BOOK0756
الكتاب
الدرس الفلسفي في المدارس الدينية
المؤلف
دار النشر
منشورات تكوين
الطبعة
(1) 2024
عدد الصفحات
200
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
02/27/2026
التصنيف
الموضوع
هل من مقعد للفلسفة في المدارس الدينية؟
درجة التقييم

الدرس الفلسفي في المدارس الدينية

هنا الفلسفة تتموضع في حقل المقدّس كإشكالية، تفرّق بين العقل والنص! بالأحرى، إنه كتاب يرسم تعرجات التوتر المعرفي عن تلقي الفلسفة في الحوزات الدينية الشيعية المقيّدة بحدود شرعية صارمة، بل يضع العقل الديني نفسه موضع مساءلة تربوية ومعرفية، إضافة إلى أسئلة المنهج والغاية في تعليم الفلسفة في المدارس الدينية!

يبدو الكتاب منشغلاً بسؤال مركزي بالغ الحساسية: ما موقع الفلسفة داخل منظومة التعليم الديني التقليدي؟ وهل يمكن للدرس الفلسفي أن يُدرّس في المدارس الدينية بوصفه أداة للفهم والتفكير، لا تهديداً للعقيدة أو تقويضاً للإيمان؟ وللإجابة، ينطلق المؤلف من تشخيص موضوعي للواقع التعليمي في الحوزات والمدارس الدينية، حيث تسود علوم النص والفقه والكلام على حساب تهميش الفلسفة أو تدريسها على نحو انتقائي، وذلك باعتبارها علماً مشبوهاً أو نافلة لا ضرورة لها.

وعن المؤلف، وكما ينقل موقعه على شبكة المعلومات، فهو (د. عبدالجبار الرفاعي 1954) مفكر عراقي، حاصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية، ومختص في علم الكلام وفلسفة الدين. وهو إضافة إلى هذا، أستاذ جامعي، عمل على إصدار عدد من المؤلفات تصبّ في مجال تجديد الخطاب الديني، المثير للجدل بالضرورة، ونال العديد من الجوائز المحلية والعربية والعالمية.

يعمد المؤلف إلى تفكيك الأسباب التاريخية والمعرفية لهذا التوتر المزمن بين الفلسفة والتعليم الديني، موضحاً الكيفية التي تشكّل عنها وعي ديني يحذر من التفكير الفلسفي، بفعل صراعات قديمة بين الفلاسفة والمتكلمين، وبفعل توظيف السلطة السياسية للفكر الديني ضد العقل النقدي، في بعض الأحيان. غير أن المؤلف يرى أن هذا الحذر لم يعد مبرّراً في سياق متطلبات العلم الحديث، حيث باتت الفلسفة شرطاً لفهم الإنسان والوجود والمعرفة بل والدين نفسه، لا خصماً لها.

لذا، يدافع المؤلف عن إدخال الفلسفة إلى التعليم الديني كعلم تربوي لا كعقيدة بديلة، أي كمنهج لتدريب العقل على السؤال والتحليل والتمييز بين المفاهيم، لا كنسق ميتافيزيقي ينافس الإيمان وأتباعه. من ناحية أخرى، يؤكد على أن غياب الفلسفة عن المدارس الدينية أسهم في إنتاج عقل فقهي مغلق، يميل إلى التلقين، ويخشى الاختلاف، ويعجز عن الحوار مع الفكر الحديث، بل ومع التحولات العميقة في حياة الإنسان المعاصر.

ومع التأكيد السابق، يتوقف المؤلف عند طبيعة الدرس الفلسفي المنشود، رافضاً نقله في صيغة أكاديمية جافة أو استيراده من خارج السياق الثقافي والديني، فليست الفلسفة المطلوبة هنا مجرد تكرار محض لتاريخ الأفكار الغربية أو حتى الإسلامية، بل تدريب مستقل على التفكير النقدي الحر، وعلى مساءلة المسلّمات، وعلى بناء وعي ديني قادر على التمييز بين المقدّس والتاريخي، وبين النص والمعنى، وبين الثابت والمتغيّر. ومن خلال هذا السياق، لا يعتقد المؤلف بأن عملية إدماج الفلسفة في المدارس الدينية تعمل على زعزعة الإيمان أو تقويضه، بل إنها تسهم في تحريره من الخوف والسطحية ونمط القوالب الجاهزة، إذ إن الإيمان الذي لا يحتمل ثقل السؤال أياً كان، هو في أصله هشاً مهدداً بالتقوقع أو العنف الفعلي والرمزي، في حين أن الفلسفة حين تُدرّس بوعي، تساعد على تخريج فقهاء ومفكّرين أكثر إنسانية وأوسع أفقاً، وأقدر على فهم الآخر الديني والمذهبي.

يبدو أن في عمق الكتاب، ثمة رهان: إصلاح التعليم الديني يبدأ بإصلاح أدوات التفكير داخله، والفلسفة ليست ترفاً معرفياً، بل ضرورة تربوية لإنقاذ العقل الديني من الجمود، ومن التحوّل إلى جهاز لإعادة إنتاج اليقينيات المغلقة.

وعلى سبيل النقد، أجد المؤلف يطرح قضية شديدة الحساسية دون إثارة أي استفزاز أو بأسلوب قد يبدو تهجّمياً، إنما جاءت لغته عقلانية تحترم الإيمان ولا تساوم على العقل. من ناحية أخرى، وهو إذ يعرض تشخيصاً عميقاً لمأزق التعليم الديني، فهو يربط بين غياب الفلسفة وبين مشكلات أوسع، كالتلقين وضيق الأفق وضعف الحوار والعجز عن مواكبة العصر. كذلك، يبرع في فصل ذكي بين الفلسفة والعقيدة، فيقدم الفلسفة بوصفها أداة تفكير لا كمشروع إيمان تنافسي، فضلاً عن الأفق الإصلاحي الواقعي في دعوته، لا إلى القطيعة مع التراث، بل إلى إعادة قراءته بأدوات أكثر انفتاحاً وموضوعية. غير أن الكتاب قد يعيبه نخبوية الطرح، إذ يخاطب المؤلف بالدرجة الأولى المعنيّين بالتعليم الديني والفكر الإصلاحي، بحيث قد يصعب على القارئ دون خلفية فلسفية، استيعاب بعض مفاهيمه. وفي نفس السياق، لا يبدو تفاؤله في محله وهو يفترض تقبّل المؤسسات الدينية للإصلاح، وهو افتراض قد يصطدم بواقع أكثر صلابة ومقاومة للتغيير، فهناك حساسيات دينية-مذهبية، صدام مع الأصولية الدينية، خلط بين التدريس الأكاديمي وشبهة التشكيك العقائدي ….! أما أشدها في رأيي، فكان في التركيز على الإطار النظري-الفكري أكثر من تقديم نماذج عملية وتطبيقية واضحة لتضمين الفلسفة المناهج الدينية.

ختاماً أقول: ليس من الموضوعية اعتبار غياب الفلسفة بمثابة حماية للمقدس، إنما يجب اعتباره كعزلة للمقدّس عن الإنسان، فلا الفلسفة خاصمت الدين يوماً إنما خاصمت التقية من التفكير، وليست الفلسفة مقوّضة للإيمان، بل إن للمؤمنين المطالبة بفهم أعمق لإيمانهم.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (6) في قائمة طويلة جداً خصصتها لعام 2026، والذي أنهيت قراءته من الجلدة للجلدة في جلسة واحدة، وقد حصلت عليه من معرض كتاب العام الماضي ضمن (240) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي آنذاك .. وهو سادس ما قرأت في شهر يناير ضمن (10) كتب!

خاطرة في بداية العام: لقد ختمت عامي 2024 و 2025 بـ (150 كتاب) في كليهما، الأمر الذي يرفع من حماسي في تحقيق مستوى تحدٍ للذات، أعلى، في العام الحالي .. وهو العام الذي أطلقت عليه: “عام الوعي لا عام الكم”.

من فعاليات الشهر: كعادة كل عام، يسجل الشهر الأول منه في قائمة أعماله، ما تبقى من أعمال آخر شهر في العام السابق، والتي لم تتم في وقتها، فتستقطع عملية إتمامها من الوقت المخصص للقراءة! لا بأس، فالأشهر القادمة تتكفل بالتعويض!

ومن الكتب التي قرأتها في هذا الشهر: خلع النعلين: اقتباس النور من موضع القدمين

تسلسل الكتاب على المدونة: 756

تاريخ النشر: فبراير 1, 2026

عدد القراءات:127 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *