BOOK0736
الكتاب
الرجل والجنس
المؤلف
دار النشر
مكتبة مدبولي
الطبعة
(1) 2005
عدد الصفحات
260
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
11/17/2025
التصنيف
الموضوع
الجسد حين يتكلم .. والذكورة حين تُساءَل
درجة التقييم

الرجل والجنس

د. نوال السعداوي من جديد! تلك التي لا بد أن تترك أثراً استثنائياً لدى كل قارئ واعٍ .. فليست قراءتها متعة فكرية بالضرورة، ولا منهجها علمياً محايداً على طول الخط، إلا أنها تحمل أبداً ذلك المعول الغليظ الذي تهشّم به الزجاج القديم، حتى عندما تعمم أو تنفعل أو تبالغ! لذا، يبدو القارئ مع كتابها هذا كمن لا يبحث عن معرفة جديدة، أكثر مما يعاين خطاب نفس المجتمع في إثبات الحق ومصادرته معاً، حيث يتموضع الرجل تحت نفس مشرط التحليل الجندري الذي لطالما شرّح به المرأة ومثّل بأبسط حقوقها.

وكنتيجة حتمية، تترك قراءتها عادة في الروح خدشاً، يبدو هنا لطيفاً نوعاً ما! إن خدش الروح هو بالأحرى خدش حفره المجتمع الذكوري في سائر أرواح النساء .. خدش قديم موروث عالق في أضلعهن منذ آلاف السنين .. خدش يسمّونه: ثقافة / أعراف / طبيعة / أدوار / حياء / رجولة ….، وهو في الحقيقة جرح لم يلتئم لأنه لم يحظَ باعتراف يوماً ما، في مجتمع أبوي قمعي بائس، يتعرى فيه الذكر كضحية تماماً كالمرأة، في طغيانه وسطوته وعربدته ونفاقه وازدواج معاييره!

إنها إذاً د. نوال السعداوي (1931 : 2021) الرائدة في عالم حقوق الإنسان، وحقوق المرأة على وجه الخصوص. تخرجت في كلية الطب جامعة القاهرة عام 1955 وحصلت على بكالوريوس الطب والجراحة. وبالإضافة إلى ممارسة مهنة الطب، تقلّدت مناصب مرموقة في بلادها، كمنصب الأمين العام لنقابة الأطباء، ومنصب المدير العام لإدارة التثقيف الصحي في وزارة الصحة، ورئاسة تحرير مجلتي الصحة والجمعية الطبية، كما ساهمت في تأسيس الجمعيات الحقوقية، وقد حصدت عدد من الجوائز العالمية، وتُرجمت أعمالها العلمية والفكرية والروائية إلى أربعين لغة. تشرّبت الطبيبة قيم الصدق والحرية والاعتداد بالذات منذ طفولتها، حيث ناضل والدها ضد الاحتلال البريطاني وشارك في الثورة الشعبية في مصر عقب الحرب العالمية الأولى، حتى تم معاقبته بتعطيل ترقيته لسنوات بعد نقله إلى قرية صغيرة، وقد كان حينها مسئولاً في وزارة التربية والتعليم. لا عجب إذاً أن يتم زجّها في سجون الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وتحديداً في عام 1981 ضمن حملة استهدفت مجموعة من الأدباء والكّتاب والصحفيين، بشبهة نشر الآراء التحريضية ضد الوطن ورموزه .. وقد قالت في مذكراتها عن قيمة الإنسان: “إن كل شيء أجنبي أصبح أعلى قيمة من أي شيء مصري .. حتى الإنسان”.

في هذا الكتاب، تتخذ د. نوال السعداوي جنس الرجل، لا كمسألة بيولوجية محضة، بل كمرآة تتحقق من خلالها الجذور النفسية والاجتماعية والثقافية لأزمة الذكورة في المجتمع الأبوي، فتكشف كيف صاغ هذا المجتمع تصوّراً تحكّمياً للجنس، صنع للرجل عقدة نقص خفية ترتبط بالخوف من المرأة، ومن جسده هو ذاته، ومن الإحساس بالذنب، ومن السعي المستمر لاستعراض السلطة الجنسية من جانب، وقمعها من جانب آخر.

لا ينطوي كتابها على تحليل سطحي، بل تذهب فيه إلى تفكيك الذكورة داخل المجتمع الأبوي، لا بوصفها حقيقة طبيعية أو تفوقاً فطرياً، بل باعتبارها بناءً تاريخياً ونفسياً وثقافياً تشكّل عبر القمع والملكية والشعور المزمن بالذنب والنقص. لذا، تقدم د. نوال السعداوي عبر مقالات مترابطة ومتعددة، قراءة جريئة لموضوعات مسكوت عنها مثل التربية الذكورية، السادية والمازوشية، هوس الفحولة، الشذوذ، الاغتصاب، التحرش بالأطفال، و (الفوضى الجنسية للرجل) حسب وصفها المعتاد .. وهي تضع كل هذه الظواهر في سياقها الاجتماعي والاقتصادي والديني، لا كمجرد عوارض مرضية فردية ومعزولة.

وعلى الرغم من حساسية الطرح وحدّته، فإن الكتاب لا يستهدف إدانة الرجل بقدر ما يسائل المنظومة التي شوّهت علاقته بذاته وبجسده وبشريكته، وينتهي إلى رؤية خلاص تقوم على تحرير الإنسان -رجل وامرأة- من ثنائية الطهر/الدنس، العقل/الجسد، السلطة/الخضوع.

وكما في كتابها التوأم (المرأة والجنس)، وبشيء من التفصيل، تمارس د. نوال السعداوي هنا تشريحاً عميقاً لأزمة الذكورة في المجتمع الشرقي المتقوقع داخل بنية أبوية، تُخضع الذكر والأنثى معاً لثقافة (العيب ونجاسة الجسد وطهارة الروح)، فتزرع في الرجل منذ طفولته شعوراً مزدوجاً بالذنب والنقص، يتحوّل لاحقاً إلى استعراض دائم للفحولة والسلطة (حتى في الفضاء العام)، وإلى سلوكيات قمعية تُمارس ضد المرأة والأطفال والضعفاء، من أشكالها: السادية، المازوشية، الهوس بالعضو التناسلي، الخيالات الجنسية، الفجوة بين خطاب الرجل وفعله، الوعود العاطفية الكاذبة، شكّ النساء والشك بهن، تآكل الثقة …….! فتقرأ د. نوال السعداوي هذه الظواهر قراءة تاريخية-ثقافية-اقتصادية-نفسية، وهي تتبع انقلاب المجتمعات من أنماط أمومية قديمة إلى ترسيخ الملكية الأبوية التي تشمل: المال، المتاع، المرأة، الأطفال، الدين، الأخلاق …..، حيث تستعرض أثر التأويلات الدينية والوعظية في تحويل المرأة إلى أنثى آثمة، والجنس إلى خطيئة، ثم تستدعي نقاشات علمية وفلسفية (من دو بوفوار وفرويد وإنجلز ومورجان وغيرهم) تفكّكها وتعيد تركيبها، لتؤكد على أن الانحراف ليس عيباً فردياً بقدر ما هو نتاج تربية قمعية ونظام اجتماعي يفرز الكبت والتناقض ويقسم العقول إلى حجرتين: علم حديث من جهة، ومقدسات مغلقة من جهة أخرى، ثم تنتهي بـ (روشتة) هدفها تحرير الرجل والمرأة معاً من عقد النقص والذنب، وردم الهوة بين الجسد والروح، وبناء مجتمعٍ يقوم على المساواة والنضج والوعي العاطفي، مع التنبيه على أن الكتاب -رغم كتابته في السبعينيات- لا يزال مفيداً لفهم جذور أزمات راهنة، رغم ما يحوطه من إرهاق واستفزاز وغضب يطال من يقدّس المسلّمات عماءً ويكره مساءلتها.

وأنا -كقارئة تنشد الموسوعية- تطال يداي عادة هذا النوع من الكتب الجدلية بغية فهم خريطة الخطاب الإنساني، ولو كان ممزقاً أو غير مكتمل، وتبقى د. نوال السعداوي -في حياتها وفي مماتها- المجادلة التي تعرض الحقيقة خام كما هي .. بلا تجميل ولا تهذيب، وإن أرهقت العقل وأوجعت القلب وخدشت الروح .. فلا هي تتوارى ولا تتجمّل ولا تسترضي سلطة أو مجتمع، ولا تمسك العصا من المنتصف بل تكسر العصا كلها .. بل وهي كجرّاحة اعتادت أن تمسك الجرح بأصابعها العارية وترفعه في وجه الجميع. ولأنها تكشف الرجل كمجرم وكضحية في آنٍ معاً، متورطاً في بنية اجتماعية تُفسده كما تُفسد المرأة، فلا يقرأها إلا الأحرار .. أولئك الذين رأوا الجميع فيما وراء الصدمة (مكسورون) .. صدمة بنية اجتماعية متهتكة شوّهت رجالها ونسائها معاً، رغم أن الرجل كان هو الوحيد الذي سُمح له أن يخفي انكساره تحت قناع القوة!

على هامش الكتاب أقول: إنه كتاب مثالي في تعرية السوأة الذكورية، بقلم طبيبة/أديبة لم تكن تكره الرجل بقدر كره المفهوم .. فحاربت النظام لا الفرد! ورغم مادته العلمية التي تناولتها الكاتبة الجريئة بموضوعية، فهو فضائحي بامتياز حد إثارة حنق أشباه الرجال!

وختاماً أقول: نعم إنه كتاب مربك ومستفز، لكن قراءته ضرورية لكل من يرى في المساءلة شرطاً أولياً لأي نضج إنساني، وهو يُسفر عن رؤى علاجية مقترحة للتخلص من بقايا تعاسة أبوية مزروعة في نفس الرجل، تُفضي إلى حضارة أكثر عدالة وأخلاقية!

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (136) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2025، والذي أنهيت قراءته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من متجر (جملون) الإلكتروني في يوليو من عام 2020، ضمن (50) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي من تلك الشحنة.. وهو أول ما قرأت في شهر نوفمبر ضمن (10) كتب!

من فعاليات الشهر: كعادة كل عام، تتراكم الأعمال في خواتيمه، وأصبح أنا بوسطها، في سباق مع الزمن لاستدراك ما مضى من تقصير في خطة القراءة!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: حيوات عديدة معلمون كثر / الذكاء: العيش في الوقت الحاضر / ما بعد 

تسلسل الكتاب على المدونة: 736

تاريخ النشر: نوفمبر 18, 2025

عدد القراءات:113 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *