BOOK0758
الكتاب
رحلة إلى البلدان الاشتراكية
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
De viaje por los países socialistas: 90 días en la "Cortina de hierro" - Gabriel García Márquez
المترجم/المحقق
وضاح محمود
دار النشر
دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2024
عدد الصفحات
190
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
01/29/2026
التصنيف
الموضوع
رحلة صحفي إلى عالم منضبط وإنسان مقيّد
درجة التقييم

رحلة إلى البلدان الاشتراكية

حين تسافر العدالة وتضيع الحرية ….. ومع رحلة ماركيز في العالم الاشتراكي!

هنا تسفر الاشتراكية كما عايشها الخاضعين لها لا كما تم الترويج لها، بقلم صحفي محايد رحل بحثاً عن الإنسان قبل الأيديولوجيا، في عالم غاية في الانضباط، تحت ستار حديدي هش، ومن خلال تسعين يوماً عاشها خلف الفكرة .. وكما جاءت في عنوان يومياته الفرعي: (90 يوماً وراء الستار الحديدي)!

إنه (غابرييل غارسيا ماركيز 1927 : 2014)، الكاتب والصحفي الكولومبي، الذي يُعد أحد أعمدة الأدب العالمي في القرن العشرين، ونال جائزة نوبل للآداب عام 1982، وخلّف إرثاً أدبياً صنع لأميركا اللاتينية صوتاً كونياً لا يُخطئه القارئ.

فهذا الكتاب هو سجل رحلة، لا سياحة ولا دعاية أيديولوجية، حيث رحل ماركيز إلى العالم الاشتراكي لا كمؤيد أو معارض، بل كشاهد يقيس الواقع بميزان التجربة اليومية. فعلى مدى تسعين يوماً، يتنقّل ورفاقه بين بلدان المعسكر الاشتراكي في ذروة الحرب الباردة، خلف ما كان يُعرف حينها بـ (الستار الحديدي)، ليعاين من الداخل ما كانت تُقدّمه تلك الأنظمة عن نفسها، وما كانت تخفيه في حياتها العادية.

لا ينطلق ماركيز في رحلته من موقف عدائي مُسبق، بل إنه يحمل معه قدر من التعاطف الفكري مع المشروع الاشتراكي الذي وعد بالعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، في حين أن ما واجهه على الأرض لم تكن النظرية الجرداء بل الإنسان على فطرته .. العامل، الموظف، الجندي، المثقف الخائف، المرأة في الطابور …… أو بعبارة أصدق: المواطن الذي يعيش في ظل دولة شمولية تُنظّم حياته بدقة، لكنها تُفرغه من المبادرة والحرية. فيسجّل تفاصيل الحياة اليومية بدقة لافتة .. الشوارع النظيفة، أجواء المدن الباردة، النظام الصارم، الحضور الطاغي للدولة، وفرة بعض الخدمات مقابل شُحّ السلع البسيطة، الشعور العام بالأمان المادي المصحوب بفقر رمزي وروحي … وهو يلحظ تحوّل الخطاب الثوري إلى لغة رسمية جامدة، واستبدال الأسئلة الكبرى بالشعارات الفارغة، وفرض الانضباط كبديل عن الإبداع.

أحد أهم خيوط الكتاب هو مفارقة الإنسان الاشتراكي! إنه فرد لا يفتقر إلى الطعام بقدر ما يفتقد المعنى .. لا يخشى البطالة ولكنه يخاف الكلام .. يعيش داخل نظام يَعده بالمستقبل بينما يسلبه الحاضر! كل هذا وأكثر .. حيث يرصد ماركيز الخوف غير المعلن، والرقابة الصامتة، والحذر في الحديث، والتناقض بين الصورة التي تُقدَّم للزائر الأجنبي والواقع الذي يلمسه خارج الجولات الرسمية. يتوقف من ناحية أخرى على وضع المثقفين والفنانين، حيث يرى أن الثقافة السائدة ليست مجالاً حراً، بل أداة سياسية تُكافئ المطيع وتقصي المختلف، وهو بهذا لا يهاجم الاشتراكية كفكرة، بقدر ما يفضح تحولها عملياً إلى بيروقراطية مقيتة، تستبدل استغلال السوق باستبداد الدولة.

أعتقد أن أسلوب ماركيز في هذا الكتاب يسبق شهرته الروائية الكبرى، وهو لا يزال يحمل بذور صوته الخاص! حيث: السرد، التصوير، الملاحظة الإنسانية الدقيقة، السخرية الرصينة لا التهكّم الفج .. كما أنه لا يُصدر أحكاماً مباشرة في حين يترك التفاصيل الصغيرة تفضح التناقضات الكبرى، وهو بهذا لا يقدم تقريراً سياسياً، إنما يضع نصاً جامعاً للصحافة والأدب، بحيث عرض رحلته كوسيلة لفهم الإنسان داخل الأنظمة المغلقة.

في العمق، لا يتناول هذا الكتاب الاشتراكية وحسب، بل يرسم الصورة التي تصف تحوّل الأيديولوجيا إلى نظام شامل، تطالب الإنسان بالعيش داخل فكرة، لا داخل الحياة .. لذا، أجده نصاً حياً حتى بعد تغير الجغرافيا السياسية التي كُتب عنها.

هل من مزايا وعيوب؟ نعم .. فيما يلي:

المزايا:

  • نزاهة الموقف: لا يكتب الصحفي من موقع الدعاية ولا من موقع العداء، بل من موقع الشاهد، وهو ما يمنح النص مصداقية عالية.
  • قيمة توثيقية وإنسانية: يؤرّخ للحياة اليومية كما للسياسات الكبرى خلف الستار الحديدي.
  • أسلوب أدبي لافت: يجمع بين العمل الصحفي والسرد الأدبي، دون أن يفقد وضوحه أو موضوعيته.
  • تفكيك أيديولوجي: يميّز بين الفكرة ومآلاتها الواقعية، دون تبسيط أو تشويه متعمّد.

العيوب:

  • المحدودية: رحلة قصيرة نسبياً، ما يجعل بعض الأحكام مبنية على انطباعات عابرة لا على معايشة طويلة.
  • الحضور الشخصي: تأثر نظرة الصحفي في بعض الأجزاء بخلفيته الثقافية والسياسية، وقد لا تكون محايدة تماماً.
  • التحليل السطحي: يفتقر للتفكيك الفلسفي المعمّق للاشتراكية، فهو أقرب إلى الوصف منه إلى التنظير.

ختاماً أقول عن الكتاب الذي جاء في ترجمة متقنة من نصّه الأصلي (De viaje por los países socialistas: 90 días en la “Cortina de hierro” – Gabriel García Márquez): إنه كتاب لا يُدين نظام ولا يُبرّئ إنسان، بل يكشف عن كليهما، وحيث تكمن قيمته الأولى في تحديد المشكلة التي لا تكمن في الحلم نفسه، بل في سجنه ضمن قفص تحدّه قيود وهمية، وفي قيمة الإنسان كمقياس حقيقي لكل فكرة كبرى وخلف أي نظام.

إنه كتاب يليق به أن يُقرأ اليوم، كتاريخ وكجرس تنبيه ضد سطوة الأيديولوجيات الكفيلة بتهميش الإنسان.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (8) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيت قراءته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الماضي ضمن (240) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو ثامن ما قرأت في شهر يناير ضمن (10) كتب.

خاطرة في بداية العام: لقد ختمت عامي 2024 و 2025 بـ (150 كتاب) في كليهما، الأمر الذي يرفع من حماسي في تحقيق مستوى تحدٍ للذات، أعلى، في العام الحالي .. وهو العام الذي أطلقت عليه: “عام الوعي لا عام الكم”.

من فعاليات الشهر: كعادة كل عام، يسجل الشهر الأول منه في قائمة أعماله، ما تبقى من أعمال آخر شهر في العام السابق، والتي لم تتم في وقتها، فتستقطع عملية إتمامها من الوقت المخصص للقراءة! لا بأس، فالأشهر القادمة تتكفل بالتعويض!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: الدرس الفلسفي في المدارس الدينية

تسلسل الكتاب على المدونة: 758

تاريخ النشر: فبراير 1, 2026

عدد القراءات:149 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *