الكتاب
الأوثان
المؤلف
دار النشر
نوفل / هاشيت أنطوان
الطبعة
(8) 2021
عدد الصفحات
50
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
10/29/2023
التصنيف
الموضوع
أوثان الحياة المادية
درجة التقييم

الأوثان

كتاب يجمع في طياته بين فلسفة وجودية ورؤية متصوفة نحو الحياة .. فبينما يصوّب الإنسان المعاصر للحياة نظرة مادية صرفة، يخترق الأديب بنظرته المغايرة تلك المادة ليسبر جوهرها ويتعرّف على كنهها والغاية منها ككل.

يضم الكتاب القصير مجموعة مقالات تصف المادة وقد كفرت بالروح وتعدّتها في خلق الأوثان ثم في عبادتها بإخلاص .. أوثان الحياة العصرية التي صنعها الإنسان المتحضر بما وُهب من ملكات عقلية ووجدانية، ثم سمح لها بالتسلّط على ملكاته بأكملها، في أعجب ما تنطوي عليه النفس البشرية من ميول وغموض وتناقضات وترف مبالغ في حب الحياة ورغبة الخلود!

يخشى الأديب أن تكون الدرجة الأخيرة من العبادات هي الرائجة في الزمن الحاضر .. فالأولى هي عبادة الخالق بسخاء، فكراً وقلباً وجسداً، وقد أسماها بـ (الحارة) .. أما الثانية فعبادة (فاترة) تتدنى عن الأولى في سخاءها .. والثالثة فوصفها بـ (الباردة) لما هي عليه من الشح .. حتى تأتي (الطائشة) في آخرها، وبوصفه أنها “ليس أكثر من كلمة طائشة تفتش عن معنى فلا تجده”.

وبعد أن يبدأ الأديب في الحديث عن (الأوثان)، يصنّفها إلى سبعة رئيسية تشهد عليها الحياة بساكنيها. وفيما يلي، أعرض ما علق في ذهني منها بعد القراءة، وباقتباس في نص كالح (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) وقد نال الكتاب ثلاث نجمات من رصيد أنجمي الخماسي:

  • المال

لا تستقر النفس مطمئنة في حياتها طالما أنها ثمّنتها بأثمان مضطربة لا تستقر. يقول الأديب مستنكراً: فما دمنا نثمن الحياة التي لا تثمن، دامت أثماننا مترجرجة كالزئبق، فما كان لشيء في حياتنا استقرار، ودام المال وثناً تغرينا عبادته براحة كلها تعب، وسعادة قلبها شقاء، وقوة عضلاتها من خيوط العنكبوت“.

  • القوة

وهي صنو المال .. ويعتقد الإنسان أن للقوة سلطان على الناس تضفي الهيبة في ظاهرها. فيتساءل الأديب: أيها الناس ما هذا الذي تعبدون؟ أهو القوة؟ إذن أحر بكم أن تعبدوا الريح فهي أقوى من النسيم، والإعصار فهو أقوى من الريح، والزلزال فهو أقوى من الإعصار .. أحر بكم أن تعبدوا الذئب فهو أقوى من الحمل، والثعلب فهو أقوى من الدجاجة، والزنبور فهو أقوى من النحلة .. بل أحر بكم أن تعبدوا بعوضة «تدمي مقلة الأسد» ودودة تودي بسنديانة وميكروباً يبطش بإنسان .. أحر بكم أن تعبدوا الموت فهو القاهر الذي ما قهرته قوة”.

  • السلطان

وهو توأم القوة الذي يمنح من ملك زمامه الحق في التصرف كما شاء في أولئك الذين خضعوا له، فرضاً وأمراً ونهياً. يوصي الأديب بني جنسه قائلاً: كلنا خادم ومخدوم، وحاكم ومحكوم، وحارس ومحروس .. وكل ما في الكون يتساند ويتعاضد للقيام بمهمة الكون التي إن جهلناها دهوراً فلن نجهلها إلى الأبد .. ومهمة هذا الكون العجيب الشامل إنما تقوم بإرادته العجيبة الشاملة إرادتكم وإرادتي وإرادة كل إنسان وكل منظور وغير منظور في المسكونة .. ولهذه الإرادة وحدها السلطان في الكون، وسلطانها وحدها حري بالعبادة .. أما سلطان الإنسان على الإنسان فوثن قزم دمیم زنيم .. وهو للتحطيم لا للتكريم”.

  • الرأي العام

وهو الذي يعزو إليه السلطان خبثاً كل عمل يعمله، فإنما هو تابع لمشيئة العوام. يقول الأديب في مفاضلة بين الأحرار والأتباع: لئن جاز لنا أن نقيّد ذوي السلطان وأبناء الشارع بعبادة وثن ندعوه الرأي العام، فمن الإثم أن نقيّد بها الذين يستقون وحي الحياة من مناهل لا يعرفها الشارع ولا كرسي الحكم”.

  • القومية

وثن يفرزه الرأي العام .. إنها العصبية القبلية القديمة قدم الإنسان في بدائيته. ينبّه الأديب من حليفها الأكبر قائلاً: أو تدرون ما هو حليف القومية الأكبر؟ هو الاستعمار! أجل، لقد كان الاستعمار الأعمى -وما يزال- حليف القومية العمياء لا عدوها. وأنا ما أعرف أسخف تفكيراً وأقصر بصراً من شعب يحاول أن يزدرد بالقوة شعباً آخر .. فالشعوب ليست باللقمة السائغة التي يسهل ازدرادها، واتحادها لا يتم بابتلاع واحدها الآخر، بل يتم كاتحاد الأوكسيجين بالهيدروجين في الماء”.

  • الكلمة السوداء

إنها وثن آخر ينتجه الرأي العام .. وهي الكلمة المطبوعة بما قد تحمل من تمويه وتشويش وتضليل وتعتيم وتهييج، وغيرها من مؤثرات سلبية إن أرادت تنحية جانب الحق. يتوجّه الأديب بالنصح على أقرانه قائلاً: فعلينا نحن رجال الأدب ولا عدّة لنا إلّا الكلمة، أن نطلقها مشحونة بالصدق والمحبة، منزهة عن خساسات السياسات والقوميات، صماء دون جنون الغوغاء، مكهربة بإيماننا بالإنسان، طاهرة من الخوف والشك والتردّد .. فالحياة صدق للصادقين ومحبّة للمحبين ويقين للموقنين”.

  • العلم

وهو الوثن الذي تزداد عبادته يوماً تلو الآخر، والذي تكمن خطورته في اعتماده على المحسوسات وتصنيفها كحقائق ثابته، وإنكاره للغيبيات كالروح وقواها الخفية. يقول الأديب عن العلم في مقارنة مع الحدس: هو لا يؤمن إلا بما يرى، أما الحدس وأما التأمل الباطني، وأما الوحي فلا يقيم لها وزنا. في حين أن لهذه كلها أثراً بعيداً في تطوّر العلم الحديث. فكم من اكتشاف أو اختراع أو اتجاه جديد كان نتيجة لحدس، أو لحلم أو لوحي. إلّا أن العلم يكره الاعتراف بشيء من ذلك مخافة أن يخرج به اعترافه عمّا يدعونه الأسلوب العلمي الذي يرتكز أولاً وآخراً على الحس والمعاينة الحسية”.

ختاماً، يتعجّب الأديب من ذلك الإنسان .. لا بجسده رغم هندسته، ولا بعقله رغم سحره، ولا بخياله رغم عظمته .. إنما بطموحه الجامح إلى أبعد من تلك الحدود! وهو يرى أنه لمن السخف أن ينصرف عن ميراث الحياة إلى عبادة الأوثان، وإنه لمن الجهل أن ينحني لقوة المال والسلطان والعلم والرأي وقد ملك قوة الله في قلبه، بل إنه من العظمة أن يمضي ذلك الإنسان إلى جانب أخيه الإنسان في جد وثقة نحو ميراث البشرية، ونحو الحق في تحصيل المعرفة التي تحرره من كل قيد، وفي الظفر بالحرية التي هي أصل معرفة كل شيء.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (20) في قائمة طويلة من إصدارات فكرية خصصتها لعام 2023 والذي رجوت مع بدايته أن يكون استثنائياً في جودة الكتب التي سأحظى بقراءتها فيه .. وهو عاشر ما قرأت في شهر اكتوبر، وقد حصلت عليه في نفس العام من معرض للكتاب بإحدى المدن العربية ضمن (400) كتاب كانوا حصيلة مشترياتي من ذلك المعرض. لقد ضحيت بالوقت المخصص للقراءة من أجل أمور طارئة! لم يعد الأمر كذلك، والأشهر المتبقية لي من العام ستكون استثنائية في جودة الكتب .. كما رجوت!

وقد أتبعت هذا الكتاب بآخر للأديب كان عبارة عن مجموعة نصوص أدبية، في النفس وغموضها وفي الحياة على رحابتها .. جاء بعنوان (كرم على درب).

وعلى أرفف مكتبتي، يصطف ما يقرب ثلاثين كتاباً للأديب، أذكر منها: مرداد / هوامش / لقاء / أكابر / دروب / أيوب / ومضات / الغربال / البيادر / المراحل

من فعاليات الشهر: رغم الجدول المزدحم والإرهاق المصاحب، لدي إصرار على خلق الوقت للقراءة تباعاً.

تسلسل الكتاب على المدونة: 420

 

تاريخ النشر: نوفمبر 4, 2023

عدد القراءات:190 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *