الكتاب
ربما عليك أن تكلم أحداً: معالج نفسي وحياتنا كما يكشفها
المؤلف
الكتاب باللغة الأصلية
Maybe You Should Talk to Someone - By: Lori Gottlieb
المترجم/المحقق
نادين نصرالله
دار النشر
دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة
(3) 2023
عدد الصفحات
526
النوع
ورقي
تاريخ القراءة
03/17/2024
التصنيف
الموضوع
الداء والدواء عند معالجة نفسية
درجة التقييم

ربما عليك أن تكلم أحداً: معالج نفسي وحياتنا كما يكشفها

عندما يجتمع الداء والدواء لدى فرد واحد .. يصبح حديثه أكثر مصداقية .. كأن (تسأل مجرّب وتسأل طبيب أيضاً).

هنا معالجة نفسية .. إضافة إلى جلسات العلاج النفسي التي خضعت لها شخصياً، فهي تتصدى لعدد من الاضطرابات التي قد تلمّ بالنفس البشرية، وهي تستعرض حالات مرضية أشرفت على علاجها، وتطلّبت منها صبراً وجلداً وحكمة إضافة إلى ما كنت تحمله من علم وخبرة وممارسة، حتى عادت تلك الحالات إلى المستوى الموزون من الحياة لأي إنسان طبيعي، فضلاً عن التحسّن الواضح في جودة الحياة الاجتماعية لا سيما مع الصديق أو الشريك أو الأبناء.

ولأنها كاتبة -إضافة إلى عملها كمعالجة نفسية- فقد وضعت المؤلفة كتابها بمادته العلمية، في إطار أدبي لم يخلُ من حس فكاهي، ما خفف من وطأة الحالات الإنسانية التي تعرّضت لها بثقل ما حملت وتحمّلت، والشروح العلمية الجافة الملحقة بها بطبيعة الحال، وقد حرصت بالتأكيد على سرية المعلومات الخاصة بمرضاها حيث استبدلتهم بأسماء مستعارة! فهناك (جولي) مريضتها الشابة التي ماتت بالسرطان ولم يفارقها التفاؤل برفقة زوجها، ومحاولة حصولهما على طفل رغم حالات الإجهاض التي تعرّضت لها، حتى حرصت على ترتيب جنازتها قبل وفاتها ودعوة معالجتها لحضور مراسيمها .. وهناك (جون) الذي كان ينعت الجميع بـ “الأغبياء”، والذي فقد ابنه ذو الست سنوات في حادث سيارة كان يقودها وعائلته، وقد فقد والدته من قبل في نفس المرحلة من العمر، وزوجته (مارغو) التي تراجع معالجاً نفسياً آخر وهي لا تعلم عن أمر علاجه شيئاً وتطالبه بتفرّغ أكبر نحوها ونحو طفلتيه، في حين يستمر هو بكتابة سيناريوهات الأعمال التلفزيونية التي تنجح نجاحاً باهراً ويكفي عائلته مادياً، ورغم أنه كان يتعامل مع معالجته بوقاحة متعمدة، فقد تقبلّته وقد علمت أنه كان يخفي خلف عنجهيته قلباً طيباً كسيرا .. وهناك (ريتا) التي هجرت بيتها مخلّفة وراءها طفله وولدين مراهقين حين لم تعد تقوى على عنف زوجها المدمن للكحول تجاهها وتجاه أبنائها، حتى بلغت السبعين وهي منعزلة في شقتها، لتتعرف على جيرانها اللطفاء ووالدهم الذي كان يتناهى إلى مسامعها حين يدلف من باب شقته قائلاً: “مرحباً عائلتي”، حتى تتقبّل في النهاية رجلاً أحبها فتحبه، ويقرّبها من عائلته، ثم تلتقي من جديد بأبنائها الذين تحسّنت علاقتهم بوالدهم بعد ندمه على سوء معاملته لهم، في حين لم يتمكنوا هم من مسامحتها تماماً لتخليها عنهم وهم صغار، ثم تعكف على أعمالها الفنية وتفتتح موقعها الإلكتروني الذي تعرض فيه لوحاتها ومنتجاتها الإبداعية، وتنجح.

لقد كان الكتاب من المصداقية في طرح الأمثلة الحية للحالات المرضية، أن كشفت المؤلفة -وهي المعالجة النفسية- عن تعرضها شخصياً لضغط نفسي جرّاء علاقة عاطفية انتهت بالفشل بعد عدة أعوام مع من أسمته بـ “الخليل” حين تخلّى عنها وهما على وشك عقد زواجهما، وذلك بحجة عدم قدرته على العيش في بيت يوجد به طفل .. إشارة إلى طفلها الوحيد البالغ عشرة أعوام .. الخذلان الذي ألجأها للخضوع إلى جلسات علاجية تحت إشراف معالج نفسي آخر، حرصت على أن يكون سرياً في بداية الأمر، وقد كانت تأمل بيأس في عودة خليلها، حتى تحسّنت واستبدلت اسمه مع صديقتها باسم “كاره الأطفال” .. وهي الصديقة التي نصحتها ابتداءً قائلة “ربما عليك أن تكلمي أحدهم” وأردفت: “عليك إيجاد مكان لا تكونين فيه معالجة نفسية! عليك أن تتوجهي إلى حيث يمكنك أن تنهاري بالكامل” .. وقد كانت -إضافة إلى بكائها المرير- على درجة من الصراحة في الحديث عن مداخيل نفسها أمام معالجها، إلى الحد الذي كشفت له فيه عن انطباعاتها تجاهه، وبحثها عن حياته الشخصية في شبكة المعلومات، وقد انتهت جلساتهما بود وبرقصة صاخبة معاً في العيادة .. وهذا كله ما يجعل من كتابها أشبه بسيرة ذاتية عن كتاب علمي صرف في علم النفس!

من ناحية أخرى، تصف هذه السيرة شخصية امرأة ذات طموح وإصرار! فبعد أن التحقت بالفرع الأدبي وعملت في أستوديوهات هوليوود على بعض المسلسلات لا سيما عن تلك المعنية بغرف الطوارئ في المستشفيات، تقرر فجأة دراسة الطب، حتى تتوقف قبل إنهاء الثلاث سنوات المتبقية من الدراسة، وذلك من أجل التفرّغ لإشباع شغفها في الكتابة والعمل على إصداراتها الأدبية، لتستأنف من جديد وبعد حين دراسة الطب وتتخصص أخيراً في مجال علم النفس. لقد تحدثّت من غير حرج عن مرضها الجلدي الذي لم يجد له الأطباء تفسير علمي واضح، وعن طفلها الذي التقطت أباه الوسيم من البنك المنوي وقد حظي بطلب كبير من الزبائن، وعن محاولاتها من قبل في الحصول على طفل عن طريق اتصال طبيعي وبصفقة مع أحدهم الذي تردد ورفض عرضها في النهاية ما أرداها في خيبة مريرة، وعن ندمها في عدم نشر كتابها الأبوي الذي كان متوقع له أن ينجح نجاحاً باهراً لما كان عليه من إقبال، وعن كتابها الآخر في السعادة الذي توقفت عنه إكماله وقد شارفت على إنهائه وتحمّلت جرّاء ذلك غرامة مالية دفعتها لدار النشر .. وعن والديها وصديقاتها وزملائها وابنها واهتماماتها الخاصة الأخرى.

تعرض المؤلفة مادة كتابها الثمان وخمسون من خلال أربعة أقسام رئيسية، أحرزت بدورها أربعاً من رصيد أنجمي الخماسي، وقد جاء في ترجمة احترافية من نصّه الأصلي (Maybe You Should Talk to Someone – By: Lori Gottlieb) .. والذي تم تصنيفه ضمن (الأكثر مبيعاً) حسب نيويورك تايمز. ومنه أقتبس ما راق لي من أرجائه في نص تفاؤلي (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

  • تنقل المعالجة في (الموضوع الأول: أغبياء) عن إحدى مشرفاتها أثناء فترة التدريب، قولها “ثمة ما هو محبّب في كل فرد” وهي تعني ذلك القدر من الإنسانية الذي لا بد وأن يتحلى به كل إنسان، زاد أو نقص، والذي إن سنحت له الفرصة الإنسانية، لأصبح تحوّل الأعداء إلى أصدقاء ممكناً. تعقّب بدورها قائلة: “ولمفاجأتي الكبرى، وجدت أنّها على حق. فيستحيل أن تتعرّف إلى الناس عن كثب ولا تجد ما تحبّه فيهم. هكذا، علينا أن نأخذ أعداء العالم، ونضعهم في غرفة واحدة ليتبادلوا تاريخهم وتجاربهم، ويتشاطروا مخاوفهم وصراعاتهم، فيتفق عندئذ، وبشكل غير متوقع، خصوم العالم أجمع! لقد وجدت ما أحببته، حرفياً في كل شخص رأيته بصفتي معالجة نفسية، بمن فيهم ذاك الشاب الذي أقدم على محاولة اغتيال! تبين أنه يخفي تحت غضبه، قلب طفل، ولا أسهل من حبّه”.
  • ومع أولى جلساتها العلاجية مع طبيبها ويندل، تشير المعالجة في (الموضوع السابع: بداية المعرفة) إلى ضرورة المكاشفة لا سيما من طرف المريض النفسي تجاه معالجه، الأمر الذي يساعد المعالج في تعيين نقاط القوة والضعف لديه ويعمل عليها من هنالك. تقول في نبرة الخبيرة: “مفارقة مثيرة للاهتمام في المسار العلاجي: كي يحسن المعالجون النفسيون القيام بعملهم، يحاولون أن يروا المرضى على حقيقتهم، ما يعني أنّهم يلاحظون نقاط ضعفهم وأنماطهم وصراعاتهم الراسخة. أما المرضى فيريدون بطبيعة الحال، أن يحصلوا على المساعدة، لكنّهم يريدون أيضاً أن يكونوا محبوبين ويثيرون الإعجاب. بمعنى آخر، يسعون إلى إخفاء نقاط ضعفهم وأنماطهم وصراعاتهم الراسخة. وهذا لا يعني أن المعالجين لا يبحثون عن مواطن القوّة لدى المريض ويحاولون الارتكاز عليها، بل نفعل. لكن بينما نعمل على اكتشاف ما لا يجري على خير ما يرام، يحاول المرضى الحفاظ على الوهم لتجنّب العار، فيبدون متماسكين أكثر مما هم عليه فعلياً. يعمل كلّ من الطرفين بما يريانه خدمة السلامة المريض، لكنّهما غالباً ما يعملان على نحو تتعارض فيه الأهداف، خدمة لغاية نهائية مشتركة”.
  • في (الموضوع الحادي عشر: وداعاً هوليوود) تقف المعالجة رأساً برأس مفتوح في جناح العمليات العصبية، أثناء عملها لصالح شبكة إن بي سي! لقد كان رجلاً في مقتبل العمر يعاني من ورم في غدته النخامية، حين نشر الجرّاح وفريقه العظام، وسُحبت اللفائف البطنية بطبقاتها التي أسفرت عن الدماغ عارياً .. هنا تقول المعالجة والتي لم تكن حينها سوى مشرفة إنتاج أعمال درامية: “أحسست بنوع من الذهول! كل ما يجعل هذا الرجل هو نفسه -من شخصيته، إلى ذكرياته وتجاربه، وما يحب وما يكره، ومن أحب ومن خسر، ومعرفته وقدراته- موجود في هذا العضو الذي لا يزيد وزنه على الكيلوغرام ونيّف. تفقد ساقاً أو كلية، ولا تزال أنت، لكن أفقد جزءاً من دماغك -أو أفقد عقلك بكل ما للكلمة من معنى- من تصبح عندئذ؟ تملكتني فكرة ملتوية: ها أنا أدخل في رأس أحدهم! لطالما حاولت هوليوود الدخول في رؤوس الناس عبر الأبحاث حول السوق والإعلانات، لكن ها أنا هناك فعليًاً في عمق أعماق جمجمة هذا الرجل. تساءلت إن كانت هذه الشعارات التي ما انفكت الشبكة تلاحق بها مشاهديها قد تمكنت يوما من بلوغ هدفها: هذا مشهد من المشاهد التي لا تفوّت على التلفاز! وبينما كانت تتناهى إلى مسامعي الموسيقى الكلاسيكية التي كانت تعزف بهدوء في الخلفيّة، وجراحا أعصاب يعملان على إزالة الورم، يضعان بكل عناية أجزاء منه على صينيّة معدنية، أخذت أفكر بمواقع التصوير المحمومة في هوليوود وما يتخللها من فوضى وأوامر”.
  • وعن اللهاث المصاحب للسعي المحموم خلف الحياة، والغفلة عن حقيقة الموت التي له أن يقطع أنفاسها في لحظة، تسرد المعالجة خاطرة في (الموضوع الثاني عشر: مرحباً بكم في هولندا) قائلة: “نخال أنفسنا قد أعددنا لائحة الأمنيات كي نبعد عنا شبح الندم، لكنها تساعدنا في الواقع على إبعاد شبح الموت. ففي النهاية، كلما طالت لائحة الأمنيات، كلما ظننا أن ما تبقى لنا من وقت لإنجاز كل ما عليها طويل. غير أن تقصير اللائحة يحدث فجوة طفيفة في أنظمة إنكارنا، فيجبرنا على الاعتراف بحقيقة ثابتة: للحياة معدّل وفيات يبلغ مئة بالمئة. فكل شخص منا ذاهب إلى زوال، ومعظمنا لا يملك أدنى فكرة كيف أو متى سيحدث هذا في الواقع، وبينما تمر كل ثانية، نسلك كلنا مساراً يقربنا أكثر من حتفنا. وكما يقول المثل، لن ينفذ أحد بجلده حيا”.
  • من خلال رسوم متحركة شهيرة، يستحضر المعالج ويندل صورة سجين يتمسّك بالقضبان التي أمامه يهزها في محاولة يائسة للخروج، في حين أنه لو انعطف يميناً أو يساراً لتمكّن من الخروج حيث كانت مساحتهما مفتوحة بالكامل! تقول المعالجة في (الموضوع الثاني والعشرين: السجن) بعد أن طلب منها معالجها إغماض عينها وتخيّل ذلك السجن: “يصل معظمنا إلى العلاج وهم يشعرون أنهم عالقون، مسجونون بفعل أفكارهم، أو سلوكياتهم، أو زيجاتهم، أو وظائفهم، أو مخاوفهم، أو ماضيهم. أحياناً نسجن أنفسنا كنوع من العقاب الذاتي. ولو كان الخيار يعود لنا، خيار أن نصدّق أمراً من اثنين، وكلاهما مثبتان بالأدلة القاطعة -أنا غير محبوبة، أنا محبوبة- فغالباً ما نختار الشق الذي يجعلنا نشعر بالسوء. لماذا نبقي أجهزة الراديو الخاصة بنا مثبتة على تلك المحطات الجامدة نفسها التي لا تتغيّر (محطة حياة الجميع أفضل من حياتي، ومحطة لا يمكنني أن أثق بالناس، ومحطة لا شيء ينفع معي) بدل أن نحرّك الإبرة صعوداً أو نزولاً؟ غيّر المحطة. امش حول القضبان. من يمنعنا إن لم يكن أنفسنا؟ هناك سبيل للخروج طالما نحن على أتم الاستعداد لرؤيته. ها هي رسوم متحركة، من بين كل الأشياء، تعلّمني سر الحياة”.
  • وعن (النوع) الذي يفضله كل إنسان كشريك، فهو ليس سوى (الانجذاب) .. للمظهر الخارجي مثلاً أو لنمط شخصية معين. غير أن ما يختبأ وراء هذا التفضيل للنوع هو (الإحساس بالألفة). تضرب المعالجة مثلاً في هذا وتقول: “فليس على سبيل الصدفة أن الأشخاص الذين عاشوا مع أهل غاضبين انتهوا باختيار شركاء غاضبين، وأولئك الذين عانوا أهلاً مدمنين غالباً ما يشعرون بالانجذاب إلى شركاء يفرطون في تناول الكحول، أو أولئك الذين كان أهلهم منطوين على أنفسهم أو يمرون بظروف نفسية صعبة يجدون أنفسهم يتزوجون أشخاصاً منطوين على أنفسهم أو يمرون بظروف نفسية صعبة”. ثم تسأل المعالجة في (الموضوع الثامن والعشرين: إدمان) سؤالاً متعلقاً بالنوع المنجذَب إليه وتجيب عليه قائلة: “لماذا يفعل الناس هذا بأنفسهم؟ لأن الانجذاب تجاه الشعور بـ «المألوف» يجعل من الصعوبة بمكان بالنسبة إليهم أن يفصلوا بين ما يريدونه كبالغين وما اختبروه كأطفال. لذلك يشعرون بشبه انخطاف تجاه الأشخاص الذين يتشاركون معهم مزايا أحد أبويهم الذي ألحق بهم الأذى بطريقة أو بأخرى! في بداية العلاقة بالكاد تظهر هذه المزايا، لكن اللاوعي مزوّد بنظام رادار مضبوط بدقة يعجز العقل الواعي عن بلوغه. هذا لا يعني أن هؤلاء الأشخاص يريدون أن يتعرّضوا للأذى من جديد. إنّهم بكل بساطة يسعون للسيطرة على حالة شعروا بالعجز تجاهها عندما كانوا أطفالاً. أطلق فرويد على هذه الحالة اسم «التكرار القهري». فيتخيل اللاوعي، ربما هذه المرّة، أستطيع أن أعود بالزمن وأداوي ذاك الجرح القديم عبر الارتباط بشيء مألوف إنما جديد. لكن المشكلة الوحيدة في اختيار شركاء مألوفين هي أن الناس يضمنون النتيجة المعاكسة: يعيدون نكئ جراحهم ويشعرون بأنهم غير مناسبين وغير جديرين بالحب”.
  • ترتبط السرعة بالزمن التي ترتبط بالضرورة بالجهد والتحمّل! فكلما ازدادت السرعة قلّ مقدار الجهد ومدى التحمل، غير أن الصبر يعيد قوتهما، وهو الذي يتكفل بهما لفترة تسمح بإعادة تدوير المصاعب أو تخطيها، “فالشعور بالحزن أو القلق يمكن أن يمنحك أيضاً معلومات أساسية عن نفسك وعن عالمك”. تعلّق المعالجة في (الموضوع الثالث والستين: سرعة الحاجة) من ناحية أخرى قائلة: “ثمة شيء من السخرية المبطنة في هذا. يسعى الناس للحصول على حل سريع لمشكلاتهم، لكن ماذا لو كان السبب الرئيسي لتعكر مزاجهم هو الوتيرة المتسارعة في حياتهم؟ تخيلوا أنفسهم يحثون الخطى الآن كي يتمكنوا من التلذذ بحياتهم لاحقاً، لكن هذا الـ لاحقا غالباً ما لم يأت. وقد أشار المحلل النفسي إيريك فروم إلى هذا الموضوع قبل أكثر من خمسين عاماً، حيث قال: يعتقد الرجل المعاصر أنّه يخسر شيئاً ما -الوقت- عندما لا يقوم بالأشياء بسرعة؛ غير أنّه لا يعلم ما هو فاعل في الوقت الذي يكتسبه سوى قتله. كان فروم محقاً؛ فالناس لا يستخدمون هذا الوقت الإضافي الذي اكتسبوه للراحة أو للتواصل مع الأصدقاء أو العائلة. عوضاً عن ذلك، يحاولون أن يحشوه حشواً”.
  • كما الاعتذار، فإن المغفرة مسألة شائكة! فهل مغفرة إنسان لخطأ أحدهم في حقه يجعله في وضع أفضل؟ أم هل تقديم الاعتذار لشخص يعتقد بأنه يستحق الاعتذار لضرر ألحقه به شخص آخر، مبرراً كافياً؟ توضح المعالجة هذه الإشكالية في (الموضوع الواحد والأربعين: النزاهة مقابل اليأس) قائلة: “ثمة مصطلح نستخدمه في العلاج النفسي: المغفرة القسرية. يشعر الأشخاص أحياناً أنه يتعين عليهم كي يتخطوا صدمة ما، أن يغفروا لمن تسبّب لهم بالأذية، أحد الوالدين الذي اعتدى عليهم جنسياً، أو اللص الذي سرق منزلهم، أو عضو العصابة الذي قتل ابنهم. لقد أقنعهم ذوو النيات الحسنة أن ذلك الغضب الداخلي لن يبارحهم، إلى أن يقووا على المغفرة. وهكذا، قد تشكل المغفرة للبعض تحرّراً قوياً، إذ إنك تغفر للشخص الذي أخطأ بحقك من دون التغاضي عن أفعاله، الأمر الذي يساعدك على المضي قدماً. لكن غالبا ما يشعر الناس بالضغط من أجل الصفح، وينتهي بهم المطاف إلى الاعتقاد بأنهم على ضلال إن فشلوا في بلوغ تلك المرحلة، أي إنهم ليسوا على درجة كافية من التنور أو القوة أو التعاطف”.

ختاماً أقول كما قالت المعالجة: لا تنتهي العلاقات في الحياة بالانقطاع أو بالرحيل أو بالموت، فثمة زاوية ما في قلب كل منا يعيش فيه المقربون .. الأهل والأصدقاء والعشاق، والذين يستمرون ببعث الذكرى التي تمدنا بوعي أم من غير وعي برباط الحياة .. مع الذات ومع الآخرين.

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = = =

نقلاً عن المفكرة: جاء تسلسل الكتاب (23) ضمن قائمة لا تنتهي من الكتب التي خصصتها لعام 2024، والذي أرجو أن يكون استثنائياً بحق في جودة الكتب التي سأحظى بقراءتها فيه، وهو في الترتيب (3) ضمن قراءات شهر مارس .. وللمفارقة، فقد وجدت في مكتبتي نسختان من الكتاب حصلت عليهما العام الماضي .. نسخة من معرض للكتاب، ونسخة من متجر (بيت الكتب) الإلكتروني! يحصل معي هذا أحياناً عندما أقوم بعمليات شراء للكتب خلال فترات متقاربة جداً!

وعلى رف (علم النفس) في مكتبتي، عدد جيد من الإصدارات  .. أذكر منها: (الدخان واللهب) – تأليف: د. شاكر عبد الحميد / (التحرش النفسي في الوسط المهني) – تأليف: د. حشلافي حميد / (أنت البلاسيبو: العلاج الوهمي) – تأليف: جو دسبنزا / (التفرد والنرجسية) – تأليف: ماريو جاكوبي / (مدخل الى العلاج النفس الوجودي) – تأليف: رولو ماي / (القاتل بجوارك) – تأليف: ديفيد باس / (غذاء الدماغ) – تأليف: ليزا موسكوني / (سيكولوجية المال) – تأليف: مورجان هوسيل / (عندما يقول الجسد لا) – تأليف: جابور ماتيه / (فهم الأمراض النفسية) – تأليف: دين برنيت / (عقول مرتابة) – تأليف: جويندا بوند / (ليوناردو دافنشي: تحليل نفسي للسلوك الجنسي الشاذ) – تأليف: سيجموند فرويد

من فعاليات الشهر: يقابله في العام الهجري 1445 شهر رمضان المبارك، والذي انقطع فيه عادة عن القراءة، غير أنني تمكّنت من استقطاع وقتاً يسيراً للقراءة في هذا العام، وكان مثمراً.

تسلسل الكتاب على المدونة: 473

تاريخ النشر: مارس 30, 2024

عدد القراءات:34 قراءة

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *