الكتاب
الاسكندر الأكبر
المؤلف
دار النشر
مكتبة مصر
الطبعة
(1) 2013
عدد الصفحات
140
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
07/30/2019
التصنيف
الموضوع
تأرجح النفس البشرية بين نزعتي الخير والشر
درجة التقييم

الاسكندر الأكبر

مسرحية تقع في أربع فصول تلقي الضوء على جانب من سيرة القائد (الإسكندر الأكبر)، أو كما يُعرف تاريخياً بـ (الإسكندر المقدوني)، وهو الذي يرجّح علماء الإسلام بأنه (ذو القرنين) الذي ورد اسمه في القرآن الكريم .. وأحد الملوك الأربعة الذين حكموا الأرض من مشرقها إلى مغربها.

ومن خلال عرض بعض من السمات الشخصية للقائد الإسكندر الأكبر في المسرحية القصيرة، فهي إذ تعرض مغزىً عميقاً يدور حول النفس البشرية التي لا يحدّها حدّ، فتظهر أولاً في أصلها متأرجحة بين نزعتي الخير والشر وقد تكشّفت بشكل جليّ في داء العظمة الذي جنح بالقائد الإسكندر إلى حد التعالي المفرط ودفعه في نهاية المطاف إلى ادعاء بنوته للإله (آمون) .. هذا على الرغم من السيرة المحمودة التي تنقلها عنه كتب السير والمخطوطات التاريخية. غير أن الرمزية الأكبر في المسرحية تتجلى في نزعة النفس البشرية نحو خلق الآلهة التي تتوق عادة إلى عبادتها، كما كان الحال عليه قديماً عند عبّاد الأصنام، فتعمد هذه النفس إلى خلق الطواغيت من حيث لا تدري وهي ترّسخ ذاتياً واجتماعياً لقيم العبودية والرياء وإنكار الذات، وهي القيم ذاتها التي تؤدي بطبيعة الحال إلى فرض قيم الاستعباد والغطرسة والأنانية وتأسيس الأنظمة الديكتاتورية.

تحمل المسرحية رمزاً آخراً يشي بعواقب الأمور حين تؤول على غير ما هو مأمول! إذ يوعز الإسكندر الأكبر وقت احتضاره بالمُلك من بعده لأخيه المعتوه (أريداوس). فهل بعد أن دانت الأرض لمقدونيا في مملكة مترامية الأطراف على يد ملك محنك، سترتد القهقري على يد ملك صعلوك؟ لقد ظهر هذا الأخير عند موت أخيه وعلى مرأى من القوم وهو يأتي بحركات بهلوانية تصاحبها تشنجات عضلية وإيحائية أثارت ردود فعل متفاوتة فيمن حوله، بين الضحك المكتوم، والشعور بالخزي.

تحظى المسرحية بنجمتين من رصيد أنجمي الخماسي، والتي أسرد من بين أروقتها قليل مما يعبرّ عن زخم النفس البشرية وصراعها بين الخير والشر، وباقتباس في نص حالك (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

  • يدور حوار بين مؤمن راض بقدر الله يمثله (ماساهرتا) وهو الكاهن الأكبر في المعبد، وبين متزعزع ساخط يمثله (حابي) وهو أحد الكهنة، يعكس ذلك النزاع المتأصل بين قيم الإيمان والشرك، الرضا والسخط، التوكل والتواكل. فيبدأ حابي يندب الحال التي صاروا إليها وقد غزى أرضهم القائد الاسكندر المقدوني بعد أن كانوا مخلصين لآلهتهم (آمون)، يعبدونه ويخدمونه، ويقدمون له القرابين، ويملؤون خزائنه بالخبز والعسل والقمح وجرار الزيت .. كل هذا وهم يحرقون البخور عند قدميه، فطفق ينادي: “إلهنا لماذا تخليت عنا”؟. ينهاه ماسهرتا عن قول ما يقول موجهاً نصحه: “هذا ضلال يا ولدي .. إنها مشيئة الإله ولا اعتراض على مشيئة الإله”. يستمر حوارهما على نفس الوتيرة حتى يقول حابي في كمد: “فقدت رشدي .. فقدت صوابي .. فارقتني سكينة القلب”، فيجيبه ماسهرتا وقد خبره قائلاً: “لقد فقدت نفسك نظامها يا ولدى وزلزلت روحك منذ أن فقدت صلتك بالإله .. عد إلى نفسك”. ثم يواصل قوله الحكيم ويطرح سؤالاً استنكارياً قائلاً: “وهل نفهم نحن من نظام الدنيا شيئاً حتى نحكم على خالقها ذلك الذي يحيط بالزمان كله بين يديه .. وما هو كل عمرنا.. ستون عاماً من عمر الأبدية .. من اللانهاية .. وكيف نحكم على رواية لم نشاهدها تتم فصولاً.. لم نشاهد منها إلا لمحة”؟. ثم يوجه سؤالاً إلى حابي من جديد وفي ثقة: “ومن يدرك أن هذه الأرض التي وطأها ذلك المقدوني غازياً سوف تكون مقبرته فيها بعد؟ من يدريك”؟ فيجيب حابي سؤاله بسؤال آخر متحدياً بدوره وكأنه يحاول زعزعة ثقته: “ومن يدريك أنت”؟ حينها، يقول ماسهرتا في نبرة أكثر ثقة وأعمق حكمة: “إيماني .. إيماني بالإله وبعدالته التي لا تدع ظالماً.. سبحانه .. محيط الأرض نظرته .. وكل البرية رهن أمره”.
  • يختم المؤلف مسرحيته بمشهد قصير يختصر الكثير من مسببات تداعي الحال البائس إلى بؤس تام عام، فيقول على لسان أحد الأبطال: “… لقد هرب الأطباء من المدينة منذ أن شنق الإسكندر الطبيب جلوكياس على باب القصر عندما فشل في علاج هيفستيون من الحمى، ومنذ موت هيفستيون والأطباء يجمعون متاعهم من بابل ويهربون”. أما هيفستيون هذا فلم يكن سوى أحد القوّاد في جيش الإسكندر، حسب التعريف الوارد في مقدمة الكتاب عن شخصيات المسرحية .. وحسب الاصطلاح الحديث: أحد جلاوزة السلطان.

وعلى مكتبتي الجوداء، تزدحم معظم إصدارات المؤلف صفاً إلى صف والتي اقتنيتها وأنا في سن مبكّرة جداً، حيث جاءت تقريباً في طبعاتها الأولى وهي تفوح بعبق الورق الأصفر العتيق، وبعضها بأحرف الآلة الكاتبة. إلا أن هذا الكتاب قد حصلت عليه مؤخراً ضمن مجموعة صغيرة متبقية من كتب المؤلف لم أقتنيها آنذاك، وتحديداً في عام 2018 ومن معرض للكتاب بإحدى المدن العربية. ومن هذا المعرض الجميل، حصلت على أكثر من (140) كتاب.

كلمات كُتبت في ثمانينات القرن الماضي، لا يزال صداها يتردد حتى اليوم وبحدّة مؤكداً أن الفكر الحر كأصالة الذهب .. ولا يزال د. مصطفى محمود، المفكر العربي .. الغائب-الحاضر .. بأصالة فكره، وصدق منهجه، وإخلاصه لما يعتنق .. ومما يبدو من المغزى العام الذي حملته المسرحية في صراع قائم بين قيم الخير والشر والتذبذب الإيماني بين التسليم لله والكفر بأقداره، أنها جاءت ضمن إصدارات المؤلف في الفترة التي عصفت بإيمانه وهو يتراوح بين الشك والإيمان والنفي والإثبات، وقد عكف في ثلاثين سنة من عمره يبحث عن التصور الأصح للإله من خلال مختلف الأديان.

………….. رحم الله د. مصطفى محمود وجزاه عن الأمة خير الجزاء، وأخلف لنا عليه بخير!. آمين.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (47) في قائمة ضمت (85) كتاب، قرأتهم عام 2019 .. رغم أن العدد الذي جعلته في موضع تحدٍ للعام كان (80) كتاب فقط!

 

تاريخ النشر: فبراير 27, 2022

عدد القراءات:192 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.