أساس العدل. ومن هنا، يُفقد اختزال القرآن في دائرة الوعظ الأخلاقي أو الأحكام الفقهية وحدها، طبيعته الكلية، التي يخاطب من خلالها الإنسان ككائن يعيش في عالم مركّب، يحتاج إلى الهداية الروحية كحاجته إلى الوعي العقلي والاجتماعي.

يصل الغزالي في نهاية تحليله إلى نتيجة هامة مفادها أن التدبر الحقيقي للقرآن هو ضرورة حضارية، فالأمم التي تفقد مرجعيتها الفكرية تضيع في تقليد الآخرين أو تتقلب في صراعات داخلية لا تنتهي، في حين أن ترسيخ مقام القرآن كمصدر للفهم والتوجيه، يمنح المجتمع بوصلة أخلاقية وفكرية تساعده على تجاوز الأزمات. على هذا، لا يصبح القرآن كتاباً تاريخياً، إنما خطاباً مستداماً يفتح للإنسان آفاق للتفكير والعمل، ويذكّره بأن الإيمان به مسؤولية في إصلاحه.

في نهاية المطاف، يستمر القرآن الكريم عصيّاً على الزمن، فلا يهرم سوى التعامل البشري معه، كنص مقدّس ورسالة باقية، ومن هنا تتجلى قيمة هذا الكتاب الذي لا يضيف تفسيراً جديداً بقدر ما يحفّز الهمة نحو تجديد مكانة القرآن الكريم في تشكيل العقل والضمير والحياة، فعندما تستعيد الأمة علاقتها الحية بكتاب الله، فإن الإيمان لا يتجدد في القلوب وحسب كذكرى محفوظة من التراث، بل كنور متجدد يستضيء به الفكر ويهدي الخطى في كل زمان ومكان.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (13) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، وهو ثالث ما قرأت في شهر فبراير.

خاطرة في بداية العام: لقد ختمت عامي 2024 و 2025 بـ (150 كتاب) في كليهما، الأمر الذي يرفع من حماسي في تحقيق مستوى تحدٍ للذات، أعلى، في العام الحالي .. وهو العام الذي أطلقت عليه: “عام الوعي لا عام الكم”.

من فعاليات الشهر: يصادف الثامن عشر منه، شهر رمضان المبارك، الذي تصبح القراءة فيه نوع من الترف .. إن تمكّنت منه!

تسلسل الكتاب على المدونة: 763

تاريخ النشر: مارس 6, 2026

عدد القراءات:49 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *