الكتاب
سوانح فتاة
المؤلف
دار النشر
دار المحروسة للنشر والتوزيع
الطبعة
(1) 2016
عدد الصفحات
130
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
11/10/2021
التصنيف
الموضوع
خواطر سنحت لفتاة سابقة لأوانها
درجة التقييم

سوانح فتاة

كتاب في أدب المرأة، تتعزز قيمته وقد جاء بقلم أهيف لفتاة عاشت في النصف الأول من القرن العشرين، وهي تطرق أبواباً لا تزال الأحاديث التي كانت تدور خلفها، تدور على مدار الساعة في وقتنا الحاضر! إنها تفتح في جرأة وشموخ قضايا المرأة وما لازمها من جور وتحقير واضطهاد لعب فيها رجل المجتمع الذكوري دوراً عظيماً، واستغلها لصالحه خير استغلال .. كما أن لها من حصافة الرأي ومكنون الفكر، وفلسفة وروحانية وشفافية، ما يعكس مستوى راقٍ لفتاة على قدر جمّ من سعة الاطلاع والوعي والثقافة والاهتمام، والاعتداد بالذات والتمرّد الحاذق!

إنها (مي زيادة 1886 : 1941) أو (ماري إلياس زيادة) المولودة في مدينة الناصرة الفلسطينية لأم من أصل سوري وأب لبناني، وهي التي أتقنت مبكراً تسع لغات، هي: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، الإسبانية، اليونانية اللاتينية، السريانية. حظيت برعاية خاصة من والديها لا سيما كونها الوحيدة بعد وفاة شقيقها، وقد قالت فيها والدتها: “أن من ينجب ميّاً، لا يُنجب غيرها”. تنتقل وعائلتها إلى القاهرة، فتعمل في تدريس اللغات، وتنكّب على دراسة اللغة العربية تجويداً وتعبيراً، علاوة على التحاقها بجامعة القاهرة لدراسة الأدب العربي والتاريخ الإسلامي والفلسفة. ثم تفتتح صالوناً أدبياً تستقبل فيه كل ثلاثاء كوكبة من المفكرين والشعراء والأدباء، من بينهم المفكّر عباس العقّاد والصحفي موسى سلامة، حتى أصبحت محط أنظار وإعجاب الكثيرين. تنخرط كذلك في مجال الصحافة، وتنشر مقالاتها في الصحف المصرية التي كانت تذّيلها بأسماء مستعارة كثيرة، منها (شجية، عائدة، كنار، خالد رأفت، إيزيس كوبيا، السندبادة البحرية الأولى)، وقد ساهمت بدور بارز في الدفاع عن حقوق المرأة حتى توُّجت كإحدى الرائدات في حركة النهضة النسائية العربية الحديثة. ومن أقوالها في حق المرأة في التعليم: “النور النور .. نريد النور دوماً وفي كل مكان! نريد أن يفهم الرجل كرامة المرأة، وأن تفهم المرأة كرامة الإنسانية”، وفي مناهضة الحجاب الذي لم تعتقد به حجاباً شرعياً مرادفاً للاحتشام، أكثر منه حجاباً عن التطور، فرضه الرجل بقصد على المرأة: “هذا الحِجاب الوهمي انبذه بعيداً فهو لا يحجب وجوهاً .. كلا، ولا ملامح! إنما يحجب عقولاً راجِحة ونشاطاً فتياً ونفوساً وثابة إلى العُلا، وإن أبيِّتن إلا اسداله فأسدلنه”. تتبادل الرسائل العاطفية مع أديب المهجر اللبناني (جبران خليل جبران) إلى نحو عشرين عاماً دون أن يلتقيا، حتى وفاته في مدينة نيويورك، وقد أعقب وفاة والديها. على إثر تلك الصدمات، عانت مي من اضطرابات نفسية نقلها أهلها على أثرها إلى مستشفى للأمراض العقلية في لبنان، وقد أساءوا معاملتها، حتى إذا ما خرجت جابت عدداً من البلاد الأوروبية تخفيفاً عمّا أصابها، حتى تعود وتستقر في القاهرة وتموت في إحدى مستشفياتها عن عمر ناهز الخامسة والخمسين. قالت الناشطة المصرية في حقوق المرأة (هدى شعراوي) في تأبينها: “كانت مي المثل الأعلى للفتاة الشرقية الراقية المثقفة”.

وعن عنوان الكتاب، تنقل المعاجم العربية في تعريف كلمة (سوانح) ما يلي:

  • استخدامات متنوعة: سنَح الشَّيءُ – سنَح الشَّيءُ له: عرَض وظهَر، سهُل، تيسَّر وأُتيح / سَنَحَ لي رَأْيٌ: عَرَضَ / سَنَحَتِ الفُرْصَةُ: تَهَيَّأَتْ، سَمَحَتْ / سَنَحَ العَيْشُ: سَهُلَ، تيَسَّرَ / سَنَح الخَاطِرُ بِالنُّزْهَةِ: جَادَ، سَمَحَ
  • الطيرة أو التفاؤل والتشاؤم: السانِحُ: ما أَتاكَ عن يمينك من ظبي أَو طائر أَو غير ذلك، والبارح: ما أَتاك من ذلك عن يسارك؛ قال أَبو عبيدة: سأَل يونُسُ رُؤْبةَ وأَنا شاهد، عن السانح والبارح، فقال: السانح ما وَلاَّكَ مَيامنه، والبارح ما وَلاَّك ميَاسره

تعرض صفحة المحتويات قائمة من الموضوعات التي أخذت قالب أدب المقالة، مما سنح لمخيلة الكاتبة الأدبية، مع شيء من قصص ذات عبرة، حظي معها الكتاب بنجمات ثلاث من رصيد أنجمي الخماسي، هي كالآتي:

  • السانحة الأولى
  • احرصي على قلبك
  • ذكرى قلعة بعلبك
  • قتل النفوس
  • رسائلنا اليوم وبالأمس
  • بين الدكتور شميل والكاتب الأمريكي
  • الأفكار القديمة ومراسل الآنسة مي
  • إلى حضرة ب. ر.
  • سلام الله يا مطر عليك
  • بين الأدب والصحافة
  • موعظة شهر الورود
  • الحركة بركة
  • دنا عيد الميلاد
  • عام سعيد
  • أجوبة الفتيات
  • وصف غرفة في مكتبة
  • في محكمة الجنايات
  • «سعادة» ملك اليونان
  • ماك سويني
  • زواج الملوك
  • الشباب والموت
  • عائدة تتذكر
  • حكاية السيدة التي لها حكاية
  • ساعة مع عيلة غريبة

وفيها، تظهر براعة (مي) من خلال تعدد الألوان التي تكتب بها تبعاً للموضوع الذي يسنح لها فتتناوله، نقداً وتحليلاً وسخرية أحياناً، فيخط القلم في يدها بحبر جرئ رداً جسوراً ومنطقياً على بعض الآراء المتعلقة بالدين وعلى الملفقيّن المنافقين، كما في مقالتي (الأفكار القديمة ومراسل الآنسة مي) و (إلى حضرة ب. ر.) .. كما يظهر حبرها ضاحكاً ساخراً على زمرة من الصحفيين في مقالة (بين الأدب والصحافة) وهي تذكّرهم بمقص الرقيب الذي لا يملكون حياله أية حيلة .. وعلى نفس حدةّ السخرية في (الحركة بركة) تتناول رجال الشرطة بالتقريع اللاذع عندما ظهروا ككائنات طيبة يقابلهم الناس كأشرار .. ثم لا تبالي وهي تسبح عكس التيار في مقالة (عام سعيد) وتعلن عن رأيها المستفز ضد الأعراف الاجتماعية والمعاند للمجتمع .. أما في (قتل النفوس) فتكتب بحبر يقطر دماً وهي تكشف واقعاً سوداوياً ترزح تحت وطأته المرأة، خلقه مجتمعاً ذكورياً مهزوزاً .. حتى إذا انغمس حبرها في الروحانية كما في مقالة (موعظة شهر الورود) جادت روحها في تبجيل الصلاة كأجمل آصرة بين العبد وخالقه ..

ومنه -وقد كان أول كتاب اقرأه للأديبة الراحلة وقد أنهيته في جلسة واحدة- أدوّن في الأسطر القادمة ما علق في ذهني بعد القراءة، وباقتباس في نص نسوي رائد (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • تبدأ الأديبة مقالة (قتل النفوس) بموقف صادفت فيه شابة شاحبة في الحزن، لا يدع لها ذويها حداً أدنى من خصوصية، إذ تلتقط أيديهم كل رسالة تبعثها لها أختها المتزوجة القاطنة بعيداً، فيقرئونها فرداً فرداً حتى تصل إلى يدها في نهاية المطاف! ليست العلّة في قراءتهم المسبقة، ولا في بغية تقصّي الأسرار بينهما التي لم توجد في الأصل، إنما هي في انعدام الثقة! فتختم مقالتها بحكمة قائلة: “احتياجنا شديد إلى مثل هذه الكلمة (ثقوا بالإنسان)”. ثم تنقل من عالماً موازياً خبر أباً عالماً وابنته اليافعة، فتتساءل ابتداءً في تعجّب مشوب باستهزاء على مجتمع متخلف: “أما جاءكم خبر ذلك العالم الألماني الذي كان يدفع إلى ابنته البالغة من العمر 16 سنة رسائلها مختومة؟ ولما لامه أحد أصدقائه أجاب: (ثقتي بالفطرة النسائية عظيمة. لا أقرأ رسائل ابنتي بل أعرض عليها رسائلي. وعوضاً عن أن أشحن دماغها بآرائي ونصائحي التي قد لا تتفق مع ظروف حياتها، أسألها رأيها في كل ما يشكل عليّ من الأمور، فالمرأة أوفر من الرجل نبلاً لأنها أقرب منه إلى سرائر الأحوال وقلب الأشياء)”. وتعقّب ناصحة: “مع هذا الرجل الحكيم أقول: ثقوا بجوهر المرأة .. ثقوا بابنة اليوم، تجدوا أبناء الغد أهلاً للثقة”.
  • يهزّ (مي) ربيع آيار فتقرر أن تشارك الطبيعة أفراحها، وقد شعرت بأن جدران البيت تمنعها من هذا التواصل النقي. فتأخذها قدميها نحو الشارع لتمشي الهوينا ليست لها وجهة محددة، لتصل بهما إلى كنيسة، تتفتق بين جنباتها وعبق البخور وحشد المصلين، خواطر عن الله وعن الصلاة التي لا تعرف شيئاً أجمل وأسمى منها في أي دين! ليست تلك الصلاة الآلية التي عنت، المتعاقبة في ألفاظ تُتلى وأصابع تُعقد، فذلك “أبعث إلى التنويم المغناطيسي منها إلى الإيقاظ الروحي”، إنما تلك الصلاة التي يشترك فيها العقل والقلب!. يستهل الكاهن موعظته أمام المذبح الكبير في تؤدة، حتى إذا جاء على ذكر مريم البتول، علا صوته والتمعت عيناه، فأوصى الأمهات بالتحلي بجميل صفاتها التي بها أحاطت ابنها يسوع، وهي “الحنان والحصافة والمحبة الصادقة”، وأن يستلهمن منها طرق التربية والتهذيب .. كما أن إليها “يلتجئ اليتامى الذين لا أم لهم، فيجدون في حضنها الراحة والعطف والمساعدة .. إليها تلتجئ العذارى لأنها أبهى مظهر للطهر والحشمة والوداعة” .. فتعّقب (مي) على موعظته، وتتوجه بموعظتها إلى قريناتها من النساء تختم بها مقالة (موعظة شهر الورود)، إذ تقول قولاً قد يجده بعض المعاندين منافياً لما تنادي به من دعاوى في تحرير المرأة، غير أن الحرية التي تطالب بها (مي) ومثيلاتها، لا يمت بصلة للهراء الذي يعتمل في عقول وقلوب أولئك. فتقول نصاً: “اسمعن يا أخواتي يا نساء القاهرة! إليكن أوجه هذه الكلمات فاقبلنها، لأنها خلاصة اعتقادي. تعلّمن الحشمة من مريم أنتن بنات اليوم الناسيات .. ما وقار المرأة واحترام الناس لها إلا نتيجة حشمتها وعفتها. قد تكنّ عفيفات طاهرات في قلوبكن، ولكن كيف يصدقكنُ الرائي ويحسن الظن بكن وأنتن تسرن في الشوارع بهذه الأزياء الحديثة التي تعري منكن العنق والنحر والذراعين، هذه الأزياء الشريرة بأقمشتها الشفافة، الشريرة بقصرها وضيقها، التي تعدم لابستها كل هيبة وجلال؟”.
  • بعيداً عن محتوى المقالتين، تتطرق (مي) في مقالة (إلى حضرة ب. ر.) التي جاءت تعقيباً عن رأيه المتلوّن في مقالتها السابقة (بين الدكتور شميل والكاتب الأمريكي)، إلى التزاوج اللاشرعي بين الدين والسياسة، وكأنها بين ظهرانينا، وما أشبه الليلة بالبارحة! فتقول: “نعم إنهم يفتتحون الحرب باسم الله، وينادونه إلى الأخذ بيدهم، ويملقونه -وهو الرفيع عن كل تملق- قائلين: أنت إلهنا وأنت معنا .. حتى إذا ما أفنوا حياة سُمح بأن تكون، وهدموا دياراً سُمح بأن تشاد، ومزقوا أجساداً وسحقوا قلوباً، عادوا إلى كنائسهم ومعابدهم، وجثوا أمام الإله العظيم، إله الرحمة والحب والإشفاق، وأنشدوا: “إياك اللهم نعظم”. إن الأديان لتبرأ من فظائع الحروب، ولا تجوز إلا الدفاع عن الوطن إذا هاجمه الأعداء، ولكن جميع النفوس لا تفهم الأديان كما هي، بل كل منا يفهم دينه حسب درجة عقله وميول قلبه. ولا يقتصر البشر على الإيمان بالعقائد الدينية الأساسية، بل يتعصبون لاعتقادات أخرى إضافية لم تكن إلا اختراع التعصب والجهل. وكثيراً ما يستفيد رؤساء الشعب والحكومات من هذا التعصب فيشهرون الحروب، ويقودون الشعب المسكين إلى حيث لا أثر للدين، ولا منفعة لغير السياسة”.
  • يهتف الجمهور اليوناني في مقالة («سعادة» ملك اليونان) فرحاً متهللاً منفعلاً بعودة الملك قسطنطين والأسرة المالكة إلى أرض الوطن .. ذلك الانفعال الذي يتلاعب به، فتارة يرفعه إلى قمم الجبال وتارة يهوي به إلى السحيق، فيقدّس في ساعة من سيذّله في الساعة التالية “وهو في كل ذلكم هائج مائج، مسيّر غير مخيّر، يتدافع بلا تروٍ ولا تعقل”. تقف (مي) لترقب المشهد من بعيد، وتحلل هذا السلوك الإنساني من وجهة نظر سيكولوجية، فتقول: “ومن الغرائب أن الأشياء تقوى بالتضاعف إلا ذكاء الجمهور، فلو اختير خمسة أشخاص أو عشرون شخصاً من أرقى الناس، وجمعوا للمناقشة والبت في أحد الموضوعات، وأفرد لمثل ذلك شخص واحد متوقد الجنان ماضي العزيمة، فلربما جاء الفرد بما قصرت دونه الجماعة، لأن مستوى الذكاء يهبط في الجمهور ويختلط، بينما هو في الفرد يسمو ويتناهى. وهو حدث سيكولوجي معروف لدى علماء النفس. ولعل المقابلة بين قاموس الأكاديمية الفرنساوية الذي يشتغل فيه عشرات (الخالدين) منذ عشرات الأعوام، وبين قاموس لاروس الكبير الذي أنهاه فرد واحد دون مساعدة أحد .. لعل هذه المقابلة مصداق يقبله كثيرون”.
  • وأختم بقول عذب لها -أطرقت له- في مواساة المحزون، على طريقتها التي لا تُشبه طقوس ما فرضه المجتمع عليه، ابتداءً من ماذا يرتدي وكيف يتحرك وأين يذهب، انتهاءً بالتحوّط من مشاركته تهاني العيد! فتقول في مقالة (عام سعيد) قولاً شجياً ينم عن روح شفافة .. ودعوى للتفاؤل بالحياة مهما يكن: “إن المحزون أحق الناس بالتعزية والسلوى .. لسمعه يجب أن تهمس الموسيقى بأعذب الألحان، وعليه أن يكثر من التنزه، لا لينسى حزنه، فالحزن مهذب لا مثيل له في نفس تحسن استرشاده، وإنما ليذّكر أن في الحياة أموراً أخرى غير الحزن والقنوط”.

وإنها لسوانح مرهفة لفتاة سبقت زمانها .. وصادفت سوانح فتاة القرن الواحد والعشرين!

رحم الله مي زيادة ..

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

من الذاكرة: جاء تسلسل الكتاب (32) في قائمة حوت (55) كتاب، قرأتهم عام 2021، وقد حصلت عليه من متجر جملون الإلكتروني للكتب العربية في ديسمبر من عام 2020، ضمن (85) كتاب تقريباً كانوا حصيلة مشترياتي من تلك الشحنة.

 

تاريخ النشر: يوليو 19, 2022

عدد القراءات:14 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.