الكتاب
رائحة الدم
المؤلف
دار النشر
دار المعارف
الطبعة
(4) 1993
عدد الصفحات
113
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
06/28/2019
التصنيف
الموضوع
عشرة قصص تزخر بالحكمة
درجة التقييم

رائحة الدم

كتاب يضم عشرة قصص قصيرة لا تخلو من رموز وإشارات وتحمل معها قدر من علم وفكر وحكمة!. ففي القصة الأولى (الحصان) يدفع أضعف خلق الله ثمن جرائم الكبار، والقصة الثانية (الشيء المجهول) فتفيد بأن الغاية تعطي للحياة حياة، بينما تؤكد القصة الثالثة (أنشودة الدم) أن المظلوم سيقتص من الظالم يوماً وإن طال الزمان به أو قصر، أما القصة الرابعة (رعشة) فيظهر ضعف الإنسان كأصل راسخ مهما علا، في حين أن القصة الخامسة (حياة الأعزب) تفضح كل مكابر، وكذلك القصة السادسة (الراهبة والميكروسكوب) تعيد الإنسان إلى فطرته، إلا أن القصة السابعة (السجين) تعكس شيء من سخرية القدر، وعن القصة الثامنة (مادة الأحلام) ففيها تنهار الأحلام عندما تصطدم بالحقيقة، وفي القصة التاسعة (رسالة من الجحيم) تظهر النفس المادية في أخلاقها، حتى تختم القصة العاشرة (درس في الخشونة) بدرس قاسٍ لمن يقول ما لا يفعل.

يحظى الكتاب بثلاثة نجمات من رصيد انجمي الخماسي، ومنه أقتبس في نص عبق ما جاء عن نقاء الفطرة السوية في عفافها ورغائبها، كما جاءت في قصة (الراهبة والميكروسكوب)، التي تنتهي بحب مختلف نحو الله (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

إنها الراهبة الشابة تيريزا التي تقطن إحدى الأديرة تعلّم الصغيرات علم الأحياء، وهنّ اللاتي شغفن بها وبحديثها الساحر .. وهي التي حين كرّست روحها وعقلها وجسدها للتفكر في ملكوت الله، قد أخذ منها علم الأحياء مأخذاً وهي تستغرق في أسرار الله الكامنة فيه فيعكس لديها عجائب صنائع الله في خلقه، وهي التي كانت تتحدث بإجلال عن الأب المستنير (جريجور مندل) الذي عكف على أزهار حديقته يتأملها ويلاقح بينها ويجري عليها تجاربه، حتى وضع قانونه الشهير في الوراثة، وقد اعتبر الرهبانية عملاً مكرّساً لخدمة الناس، لا اعتكافاً للصلاة في صومعة صحراوية .. وقد كان هذا الشغف هو ما دفع برئيسة المدرسة التي تُعلّم فيها الراهبة إيفادها لتحصيل درجة الماجستير في هذا العلم، فأصبحت تعلّم الطالبات صباحاً وتنطلق إلى كليتها مساءً لتتعرف على حياة جديدة وأناس جدد، وتعشق من جديد ما بدأت تعاينه حياً تحت شرائح الميكروسكوب في المختبر .. ولقد كانت الجميلة في أعين الجميع التي لم تكن تكترث بالجمال بل وتنظر إليه بمفهوم مختلف، مكتفية بابتسامتها العفوية نحو أي اطراء! ثم تأتي اللحظة الفاصلة التي تقلب حياة تيريزا من راهبة إلى إنسانة مقبلة على الحياة بحب آخر لم تعهده في الدير، إذ تقرر رئيسة المدرسة تكليفها الإشراف على رحلة المصيف مع الطالبات ومع بقية الراهبات على إحدى الشواطئ المعزولة، بعيداً عن الازدحام والضوضاء. وهناك، تبدأ رحلة في التعرف على أسرار خلق الله في ذاتها وكيانها وجسدها وقلبها، وتلتقي بالطبيعة لأول مرة .. بالسماء بالليل بالصمت بالسكون بالتراب بالبحر الذي يحتضن جسدها الفاتن لأول مرة بعد أن كان يرزح تحت جلابيب سوداء فضفاضة، وتتفجر لديها ينابيع الحب والنشوة دفعة واحدة. فتقول في خاطرة راودتها بعد ذلك: “رأيت البراءة حولي في كل شيء، وتساءلت في حيرة: لماذا لم يقل لنا الآباء الذين عاشوا حياتهم يتأملون الزهر والثمر وانقطعوا في البرية يستمعون إلى الطير ويصغون إلى وحوش الفلاء، ما قالت لهم الرمال والفيافي والنجوع الخضر، أم أنهم لم يسمعوا شيئا، ولم يفهموا تلك الصرخة التي تصرخ بها كل الأحياء في ضراعة لكي تستمر وتخلد؟. لماذا وصموا كل شيء بوصمة الخطيئة؟ وكيف تكون الطبيعة خطيئة؟ وكيف تكون أعضائها خطيئة؟ وكيف تمحو إرادة الله ما رسمته إرادة الله؟ إلهي بوركت يدك التي رسمت الجمال على كل الخلائق .. إلهي ما أجمل كتابك هذا الذي كتبته من سطور الليل والبحر والسماء والنجوم، ومن صفحات الموج وتغريد البلابل وزقزقة العصافير” ثم تتساءل بفطرة سليمة رغم أنوف المعاندين: “إلهي .. كيف أخجل من نفسي وقد خلقتني؟”.  

كتاب كنت قد قرأته وأنا في بواكير العشرينات، وها أنا أعود له مجدداً بعد مرور الأعوام لأتيقن بأن الفكر الحر كأصالة الذهب .. ولا يزال د. مصطفى محمود المفكر (الغائب الحاضر) بأصالة فكره، وصدق منهجه، وإخلاصه لما يعتنق.

رحمه الله

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (35) في قائمة ضمت (85) كتاب، قرأتهم عام 2019 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط! وقد قرأته ضمن مجموعة إصدارات للمؤلف خلال أسبوع خصصته لإعادة قراءتهم من جديد. أما عن هذا الكتاب تحديداً، فقد اقتنيته مع بدايات إصداره ضمن مجموعة كبيرة من إصدارات المؤلف حيث قرأتهم جميعاً آنذاك، والتي جاءت في طبعة منسوخة باستخدام الآلة الكاتبة على أوراق مصفرّة، والتي ازدادت اصفراراً حتى اللحظة.

 

تاريخ النشر: أبريل 27, 2022

عدد القراءات:110 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.