الكتاب
مشاهدات بريطاني عن العراق سنة 1797
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Journey from India, towards England, in the year 1797 - By: John Jackson
المترجم/المحقق
د. خالد فاروق عمر
دار النشر
الدار العربية للموسوعات
الطبعة
(1) 2000
عدد الصفحات
131
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/29/2021
التصنيف
الموضوع
بريطاني في عراق أواخر القرن الثامن عشر
درجة التقييم

مشاهدات بريطاني عن العراق سنة 1797

مذكرات عتيقة لرحالة إنجليزي كان يعيش في الهند وأراد العودة إلى موطنه، فخالف المعتاد واختار طريقاً يسافر فيه بحراً لتحلّ مراكبه أولاً في مدينة البصرة، ومنها يجوب مدن العراق الأخرى: بغداد وأربيل وكركوك والموصل، ليودّعها جميعاً وهو يغادرها شمالاً، إلى وجهته الأخيرة نحو اسطنبول. لقد سطّر قلمه الجاف ما شاهدت عيناه مما لم تشاهدان من قبل .. عن أحوال الناس والعادات والمأكل والملبس والأرض والأجواء والأنهار والماشية والطيور والأشجار والسلع والأسعار والحكام وقطاع الطرق وقراصنة البحر، وكل ما كان غريباً عليه كإفرنجي في صحراء العرب، يقطعها تحت حرارة الشمس وفوق ظهر الدواب، وفي زمن لم تكن فيه التكنولوجيا قد تخطت اختراع (القلم) في تصوير المشاهدات وتحويلها إلى ذكرى عن زمن جميل ولّى رغم شظف العيش على امتداد أيامه!.

لا يرد في شبكة المعلومات إلا القليل عن سيرة الرحالة الإنجليزي جون جاكسون (John Jackson) المتوفى عام 1807، غير أنه عمل في شركة الهند الشرقية، ثم قام وهو يهمّ بالعودة عام 1797، برحلته الشهيرة من الهند إلى إنجلترا، ومن ثم توثيقها في كتاب جاء بعنوان (Journey from India, towards England, in the year 1797) والذي نُشر في لندن عام 1799، بينما حظيت المكتبة العربية بترجمة الجزء الخاص برحلته في العراق، كما في هذا الكتاب.

بالإضافة إلى مقدمة دار النشر، يعرض فهرس المحتويات مسار رحلة جاكسون في ستة فصول رئيسية، قد استقطع بها الكتاب نجمتان من رصيد انجمي الخماسي، وهي:

  • الفصل الأول: الإبحار من الهند
  • الفصل الثاني: استراحة في البصرة
  • الفصل الثالث: في شط الدجيلة
  • الفصل الرابع: في بغداد
  • الفصل الخامس: في الطريق إلى كركوك والموصل
  • الفصل السادس: في مدينة الحدباء

ومن المشاهدات التي وددت لو رسمت صوراً مما رسخ في مخيلتي عنها جميعاً بعد القراءة، أكتفي بأول فصلين، وباقتباس في نص عريق (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

  • بينما تعرض (المقدمة) عدد من الطرق التي قد يرتادها المسافر في انتقاله من الهند إلى خارجه، مثل طريق السويس-القاهرة، أو طريق الفرات نحو الحلّة ثم إلى بغداد، أو عبر الصحراء الكبرى إلى حلب، إلا أن الرحالة جاكسون أوصى وهو يتخذ من البصرة نقطة انطلاقه، أن يمتطي صهوة جواد ليقطع الصحراء الكبرى برفقة (جوخدار) وهي رتبة ضابط في الجيش العثماني، وخادمين. لا يغفل كذلك من توجيه نصحه للمسافر حول مظهره الخارجي، فارتداء الملابس العربية لا سيما مع إطالة اللحية والشاربين، أكثر أماناً ضد بطش بعض القبائل العربية التي تجوب القفار وتفتك بكل من هو غربي الأصل. يقول جاكسون وقد حرص على حمل قاموساً صغيراً في مبادئ اللغة العربية، وهو يخصّ قومه الإنجليز في كلامه: “وإذ يصل المسافر بغداد، سوف يجد أن الانكليز محترمين لهم مكانتهم في تلك المدينة، ولذلك ينبغي له أن يحسن معاملته مع الناس لأن هذا من شأنه أن يزيد من اعتباره القومي. فهو إن أساء المعاملة فإن الناس لن يشتموه وحده وحسب وإنما يشتمون أمته كلها، وهكذا فإن عملاً سيئاً يأتيه فرد واحد قد يجلب الخطر على مئات من أبناء قومه الذين يمرون بتلك البقاع”.
  • والرحّالة إذ يوثّق رحلته ابتداءً من (الفصل الأول: الإبحار من الهند)، وهو يغادر بومباي نحو البصرة في الرابع من آيار لعام 1797، على ظهر الباخرة (بيرل)، والأجواء حوله مفرحه والماء هادئ والرياح خفيفة، فأنه استهل بتسجيل ملاحظاته حول تقلبّات الجو والعواصف والزوارق والقرصان والطرادات المحمّلة برجال مدججين بالسلاح، حتى تبدو لهم من على حدود الخليج العربي جزيرة (قشم)، إلا أن الباخرة ترسو اضطراراً في اليوم الأول من حزيران على شاطئ ميناء (بوشهر) الواقع على الساحل الإيراني من الخليج، بسبب عاصفة مخيفة واجهتهم. وهناك، شاهدوا سفينة شراعية إنجليزية استأجرتها حكومة بومباي لنقل بعض السلع إلى البصرة، وقد طاردها بعض المطاردين لمدة يومين حتى طوقوها وسلبوا منها بعض المواد لا سيما البارود، غير أنهم سرعان ما أطلقوا سراح السفينة بمن عليها بعد أن علموا أنها تعود لشركة الهند الشرقية الإنجليزية، خاصة مع وجود أخ لأحد أمراء المسلمين الهنود وسط ركّابها. يبلغون جزيرة (كرك) أو (خارك) الإيرانية والتي تتعطل فيها الباخرة، فيستعين أحد الملاحين بحاكم المنطقة الشيخ سليمان الذي يتوجه مع مائة من الرجال للمساعدة، حتى ترسي باخرتهم في مراسي (كرك) بسلام. يتجولون في الجزيرة، ويشاهدون الأبقار الوحشية والمعز وسلاحف الماء، ويزورون قمتها المغطاة بالأصداف البحرية والصخور المرجانية والتي يُقال أنها تكونت بفعل انفجار بركاني، ثم يكرمون الشيخ سليمان بمبلغ بدى لهم ضئيلاً بقدر ما كان سخياً لدى الشيخ الذي رضى كثيراً وأكرم به رجاله بأكياس من الرز. وبعد مغادرتهم جزيرة (كرخا) -أو (خاركو) كما صححها المترجم- يقودهم الملاح العربي زيدون في الحادي عشر من حزيران نحو مدخل شط العرب عند الفاو حيث بانت لهم مداخل مدينة البصرة. يترجّلون إلى الجانب العربي ويشترون البيض والخضار، ويتجولون في البساتين التي كانت تكتظ بها المنطقة والملأى بسواقي توزيع المياه بين أشجار النخيل، بذكورها وإناثها، وقد تمكنوا من التمييز بينهما بوضوح. وما أن وطء الرحالة الإنجليزي أرض الصحراء التي ألهبت قدميه وتلهب قدمي كل أوروبي وإن كان ينتعل أقوى حذاء، فقد أخذ يعاين الناس وأحوالهم! فالرجال يعتمرون الطاقية الصوفية والنساء يرتدين الملابس القطنية الزرقاء، ويمتلكون قطعان من المواشي، ويستمتعون بالاستحمام في النهر حتى وإن سنحت لهم الفرصة لذلك خمس أو ست مرات في اليوم الواحد. يقول وهو يصف ما تشاهده عيناه للمرة الأولى: “لم تكن المرأة العربية متحفظة جداً كما كنا نتوقع ذلك، فقد سرت النسوة بتنوع ملابسهن ورحن يقدمن لنا اللبن والخبز وغيرهما من الغذاء بكل لباقة. وخبزهن مصنوع أقراصاً ولكنه ليس جيداً. أما اللبن فغير مستساغ بالنسبة للأوروبي لأنه شديد الحموضة، غير إننا وجدنا العرب يفضلونه وهو في حالته تلك. وإذ سحرتنا مناظر الشاطئ، فقد مكثنا هناك طويلاً أكثر مما اعتزمنا، الأمر الذي دفع بسفينتنا إلى أن تطلق إطلاقة تنبهنا بها إلى ضرورة الإسراع بالعودة إليها”. وهو إذ ينقل نظره نحو الجانب الإيراني من الشط، يقول: “شاهدنا في الجانب الإيراني خرائب مدينة كبيرة تمتد زهاء اثنى عشر ميلاً على شاطئ النهر وهي تضم عدداً من القبور التي ما تزال ظاهرة بشكل واضح. وقد قيل لنا أن المدينة قد دمرت من قبل الأمير نادر شاه، وأن الذئاب تعول في خرائبها دواماً” يعرّف المترجم نادر شاه كأحد أعظم ملوك فارس (1963) وهو الذي دعى إلى عقد مؤتمر النجف بين السنة والشيعة بغرض إزالة الخلافات بينهما، وقد قيل أنه قُتل غيلة على يد أحد المتطرفين الشيعة الرافضين لدعوته تلك في التوفيق بين المذهبين. يستكمل جاكسون وصف المنطقة الزراعية فيقول: “لا توجد في المنطقة الممتدة من البحر إلى هذا الجزء من الجانب الإيراني للنهر أية مزروعات سوى الضئيل جداً منها، كما أن عدد السكان فيها قليل أيضاً، ويبدو لنا أن هذه المناطق كانت مزروعة زراعة حسنة فيما مضى، ذلك لأن آثار القنوات والترع ما تزال ظاهرة فيها. كما أن عدداً النخيل قد تناثرت هنا وهناك وأهمل شأنها فلم تعد تحمل سوى القليل من التمر”. أما البشر القاطنين الضفة الإيرانية من الشط، فقد وجد فيهم فرقاً قال فيه: “تظهر على سكنة الجانب الإيراني علائم القوة والصرامة، أما ملبسهم فهو مشابه للباس العربي تقريباً، فالمرأة لا ترتدي سوى ثوب من قماش أزرق اللون أما الأطفال فهم عراة تماماً. والرجال شرسون وهم يفتكون بكل من يستطيعون التغلب عليه”.
  • والرحالة إذ ينتقل إلى (الفصل الثاني: استراحة في البصرة) يلفت انتباهه ابتداءً الريف الذي اجتازه وقد كان مبهجاً في اخضراره وكثير الإرواء والغلات من الحنطة والرز والشعير، في حين كان المحصول من الخضار والفاكهة هائلاً بحيث كانت مدينة البصرة تزوّد به المدن المجاورة، وقد كان العرب والترك أكثرهم استهلاكاً لها مقارنة بالأغذية الأخرى. ثم يتجول في المدينة الواسعة جداً والمكتظّة بالسكان حتى يصل إلى سوقها المزوّد تزويداً جيداً بالسلع، لا سيما الأدوية التي تباع بأسعار معتدلة مقارنة بأسعارها في أوروبا. وفي حديثه عن المنتجات الأخرى يقول: “والمصنوعات الأوروبية نادرة وغالية، والناس يفضلون المصنوعات الإنجليزية على ما سواها، فأقمشتنا وساعاتنا قد تباع بأكثر من ضعف السعر الذي تباع به في إنجلترا”. يشاهد أسوار المدينة التي ترتفع زهاء أربعة أميال والمشيّدة من اللبن الذي لا يتصدى للمدفعيات، فيقول وهو يتحدث عن العمارة العربية ويشيد بفخر الصناعة الوطنية لبلاده: “وفي المدينة تقوم عدة مساجد وجوامع ذات منائر وكثير منها جميلة البناء، وبعض هذه الجوامع مغلفة بالقاشي المزجج الذي يعطيها مظهراً فريداً. وقد أنشئت معظم البنايات العامة كالمساجد والجوامع والحمامات من الطابوق، ولكن المعمل الإنكليزي يعد الآن أحسن الأبنية في المدينة”. ولأهل البصرة وأنشطتهم وأطعمتهم وطرقاتهم نصيب في مشاهدات الرحالة، إذ يصفهم قائلاً: “أما بالنسبة إلى العرب وهم يؤلفون أكثرية السكان، فلا يوجد سوى عدد قليل من الأثرياء بينهم، في حين أن القسم الأعظم منهم فقراء جداً وهم يتعاطون أعمالاً شاقة لقاء أجور ضئيلة. ومع ذلك فإنهم يستطيعون بهذه الأجور الضئيلة مساعدة عوائلهم، ذلك لأن ملابسهم لا تكلفهم غالياً ولأن طعامهم يتألف من التمر والخبز والماء مما يكتفون به تماماً. والواقع أنه وإن كان طعامهم بسيطاً إلا أن قوتهم البدنية على وجه العموم تعادل ضعف قوة الأوروبيين، وهم قادرون على تحمل المشقة أكثر من أولئك. تبدو شوارع المدينة ضيقة جداً وهي لا تسمح إلا بمرور حصان واحد في وقت واحد. يضاف إلى هذا أن أجزاء كثيرة من هذه الطرقات غير معبدة مما يصعب حتى على الخيول المرور فيها. توجد في المدينة كنيسة كاثوليكية رومانية جيدة البناء والناس في هذه المنطقة أقل تحرشاً بالأجانب من غيرهم، وكل شخص هنا يرتدي الملابس البلدية وهم يعنون بتربية شواربهم بصفة خاصة”، ثم يتحدث عن لقائه بأحد الأرمن الذي كان يتقن اللغة الإنجليزية وقد أمضى عدة سنوات في إنجلترا وألف كتباً عن رحلاته ومغامراته، وعرض عليه اصطحاب ابنه معه إلى إنجلترا لتهيئته في أن يصبح مترجماً، وقد كان يتقن العربية والتركية والأرمنية والإنجليزية. يصل الرحالة إلى (القرنة) حيث ملتقى نهري دجلة والفرات، وهما “يؤلفان مجرى مائياً هائلاً عذباً”، ولهذا المجرى أساطيره التي يرويها السكان، حيث: “يطلق السكان على هذا المجرى من هذا المكان حتى الخليج العربي اسم «شط العرب» ولم يعد للمد أدنى تأثير على المياه في القرنة إلا في الأيام التي يكون فيها القمر بدراً أو محاقاً، وحتى في تلك الأيام لا ترتفع المياه إلا قليلاً، أما التيار فلن يتحول. ويعتقد بعض المطلعين أن القرنة كانت موقع «جنات عدن» ذلك لأن مظهرها المنبسط الحالي لا يوحى بإلصاق اسم «الفردوس الأرضي» الذي جاء في وصف «ملتون»”. وملتون هو شاعر إنجليزي أعمى اشتهر بكتابه (الفردوس المفقود)، وهو يلتقي في أسلوبه وتفكيره مع الفيلسوف العربي الأعمى أبي العلاء المعري، ورسالته في (الغفران). يغادر الرحالة ورفاقه القرية عبر شط الفرات نحو الضفاف الغربية منه، وقد كان الريف في هذه المنطقة مغطى بأعواد القصب والصفصاف وتكثر فيه المستنقعات وهو غير مأهول بالسكان، وهناك جرّب الصيد، وقال: “أطلقت النار على طير الكركي بين الصفصاف ولم يلبث أن اندفع من المنطقة قطيع كبير من الخنازير، كان حجم البعض منها غير اعتيادي. والواقع أنني لم أكن لأصدق عند الوهلة الأولى بأن هذه الحيوانات من الخنازير، فقد كانت ألوانها حمراء غامقة. وعلى مقربة من البصرة كان عدد من الخنازير البرية قد قتل وكانت جثة الواحد منها تزن عشرة قناطير إنكليزية. ولما كان العرب لا يأكلون لحم الخنزير فإن هذه الجثث تظل ملقاة في العراء، ويقال أن هذه الخنازير تظل تنمو ما دامت حية. والحقيقة أن ضخامة أجسام البعض منها يؤيد مثل هذا الافتراض”. وعندما حلّ المساء في ذلك اليوم، كانوا قد بلغوا مدينة كبيرة جداً تُدعى (سوق الشيوخ) والتي تقع على الضفة اليمنى من النهر، وقد كانوا محظوظين في شرائهم للناموسيات، فقد أعانتهم على أخذ قسط من النوم كانوا في أمس الحاجة إليه بعد عناء اليوم “ومع أننا كنا نستلقي دائماً على الأرض الجرداء، إلا أننا استطعنا الآن أن ننام براحة بعد أن تخلصنا من تلك الحشرات المؤذية التي لم أستطع من شدة قرصاتها حتى أن أفتح عيني”. وفي نهار اليوم التالي الذي صادف التاسع والعشرين من حزيران، والذي قضوه بأكمله في سوق الشيوخ، فقد هيئ لهم دليلهم وجبة غذاء دسمة على الطريقة العربية، “وكان هذا الغداء يتألف من عشرين سمكة مقلية بالسمن واثنى عشر دجاجة مسلوقة وأقراص من خبز الشعير وكميات وفيرة من اللبن. وقد جلسنا على الأرض حسب عادة أهل الريف، في حديقة تقع على ضفة النهر وتحت ظلال أشجار التمر والعنب. كان السمك والدجاج والخبز لذيذاً جداً وممتازاً ولكن اللبن كان رائباً غير مستساغ بالنسبة للأوروبي، ولم نستخدم السكاكين والشوكات كما هو الأمر في أوروبا، وإنما كنا نتناول الطعام بأصابعنا مثلما يفعل العرب ذلك، إذ نمزق الدجاج ونقطعه قطعاً صغيرة ونلتهمها. ويبدو أن دليلنا قد فرح كثيراً لأننا استطعنا أن نطبق عاداتهم في المأكل”. لم يستحسن جاكسون الأطباق العربية فقط، بل، وعلى حد تعبيره “لقد أعجبت الإعجاب كله وأنا أراقب حذق المرأة العربية وخفتها في صنع الخبز”، حيث يشرع في وصف دقيق للتنور الذي اعتبره “فرن مبني باللبن يتراوح ارتفاعه ما بين قدمين وثلاثة”، والشق الذي يوجد في قعره ويسحب الرماد من خلاله، وفوهته التي لا يتجاوز عرضها في المعتاد خمسة عشرة بوصة والتي تأخذ بالاتساع تدريجياً حتى القعر، “ويسخن التنور بالحطب، وعندما تكون حرارته كافية وينقطع عنه الدخان تماماً ولا يبقى في القعر سوى الجمر النظيف المتقد الذي يواصل شع حرارة شديدة، تشرع المرأة في اقتطاع العجين المحفوظ في علبة كبيرة وصنع أقراص منه بأحجام مناسبة توضع على قطعة قائمة إلى جانب التنور وبعد أن يتم اقتطاع العجين وتكويره، تحمل إحدى الكرات منه تمطط وتدور على يد واحدة وترقق بحذق متناه، وإذ ذاك يبلل جانب منها بالماء، ثم تبلل اليد في ذات الوقت ويلصق رغيف العجين على جوانب التنور حتى ينضج، وإذا لم تنتبه المرأة جيداً فإن حرارة التنور قد تحرق راحتيها وذراعيها. والذي لاحظته أن طريقة صنع الخبز هذه لا تتطلب من الوقود نصف ما يتطلبه صنع الخبز في أوروبا”. يأخذه دليله إلى إحدى المقاهي التي يتناول فيها القهوة على عادة سكان تلك المنطقة، لكنهم هناك أجبروه على التدخين “حيث قدموا لي غليوناً طوله نحو يارد ونصف اليارد، وقد جلست على حصير طاوياً ساقي بشكل متقاطع مثل بقية الجماعة، وكانوا يقدمون القهوة في أقداح زجاجية من صنع الصين لا يزيد حجم الواحد منها عن حجم نصف قشرة بيضة، ولم أعط حليباً ولا سكراً وبدونها كان اللبن غير مستساغ إلى أن اعتدت عليه”. يغادرون سوق الشيوخ صباح اليوم التالي عبر النهر نحو الضفة اليسرى منه، ليصلوا إلى قرية (كمارك) وينصّبوا خيامهم هناك، وقد واتت الرحالة فرصة كبيرة للاستمتاع في المنطقة المجاورة، حيث صاحب أحد رفاقه العرب والذي كان يحمل معه بارود واطلاقات، فيصف المشهد حينها قائلاً: “شاهدت بعض الطيور الجميلة الخضراء اللون ورغبت في تفحصها وقد أسقطت واحداً منها، وإذ ذاك أسرع الأعرابي نحوه فقطع رأسه وهو يقول «زين زين» يريد بذلك أن الطير صالح للأكل. وأسقطت بعد ذلك عدداً آخر من الطيور مختلفة، وكان العربي يعمد إلى قطع رؤوسها بعد إصابتها ولم أشأ أن أحول بينه وبين ما يريد”. يغادر الرحالة ورفاقه في الأول من تموز نحو الشرق، عبر النهر الذي كان يطفو فوقه القصب، فيدخلون نهراً يطلق عليه العرب اسم (شط الدجيلة) موصول بنهر آخر يتفرّع عن نهر دجلة واسمه (شط الحي)، فيصلون مساءً وينصبون خيامهم بالقرب من خيام بعض الأعراب. غير أن دليلهم يهرع نحوهم لينبئهم بخطورة الوضع واحتمالية مباغتتهم بهجوم من قوات تجوب المنطقة، فاحتفظوا بأسلحتهم في خيامهم، بينما حرس بقية الرجال الخيام من الخارج وهم مدججين بالسلاح. يقول الرحالة عن هكذا وضع خطر والذي لم يكن غريباً في تلك البقعة من الأرض: “ما كنت قد جربت قبل أن أضطجع على الأرض العراء لاستراح قليلاً وأن أضع سلاحي بجانبي. فعلى من يريد السفر في أمثال هذه البلاد أن لا يقدر قيمة كبيرة لنفسه، مثلما يفعل ذلك الأوروبيون، إلا بعد النجاة من الموت حتى وإن تعرض لبعض الإصابات. فهذه البلاد في حالة حرب مستديمة وكثير من السكان لا يخضعون للنظام وهم يعيشون على الفطرة ولا يتأثرون بالعواطف النبيلة. فهم يقتلون ويسلبون من دون وازع كل من يستطيعون التغلب عليه، وهم في حرب مع العالم كله ما عدا عشيرتهم. ذلك هو الوضع الراهن في هذا البلد الذي يعد من أكثر البلدان خصباً في الكون كل، فالمسافر لا يكون دائماً في أمان. وهناك سبب يجعله يتوقع في كل لحظة هجوماً من قوة متفوقة عليه، ولكنني عندما غامرت بهذه الرحلة كنت قد تهيأت لها تماماً وأعددت نفسي لجميع الصعاب والمخاطر التي ستجابهني. ولقد كان دليلنا يتصرف تصرفاً حسناً نال رضانا ويعمل كل ما في وسعه لتهيئة الراحة لنا”.

…… وتستمر مشاهدات جاكسون في بلاد الرافدين تحظى بالكثير من المتعة، وتزداد مغامرة ودهشة وتشويقاً وقد أبصرها بعينين لا تشبه أعين ساكنيها.

وعلى أرفف مكتبتي الجوداء، تصطف إلى جانب هذا الكتاب العتيق مجموعة ثرية من الكتب التي تسامر أرض العراق، أذكر منها: بغداد: سيرة ومدينة – لمؤلفه: ناجي جواد / بغداد في العشرينات – لمؤلفه: عباس بغدادي / يوميات بغدادية – – لمؤلفته: نهى الراضي / ديوان التفتاف أو حكايات بغدادية – لمؤلفه: الأب أنستاس ماري الكرملي / بغداد: ملامح مدينة في ذاكرة الستينات – لمؤلفه: جمال حيدر / الكلية الطبية الملكية العراقية من خلال سيرة ذاتية – جزء1 1940-1946 – لمؤلفه: د. سالم الدملوجي / ثرثرة فوق دجلة: حكايات التبشير المسيحي في العراق 1935:1900 – لمؤلفه: خالد البسام / معتزلة البصرة وبغداد – لمؤلفه: د. رشيد الخيون / متصوفة بغداد – لمؤلفه: عزيز السيد جاسم / شارع الرشيد – لمؤلفه: باسم عبدالحميد حمودي / العراق في رسائل المس بيل 1917-1926 – إصدار: الدار العربية للموسوعات

وليس أجمل في ختام هذه التدوينة، من الخاطرة التي سنحت على قلب الإنجليزي جون جاكسون، والسلسبيل الذي لم يرتوِ بمثله قط في حياته، وهو يقول: “ولا أستطيع أن أغادر الفرات دون أن أشيد بعذوبة مياهه التي كانت ألذ ماء في حياتي. ومع أنه موحل عندما يؤخذ لأول مرة إلا أنه سرعان ما يصبح صافياً تماماً، وعندما كنت أتناول هذا الماء لم أكن أجد رغبة في تناول الخمر أو أية مشروبات روحية اخرى”.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (54) في قائمة حوت (55) كتاب، قرأتهم عام 2021. لقد اقتنيت هذا الكتاب عام 2000 وقت صدوره بالتقريب، وبقي فوق أرفف مكتبتي لم اقرأه حتى شاء القدر أن اختاره ضمن الكتب التي سأختم بها المجموعة المخصصة لعام 2021، لكنه سيبقى مرتبطاً بذاكرتي بذكرى مختلفة عندما شاء القدر أمر ما! فقد أخذته معي إلى عيادة الطبيب الذي علمت أن انتظاري لديه سيطول، لكنه كان أطول مما تصورت، فقرأته هناك من الجلدة إلى الجلدة حتى غابت الشمس .. ثم حصل ما لم يكن بالحسبان!.

 

تاريخ النشر: أغسطس 11, 2022

عدد القراءات:35 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.