الكتاب
الصراع من أجل الإيمان: انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Struggling to Surrender: Some Impressions of an American Convert to Islam – By: Jeffrey Lang
المترجم/المحقق
د. منذر العبسي
دار النشر
دار الفكر للطباعة والتوزيع والنشر
الطبعة
(2) 2000
عدد الصفحات
367
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
12/19/2015
التصنيف
الموضوع
المنطق أو الفطرة .. كلاهما مرادف لجوهر الإسلام
درجة التقييم

الصراع من أجل الإيمان: انطباعات أمريكي اعتنق الإسلام

كتاب تتلاحق فيه كلمات مؤلفه على امتداد أكثر من ثلاثمائة صفحة، من أجل الإجابة على سؤال وجهته إليه ابنته يوماً، ولم يكن يتجاوز الأربع كلمات: “لماذا اخترت الإسلام يا أبي”؟

إنه د. جيفري لانج، البروفيسور في علم الرياضيات. ولد عام 1954 لأسرة أمريكية متدينة تعتنق النصرانية الكاثوليكية، وتابع تحصيله الدراسي في مدارسها، حتى حصل على درجة الدكتوراة عام 1981 من جامعة سان فرانسسكو، وانخرط في سلك التدريس بعدها، وكان قد هجر الكنيسة واختار الإلحاد!.

يُسهب البروفيسور وهو يتحدث عن رحلته من الكاثوليكية إلى الإلحاد انتهاءً بالإسلام ونطق الشهادتين، حين لم تجب الكاثوليكية على أسئلته وهو العالم الذي أسس عقله على بنيان من المنطق والبرهان والمنهجية، حتى أهدت إليه إحدى الأسر المسلمة القرآن الكريم، فبدأ معه (صراعه الحقيقي) ورحلة نحو الإيمان لم تكن هينة على الإطلاق!.

في لفتة راقية وبخط ديواني أنيق، يهدي البروفيسور إلى (بناته المؤمنات: جميلة وسارة وفاتن) كتابه، الذي تعرض صفحة محتواه خمسة فصول بالإضافة إلى مقدمتي المترجم والمؤلف. حظي معها الكتاب بأربع نجمات من رصيد أنجمي الخماسي، وهي:

  1. النطق بالشهادة
  2. القرآن
  3. رسول الله
  4. الأمة
  5. أهل الكتاب

في حين تعرض شبكة المعلومات العنكبوتية عدد من المواضيع المسموعة والمقروءة عن د. جيفري لانج، فضلاً عن لقاءات شخصية معه، تحتوي مكتبتي على كتابين إضافيين له لم أقرأهما بعد، هما: كتاب/ ضياع ديني: صرخة المسلمين في الغرب، وكتاب/ حتى الملائكة تسأل: رحلة إلى الإسلام في أمريكا.

في السطور التالية، أسرد من جميل الكتاب ما علق في ذهني من شذرات أثناء قراءته:

  • يسترجع البروفيسور حلماً قد تكرر معه حين كان يافعاً، وهو أدائه للصلاة في مسجد يقبع أسفل درج، ويشع النور من كوة بداخله، ضمن مجموعة من المسلمين ينحنون فوق سجادها الأحمر، في وقت لم يكن قد عرف المسجد ولا الإسلام بعد. حتى أتت رؤياه كفلق الصبح بعد أمد وبعد يومين فقط من إعلان إسلامه، لدرجة شعر فيها أنه نائماً متلبساً في حلمه من جديد. أعقبتها برودة سرت في جسده كله، فرجفة، ثم انتهت بدفء النور والدموع .. في أعجب ما يمكن تصوره عن مدارج الروح! وهي من أمر الله.
  • يرى أن العرب قبل الإسلام لم يكونوا ملاحدة، بل وثنيين يعتقدون بتعدد الآلهة، غير أنهم لم يكونوا متدينين. عليه، كانت معضلة القرآن مع هؤلاء القوم ليست في الكفر بالله، بل الانحراف في تصوره، مما أرداهم في حياة الفسق الفجور!.
  • كمسلم مستجد، يبتكر البروفيسور طريقة عملية في التنبيه لصلاة الفجر تحديداً، وقد وجد مشقة فيها رغم استشعاره أهمية فريضة الصلاة عموماً، وما تستجلب للمرء من عون وراحة، تمثلت في الاستعانة بثلاثة منبهات موزعة على أماكن متباعدة في مسكنه، ومضبوطة بمواقيت متسلسلة مع فارق قصير بينها.
  • يحرص على صلوات العتمة في جماعة حيث (الجهرية)!. لم يكن قادراً على فهم ما يسمع غير أن ما يسمع كان مريحاً، كالطفل يرتاح لصوت أمه وهو لا يفهم كلماتها. وكذلك كان “صوت” الصلاة الجهرية، وقد تمنى أن يعيش أبداً تحت حماية صوتها.
  • يعتقد أن (إقرأ) كأمر إلهي إنما هو نعمة سماوية في تعلم القراءة. وعن طغيان الإنسان واستغناؤه في منتصف السورة الكريمة، يعتقد أن العلم الحديث صور للإنسان من عظيم الشأن ما أغناه عن الله، غير أن تلك العلوم وما حملته من فكر تأبى إلا أن تتفق مع ما ورد في القرآن الكريم، الأمر الذي دعى أصحاب تلك العلوم اعتناق الدين الذي جاء به.
  • يتحدث عن الإعجاز القرآني في اختصاص أنثى النحل بإنتاج العسل (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ)، وعن منهج (التجربة والخطأ) نحو العمل وارتكاب الخطأ وإدراكه والتسامي عليه والتقدم والاستمرار (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) .. ثم يبكي في (الضحى) بكاء الطفل المفقود بعد عودته لأمه استشعاراً لقرب الله الذي لا يتخلى عمن بحث عنه (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى).
  • يتطرق إلى مناقشة بعض الآيات القرآنية المثيرة للجدل عند الغرب، وينظر بمفهوم آخر لبعض الأحاديث النبوية كحديث (فتنة النساء) بعيداً عن المعنى الحرفي وعزوه لأمور حسية!. فيرى أنها على الأصح فتنة للرجال في ميلهم نحو ظلم المرأة واحتقارها لضعف يرونه فيها. ويضرب أمثلة لتلك الفتنة في مسألة الطلاق ومضرة الوالدة بولدها.
  • في حديثه عن القضية الفلسطينية-الإسرائيلية، يسترجع طفولته في حي (بريدج بورت) حيث كان يقطنه سكان من أعراق وثقافات مختلفة، وقد كانت كلمة (يهودي) المفضلة لدى الأطفال في كيل الشتائم لبعضهم البعض، سواء لليهودي منهم أو لأي عرق آخر!. وفي حين كان غير اليهودي يعتبرها مرادفاً لـ (القذارة والتعاسة والجبن)، فإن اليهودي كان لا يجد له معيناً من ذويه ضدها كمذمة. أما في سن الرشد، فقد كان البعض من أصحابه يعترفون له بسر (يهوديتهم) وكأنهم “متهمين سابقين” حسب تعبيره، في حين كان يتنصل البعض الآخر منها، باعتبار أن اليهودية ليست سوى ديانة لم يعودوا يؤمنون بها!.

من جميل الاقتباسات، أسرد بعضاً منها على لسان مؤلفها في لون عشبي (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • بعد سفره بعيداً عن والديه للدراسة، وخبرة مرحلة الانفكاك من التبعية إلى الاستقلالية، يستشعر البروفيسور الحد الفاصل بين المؤمن والملحد، قائلاً: “لا أحد يعرف الوحدة كالملحد. فعندما يشعر الشخص العادي بالعزلة فإنه يستطيع أن يناجي من خلال أعماق روحه، الواحد الأحد الذي يعرفه ويكون بمقدوره أن يشعر بالاستجابة. لكن الملحد لا يستطيع أن يسمح لنفسه بتلك النعمة، لأن عليه أن يسحق هذا الدافع، ويُذكِّر نفسه بسخفها. لأن الملحد يكون إله عالمه الخاص به، ولكنه عالم صغير جداً، لأن حدود هذا العالم قد حددتها إدراكاته، وهذه الحدود تكون دوماً في تناقص مستمر”.
  • وفي لغة فلسفية، يتحدث البروفيسور عن القرآن وقد استشعر بأن القرآن هو من يحدثه، بل يتحداه ويقرأ أفكاره، ويجيب على كل ما راود عقله من تساؤلات. فعن تلك المعركة يقول: “ولم أكن في وضع أُحسد عليه، إذ بدا واضحاً أن مبدع هذا القرآن كان يعرفني أكثر مما كنت أعرف نفسي. إن الفنّان يستطيع أن يجعل العين في أي لوحة يرسمها تبدو وكأنها تنظر إليك حيثما كنت منها، ولكن أي مؤلف يستطيع أن يكتب كتاباً مقدساً يستطيع أن يتوقع حركاتك وسكناتك اليومية؟ لقد كان القرآن يسبقني دوماً في تفكيري، ويزيل الحواجز التي كنت قد بنيتها منذ سنوات، وكان يخاطب تساؤلاتي”. وبنفس اللغة يكمل: “وفي كل ليلة كنت أضع أسئلتي واعتراضاتي، ولكنني كنت إلى حد ما أكتشف الإجابة في اليوم التالي. ويبدو أن هذا المبدع كان يقرأ أفكاري، ويكتب الأسطر المناسبة لحين موعد قراءتي القادمة. لقد قابلت نفسي وجهاً لوجه في صفحات القرآن، وكنت خائفاً مما رأيت. كنت أشعر بالانقياد، بحيث أشق طريقي إلى الزاوية التي لم تحوِ سوى خيار واحد”.
  • في محاولة لتأويل رؤياه السابقة بعد بلوغه الذروة وقت سجوده، يعترف قائلاً: “تملكني الخوف والرهبة عندما شعرت لأول مرة بالحب والعطف الظاهرين، لا لأنّا نستحق ذلك، ولكن لأن هذا الحب والعطف كانا دوماً موجدين، وكل ما علينا عمله للحصول عليهما هو أن نعود إلى الله”.
  • رغم مشقة صلاة الفجر تحديداً كما عبّر البروفيسور، يعود فيقول في روحانية: “صلاة الفجر بالنسبة لي هي إحدى أجمل الشعائر الإسلامية وأكثرها إثارة. هناك شيء خفي في النهوض ليلاً -بينما الجميع نائم- لتسمع موسيقى القرآن تملأ سكون الليل. تشعر وكأنك تغادر هذا العالم وتسافر مع الملائكة لتمجد الله بالمديح عند الفجر”.
  • في مناصرته للقضية الفلسطينية، يعود للتاريخ ليقول: “يتفق المؤرخون على أن الغالبية العظمى من العرب الفلسطينيين لم يقدموا إلى فلسطين مع الفتح الإسلامي، بل إن هؤلاء هم بشكل رئيسي أبناء الساميين الذين تعود ملكيتهم لفلسطين لثلاثة آلاف عام على الأقل قبل الميلاد، وقد تكون هذه هي أبسط فترة ملكية في العالم وأطولها. أما العبرانيون القدماء فقد جاءوا إلى فلسطين بعد ذلك بكثير، وذلك بحوالي ألف وأربع مئة عام قبل الميلاد”. ثم يتساءل في مبحثه ويجيب: “هل لليهود حق أخلاقي-ديني في فلسطين”؟.

وللمرأة المسلمة نصيب في انطباعات البروفيسور، اقتبس من جميلها هنا وأعرضها في حلل من الزهر (مع تأكيد الاحترام مجدداً لحقوق النشر):

  • يعزف على وتر موجع لا يحيد عن موضوعية، مشوب باستفهام مستعص على أي تبرير منطقي، أشاركه فيه مع ابنته ذات الأربع أعوام حين تساءلت في براءة عن سبب عدم السماح للنساء بحضور المسجد، في مقارنة مع رفيقتها المسيحية وعائلتها الحريصة على زيارة الكنيسة. فيعبّر عن استنكاره متسائلاً بدوره: “لست متأكداً كيف ومتى أصبح للمسجد جوّ لا يكاد يسمح بدخول النساء إليه؟” ثم يستطرد: “ومن الواضح أن ذلك قد حصل في وقت متأخر وفي وضع ثقافي مختلف. هناك ثقافات أخرى قد تقدم مناهج أخرى لإغناء إيمان المرأة المسلمة. ولكن في هذه الثقافة، لا تقدم للنساء بديلاً عن حضورهن الصلاة في المسجد، كاجتماع نسائي أسبوعي مثلاً، فهذا يعني أنك تعطيهن مقاماً من الدرجة الثانية. فإذا لم تشجع النساء كي يأتين ويشتركن في لقاءاتنا الاجتماعية على قدم وساق مع الرجال، فإن الجو الموجود في مساجدنا هو عرضة للتبدل ببطء، وبذلك سيكون من المؤكد جداً أننا سوف نخسر أطفالنا. إنني لا أنادي بتغيير أشكال الشعائر بل إن ما أدعو إليه هو تشجيع اشتراك الأسرة في كل نشاطاتنا الاجتماعية والعمل على تسهيل ذلك والترحيب به”. ولست متأكدة بدوري من أن البروفيسور لم يطاله -ولو غبار- من تهافت المتنطعين، بحجة التحريض على السفور وتعطيل (فريضة القرار في البيوت)، ومن ثم معاودة نبش مقابر الموروث واستخراج (أشياء) تأمر بدفع النساء نحو الصلاة في حجرة داخل حجرة داخل حجرة في قعر الدار!.
  • ويستمر في حديثه عن المرأة -أراه شجياً- فيثمّن انتخاب السيدة بنازير بوتو كرئيسة وزراء للباكستان، ويرى أن للأمر انعكاساً طيباً على المجتمع الأمريكي المسلم، حيث إن جلّ من يعتنق الإسلام “هم من النساء الماهرات المدربات في التنظيم والقيادة، وممن يمتلكن مواهب في مجتمع هو في أمس الحاجة إليها”. وبالرجوع إلى القرآن الكريم، يؤكد على أن “ليس هناك في القرآن تصريح مباشر ضد انتخاب نساء قائدات، بل إن القرآن يقدم لنا أنموذجا فريدا عن الحاكمة الصالحة وهي ملكة سبأ بلقيس. ويظهر القرآن هذه الملكة على أنها قائدة حكيمة وعميقة التفكير وديمقراطية كرّست جل اهتمامها لسعادة شعبها ورفاهيته، ولقد قادت أمتها من خلال نفوذ سليمان إلى الإيمان بالله. ونظراً لغياب أي تحريم قرآني لهذه الإمكانية، ولأن المثال الوحيد المذكور في القرآن حول هذا مثال إيجابي، فإننا يمكن أن نتوقع أن تكون فكرة المرأة الزعيمة مقبولة عند المسلمين، ولكن بشكل عام، ليس هذا هو الحال”. هنا أكاد أن أستشعر تهافت أشد حمية وتنطعاً في إعمال المعاول في متون الموروث، واستخراج (شيء آخر) يبشّر القوم بعدم الفلاح إن وُليت أمرهم (حُرمة) من بنات حواء!.
  • وعن اللباس! وما أدراك ما اللباس؟ يوصي البروفيسور المسلمين في المجتمعات الغربية وقد واجهوا المصاعب في تطبيقهم “لهذا النظام من اللباس” بأن يكون نهجهم “سمحاً ولطيفاً وليس اتهامياً وتوبيخياً”. ويستمر في وصاياه قائلاً: “ويجب أن تمنح النساء أكبر درجة ممكنة من الحرية في اللباس بحيث لا يثني ذلك النساء عن المساهمة الفعالة في المجتمع، ويجب على رجال المسلمين في هذه الحالة أن يظهروا أكبر قدر ممكن من الحساسية والموافقة في هذا الشأن. ولم يمض وقت طويل على مشاهدتي لمنظر سخيف كانت فيه النساء المسلمات تعانين فيه حر الشمس على إحدى طاولات النزهة، فيما راح أزواجهن يمرحون عند الرمال والأمواج بين الأمريكيين والأمريكيات الذين كانوا يأخذون حمامات الشمس”. ولم يعلم البروفيسور أن المنظر السخيف الأوحد الذي أضر بناظريه وبكيانه معاً هو حرفياً منظر (السواد الأعظم) عند أقوام التنطع، وقد تُعمل السياط عملها على الظُهران حال خلع (اللباس المبتدع)، وعلى من تسوّل له نفسه الترويج لخلعه! .. وذلك لضمان بقاء المنظر مظلم في ظلمات سرمدية بعضها فوق بعض!.

من النقيض إلى النقيض .. كانت رحلة صراع روحانية من الإلحاد إلى الإيمان، وعرض أكثر تجلياً لروح الدين الإسلامي من وجهة نظر غربية .. ومنطقية.

ولا أجد بداً من ختم هذه المراجعة باقتباس يوافي هذه اللحظة على لسان د. جيفري لانج في لغة صوفية قلّما يسوقها الرياضيون: “ومع ذلك فإني مدرك دوماً أن لي نقاط ضعفي وتقصيري! إنني أعلم الآن أنني أذا ما فقدت الله ثانية فإنني بالتأكيد سوف أفقد كل شيء، وإني أدعوا مع رابعة العدوية: (إلهي هل صحيح أنك سوف تُحرق قلباً يحبك كثيراً). وإني أجد عزاءً في جوابها”.

د. جفري لانج .. جزاك الله خيراً، وثبتنا وإياك، وزادنا إيماناً .. آمين.

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

تعقيب:

بعد نشري لهذه المراجعة، وكعادة مدّعين الدين من ذوي اللحى، انفلت (لحية) يتصدى للكتاب ولمؤلفه، متسلحاً بموروث بشري بامتياز ومصوّباً سهامه نحو المرأة المسلمة التي عادة ما يكون لها نصيب الأسد من (التحقير المقدس)، وقد تغافل (اللحية) في هذا عن الرحلة الإيمانية العميقة التي خاضها المؤلف، وصراعه الذي نقله من ظلام الإلحاد إلى نور الإيمان، والمعاني الروحية التي استلهمها فيها والتي هي أصلاً لب الكتاب!.

وكعادة المتنطعين -رغم تأدبه في طرح رأيه- فقد جاء محشّواً بترّهات لا أصل لها بموضوع الكتاب، الأمر الذي لا أجد لها مكاناً في مدونتي. إلا أنني سأورد مقتطفات من قوله في نص أحمر وسأترك تعليقي الذي لا بد وأن يستشف منه القارئ ترّهاته، وكرد مسبق على أي (لحية) قد تسوّل له نفسه الانفلات كصاحبه .. يحسبونه جهاداً في سبيل الله.

بداية، أرجو أن تتسع الصدور لما سأقول رغم أنني عادة لا انخرط في نقاشات، لاسيما الدينية.

  • يقول عن المؤلف: “لا أعرفه جيداً وهذه أول مرة أسمع بقصته، وبعد قراءة الملخص وجدت أنه -وهذا رأيي الشخصي- لم يكن فاهماً تماماً لمقاصد الشريعة ولم يحترم عقله بشكلٍ كامل”. وأقول: قد لا يعكس الملخص بالتمام التعريف بالمؤلف د. جيفري لانج، وأنا على يقين بأن قراءة كتبه والاطلاع على آرائه وتحديداً رحلة صراعه الإيمانية، ستكون كافية للتيقن بأنها روحانية ملهمة كما هي عقلانية. كما تحتوي شبكة المعلومات العالمية لقاءات مصوّرة مع المؤلف.
  • يعتقد “بأن العقل له دوران في الإسلام الدور الأول أن يصل بقناعة تامة لوجوب وجود خالق لهذا الكون ولحاجة الناس للرسل لتبليغهم نظام عيشهم من الله، وأن يقتنع بالدليل العقلي كما حصل مع الدكتور جاري ميلر بأن القرآن كلام الله والذي جاء به نبي مرسل وهو محمد ﷺ ومتى ما وصل العقل لهذه القناعات الثلاث بالديل العقلي انتقل للدور الثاني وهو أن يفهم المقصود من النصوص الشرعية ليمتثل بها الانسان طاعةً لله وليس للهوى، وأن الإنسان إذا ثبت لديه أنا هذا الحكم الشرعي جاء بدليل شرعي من القرآن كلام الله أو من حديث للنبي الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو وحيٌ يوحى، أقول إذا ثبت لديه ذلك وصار يناقش الحكم ويحاول أن يرى إن كان ينسجم أم لا مع العقل المتحضر، فإن في هذا النقاش ليس احترام لعقله، بل هو احتقار لعقله، لأن عقله وصل بالدليل القاطع أن الله موجود وأن الاسلام رسالته الخالدة ليوم الدين ثم يبدأ يناقش هذا الخالق بقراراته وأحكامه بناءً على ما يراه عقله العاجز عن ادراك كل الأمور ليوفق بينهما”. وأقول: الدور الثاني للعقل -كما يعتقد- في (فهم) مقاصد النصوص كما جاء بها القرآن الكريم وما جاء من أحاديث نبوية ومن ثم الامتثال لها طاعة لا عن هوى .. أمر منطقي، لكن!!!! (الفهم) له مدارس ومذاهب وآراء تختلف من إنسان لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومن زمان ومكان آخرين، بالطبع لا يشمل هذا أصول الدين المجمع عليها من صلاة وصيام وعبادات وشعائر نص عليها القرآن صراحة، إلا أن الإشكالية تكمن في (احتكار) فئة من الناس يُطلق عليهم رجال الدين أو الفقهاء أو العلماء امتياز (الفهم)، ومن ثم تعميم (فهمهم) كمسلمات وثوابت لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وكأن لسان حال الواحد منهم يقول (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ). وللإمعان في فرض آرائهم فرض عين، جاءوا بتحفة (لحوم العلماء مسمومة) وألبسوها قدسية، بحيث من تسول له نفسه مخالفتهم، فسمّهم له بالمرصاد!. والسؤال: من نصبّهم أنبياء بعد النبي ﷺ أو وكلاء الله في أرضه حتى يحتكروا العلم الشرعي وحتى تتوّج أقوالهم وآرائهم واجتهاداتهم بقدسية لا تُمس؟ فإذا منح هؤلاء لأنفسهم حق فهم النصوص واستنباط أحكامها، فللغير كذلك نفس الحق طالما يملك الحجة والبينة والقدرة على الاجتهاد وإعمال العقل في النصوص .. شرعاً وعقلاً وذوقاً وإنسانياً، ومن أصل الدين لا من الهوى. اضرب في هذا المثل بالإمام أبو حنيفة عندما خالف من سبقه من الأئمة الكرام في أمر ما فقال حين ذكّروه: (هم رجال ونحن رجال). وهذا القول بمثابة مذهب متكامل في التجديد ومنع الجمود ومحاربة المقلدّين.
  • ويضرب مثلاً ويقول: “حين تركب طائرة لا تذهب لسائقها وتقول له لا تكبس هذه واكبس على هذه لأن الأولى لا تروق لي، بل تجلس وتترك أمر قيادة الطائرة لقبطانها .. ولله المثل الأعلى حين تقتنع بأنه خالق كل شيء وأرسل لك نظام للعيش تأخذه وتطبقه دون اعتراض”. وأسأل بالمثل الذي ضرب (ولله المثل الأعلى): هل ستركب طائرة إذا علمت أن قبطانها لم يتمكّن من تعلم الطيران كفاية؟ أو أن أساس تعلمه للطيران ركيك لا يقوم على علم حقيقي؟ وإن كان سيمنع أحد المسافرين المجازين في الطيران بالتدخل وتصويب القبطان وتعليمه بل وإيقافه حتى لا يحدث ما لا يُحمد عقباه؟ هكذا حصل في الدين الإسلامي عندما أصبح الأمر اقطاعياً وتولاه رجال بتفاسير جلّها ذكورية، وبتمسكهم بموروث منسوب إلى النبي الأكرم بعد وفاته بقرنين من الزمان، مشكوك فيه بطبيعة الحال!! لا يشفع علم الرجال الذي يزعم أصحابه تمحيصهم لهذا الموروث، فحجة الشك فيه والأخذ والرد عليه وحق رفضه لهو أمر مفروغ منه وعقلاني جداً لمن يملك عقلاً يحترمه، فلا يتنطع أحد بمصداقية موروث تسلل إلى دين بعد موت نبيه بمائتي عام ويُلزم الناس باتباعه على أنه قول من لا ينطق عن الهوى (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) .. إلا أنه أسفاً يكاد هذا الموروث أن يصبح قرآنا آخر (والعياذ بالله) في الدين، والويل والثبور لمن مسّه ولو بالحجة الشرعية والمنطق العقلاني، بل ما على القوم سوى (السمع والطاعة) لما يقول حقاً أو باطلاً .. وكأن القوم بلا عقل يفكر أو قلب يفقه! وهكذا يكون خلق ثقافة القطيع، وهذا سبب تخلف المسلمين اليوم، بعد تحجير عقولهم لموروث صنعه بشر ما أنزل الله به من سلطان!
  • يقول: “إن أمر الله يستر جسد المرأة وأذن للرجال بكشف جزء كبير من جسدهم نقول للخالق سمعاً وطاعة، ولا نقول بأن الخالق أهان المرأة، وحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم “لن يفلح قوماً ولَّو أمرهم إمرأة” فلا نقول بأن الخالق هضم حق المرأة، بل نقول سمعاً وطاعة لخالقنا ومدبر أمورنا”. وأقول:

لم يؤذن للرجال بكشف أجسادهم كيفما اتفق؟ هل ظنّ (فقهاء وأد المرأة) في غفلة من أمرهم أن النساء بلا إحساس وبلا رغبات وبلا شهوات؟ إن كن كذلك لما تزوجت أمهاتهم آبائهم ولما أنجبنهم! لا ينمّ هذا الرأي سوى عن عقلية تؤمن بالمرأة كجسد فقط! بل وسيجادل أحدهم بأنه لا خوف يأتي مع إحساسها ولا رغائبها ولا شهواتها طالما أنها لا تملك قضيب طائش عياره .. وكأن فقههم يقوم على ثنائية القضيب-الفرج .. السيد-العبد .. الفاعل-المفعول به! وإن كان كما يقولون عورة الرجل إلى سرته، فذلك (إن صح) ففي الحالات الحرجة، إذا كان يعمل تحت القيظ مع مجموعة من الرجال، أو في حال نشوب حريق استلزم استخدام ملابسه للإطفاء … ونحو ذلك، ولا أستطيع تصور -على سبيل المثال- دخول امرأة (محترمة) على طبيب (محترم) يكشف جزء كبير من جسده بحجة حكم شرعي يبيح له، أو موظفات يعملن مع زملائهن الرجال وصدورهم عارية .. ثم نقول معه سمعاً وطاعة، ولا حرج!!

أما عن ستر المرأة لجسدها فمطلوب نعم ومحبّذ، والاحتشام مطلوب عند الجنسين عموماً، غير أن مفهوم (الستر) عند أولئك الفقهاء يستلزم كساء أسود يغلف المرأة من رأسها حتى أخمص قدميها .. كأي شيء آخر لكن لا بشر! ثم إذا كشفت المرأة عن شعرها أو شيء من ذراعها، سلقها (الفقهاء ذوي اللحوم المسمومة) بألسنة حداد .. كسافرة أو فاسقة أو فاجرة، وإن كانت مسبّحة صوّامة قوّامة راكعة ساجدة تعمل الصالحات .. وحسبنا الله ونعم الوكيل! وهنا نقول (لا سمع ولا طاعة) ونترك دينكم المسموم على لحومكم لكم!.

والله وتالله وبالله إننا خبرنا أقواماً كُثر فلحوا ثم فلحوا ثم فلحوا حين ولوّا أمرهم للنساء .. الأقوام الذين يوصمهم أولئك الفقهاء بـ (الكفار)! وأعوذ بالله من شر التكفيريين! وبينما يضرب القرآن الكريم مثلاً بـ (امرأة) بلقيس التي ملكت أمة عظيمة برجال أولي بأس شديد وانتهى بها المآل بأن آمنت بالله وقادت قومها إلى الإيمان وأنقذتهم من الكفر، بعقلها ورشدها وحكمتها، بأن (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، يضرب القرآن الكريم المثل بـ (رجل) فرعون الذي ادعى الألوهية وقد بعث الله له رسولاً من أولي العزم بآيات عظام (وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ)، فاستصغر عقله، واستخفّ، وأهلك قومه بجهله وسفهه وعنده وجبروته، وآل بهم الأمر إلى (وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى) .. ومن جديد، لا نسمع ولا نطيع، ونترك التنطع لأصحاب اللحوم السمّية.

  • ثم يقول: “وحين يعطي الخالق حق للمرأة بأخذ المهر من الرجل عند زواجه بها لا نقول بأن الله ظلم الرجل، بل نقول سمعاً وطاعة، وحين يأمر الله الرجل بالنفقة على زوجته حتى وإن كان فقيراً وهي غنية دون أن يأخذ من مالها درهماً واحداً رغماً عنها، لا نقول هذا ظلم ويجب أن يتشارك الاثنان النفقة أو تنفق هي طالما هي غنية وهو فقير، بل نقول سمعاً وطاعة لمولانا وخلقنا”. وأقول:

أما المهر، فهو عند الكثير من المجتهدين من النساء والرجال (هدية) وهذا هو التفسير الفطري الراقي لعلاقة تقوم على المودة والرحمة، أما عند أولئك الفقهاء، وكما يقول أحدهم (ابن باز) فهو -وأنقل نصاً-: “كل ما يدفع لها في مقابل استحلال فرجها هو المهر”. وأتساءل: إن كان العقد الشرعي عند (عبّاد فرج المرأة) ينص على دفع المال مقابل الفرج، فما الفرق بينه وبين عقد الدعارة؟

(الرجال) في آية القوامة لها معان، أحدها (من يسعى برجليه للكسب). عليه، تصبح المرأة قوّامة حين تسعى وتكسب وتنفق من مالها، ولا يمنع هذا من التأكيد على تولي الزوج المسئولية الأكبر في حالات عديدة، منها ظروف حمل الزوجة والعناية بالأطفال. والواقع يشهد بشكل كبير جداً مساهمة المرأة بمالها في الإنفاق .. مشاركة مع زوجها، كرامة، ووعي عال بالمسئولية.

وعن المرأة المسلمة وما أدراك ما المرأة المسلمة؟ فلم يُعرف مذهب أو دين أو ملة (مسخ إنسانية المرأة) مثلما فعل بها الدين الإسلامي في الوقت الذي يتبجّح بتكريمها  .. الدين الذي أحدث فيه قوم لحومهم محصّنة بتتبيلة السم.

  • يقول: “احترام العقل يكون باحترام ما وصل بعد بحثٍ عميق وفكر مستنير للوصول إلى الدين الإسلامي بالدليل والبرهان العقلي، وليس بإهمال هذه العملية العقلية والرجوع للهوى النفسي وما يتوافق معه، فإن في ذلك احتقار للعقل وليس احتراماً له”. وأخيراً أقول: هناك فرق عظيم بين الله والبشر .. النبي وأبو هريرة .. القرآن الكريم وصحيح البخاري .. غير أن الدين تم العبث به من خلال خلط الوحي بكلام البشر، الكلام الذي تم خلقه وافترائه وتدليسه ومن ثم نسبه إلى النبي ﷺ بعد وفاته بمائتي عام .. حتى ينبري بعده حفنة من الجاهلين لفرض القدسية عليه وكأنه كلام الله، وما على القطيع سوى السمع له والطاعة!

خلاصته:

إن مفهوم العقلانية عند هؤلاء القوم مغلوط!.. إن العقل عندهم هو عدم العقل .. عدم إعمال العقل في موروث ديني بغثّه وسمينه، بصحيحة ومنكره، لاسيما فيما يُسمى بكتب الصحاح وهي ليست بالضرورة كذلك، بل موروث ديني جاء به جماعة من رجال بعد موت نبيه بقرنين واستمر، ثم أُغلق باب الاجتهاد فيه منذ القرن الرابع الهجري حتى اليوم .. الأمر الذي أصبح فيه هذا الموروث بالضرورة دين الله الخالص، تماماً كما حدث مع تعاليم الدين المسيحي التي كتبها حواريي السيد المسيح بعد حادثة الصلب المزعوم وتفرّقهم، بفترة زمنية طويلة .. عجباً كيف يستخدم هؤلاء هذه الثغرة لإقامة الحجة على تحريف الدين المسيحي، ويتناسون موروثهم الذي جُمع بنفس النهج! لذا، تظهر تجليات تعطيل العقل عند هؤلاء في التسليم المطلق للموروث المذكور، وفي عدم السماح لأي فرصة نقاش أو استفهام أو اجتهاد أو إبداء اعتراض أو رأي لاسيما حينما يخالف صريح القرآن الكريم أو بعضه بعضاً أو المنطق أو الذوق، إذ ينبري القوم يستعينون بحيل اللف والدوران حول النصوص، وترصيف الكلام، وبالقبور ينبشونها وبكتب السلف يستخلصون من بطونها خيمياء الغابرين .. وبحيث أصبحت القدسية صفة لازمة لا للنص فقط بل لشخوصه. (لا عجب أن يتنامى عدد الملاحدة بين مؤمني شبه الجزيرة كما تشهد الأرض مؤخراً).

أن القرآن الكريم وهو كلام الله تختلف فيه التفاسير من مفسرّ لآخر وفي زمان ومكان آخرين، لأنه حمّال أوجه، ولأنه دستور حياة صالح لكل زمان ومكان .. و (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ)!.

فمن أراد أن يكون ضمن من يمأمأ خلف أولئك ويجترّ ما يجتّر من موروثهم فليفعل .. أما عند العقلانيين، فإنما هو موروث للتفكّه متى شاءوا .. والحمدلله على نعمة كمال العقل والدين.

هذا هو رأيي العقلاني ورأي من أنتمي إليهم من (الرشديين أو العقلانيين أو التنويريين أو الليبراليين أو العلمانيين) .. لا تهمني تلك المدارس بقدر ما احترم هبة العقل التي منحها الله للإنسان الحر وأمره في كتابه العزيز بإعماله .. بالنظر والتدبر والتفكر، والذي هو من أعظم العبادات.

اكتفي بهذا .. لكن (وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا)

أرجو بحق ألا يكون الرأي السابق مدعاة لأي حرج ..  وأن يمنّ الله علينا بالهداية أجمعين.

تاريخ النشر: مارس 2, 2021

عدد القراءات:1158 قراءة

التعليقات

  1. يطلع الرحمن الرحيم على القلوب ،يعرفها ،يهديها ويرشدها لما علم ما فيها من لهفة وصدق..
    اللهم لك الحمد على الإيمان ملء السموات والأرض.
    اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ،ثبت قلوبنا على الأيمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.