الكتاب
جهنم الصغرى
المؤلف
دار النشر
دار المعارف
الطبعة
(4) 1986
عدد الصفحات
76
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
06/28/2019
التصنيف
الموضوع
وجهنم الصغرى ليست سوى صناعة بشرية
درجة التقييم

جهنم الصغرى

ومن الحكمة ما يختزلها كلمات معدودة .. هكذا اختصرت المسرحية الدرامية طبيعة النفس البشرية في تركيبها المعقد، وما يؤول إليه مصيرها الأخروي جزاء الاختيار الحر، ووفقاً لما تأصل في طبيعتها في حياتها الدنيوية.

كم هي عجيبة تلك النفس التي بين جنبي الإنسان لو تفكّر “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا” .. وما جهنم الصغرى إلا صنعة الإنسان عندما يختار أن يخيب ويدسها بدلاً من أن يفلح فيزكيها .. وكم هو العجب أكبر عندما تأبى بعض النفوس إلا أن تخلص للشر المتأصل في أعماقها، ولو عادت لها الكرة وتعددت الاختيارات .. “وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ”.

ومن المسرحية التي تحصد نجمات أربع من رصيد أنجمي الخماسي، والتي صيغ الحوار بين أبطالها بالدارجة المصرية، أقتبس تصويراً عن مآل الميت وهو يراهم من حيث لا يرونه، في نص صادم (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

“وأدرك الحقيقة الهائلة فجأة! إنه لم يعد موجودا بالنسبة لهذا العالم .. إنه الآن في عالم آخر له قوانين أخرى وإيقاع زمنى مختلف، اليوم فيه بسنة. وهو من مكانه في هذا العالم يرى الدنيا ويتابعها ويسمعها ويشهدها، ولكن كما لو كانت نموذجا مصغراً من بعيد، يتعاقب فيه الليل والنهار بسرعة، وسكان هذه الدنيا لا يرونه ولا يسمعونه، ولكنه يراهم ويسمعهم. أسرع كالمجنون إلى بيته فوجد زوجته التي كان يخونها تخونه في فراشه مع أحد خدمه. اندفع في هياج مجنون يضرب الجسمين العاريين بقبضتيه فجاوبته ضحكات خليعة من المرأة ومزاح ماجن من عشيقها، ولاحظ أن يديه تنفذان في اللحم دون أن يشعر بها وكأنهما يدان له شبحيتان .. صرخ .. لم يلتفتا إليه ولم يسمعاه، واستغرقا فيما هم فيه من مجون فاجر. وتجمد في مكانه من المهانة ا والألم، ثم خلع قدميه وانسحب من هول المنظر! أسرع إلى أولاده الذين سرق وارتشى واختلس من اجلهم فوجدهم يلعنونه ويشتمونه ويذكرونه في سخرية. ذهب إلى المرأة التي عبدها حبًا طول عمره فسمعها بأذنيه وهي تميل بشعرها على رفيقها الجالس إلى جوارها في العربة البويك الجديدة، العربة التي أهداها لها منذ أيام ودفع ثمنها من دمه! سمعها بأذنيه تقول عنه لرفيقها: كنت أكرهه، وأشمئز من رائحة فمه الكريهة .. كان شيئا كالكابوس في حياتي .. لكم استرحت بموته، إذن فهو قد مات .. وهو الآن ميت! أو هو حي الحياة الأخرى في البرزخ، حيث يرى ويسمع ولا يراه أحد ولا يسمعه، وحيث يشاهد أعماله ويعاشر ذنوبه حتى تقوم الساعة”.

يُختم الكتاب بقصتين قصيرتين لا تنفصلان مضموناً عن المسرحية، ففي الأولى (الرجل)، يأتي من يكشف سرائر البشر ويقتص منهم علناً، وفي الثانية (البرزخ) تُكشف الحجب ويشهد الميت حقيقته عند من اعتبرهم أهله وأحبيته .. ويا لها من موتة أخرى.

استحضر وأنا أقرأ مسرحية د. مصطفى محمود هذه، مسرحية الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر (جلسة سرية) أو (الجحيم)، إذ تخلص كلاهما إلى أن البشر هم أنفسهم من يخلقون جحيمهم بأيديهم وبمحض إرادتهم وبكامل اختيارهم .. وذلك عندما تستحكم أنانية النفس البشرية المتأصلة ويستشري طَمَعها، فيصيب أحدهم نفسه ومن حوله معه.

كتاب كنت قد قرأته في بواكير العشرين، وها أنا أعود إليه مجدداً بعد مرور الأعوام، لأتيقن بأن الفكر الحر كأصالة الذهب .. ولا يزال د. مصطفى محمود المفكر (الغائب الحاضر) بأصالة فكره، وصدق منهجه، وإخلاصه لما يعتنق.

رحمه الله

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (33) في قائمة ضمت (85) كتاب، قرأتهم عام 2019 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط! وقد قرأته ضمن مجموعة إصدارات للمؤلف خلال أسبوع خصصته لإعادة قراءتهم من جديد. أما عن هذا الكتاب تحديداً، فقد اقتنيته مع بدايات إصداره ضمن مجموعة كبيرة من إصدارات المؤلف حيث قرأتهم جميعاً آنذاك، والتي جاءت في طبعة منسوخة باستخدام الآلة الكاتبة على أوراق مصفرّة، والتي ازدادت اصفراراً حتى اللحظة.

 

تاريخ النشر: أبريل 26, 2022

عدد القراءات:35 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.