الكتاب
تدمر شاهد ومشهود: مذكرات معتقل في سجون الأسد
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Tadmur: The Witness And The Acclaimed: A Diary of a Prisoner In Assad’s Jails – By: Mohammed Salim Hammad
دار النشر
مركز الدراسات السورية
الطبعة
(1) 2006
عدد الصفحات
212
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
10/12/2017
التصنيف
الموضوع
صنف من وحوش بني البشر وهم في تعذيب بني البشر
درجة التقييم

تدمر شاهد ومشهود: مذكرات معتقل في سجون الأسد

صفحات دموية مقتطعة من سجلات أدب السجون، تتعدى المائتين بقليل لكنها تتكفل بتهييج كل صور الرعب والألم والغثيان والجنون .. وكل هذا من خلال عرض صورتين عريضتين فقط لما يجري خلف القضبان: صورة بشر مسفوكة دمائهم، وصورة بشر يتفننون في صنوف السفك تلك مما لا يخطر على قلب إبليس!.

يقضي محمد سليم حماد -الطالب الأردني في كلية الهندسة بجامعة دمشق- عقد من الزمان خلف قضبان سجن تدمر، بعد أن يتم اعتقاله في اليوم الثامن من أكتوبر 1980 وهو على باب كليته، بعد تعصيب عينيه وتوثيق يديه قبل أن يتمكن من التقاط أنفاسه. يأتي هذا الاعتقال إثر شبهة أحاطت به ليصبح (شاهداً) وآلاف السجناء ممن معه على دموية السجن والسجانين، ويُصبح كل عمل وحشي جرى على مرأى أعينهم (مشهوداً)، يضاف إلى قرائن الإدانة!. لم ينخرط سليم يوماً في أي عمل مناوئ للحكومة السورية، غير أن رفقته لعدد من الشباب السوريين المناضلين كان سبباً كافياً لاعتقاله. وقد كان هذا حال غيره من الأخوة الذين غابوا في غياهب السجن العسكري بلا تهمة وبلا محاكمة، وانقطعت أخبارهم عن ذويهم!.

استرجع وأنا أجدد مراجعة هذه المذكرات -وقد استقطعت أربع نجمات من رصيد أنجمي الخماسي- سيرتين أخريين كنت قد قرئتهما لاحقاً في أدب السجون، هما: (القوقعة، لمؤلفها مصطفى خليفة) و (خمس دقائق وحسب، لمؤلفتها هبة الدباغ)، تدور أحداث الثلاثة على مسرح (سجن تدمر العسكري) المصنّف ضمن السجون الأسوأ عالمياً. وعن المحتوى، فيعرض فهرس السيرة بعد المقدمتين ما يلي:

  • الفصل الأول: التنظيم
  • الفصل الثاني: الاعتقال
  • الفصل الثالث: أبو جهل
  • الفصل الرابع: الإعدام
  • الفصل الخامس: أمر بالفاحشة
  • الفصل السادس: السل
  • الفصل السابع: مغادرون وقادمون
  • خاتمة:
    • ملحق (1): مجزرة تدمر الكبرى على لسان منفذيها
    • ملحق (2): من سجل الشهداء

ملاحظة: تمكنت من الحصول على النسخة الورقية في حين قرأتها ابتداءً بنسخة إلكترونية والتي جاءت مقلّصة في ثمان وتسعون صفحة فقط.

لست ممن يهوى قصّ القصص، لا لأنني فقط ابتعد عن الحديث في أخبار البشر كعادتي، بل لأحفظ حق الغير في اكتشاف الحكاية والتفاعل معها على السجية دون علم مسبق. غير أن الكاتب -وهو يقص سيرته كسجين أسبق في سجون نظام الأسد- يلّح على كل شاهد أن يشهد بما اطلع عليه من دموية النظام ، لا كشهادة للمعاصرين بل للأجيال القادمة .. لله وللتاريخ! إذ يقول في الخاتمة: “أدعو كل أخ مسه من فيح تلك المحنة جانب أو ناله من لظاها أذى، وأدعو كل مواطن شهد على ممارسات النظام السوري القمعية مشهداً أو عرف خبراً، أن يبادر ويسجل تجربته ويكتب مشاهداته وشهادته. ولو لم يكن لدى المرء فرصة للنشر اليوم أو كانت ظروفه لا تسمح الآن فغداً ستختلف الموازين وتتغير الأحوال إن شاء الله. لكن الأمانة تظل في أعناقنا والشهادة حق لا يقبل أن نكتمه، والذاكرة لن تدوم فيها المعلومات والذكريات كما هي اليوم، والعمر بيد الله لا ندري متى ينقضي. وإذا كان جيلنا قد عاصر جانباً من الأحداث واطلع على بعض أوجه النظام الديكتاتوري الطائفي في سورية، فإن أجيالا تالية وشعوباً أخرى تحتاج أن تعرف الحقيقة وتدرس ما حدث. ولا بد لكل من أراد أن يخطو على طريق الدعوة إلى الله أن يرصد تجارب سابقيه وخبرة المتقدمين عليه. أما أن تتكرر التجارب متماثلة متشابهة لا تستزيد واحدتها من أخراها ولا يتعلم لاحقها من سابقها فتلك علة معلة وجمود مهلك، وسبب كاف لتكرار النوازل والمآسي والنكبات”.

لذا، أجدني أسطّر ما أمكنني من زوايا السيرة المضنية كمحاولة متواضعة في نشر ما شهدت عليه بعد قراءتها، وفي اقتباس بنص دموي (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

ملاحظة: عادة، يعتمد أسلوبي في التدوين على التعبير بـ (قلمي) عن فكرة الكتاب ككل بعد قراءته، مع القليل القليل من الاقتباسات مما يعبّر بشكل مباشر عن الفكرة المطروحة. رغم هذا، أستثني الكتب التي يجتمع فيها جمال (الرأي والقول) في قالب واحد، الأمر الذي يدفعني لإرفاق اقتباسات أكثر مما اعتدت عليه، وهذا قلّما ما يحدث في مراجعاتي!. جاء هذا الكتاب ضمن الاستثناء المذكور، لذا وجب التنويه.

السجين:

  • إنه محمد سليم حمّاد، الفلسطيني الأصل العراقي المولد (عام 1960). كان والده يعمل مفتشاً في وزارة التربية والتعليم في الأردن، عاش مع أسرته ابتداءً في نابلس التي انتقلت فيما بعد إلى جرش حتى استقرارها في الزرقاء. ولديه من الأخوة أربعة.
  • لم تكن أسرته على قدر كبير من التدين بل ككل الأسر التي لا يتجاوز حد الدين عندها فرض الصلاة، حتى يجد في نفسه توقاً للدين عندما بدأ يكبر ويتعرف على رفقة المسجد الصالحة. يمكّنه هذا التوجه من الانخراط في جماعة الإخوان المسلمين عند بلوغه مرحلة الثانوية العامة، والذي لم يجد في إعلانه حرجاً حيث كانت الجماعة تنمو بشكل علني وطبيعي في الأردن آنذاك. ومن خلال عدد من المخيمات المرتبطة بالجماعة التي اشترك بها، يتعرف على نخبة من الأخوة السوريين، وعن كثب على “قضيتهم ومعاناتهم وجملة هامة من أفكارهم، الأمر الذي كان له وقع مختلف على نفسي لم تظهر آثاره إلا بعد سنوات” كما كان يقول.
  • في الوقت الذي شهد حادثة المدفعية بمدينة حلب أواخر شهر يونيو 1979، واتهام النظام السوري جماعة الإخوان المسلمين بها وإعلانه الحرب عليها، كان سليم قد التحق بكلية العلوم بإحدى الجامعات الأردنية بعد حصوله على معدل يؤهله لها. وفي خضم الحماس الديني الذي اشتعل فتيله بين أعضاء الجماعة وتوارد الأخبار عن بسالتهم في سوريا، يتلقى سليم خطاب قبوله في كلية الهندسة – دمشق عام 1980، وقد تقدم لها من قبل، لا لشيء بل لميله الأكاديمي وحسب.
  • يقول سليم في (إلى دمشق) عن أول احتكاك له مع تنظيم الجماعة السوري: “وواقع الأمر فإنني وبعد أن ازددت احتكاكا بقيادة الإخوان السوريين من خلال تعاملي معهم في الأردن، فقد تم وصلي بالإخوة السوريين في دمشق، وحددت لي مهمة مبكرة بتوصيل تعليمات القيادة من الأردن إلى دمشق. وفي هذا السياق تم ربطي مع شخص آخر اسمه مازن كان سائق سيارة على الخط نفسه، لنؤدي هذه المهمة بالتعاون والتنسيق”.
  • أما في (مراسلات) فيتحدث عن واقعة توقيفه في مركز على الحدود السورية في الفترة التي اعتاد فيها التنقل بين الأردن وسوريا للدراسة ونقل المراسلات. لم يكن حينها يحمل أي رسالة معه من الإخوان أو ما قد يثير الشكوك حوله، غير أن توقيفه لمدة يوم واحد والبرد الذي نخر عظامه ليلتها كانت كفيلة بتوليد الكثير من الهواجس عن هذا المكان المشؤوم. يقول بعد أن أطلق سراحه وقد اتضح أنه لم يكن الشخص المطلوب: “إن الفترة التي أمضيتها بين الزنازين وفي أقبية المخابرات حينذاك كانت كافية لأتبين فظاعة الوضع هناك ومقدار الرهبة والمعاناة التي يلاقيها السجناء: طريقة الأسئلة، الكلمات البذيئة والمسبات، الصفعات والإهانات، وأصوات التعذيب واستغاثات المعذبين”. يلّح عليه أهله في الأردن بعد عودته وقد علموا بما حصل ألّا يعود ثانية، لكنه أكمل مشواره الذي ابتدئه ليلقى مصيره فيما بعد.
  • يذكر سليم في (مفاتيح التنظيم) أمين سر تنظيم دمشق (سالم الحامد) أو أبو الفرج ابن (الشيخ محمد الحامد)، والاعترافات التي أدلى بها للمخابرات تحت وطأة التعذيب بعد أن تم القبض عليه ضمن كمين تم تدبيره له في مارس 1980. إثر اعتقاله، يداهم المخابرات السكن ليعثروا على “الهويات المزورة التي يستخدمها التنظيم الناشيء والختم الذي كان يختم به سالم فوق الصور، فتأكدت لهم الفروقات التي سبق واكتشفوها في الهويات من قبل، وصار كل شاب يستخدم هذا النوع من الهويات في حكم المكشوف، وسرعان ما جرى اعتقال الكثير من أولئك في الكمائن داخل دمشق وبقية المحافظات أو على الحدود”. يستمر ليقول في أسى: “فإذا أضفنا إلى ذلك اعترافات سالم تحت التعذيب، تأكد لنا أن اعتقال أبي الفرج كان ضربة قـاسية للتنظيم، وانكشافاً للمفاتيح الكثيرة التي كانت بيده”. وكعادة بعض من يتاجر بالدين، تسارع نشرة (النذير) الناطقة باسم تنظيم الإخوان لتعلن استشهاد أبو الفرج وهي تلعب على عواطف الناس مستغلة مكانة والده لديهم، ولتحقيق مزيد من الشعبية للتنظيم والذي نزل للميدان وقتها فعلياً. يقول سليم في (حياة الشهيد): “ومضت النذير تتحدث عن أبي الفرج الذي قاوم السلطة ساعات عديدة في بيته بدمشق قبل أن يلقى ربه، ورسمت له قصة بطولية لا أساس لها من الصحة! وسادت هذه القناعة بين الإخوة في دمشق وباقي المحافظات، وظن الناس أنهم في مأمن من اعترافات سالم. وعاد كل منا لمتابعة مهمته بلا أدنى قدر من حذر، وكذلك كان الحال معي”.
  • تجنّد المخابرات طالب الطب (عبدالكريم رجب) عميلاً يندس بين صفوف التنظيم ويستفيد من علاقته بالإخوان ليمدّ أسياده بالأخبار. كان كثيراً ما رآه سليم يحوم حولهم ويكثر من الأسئلة بداع ومن غير داع. وقد تمكن هذا فعلياً من الإيقاع بعدد كبير من الإخوة وكشف قواعد المجاهدين من داخل دمشق وخارجها، ممن وفد وانخرط في التنظيم الوليد.
  • وإثر اعتقاله، يقص سليم عن إحدى جلسات استجواباتهم معه، ويقول: “وساقتني الأيدي القاسية ثانية إلى الأعلى. وعلى باب غرفة التحقيق وجدت الشخص الذي أحضرني ينزع عني ملابسي كلها ويقذف بي من ثم إلى داخل الغرفة مغمض العينين مكبل اليدين عارياً كيوم ولدتني أمي! ولم يلبث الصوت نفسه أن أمرني بالجثو على الأرض وخفض الرأس، وحذرني أن أحاول رفع هامتي لأي سبب”.
  • في (مسيرة الأرقام) يفقد سليم خمسة عشر كيلو غرام من وزنه خلال الأسبوع الأول فقط من دخوله السجن وقد أصبح مجرد (رقم)، ليتعايش مع طوفان الجرذان والحشرات وزملائه المئة المحشورين في زنزانة ضيقة، يتناوبون النوم على أرضيتها الباردة، ويُجبرون أحياناً على أكل الفئران وابتلاع الصراصير. تتوالى الضحايا أمام مرأى عينيه خلال الأعوام الممتدة من 1980 إلى 1991 ما بين المشانق والتعذيب والتجويع وفتك الأمراض الجسدية والاضطرابات النفسية. تتفشى الكوليرا بين المساجين فيتساقطون تباعاً، غير أن إدارة السجن تتخذ التدابير الوقائية لعزلهم، لا رأفة بهم بل لمنع إصابة الإدارة بالعدوى!. وقد تنوعت صنوف التعذيب كالصعق الكهربائي، والكي بالنار، والتعليق من الأرجل، والجلد بالسياط، والضرب بالكابلات، وتكبيل الأيدي والأرجل بالسلاسل الحديدية ……!!!

السجن:

  • كان مهجع السجناء بائساً تعيساً وفي غاية السوء إضافة إلى ضيق المساحة التي لم تكد تتسع لأي نزيل جديد، بحيث أصبح السجناء يتناوبون على النوم في حين يبقى البعض منهم واقفاً في انتظار دوره. يقول سليم في (النوم بالتناوب): “وكانت الأنفاس تختلط بنتانة العرق وتجتمع معها روائح جراحاتنا المتعفنة في هذا الجو السيء”.
  • لم يكن السجّانين فاحشين في تعذيبهم وأخلاقهم فقط، بل كانوا يتعاطون الخمر لا يتورعون عن ذلك. ينقل سليم مشهداً في (مائدة اللئام) حين كان (مطمش) العينين جاثياً في غرفة التحقيق: “دخلت غرفة التحقيق مكلبشاً مكبلاً ومعرى ككل مرة، وسرعان ما شممت رائحة خمر وطعام تملأ المكان”. يعرض عليه أحدهم أن يتفضل معهم إن كان جائعاً، فيرفض -ولم يكن متأكداً من هزلهم أو جديتهم في هذا الكرم- ويستمر أولئك يكرعون الشراب ويلوكون الطعام ويتبادلون البذيء من القول.
  • لم يقتصر الأمر على تقبّل السجناء ازدحام أجسادهم بعضها فوق بعض، بل كان من المحتم إكرام مخلوقات أخرى تقاسمت معهم العيش والملح والسكن. يقول سليم في (القمل والجرذان): “كانت الجرذان والتي أقسم أن واحدها كان أكـبر من القط بلا مبالغة، تربت على طعام المساجين الذي يحتجزه السجانون عنا ثم يرمونه في القمامة! هذه الجرذان كانت تتنقل بين المهاجع من خلال قنوات التهوية رائحة غادية، وأثناء عبورها فوق فتحة المروحة التي كانت أعجز من أن تقدم شيئاً لهذا الجو الموبوء، كان بعضها يزلق فيسقط بيننا أو علينا، فيصاب المهجع كله بهستيريا الذعر، ويتراكض الناس يميناً وشمالاً يريدون أن ينجوا من عضة هذا المخلوق المرعب. ويتدافع الخلق ويعلو الصياح ولا تنتهي الغارة ويموت الجرذ تحت الأقدام إلا وقد نهش أرجل أربعة أو خمسة منا”.
  • أما مشوار (إلى الحلاق) الذي كان يجزّ شعر المساجين فيحيلهم من غيلان إلى رؤوس بطيخ حسب تعبير سليم، فقد كان يمتهنه سجّان برتبة حلّاق من طائفة النظام، لا يمتنع عن كيل سيل من شتائم ولطمات أثناء تأدية مهمته لطابور طويل من السجناء، يُلزمون بالدفع له بعد الانتهاء. وبعد الحلاقة لا بد من الحمام الذي يقول سليم عنه في إحدى المرات: “وبعد ذلك جاء وقت الحمام الجماعي، وساقتنا اللطمات والركلات وفرقعة الكرابيج على ظهورنا إلى قاعة مفتوحة أدخلوا كل عشرة فيها دفعة واحدة وأمروهم أن يتعروا من ثيابهم ويغتسلوا معاً. والجلادون على الباب يشتمون من شاؤوا ويضربون من اشتهوا، والجرذان العملاقة تلك على المواسير فوقنا، تترقب أن يغفل أحدنا لتنهش منه أو تنقض عليه”.
  • يقضي السجناء أيامهم كالسنين في روتين قاتل يفقدون فيه كل طعم للحياة، لا يستطيع أحدهم التحدث إلى جاره الذي ينام معه على عازل واحد، ويرمون الزاد بعد أن فقدوا شهيتهم له، ويتربصون بالباب لأي اقتحام خارجي. يقول سليم في (التفقد) عن هذا الروتين الذي أصبح كلازمة: “نستيقظ في السادسة فنضب العوازل والبطانيات ونقبع فوقها صامتين واجمين .. ولا يلبث أن يفتح الباب فننتفض جميعاً ونقف في حالة الاستعداد. وتخرج مجموعة منا لاستلام حفنة الطعام التي يعتبرونها الفطـور مجازاً، فنزدردها بلا شهية، أو نجمعها في ركن الحمام من غير أن يقربها أحد. وربما مرت على الواحد منا الوجبة والوجبتان والخمس وهو لا يمس من الطعام من قلة الشهية شيئاً. ولكم اضطر رئيس المهجع إلى رمي الطعام في الحمام لأن أحداً لم يأكله خشية أن يكتشف الشرطة ذلك فننال ما نحن بغنى عنه”.

التعذيب:

  • يتم شحن المعتقلين الجدد إلى مثواهم شبه الأخير في سجن تدمر، وبمجرد أن يُصبحوا في عهدته تبدأ فعاليات الاستقبال الرسمي لهم بحفاوة مختلفة. يصف سليم تلك اللحظات في (قصاص) قائلاً: “تجمع موكبنا الحزين خارج الذاتية، فإذا بنا أمام باب كبير كفم الغول. أخذتني لمحة من عيني إلى أعلاه فهالني أن أقرأ قول الله تعالى مخطوطاً هناك «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ» تحوطه شعارات النظام المعروفة “أمة عربية واحدة .. ذات رسالة خالدة”. دخلنا البـاب ونحن نقرأ على الدنيا وراءنا السلام”. يجد السجناء بعد ذلك أنفسهم وسط “باحة إسمنتية” تحيط بها مهاجع السجن .. تلك المهاجع التي يؤمر السجناء بالاصطفاف على جدرانها وترك أظهرهم مشاعة لوحوشه. يُسحب السجناء واحداً واحداً ويتم تجريدهم من ملابسهم كاملة ما عدا قطعة واحدة، مع تكرار عملية التفتيش كإجراء احتياطي، حتى تتلقاهم الأيدي “بالضرب والجلد والركلات”. تتلو تلك المراسم جلسة (الدولاب)، والذي يُربط فيه السجين من رجليه بجنزير من حديد لضمان تثبيته دون حراك، حتى يبدأ الضرب من غير حساب وحيث تكون إشارة الانتهاء عند أولئك الوحوش “أن تتفتح بطن الرجل وتسيل منها الدماء”. لا ينتهي العذاب عند هذا الحد، بل تنهال ضربات أخرى على راحات اليد باستخدام “سياط من الجلد العريض” يقال “أنها صنعت من حزام مروحة الدبابات”. بعد اطمئنان الوحوش بأن ما حلّ بالأرجل حلّ بالأيدي، يؤمر السجناء المتهالكين بالانبطاح أرضاً، وتُلحق بهم العصي والسياط تأخذ من ظهورهم وجوانبهم ما تبقى منها، في خمسين أو مائة سوط. “ويدخل الحفل مرحلته الأخيرة، فيقفز أحدهم فوق ظهر الضحية ويلحقه ثان فيقلبه ويعلو صدره، ويأخذ كلاهما يعفسانه ويركلانه ويمسحان به نعالهما العسكرية الغليظة، حتى تتكسر الضلوع وتتهتك بقايا الجلد السليم”. تسيل الدماء من الجميع وقد يخرج البعض ميّتاً أو كسيراً أو مصاباً بعاهة، ولا “يزيد ذلك الزبانية إلا سروراً وغروراً”.
  • وعن الروتين اليومي الأشبه بالموت البطيء كما وصفه سليم في (التفقد)، حيث الاستيقاظ صباحاً ورمي الفطور إذا لم يتم ازدراءه والمكوث في صمت وترقب ما هو سوء، يأتي السوء فعلاً عقب هذا الروتين في باحة السجن والذي يؤخذ له السجناء للتنفس وأعينهم مغمضة ورؤوسهم مطرقة، يمسك كل واحد أخاه الذي يسير أمامه من وسطه، يسيرون أجمعين في عماء بين ضربات العصي والكبلات أينما توجهوا في الباحة، حتى إذا تعثّر أحدهم وسقط وسحب معه السجناء المتسلسلين، تكون فرصة الزبانية قد ازدادت في مضاعفة عيار الضرب الذي يدوي بين شتائمهم البذيئة وعبارات كفرهم، وبين صرخات المساجين وصيحات استغاثاتهم. “فإذا انتهى وقت التنفس وقادتنا الكبلات صوب المهجع من جديد، تكون على الباب ملحمة أخرى دامية. فمائة ونيف من هؤلاء البؤساء ليست أمامهم إلا فتحة هذا الباب لينفذوا منها. عيونهم مغمضة فلا يستطيعون مشاهدة موطئ أقدامهم، والسياط والهراوات تلاحقهم من كل حدب وصوب، فتنحشر الأكتاف والرؤوس، ويسقط من يسقط حفلة تحت الأقدام، ويشج البعض بعارضة الباب الحديدية، فلا تنتهي التنفس تلك إلا وقد دمي من بيننا أكثر ممن سلم، وأصيب أضعاف من نجا”.
  • يتحدث سليم ابتداءً في (معجزة) عن الأثر الذي لا يزال يلف معصميه كبصمة لذكرى ليس لها أن تُمحى. كانت جلسات التعذيب التي كان يطلق عليها “حفلة التعذيب” قد تقررت له مرتين في اليوم، حيث يغدو إليها مكبل اليدين معصوب العينين ومجرد تماماً من ملابسه، حيث تنال منه السياط ما تنال لاسيما في ظهره وصدره ورأسه، بالإضافة إلى ملاقط الكهرباء. غير أن أسوأ ما أصابه هو “أثر القيد الحديدي الذي يشد على الرسغ ويحتك مع العظم بلا رحمة أو توقف، حتى التهبت يداي وتورمتا من جراء انغراس الحديد القاسي في اللحم واحتكاكه المباشر بالعظم الذي انكشف وتعرى. وظلت آثار القيد كالوشم على رسغي إلى اليوم”. وقد قضى بعد تلك الجلسات أشهر طويلة لا يشعر فيها براحتيه سوى التنميل أو ما أشبه بخدر مزمن، وقد أخبره الطبيب لاحقاً “أن الأوتار في تلك المنطقة قد تهتكت بشكل كبير، وأنها تحتاج إلى معجزة لتعود إلى حالتها الطبيعية من جديد”.
  • أما عن (بساط الريح) الذي لم يكن سوى أداة من أدوات التعذيب، فقد كان الأكثر شيوعاً، “وهو لوح من الخشب يشدون المعتقل عليه من كل أطرافه بسيور جلدية، ثم يرفعون نصفه الأسفل الذي ارتصت عليه الساقان ولم تعودا تملكان أي فرصة للتحرك، وتبدأ الكبلات ذات النصال المعدنية تهوي على بطن الرجلين تنهشهما بلا شفقة، وتترك مع كل لسعة لهـا أجزاء من نصال الحديد في ثنيات الجروح المتفجرة، فإذا انتهى الضرب بقيت هذه النصال مع الدم المتجمد والجروح المفتوحة فتلتهب وتتعفن، فيتضاعف الألم وتشتد الأوجاع والمعاناة. وأما الشتائم والكفر بالله فلم تكن تتوقف مع كل أنواع التعذيب”. يستمر ليوضح بأنه لم يكن ينجو من هكذا حفلات دامية إلا بعد أن يصل إلى درجة الإغماء، فيستيقظ وهو مبلل عار في زنزانته، ممزقة أوصاله، يرتجف من شدة البرد. يستأنف ويقول بأنه لم يكد يلتقط أنفاسه ويلملم أطراف جلده المهترئ حتى تحين جلسة التعذيب التالية، فتنهشه الكبلات “وتنقض ملاقط الحديد على أماكن متفرقة بالغة الحساسية من جسدي لتصعقني بالكهرباء”.
  • يتحدث سليم كذلك عن (الكرسي الألماني) والذي أصاب أحد السجناء بالشلل وعانى جرّاءه بالغ المعاناة حتى بعد الإفراج عنه إلى وقت مماته. يعرّفه سليم بقوله: “هذا عبارة عن كرسي ذو أجزاء متحركة يوثق السجين عليه من ذراعيه وساقيه ثم يسحبون مسنده الخلفي للوراء ساحباً بذلك جذعه الأعلى معه، فيما تظل قدماه مثبتان مكانهما من الجهة الأخرى المضادة. فيتركز الضغط على صدره وعموده الفقري. فإذا ازداد تهتكت الفقرات حتى تتكسر”.
  • وهنالك أيضاً (المنفردات) التي لا يقضي فيها السجين نحبه لشدة التعذيب فقط، بل لتكالب وطأته مع وطأة الوحشة الانفرادية. يضرب سليم في هذا مثلاً بأحد السجناء الذي عاينه الزبانية مشمّراً عن ذراعيه، فاعتبروها إشارة استفزازية لقوتهم، ولطموه قائلين: “هنت (أي أنت) بتتحدانا ولا؟ قوم للسواليل”، وذلك حين اقتحموا المهجع وأمروا الجميع بالانبطاح ثم الوقوف من جديد. يكمل سليم الحادثة التي انتهت باقتياد ذلك الأخ بائس الطالع إلى زنزانة منفردة “يسمون الواحدة منها سالولاً بلغة السجن”، وآخر معه لسبب آخر لا يختلف عن الأول في تفاهته، وقد انقطعت أخبارهما حتى تبين أن الأول قد مات تحت وطأة التعذيب الذي يتولاه عادة فريق التعذيب بأكمله على السجين المنفرد! “ولكن وحشة الانفراد وهول الوحدة في هذا المكان على مهجع الرهيب تظل في اعتقادي أشد من كل هذا العذاب وأقسى”.
  • يتحدث في (تنقلات) عن تعيينه رئيساً لمهجع جديد كان للأصحاء بعد انتقاله من مهجع السل، ليجد نفسه محشوراً وسط مائة وعشرين سجيناً في مساحة غرفة ونصف، يكادون يجلسون فوق بعضهم البعض. فيقول عن نفسه كرئيس للمهجع: “فلما رأيت الحالة على هذا الشكل اندفعت مع أول وجبة طعام يحضرونها إلينا وقلت للمساعد أن العدد كبير هنا. ومن غير أن يجيبني بشيء مضى المساعد وأرسل الشرطة بعد قليل فأخرجوني وأطعموني قتلة قياماً وقعوداً رجعت منها إلى المهجع محمّلاً”.
  • ومن المضحك المبكي أن تخصص إدارة هذا المسلخ طبيباً يتواجد في غرف التعذيب يحرص على بقاء السجين حياً ليتلقى نصيبه المقسوم من جرعات العذاب. يقول في (دموع التماسيح) عن أحد المرات التي تم تعليقه فيها عارياً استعداداً لجلسة التعذيب اليومية بعد مضي عدة أيام على تعذيبه المرير، حيث شعر وقبل البدء بالضرب وكأنه يفقد الهواء من رئتيه “وكان يلازم في غرفة التعذيب تلك طبيب متخصص كما يبدو، سرعان ما اقترب مني فجس نبضي وطلب منهم أن ينزلوني، ولم يلبث أن حقنني بإبرة جعلتني أفقد القدرة على النطق أو الحركة، وأحس أنني أغادر هذا العالم وأموت بالفعل”. يفيق بعدها ليجد نفسه فوق سرير يعلو أنفه كمامة أكسجين ويعلو رأسه حارس برشاش كلاشينكوف. يتلقى العلاج حتى يغادر إلى السجن من جديد، “وبعد خمس أو ست ساعات استعدت خلالها وعيي أخرجوني إلى غرفة التعذيب من جديد وعوضوني عن التعذيب الذي فاتني عذاباً مثله كاملاً غير منقوص”.
  • يُنادى على أحد السجناء للإعدام وقد كان طالباً في كلية الهندسة، فيقبل عليه المساجين باكين مودعين، وهو يقف أمامهم شامخاً قائلاً في رضى: “علام تبكون؟ ابكوا على حالكم أنتم .. أما أنا فخلاص، ارتحت من هذا العذاب”. ومع اشتداد موجة العنف ضد السجناء، وبينما يتم زج مجموعة منهم صوب منصة الإعدام، ينفلت أحدهم ليوسع الزبانية ضرباً شديداً قبل أن يتمكنوا من توثيقه ودفعه نحو حبل المشنقة من جديد. لقد كان الانتقام بعد ذلك أشد عنفاً إذ اقتحم الزبانية بعدها جميع المهاجع ليذيقوا السجناء شر قتلة، وحتى لا تسول لهم أنفسهم تكرار فعل زميلهم، ولوأد أي فكرة لتمرد أو عصيان!.
  • وعلى الرغم من حرص أولئك الزبانية التكتم على أسمائهم وشخصياتهم ورتبهم، إلا انه تسنى للسجناء التعرف على عدد لا بأس منهم من خلال سماعهم لحديثهم اليومي مع بعضهم البعض، وذلك على صعوبة الظروف التي كانت تحيط بهم. يسرد سليم في (من لائحة الجناة) المعلومات التي كانت في حوزته والتي لم أشأ عرضها سوى للمساهمة في إلحاق وصمة العار بهم وبذرياتهم أبد الدهر. مدير السجن: المقدم فيصل الغانم “الذي نفذت على عهده مجزرة تدمر الكبرى في 2/6/1980” ومساعده: النقيب بركات العش “وكلاهما من الطائفة العلوية ومن محافظة اللاذقية”. إدارة الانضباط: المساعد أول أحمد كيساني أو «أبو جهل» كما كان يسميه السجناء، ومساعده: العريف اسمه فواز. رقيب أول: جهاد. الرقيب: شعبان حسين. شرطي: نعيم حنا. الرقيب: فيصل كحيلة “وهو علوي كذلك من اللاذقية، وكان غاية في السادية والإجرام، ولا يحلو له أن يعذب السجناء إلا بضربات العصاً الغليظة التي يمكن أن تقصم الظهر أو تزهق الروح”. مساعده: رقيب أول علي شعبان. شرطي: سمير كوشري “وكنا نسمية زحيوس لأنه كان لا يكف عن إطلاق هذه الكلمة كلما انتشى بتعذيب واحد منا”. رقيب أول: محمد الخازم. المقدم غازي الجهني. الرقيب: محمد نعمة.

تعذيب آخر:

بالإضافة إلى التعذيب الوحشي الذي لا تخطر فنونه على قلوب الأبالسة، يضيف أولئك السفاحين تعذيب آخر نفسي يرش فوق جروحهم الجسدية المتقيّحة ملحاً، يمسّ العرض والعفة والشرف في سيل من سباب وشتائم وأخرى من عيار الكفر بالله .. لا ينمّ سوى عن الفحش الأخلاقي لهؤلاء على ما هم عليه من شيطنة. يصعب عليّ نشر ما سأنشره لكنها جزء من الشهادة لا محالة:

  • يقف سليم في (المحكمة) أمام قاض له شاربين رفيعين كفأر عجوز قدّر أنه (سليمان الخطيب) الذي عُرف بخبثه ولؤمه، والذي قال له بعد أن سأله: “أنت أردني ولا”؟ .. “ما بكفينا هالعرصات اللي عنا ولا .. أنت جاي كمان هون تقاتل معهن”؟. حتى ينتهي بنطق الحكم عليه قائلاً: “نحنا عم نحكم الناس هون بالإعدام .. وإنت لازم نشنقك من بيضاتك”. وللتوضيح: “ولا: كلمة تقريع وإهانة باللهجة السورية”.
  • في خضم ممارسة التعذيب، يحلو لأولئك السفاحين التسلي على طريقتهم. يقول سليم بعد حديثه عن جلسات بساط الريح الآنفة الذكر: “ولأنهم كانوا يعرفون أن العورة لدينا أمر كبير فقد كانوا يتعمدون إهانتنا بالعبث بسوآتنا بطرف الكبل والعصي أثناء التعذيب، أو الإطباق بملاقط الكهرباء على المحاشم وإطلاق صعقات الكهرباء فيها، وكان ذلك في الحقيقة من أشد أنواع العذاب عليّ، ويبدو أن ذلك ما كنت أفقد وقتذاك الوعي بسببه وأغيب عن الوجود”.
  • بعد أن يفرغ السفاحون من خمرهم وطعامهم على مائدة اللئام الآنفة الذكر، يتناولون سليم بالتحقيق الذي ينتهي بـ: “اسمع ولا!! هلق بدك تحكي لنا من طق طق لسلام عليكم .. احك كل شي تعرفه من ساعة ما طلعت من (….) أمك!. أما عن وصلة التعذيب التي طالت الجميع في (أبو جهل) وكان كبير الزبانية، فقد اختاره دون غيره لبنطال الجينز الذي كان يرتديه حينها صائحاً: “احضروا هذا العرص أبو الجينز”. ثم يستمر صائحاً متوعداً الجميع: “هلق بنفرجيكم يا خون .. هلق بس تخلصو يا ويلكم .. والله لنعمل (…) بأمهاتكم وأخواتكم .. والله الموت مصيركم يا (…).
  • و (من رحمات الله) أن ينتهز السجناء فرصة انشغال الزبانية في أعمالهم ليتحلّقوا ويذكروا الله بلا خوف، بل وينعمون بصوت الأذان الذي كان يصلهم من المدن المجاورة لتدمر، وكأنه الأنيس الذي لم يكن له ند. “وكأنما أحس الزبانية بأثر هذه النعمة علينا، فكان بعضهم إذا ارتفع الأذان علانا وأطل علينا من الشراقة وجعل يتبع كل تكبيرة بكلمة الكفر .. وكل تهليلة بمسبة فاحشة واستهزاء بالله تعالى”.
  • وقبل أن يرفق سليم في (أمر بالفاحشة) صورة من أبشع صور الانحطاط الأخلاقي الذي يتخلّق به أولئك الزبانية، يمهّد في عرض مشهداً مصغراً عن غيهم وبطشهم وفجورهم فيقول: “فكم من مرة فوجئنا ونحن في ساعة النوم بواحد من هؤلاء السفهاء يطل علينا من الشراقة فوق السقف ويبول فوقنـا عامداً متعمداً، أو يبصق علينا مرة واثنتين وثلاث. والويل كل الويل لمن رفع رأسه أو تململ في مجلسه! ولكم أخرج هؤلاء الظلمة واحداً أو أكثر من بيننا في منتصف الليل ليتسلوا بتعذيبه من غير أي سبب، أو اجتمع عليه الجلادون في حر الظهيرة فأوسعوه لطماً وضرباً وسحلوه على أرض الباحة وهم يضحكون”. ثم يذكر الواقعة التي من الاستحالة نسيانها والتي تكتّم عليها كل من شهدها من السجناء وقد أطرقوا رؤوسهم وأغمضوا عيونهم في ذهول من مدى خسة أولئك الوحوش. وذلك “يوم أن أطل أحد الحراس من شراقة السقف ونادى على أخوين شقيقين في مهجعنا وأمرهما بكل صفاقة وسفالة أن يخلعا ملابسهما ويفعلا الفاحشة ببعضهما البعض! ومع الضحكات الفاجرة والمسبات الدنيئة أصر المجرم على تنفيذ الأمر، ولم يجد الأخوان إلا أن يجارياه خشية أن يحدث ما لا تحمد عقباه، فخلعا ملابسهما بالفعل والسفيه يلاحقهما ليفعلا أكثر وأكثر”. وما أن خرج هذا الفاجر بعد أن أفرغ ما في جعبته من غل وحقد وخسة تتبعه شتائمه وملافظ كفره بالله، وبعد أن كان السجناء منخرطين في دعاء كفّ شره عنهم، يسود السجن حالة من الوجوم لاذ من كان فيها آنذاك بالصمت المطبق لساعات، حفاظاً على مشاعر الأخوين، “وكرامة وشعور أبيهما الذي كان نزيل المهجع نفسه”. لم تكن الخسة الوحيدة، بل كانت تتكرر في أكثر المهاجع بأمر من هؤلاء الكفرة الفجرة.

ينقل لنا الموروث الأدبي درة في العزيمة تقول “إن السم الذي لا يقتلني يزيدني قوة”. وبصرف النظر عن قائلها أكان الفيلسوف الألماني غوته أو من قبل الفارس المسلم خالد بن الوليد، فإن السجين ينقل شهادة أخرى عن قيم العزيمة والإصرار والمقاومة التي تحلّى بها الكثير من الشباب السوري المؤمن بعد خروجه من المعتقل رغم ما طاله من أذى جسدي ومعنوي يهدّ الجبال، فينقل عن الرئيس البوسني علي عزت بيجوفيتش مقتطفاً من كتابه (هروبي إلى الحرية) عن الكاتب الروسي (خارلام شالومون) والذي كان معتقلاً لمدة خمس وعشرين عاماً في سجون سيبيريا: “إن الحصان يفقد القدرة أسرع من الإنسان! لا يوجد حصان يمكنه احتمال ما يمكن أن يتحمله البشر في معسكرات سيبيريا الستالينية، وهذا مدعاة للفخر، ربما يكون الأمل هو الذي أبقى الإنسان في أصعب الظروف”.

استحضر قبل الختام مطلع قصيدة أمير الشعراء الذي جعلنا في ثناياها (كُلُّنا في الهَمِّ شَرقُ) وقوله العذب:
                                  سَلامٌ مِن صَبا بَرَدى أَرَقُّ .. وَدَمعٌ لا يُكَفكَفُ يا دِمَشقُ 

ختاماً، وإن انتهت معاناة السجين وقد مرّ عليها اليوم أكثر من ثلاثة عقود، إلا أن شهادته الموثقة هذه ستبقى “وثيقة تفضح هذا النظام الذي فاق كل الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، بل ربما في العالم كله. إنه طغيان متجبر على أهلنا، قزماً أمام القوى الخارجية، هزيلاً في المحافل الدولية. كان النظام يطبق ما أوصى به (ماكيافيلي) حين قال: (الشعوب تنتقم من ظالميهم إذا كانت الأضرار التي لحقتهم من الظلم تافهة، ولكنهم يعجزون عن الانتقام لأنفسهم ممن يلحق بهم أكبر الظلم وأشد الضرر” .. نعم، كسياسة الأرض المحروقة .. كما شهدنا!.

وأختم بوعد الحق: “وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ”.

تاريخ النشر: فبراير 19, 2021

عدد القراءات:1024 قراءة

التعليقات

  1. خلق الله الجنة وجعل لها خلقها وكدلك خلق النار وجعل لها خلقا كلما خبت ازدادات بالظالمين سعيرا.
    “طوبى للمظلومين وسحقا للظالمين”
    “وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين”

    1. “يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ”
      ولقد أصبح وردنا اليوم يتضمن: “أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.