الكتاب
شخصية الفرد العراقي
المؤلف
دار النشر
دار الوراق للطباعة والنشر
الطبعة
(2) 2009
عدد الصفحات
80
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
11/03/2021
التصنيف
الموضوع
ازدواجية الشخصية بفعل الموروث الاجتماعي
درجة التقييم

شخصية الفرد العراقي

كتاب أصدره الباحث -رحمه الله- عام 1951، غير أن ما ورد فيه من سمات شخصية عامة تطبع الإنسان العربي بدمغة خاصة، لا تزال ماثلة في عصرنا الحالي، وكأنه كتاب وليد اللحظة .. غير أنه يختص بالعراقي منه، حيث يلحق بعنوان الكتاب العريض، عنوان فرعي يحدد إطاره في: (بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث).

الكتاب القصير عبارة عن محتوى لمحاضرة ألقاها الباحث في إحدى الأمسيات، يقسّمها إلى قسمين: الأول يأخذ الطابع النظري الأكاديمي الذي يتطرق بشكل عام إلى مفهوم الشخصية من منظور علم الاجتماع، وهو العلم الذي يختلف في مجاله عن علم النفس، وقد تم تجاهله كثيراً على حساب العلم الأخير، مع حرص الباحث على التأكيد أن محاضرته لا تأخذ بالضرورة الطابع العلمي. لذا، فهو يعتبر أن القسم الثاني منها بمثابة اجتهاداً جاء به من أجل إسقاط هذا المفهوم العام على شخصية الإنسان العراقي، وأهاب بزملائه المفكرين بالتصدي له، إن شاءوا.

إنه د. علي حسين الوردي (1913 : 1995)، عالم الاجتماع الرائد في العالم العربي المعاصر. وُلد في مدينة الكاظمية إحدى ضواحي بغداد لأسرة عمل أسلافها في مهنة تقطير ماء الورد، أخذت عنها لقبها، بالإضافة إلى مكانتها العلمية البارزة، حيث ابتُعث ابنها لتحصيل تعليمه الجامعي في الجامعة الأمريكية في بيروت بعد تفوقه في الدراسة الثانوية، فاستكمله مع مرتبة الشرف، وما لبث أن ابتُعث إلى جامعة تكساس في أميركا لينال منها درجتي الماجستير في (سوسيولوجيا الإسلام) والدكتوراة في (نظرية المعرفة عند ابن خلدون)، ليعود بعدهما إلى أرض الوطن ويكرّس جلّ حياته في التدريس والتأليف. له العديد من المؤلفات العلمية والفكرية والتاريخية التي تصبّ في مجاله.

يعتقد الباحث العراقي -وهو يتحدث بلسان بني جلدته- أن الفرد العراقي قد أثرت في بلورة شخصيته عدة عوامل! إذ تتسم شخصيته بالازدواجية بين القيم المثلى والواقعية، لا سيما بتأثير من قيم البداوة التي زحفت على مجتمعه المدني، الزراعي في أصله، وذلك لأسباب مجاورته للصحراء التي تحتل غالبية المساحة الجغرافية، وسيطرة رجال الدين الذين يمتثلون لأوامر السلطان، والفصل المقيت بين الرجل والمرأة، وحجاب المرأة الذي عمل على عزلها عن المجتمع وعلى عزل الرجل عنها ما أدى إلى تفشي السلوك الجنسي المنحرف، والتنشئة الطوباوية التي يتلقّاها الطفل في الكتاتيب لا سيما على السمع والطاعة وهي تأمر باعتناق قيم عليا، حتى إذا التقى بأقرانه في الأزقة الضيقة، أخذ يتبارى معهم في إظهار القوة والغلبة، وكأنهم يتحدثون بلغة الغاب. إن هذه الظروف من شأنها لا محالة، تأصيل خُلُق الازدواجية في شخصية من تحيط به، إذ “كثيراً ما نرى الناس يناقضون أنفسهم ولا يشعرون بذلك، فإذا تحرينا السبب وجدنا أنهم قد يقولون قولاً أثناء تقمصهم لنفس معينة من نفوسهم العديدة، فإذا تحولوا إلى نفس أخرى تراهم قد اندفعوا إلى القول بما يناقض قولهم الأول وهم لا يشعرون”.

ومن الكتاب الذي جمع من رصيد أنجمي الخماسي أربعاً، أدون ما جال في ذهني بعد القراءة عن شخصية الفرد العراقي، مادة البحث، وباقتباس في نص حاد (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

  • يتعرض الباحث -وهو يتناول العائلة العراقية- لظاهرة يُطلق عليها في علم الاجتماع بـ “التجزؤ”، وهي الظاهرة التي تشهد انقساماً “في أسلوب الحياة بين الرجل والمرأة والطفل”، فإذا كانت العائلة في جوهرها تتكون من ثلاثة عناصر رئيسية: الرجل والمرأة والطفل، لوحظ أن كل عنصر منهم قد اتخذ مجالاً في الحياة يختلف عن مجال الآخر! “فالمرأة مجالها البيت لا ينبغي أن تحيد عنه، والرجل مجاله في أوقات فراغه المقهى، بينما يذهب الطفل إلى الزقاق يتسكع فيه مع أقرانه”، وهو تجزؤ عائلي قلّما شهدت مثيله المجتمعات البشرية، إذ أن “العراق مشهور بمقاهيه، وهي على كثرة عددها تغصّ بالرجال، ففي أصغر قرية كما في أكبر مدينة في العراق، تجد المقاهي منتشرة انتشاراً فظيعاً. ولعل هذه الظاهرة سببها حجاب المرأة أولاً وتعالي الرجل على المكوث معها في البيت ثانياً. فقد نشأت عندنا قيم تجعل من المرأة جنساً أقل منزلة من الرجل وأضعف عقلاً بحيث يشعر الرجل إزائها بالتعالي والكبرياء. فإذا علم الناس برجل يكثر من المكوث في بيته مع امرأته وأولاده اتهم بالتخنث، ولدينا من الأمثال السائرة عدد لا بأس به يدل على انتشار هذه القيم الاجتماعية بيننا”.  يحيل الباحث هذه القيم المتأصلة في المجتمع العراقي إلى المجتمع البدوي الذي يحتل فيه الرجل مكانة أعلى من المرأة، كونه محارباً شجاعاً، فيستطرد موضحاً: “ولعل هذه القيم قد جاءتنا من البداوة، فالمجتمع البدوي مجتمع غزو وحرب، والرجل وحده هو الذي يقوم بمهمة الحرب والنضال، أما المرأة فتعتبر مهمتها أخفض درجة من مهمة الرجل، ولذا ينظر إليها بعين الاستصغار والمهانة. والبدو يطلقون على من يكثر من مجالسة النساء لقب «زير النساء» وهو لقب يصعب على البدوي تحمله. إنه إذن مضطر أن يقضي أغلب أوقاته في ديوان الشيخ ليتحدث هناك مع أقرانه أحاديث البطولة وأقاصيص الغزو والشجاعة”. لا غرابة إذاً أن يُطبع مجتمع المدينة بصبغة بدوية، يقضي فيه الرجل أغلب ساعات يومه خارج بيته، كمتطلب تحتّمه الرجولة، وأن تستسلم المرأة لقدرها الذي جعل من ملازمة بيتها دليلاً دامغاً على شرفها. فيستمر الباحث مستكملاً حديثه الذي ابتدأه قائلاً: “ولقد اقتبسنا هذه العادة من البداوة، حيث تحول ديوان الصحراء إلى مقهى في المدينة، وبذلك أصبح الرجل لا يكاد يلقف طعامه في بيته حتى يخطف عباءته ويذهب إلى المقهى، وهو إذن لا يرى البيت إلا ساعات الطعام والمنام وهي ساعات غير مجدية. أما المرأة فقد تعودت أن تقبع في بيتها وأن تعتقد بفضل ذلك وبدلالته على العفة والشرف، فهي قد لقنت منذ الطفولة على أن تكون محجبة لا تخرج من البيت إلا عند الضرورة القصوى. وأنا أعرف مدينة عراقية يفخر أهلها بأن نساءهم لا يشاهدون في الشوارع إلا نادراً، فإذا اضطرت إحداهن إلى الخروج حاولت أن تتجنب الطرق المزدحمة لكي لا يُرى هيكلها المحجب على أية حال”. إن وضعاً خانقاً كهذا لا بد وأن يُستتبع بنتائج تضر بصحة أفراده الاجتماعية، إذ يخلق كلاً من الرجل والمرأة قيماً خاصة به بالإضافة إلى ما تأثر به من قواعد اجتماعية خلقت فصلاً غير مبرر بينهما. فيستنتج الباحث انبثاق تناقضات عديدة وازدواجية في الشخصية، إذ يقول: “ولهذا تجد البيت العراقي قد أصبح عالماً قائماً بذاته له قيمه الخاصة به وقواعده التي تختلف عن قواعد العالم الرجالي تماماً. وهذا بلا ريب يساعد على نمو الازدواج في شخصيتي الرجل والمرأة معاً. إذ إن كلا منهما قد يتأثر بقيم الجنس الآخر بصورة شعورية أو لاشعورية بالإضافة إلى قيمه الخاصة بجنسه، وبذا ينشأ في شخصيته نظامان متناقضان من القيم. وقد نلاحظ في رجالنا ونسائنا كثيراً من المتناقضات التي يمكننا أن نعزوها إلى هذا الانفصال الشديد بين عالم المرأة وعالم الرجل”. لا يقف الأمر عند حد التناقض والازدواجية والقيم التي لا أساس لها، بل يتعدى إلى خلق حالة من الانحراف الجنسي كنتيجة حتمية للفصل غير الطبيعي بين الرجل والمرأة، فيقول: “وبالإضافة إلى ذلك نجد أن هذا الانفصال يؤدي في كثير من الأحيان إلى الانحراف الجنسي. فقد ثبت علمياً بأن الانحراف الجنسي في الغالب اكتسابي، يسببه انفصال المرأة عن الرجل كما هو الحال في الجنود الذين يظلون في ميدان الحرب مدة طويلة بعيدين عن النساء، وكذلك في البحارة والسجناء وغيرهم ممن لا يتصل بالمرأة إلا قليلاً”.  يعود الباحث إلى مجتمعه العراقي ولا يتوانى عن كشف ستار هذا النوع من الانحراف الذي لا يُستهان بمدى انتشاره فيه، حيث: “في العراق نجد الانحراف الجنسي منتشراً بسبب هذا الانفصال الفظيع بين الرجل والمرأة، ولهذا نجد أغلب أغانينا تخاطب الحبيب بلفظ المذكر، الأمر الذي يندر أن نلاحظه في البلاد الأخرى. وأغلب أشعارنا الغزلية نؤاسية، أي هائمة بنفس الحب الذي هام به المنكوب أبي نواس. ولسوء حظنا أن العراق كان مهد الحجـاب الأول وانتشاره في الحاضرة الإسلامية وكذلك كان مهبط الوحي على أبي نواس”. غير أن لهذا الانحراف الدور الأكبر في خلق حالة الازدواجية التي يتقمّصها المنحرف باتقان، كما يعتقد الباحث، إذ أن “المنحرف جنسياً يزداد فيه داء ازدواج الشخصية، فهو شخص يضمر غير ما يظهر، وهو إذن مضطر أن يتظاهر أمام الناس بغير ما في قرارة نفسه، ولذا تجد له شخصيتين، شخصية يتظاهر بها أمام الناس وشخصية أخرى يسعى بها وراء لذاته المنحرفة”.
  • يتصدى الباحث لتحليل كل تلك الظواهر الاجتماعية التي تعترك على صعيد الفرد العراقي نفسه، وهو يبني رأيه على دوافع البشر الثلاث الرئيسية للحياة، حسب اتفاق الباحثين: دافع الحياة، دافع الجنس، دافع القوة .. وهي الدوافع ذاتها التي جوبهت بقدر لا يُستهان به من الكبت في المجتمع العراقي. فيقول: “إن هذه الظاهرة النفسية في العراق يمكن تفسيرها بما في عقولنا الباطنة من دوافع مكبوتة تحاول التنفيس: فالدافع الجنسي مكبوت لشدة الحجاب، ودافع القوة مكبوت لسيادة الاستعباد في العراق منذ مئات السنين، ودافع الحياة مكبوت لما توالى في العراق من مجاعات وأوبئة وحروب وفيضانات. وبذلك أصبحت في نفوسنا عقد جمة أو كوامن مكبوتة تحاول الظهور تحت قناع الانتقاد أو الشغب أو شدة الاعتراض، فالمنتقد منا لا يهمه أي شخص ينتقده، هو يريد أن ينفيه عن مكبوتات نفسه، فيوجه الضربات هنا وهناك، هدفه في الضرب وليس في المضروب”. وهذا الإسقاط النفسي، وتكالب المغلوبين على نهش بعضهم البعض وهم يرزحون تحت سطوة السلطان ووعّاظه، يُفقد الشخصية اتساقها العام، فتتصدع وتزدوج، أو كما يقول الباحث: “وهذه الظاهرة تؤدي بلا ريب إلى زيادة الازدواج في الشخصية، لأن الانتقاد يأخذ غالباً صورة الحجة المنطقية والبرهان المثالي. والعراقي إذن ينتقد بأسلوب ويسلك بأسلوب، يناقض نفسه ولا يدري .. إنه يهاجمك ويشتمك لأنك في زعمه قد حدث عن بعض المثل العليا، ثم تراه عند الاستطاعة يقوم بنفس العمل الذي يشتمك عليه، وهو مرتاح الضمير كأنه لم يعمل شيئاً”.

إضافة إلى (شخصية الفرد العراقي)، تصطف هذه المجموعة من إصدارات المؤلف فوق أرفف مكتبتي الغرّاء، منها ما قرأت ومنها على قائمة الانتظار: وعاظ السلاطين، مهزلة العقل البشري، هكذا قتلوا قرة العين، في الطبيعة البشرية، أسطورة الأدب الرفيع، قصة الأشراف وابن سعود، الأحلام بين العلم والعقيدة، دراسة في سوسيولوجيا الإسلام، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، الأخلاق: الضائع من الموارد الخلقية، خوارق اللاشعور أو أسرار الشخصية الناجحة، منطق ابن خلدون: في ضوء حضارته وشخصيته.

وأختم بما ضرب الباحث مثلاً في ازدواجية موقف الرجل العربي تجاه المرأة، إذ أن: “كثيراً ما نرى من بين أصدقائنا من يتغير تماماً في جميع حركاته وسكناته حالما يشاهد امرأة أو زمرة من النساء على مقربة منه، ونستطيع القول إنه يتغير آنذاك حتى في منطقه وأسلوب تفكيره، فهو ربما كان عدو المرأة إذا كان بعيداً عنها، ولكنه يصبح على مقربة منها من أكبر المدافعين عنها والداعين إلى إعطاء حقوقها كاملة غير منقوصة”.

إنه موقف لا يحيد عمّا جاد به شاعر المرأة (نزر قباني) من حكمة حين قال على لسان أحدهم: أكرهها .. وأشتهي وصلها!

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (28) في قائمة حوت (55) كتاب، قرأتهم عام 2021، وقد حصلت عليه من متجر جملون الإلكتروني للكتب العربية في ديسمبر عام 2020، ضمن (55) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من تلك الشحنة!.

 

تاريخ النشر: يوليو 15, 2022

عدد القراءات:16 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.