الكتاب
تأثيرات عربية في روايات أسبانية
المؤلف
المترجم/المحقق
عبداللطيف عبدالحليم
دار النشر
الدار المصرية اللبنانية
الطبعة
(1) 2009
عدد الصفحات
166
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/13/2019
التصنيف
الموضوع
مرادفات في أدب الرواية بين ثقافتين مختلفتين
درجة التقييم

تأثيرات عربية في روايات أسبانية

تعتبر الثقافة كسلوك اجتماعي من أحد العوامل البارزة التي تؤثر في آداب الشعوب وتطبعها بطابعها المميز .. في العقيدة والفكر واللغة والفنون والعمارة والأطعمة والأزياء والطقوس والعادات وغيرها، ولا يخفى على كل مطّلع، أثر الحضارة العربية والإسلامية في دمغ حضارات الأمم التي عاشت في ظلها، حين ازدهرت وامتدت من المشرق في الهند وفارس وتركيا، إلى المغرب في أوروبا إبان العصور الوسطى.

وفي الكتاب الذي بين أيدينا، يجتهد المترجم بتقديم دراسة مبسّطة في الأدب المقارن بين التراث العربي والتراث الأسباني، وبالتحديد في (الرواية) كلون أدبي مؤثر، مستعيناً بمجموعة من الدراسات المتفرقة التي نشرها المستشرق الحصيف/ فرناندو دي لاجرانخا السنتمري (نسبة إلى سانتا ماريا) في مجلة الأندلس الأكثر شهرة، وهو أحد الأدباء الأسبان الدارسين والمنصفين للأدب العربي. وقد دلل بموضوعية على دور الموريسكيين أو العرب والمسلمين الأندلسيين، في إثراء القصص الشعبية الأسبانية، وهو بذلك يعزز أهمية هذه الدراسة في إثراء الموروث الأندلسي .. التاريخي والفكري والأدبي.

قد تغني هذه المقدمة القصيرة للتعريف عن الكتاب وإيضاح هدفه، إلا أن النماذج التالية من القصص موضع المقارنة تعطي معنى أكثر وضوحاً، وقد عرض فهرس الكتاب عشرة قصص مترادفة بين الموروثين، بالإضافة إلى إهداء المترجم وكلمته وقائمة عن إصداراته الأخرى. هي كالآتي:-

  • القصة الأولى: (الفقر بعد الغنى).

يعرض دون خوان مانويل هذه القصة في كتابه (الكونت لو كانور) والذي يعود إلى القرن الرابع عشر، وهي تحكي قصة رجل فقد ثروته الواسعة، وبلغ منه الفقر مبلغاً إلى الحد الذي لم يجد في إحدى حالات جوعه البائس سوى حبات من الترمس ليسده، فبكى بكاءً مراً مسترجعاً أيام عزه، ولم يُعزّه سوى مشهد الرجل الذي شابه حاله السابق ومآله وهو يلتقط قشور الترمس الذي كان يرميه ليسد به جوعه هو أيضاً. ويلخّص الكاتب المغزى من هذه القصة مستعيناً ببيت الشعر الذي ختم به خوان مانويل القصة كعادته في ضرب الأمثال، قائلاً: “لا تقنطن أبداً من الفقر … فهناك أسوأ منك في العسر”.

أيضاً، عُرضت هذه القصة من خلال مسرحية (الحياة حلم) للكاتب بدرو دي لا باركا، في القرن السابع عشر! ففي المشهد العاشر، ينشد البطل وهو يأكل العشب ليطرح بقاياه جانباً، مستفسراً عمن هو أسوأ منه حالاً، ليدير رأسه فيجد عالماً أشد فقراً منه يأكل ما يطرحه.

أما الرواية العربية فتأتي على لسان بطلها عبدالرحمن القنازعي القرطبي الذي عاش في القرن الثامن وقد كان فقيها وعالماً ومستبصراً بالأدب، من خلال إحدى مصنفات المؤرخ الأندلسي ابن بشكوال، والذي يحكي فيه بعض من أخبار أعيان الأندلس آنذاك. يقصّ القنازعي ما شهده في أحد الأعياد وقد كان على ضفاف نهر النيل في مصر عندما انصرف الناس وهو يتأسى ببعض حبات الترمس يأكلها ويرمي بقشرها إلى منحدر أسفله، وهو يندب حظه ويتساءل إن كان في هذا العيد من هو أسوأ حالاً منه!؟ فإذا بأحدهم يجول في الأسفل ويلتقط ما كان يرميه من قشور الترمس ليأكلها! حينها، يدرك إشارة الله إليه ويشكره عز وجل.

عند هذا لا يتردد الكاتب في الاعتقاد بأن الروايتين الإسبانيتين قد جاءت كترجمة نصيّة للرواية العربية، ثم يستفيض من خلال تحليل أدبي، كأن يلاحظ خلو الرواية الأسبانية من التعريف بالأشخاص والأمكنة، في حين تعبق الرواية العربية بأجواء إسلامية خالصة، مع التعريف ببطل القصة وبزمانه ومكانه.

  • القصة الثانية: (الخطيب الذي يرتج عليه).

وهي قصة قد تكررت في عدة مصادر، إذ يذكرها لويس دي بينيدو في كتابه (النوادر)، وابن عاصم الغرناطي في كتابه (حدائق الأزاهر)، وتوجد في (نوادر جحا الكبرى) التي ترجمها حكمت شريف من التركية إلى العربية، كما يذكرها رينيه باسيه أيضاً تحت (رواية لحكاية جحا) في كتابه (ألف حكاية وحكاية)، وتُذكر أيضاً في الأدب الإيطالي من خلال البطل بيوبانو أرلوتو، وكذلك في الأدب الأوكراني.

في رواية بينيدو، يصل طالب من شلمنقة إلى قرية جبلية وهو لا يُعرف له علم ولا صنعة، فيلّح عليه أهل القرية لخطبتهم، فلا يجد مفراً من صعود المنبر وسؤالهم بعد تفكير عما إذا كانوا يعلمون ما سيخبرهم به!؟ وعندما رد أحد الحاضرين بعلم بعضهم وعدم علم البعض الآخر، رد ناصحاً بأن يخبر الذي يعلم من لا يعلم، وعليه يعلم الجميع ما أراد إخبارهم .. ثم ينزل عن المنبر.

وفي حدائق الأزاهر لابن عاصم، يصعد بطل القصة أبو العنبس أحد منابر الطائف في يوم جمعة، وقد ارتج عليه بعد الثناء على الله وقوله “أما بعد”، إذ سأل الحضور عن علمهم بما سيقول!؟ وحين اجابوا بلا نزل وهو يخبرهم بعدم فائدة ما سيخبرهم طالما أنهم لا يعلمون. وفي الجمعة التالية أعاد سؤاله وأجاب الحاضرون بنعم في هذه المرة، فما كان منه إلا ان نزل موضحاً عدم حاجتهم لعلم ما يعلمون. فلما جاءت الجمعة الثالثة وأعاد سؤاله أجاب الحاضرون بذكاء بعلم بعضهم وجهل بعضهم، فإذا به ينزل ويطلب أن يُعلم من يَعلم من لا يَعلم.

وفي مراجعة الروايتين، يرى الكاتب أن الرواية الاسبانية أتت مقتضبة السرد غير معروف بطلها، في حين جاءت الرواية العربية مفصّلة وأكثر طرافة، بل ومعرّفة ببطلها أبو العنبس، وهو شاعر عُرف بالفطنة والذكاء كما جاء ذكره في معجم الأدباء عن الخطيب البغدادي. غير أن الطابع الديني لازم الروايتين، إذ يقابل منبر المسجد عند أهل الطائف المسلمين، منبر الكنيسة عند أهل شلمنقة النصارى، كما يعرض الكاتب جزء من الترجمة الحرفية للنص الأسباني عن النص العربي ذاته، ويعتقد من خلال بحثه أن الرواية العربية لها من الشهرة أكثر من نظيرتها الإسبانية.

  • القصة الثالثة: (الأعور الذي أصابه العمى).

تُروى هذه الرواية في الكتاب الممتع (الأيكة الأسبانية) للأديب سانتاكروث دي دوينياس، والذي يضم بين دفتيه عدد جيد من الحكايات ذات الأصل العربي! ففي فصل (العميان) يصاب فارس برتغالي أعور بضربة في عينه السليمة، فيصاب بالعمى على إثرها ويقول للفرسان من حوله: “مسيتم بالخير يا صحاب”، وهو تعبير يستخدم بمعنى حرفي حين يحل المساء أو تُطفئ الأنوار، أو كتعبير مجازي في إنطفاء نور العين أو خسارة تجارة.

يعثر الكاتب على رديفة هذه الرواية عند الشاعر ابن عبد ربه القرطبي في كتابه (العقد الفريد)، إذ يقصّ عن أبو حاتم قصة الرجل الأعور الذي أصيب بنشابة في عينه السليمة فيصيح قائلاً: “أمسينا وأمسى الملك لله”. ويعثر على مثيلتها عند الأصفهاني في كتابه (محاضرات الأدباء)، وكذلك عند ابن عاصم في كتابه الآنف الذكر (حدائق الأزاهر).

وفي حين يبدو جلياً الطابع الديني في الصبر والتسليم لقضاء الله عند المصاب، في الرواية العربية، يخبر فرانسسكو يوندراين زميل الكاتب بأن هذه القصة باتت تستخدم حالياً كطرفة يتندر بها أهالي منطقة نابارا المعاصرة في أسبانيا.

  • القصة الرابعة: (المرآة).

في فصل (الشيوخ) من كتاب الأيكة، يروي الراوي قصة المرأة المسنة التي وجدت مرآة ملقاة في القمامة فلم تلم من ألقاها حين رأت وجهها فيها ولم ينل رضاها على ما يبدو!. غير أن هذه القصة قد أوردها الأديب دون مارثيلينو مينندث كأبيات شعرية في كتابه (أصول القصة)، قائلاً: “ينبغي رمي الوجه .. لا رمي المرآة بلا ذنب”. وبالإضافة إلى النسخة البرتغالية التي أوردها الكاتب نصاً عن الأديب البرتغالي فرانسسكو رودريجيث لوبو، يذكر الكاتب مصدرين عربيين للقصة، هما (جمع الجواهر) للحصري، ومخطوط (نزهة الأدباء)، إذ يذكر المصدرين الرواية لكن باستبدال البطلة إلى رجل دميم قد التقط المرآة الملقاة، وما لبث أن ألقاها ثانية بعد أن ناظر وجهه من خلالها قائلاً: “ما طرحك أهلك من خير”.

وكمطّلع، يسرد الكاتب شيء من الشعر الحديث في المتحف الفكاهي لبالاثيو وريبيرا، إذ تقول مونيكا في عجب وقدر رأت بشاعة وجهها في مرآة: “ما أردأ المرايا التي تستخدمها بنات اليوم”.

وبكل وضوح، يبلغ التشابه مداه في الفحوى والمغزى رغم اختلاف الأبطال.

  • القصة الخامسة: (سيف الصمصامة).

وفي مرجعين، يعود الأول منهما إلى القرن الخامس عشر والمترجم إلى الأسبانية من اللاتينية، والآخر كتاب الأيكة السابق الذكر والعائد للقرن الثامن عشر، تتكرر قصة تناظر القصص المذكور في عدة مراجع عربية عن الشاعر العربي عمرو بن معد يكرب، والذي يعود نسبه إلى إحدى القبائل اليمنية وقد أسلم في زمن الرسول ﷺ، وقد عُرف ببسالته كفارس وبضخامة بنيته.

تروي الحكاية الأسبانية قصة الفارس ذو السيف الخارق وكان يقطع الدروع إلى نصفين، فطلبه الدوق -وقد سمع به- لكنه لم يقطع به ولا حتى مسماراً، فاغتاظ من الفارس معلناً رداءة سيفه، فما كان إلا أن أجابه الفارس بأنه قد أُعطي السيف وليس ساعد فارسه.

وحسب الرواية العربية والمذكورة في (العقد الفريد) لابن عبد ربه القرطبي، وفي الرسالة الساخرة التي أرسلها الشاعر القرطبي ابن زيدون لحبيبته ولادة، وكتاب (حلية الفرسان) لابن هذيل الغرناطي، وكتاب (الكشكول) لبهاء الدين العاملي، فقد بعث عمر بن الخطاب إلى عمرو في طلب سيفه المعروف بالصمصامة -كعادة العرب في تسمية ممتلكاتهم- ولم يجده كما بلغه عندما ضرب به، فرد عليه عمرو قائلاً عندما كتب إليه، أن أمير المؤمنين قد أرسل في طلب السيف وليس في الساعد الذي يضرب به.

وكما هو ملاحظ، تكاد المراجع كلها تحكي نفس القصة، فالدوق في الرواية الأسبانية يقابله الخليفة في الرواية العربية، والفارس المجهول يقابله عمرو بن معد يكرب، والسيف القاطع يقابله الصمصامة.

… وغيرها من القصص المشوقة ليست فقط في حكمتها، بل في التأثير المتبادل بين الثقافتين المتضادتين حين امتزجتا.

ومن الكتاب الذي يحرز ثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي، أقتبس في نص تراثي ما جاء في كلمة المترجم عن أثر المصنفات الشعبية العربية في نظيرتها الإسبانية (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

“لقد لعبت المصنفات الشعبية العربية دوراً ملموساً في مصنفات الأدب الشعبي الإسباني، وينبغي أن تفهم كلمة «الشعبية» هنا على وجهها، فلا تعني المواويل والأغاني الشعبية العامية كما يريد أن يفهمها البعض منا، بل تعني مصنفات فصيحة يتناقلها «الشعب» ترضي نزعته الفنية والخلقية والشخصية، التي تروق لها النادرة، والقصة بمفهومها الساذج، والمثل المأثور، وبيت الشعر الرائق، والحكمة البليغة. وكتب هذا النوع في العربية كثيرة منها مثلاً: فاكهة الخلفاء لابن عربشاه، وسراج الملوك لأبي بكر الطرطوشي، والتبر المسبوك في نصائح الملوك للغزالي، والمستطرف للإبشيهي، وحدائق الأزاهر لابن عاصم، وغيرها كثير، وهي في حاجة إلى نشرات جديدة أو إلى تحقيق علمي -قمنا ببعضه- كما أنها كثيرة أيضا في اللغة الإسبانية مثل: الأيكة الإسبانية لسانتاكروث، والأيكة الإسبانية لخوان دي تيمونيدا، والقونت لوقانور لدون خوان مانويل – ترجمناه وشفعناه بدراسة مقارنة- ومناظرة الحمار لعبد الله الترجمان – نترجمه الآن – الى غير ذلك”.

أخيراً، يمكن حصر الفائدة المرجوة من الكتاب من خلال الأسطر القليلة التالية:

  • تسليط الضوء على الإرث الحضاري للأمة العربية والإسلامية، وأثره في الحضارات الأخرى.
  • إبراز دور الدراسات المقارنة وتأكيد عامل التأثير المتبادل في تمازج الحضارات، وقد جاءت الدراسة بين أيدينا كنموذج لتبيان أثر الأدب العربي على الأدب الأسباني، لاسيما إبان حقبة الحكم الإسلامي في بلاد الأندلس.
  • تأكيد أهمية الترجمة في نقل الثقافات وتقابلها وتبادلها، مما يثري الإرث الإنساني كشعوب باتت تعيش على كوكب أشبه بالقرية الواحدة.
  • يعرض الكاتب دراسته من خلال لغة سلسة في مجملها، رغم ما يشوبها من عبارات لغوية غير مألوفة عند القارئ العربي. على سبيل المثال: هاته (أي هذه) وهو خطأ لغوي / حاشا (أي ما عدا) / تشاكه (أي تشابه) / شديدة المشاكهة / متلمظ / وهو ممرور دائماً من الزيف الساطي / وداً غير مزغول / حصافة ولوذعية / لوذعية شديدة / زكانة المحكوم عليه بالموت / عبارات متوقرة / في ذرعه أن يصحح ما قلت / طراءة السن / أبخس الأنصباء.

أخيراً، قد لا يستهوي بعض القرّاء هذا النوع من الأعمال الأدبية لا سيما وطابعها البحثي .. لكنني كقارئة تسعى لتحصيل المعرفة من كافة طرقها، أوصي بقراءة هذا الكتاب وتبادل الآراء حوله.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (78) في قائمة ضمت (85) كتاب، قرأتهم عام 2019 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط! وقد حصلت عليه من معرض للكتاب في إحدى المدن العربية عام 2019 ضمن (80) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض!.

 

تاريخ النشر: مايو 11, 2022

عدد القراءات:92 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.