مقالات في صحيفة المشرق يونيو 2022

قراءة في كتاب

…………………………

 

أنشر هذه المقالات في شهر يونيو / حزيران 2022
همى الغيث

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ مذكراتي في سجن النساء

المؤلف/ د. نوال السعداوي

دار النشر/ دار الآداب للنشر والتوزيع

الطبعة/ 1 – 2015

لكلمة الحق ضد الطغيان ثمن يُستوفى خلف القضبان

 

 

لا تفاجئ د. نوال السعداوي قراءها كثيراً! ففي جرأة وصدق وبلاغة وبيّنة معتادة، ينقل قلمها الرشيق كرشاقة قامتها، في تدفق سلس متناغم، صوراً لأحداث عاصرتها بين أنماط بشرية وحشرات زاحفة وطعام رديء وأجواء رمادية، ومشاعر اختلطت فيها الرهبة من المجهول، والإصرار على المواجهة، والحفاظ على روح متّقدة .. خلف القضبان! بلا ادعاء، بلا تهمة، وبلا قاض، استقطعت أوصالاً من شبابها آنذاك.

إنها إذاً د. نوال السعداوي (1931 : 2021) الرائدة في مجال حقوق الإنسان، وحقوق المرأة على وجه الخصوص. تخرجت في كلية الطب جامعة القاهرة عام 1955 وحصلت على بكالوريوس الطب والجراحة. وبالإضافة إلى ممارسة مهنة الطب، تقلّدت مناصب مرموقة في بلادها، كمنصب الأمين العام لنقابة الأطباء، ومنصب المدير العام لإدارة التثقيف الصحي في وزارة الصحة، ورئاسة تحرير مجلتي الصحة والجمعية الطبية، وساهمت في تأسيس الجمعيات الحقوقية، كما حصدت جوائز عالمية، وتُرجمت أعمالها العلمية والفكرية والروائية إلى أربعين لغة. تشرّبت قيم الصدق والحرية والاعتداد بالذات منذ طفولتها، حيث ناضل والدها ضد الاحتلال البريطاني وشارك في الثورة الشعبية ضد سياستها في مصر عقب الحرب العالمية الأولى، حتى تم معاقبته بتعطيل ترقيته لسنوات بعد نقله إلى قرية صغيرة، وقد كان مسئولاً في وزارة التربية والتعليم آنذاك. لا عجب إذاً أن يتم زجّها في سجون الرئيس المصري الراحل أنور السادات عام 1981 ضمن حملة استهدفت مجموعة من الأدباء والكّتاب والصحفيين، تحت شبهة نشر الآراء التحريضية ضد الوطن ورموزه .. وقد قالت في مذكراتها عن قيمة الإنسان: “إن كل شيء أجنبي أصبح أعلى قيمة من أي شيء مصري .. حتى الإنسان”.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 2015 عن دار الآداب للنشر والتوزيع، يتخللها اقتباسات ثورية من مأثور قول الطبيبة الأديبة، كثورتها الباقية ما بقيت الحياة (مع كامل الاحترام لحقوق النشر). وبينما يُدرج الكتاب تحت أدب السير الذاتية، وأدب السجون كذلك، أياً كان، فقد جاءت خواطر الطبيبة بين سطور مذكراتها تنمّ عن حسّ وفكر، وعن جمال وفلسفة، لطالما آمنت بها ووصمت بها .. اكراماً تارة، واتهاماً تارة أخرى!. إنها تفاصيل قاسية لا تخلو من تفاؤل، تسردها منذ لحظة اعتقالها إلى ما بعد إطلاق سراحها، يعيشها القارئ في كل لحظة، بما تحملها من قهر واستعباد، وبما يتخللها من ابتسامات وقفشات، وبما يغلفّها من تحدٍ وأمل، تحلّت بها الطبيبة .. السجينة السياسية، مع قريناتها السجينات السياسيات والسارقات والداعرات والقاتلات، والشاويشات أيضاً. وعن تلك التفاصيل أتحدث كما يلي:

تعرض د. السعداوي في الجزء الأول من مذكراتها (القبض) حادثة الاعتقال، إذ قام عناصر من الشرطة باقتحام شقتها، وهي وحيدة، في أحد أيام سبتمبر من عام 1981، وجرّها عنوة إلى سجن القناطر الخيرية، بلا تهمة واضحة وبلا أذن مكتوب، بل هكذا! بحسب أوامر عليا صادرة من الرئيس السادات، ضد الطائفيين والمتآمرين في البلاد. وعن أثر الذل تقول: “الناس من خوف الذل في ذل”. أتى الجزء الثاني (السجن) مفصّلاً، إذ تطرقت د. السعداوي لحياة السجن اليومية مع بقية النزيلات، من خلال ما كنّ يستمتعن به من رياضة وفلاحة ودردشات متفرقة، ومن صراعات مختلفة، كالروائح العفنة، والحمام ذو الباب المشروخ، وخبز الفطور المحشو بالحشرات، والغبار والدخان، والأسرّة المتهالكة، وصراصير الليل. تقول عن شعور الخواء الذي لازمها ذات صباح: “أعظم صفات الإنسان أنه ينسى! وهل كنت أحيا في السجن دون أن أنسى”؟. ثم يأتي الجزء الثالث (اختراق الحصار) ليبرز شخصية د. السعداوي الثائرة أبداً، ومحاولاتها التي نجحت في التواصل مع عائلتها، وتهريب مقالاتها وخطاباتها، وتوكيل محامٍ لها، وطمأنتهم لها بتظاهر العالم معها رغم اضطهاد بلدها لها. ومن الطريف أنها كانت تمكث تحت جنح الظلام، إما في المرحاض أو تحت غطاء الفراش لتكتب تلك المقالات المهرّبة على ورق تواليت، وبقلم كحل تم تهريبه لها من عنبر الدعارة المجاور. وعن التأقلم تقول: “ربما لا يشعر الإنسان بالخطر إلا وهو خارجه، فإذا ما أصبح في قلب الخطر صار جزءاً منه ولم يعد يشعر به”. يسفر الجزء الرابع (الخروج للتحقيق) عن سبب الاعتقال، والذي عاد إلى محاضرة ألقتها د. السعداوي بين زملائها في جامعة عين شمس، قبل عشرة أعوام قبل الاعتقال، في عام 1972 تحديداً، إذ زعم التحقيق تحريض د. السعداوي على الثورة والتمرد آنذاك، رغم تفنيدها وإصرارها على أن المحاضرة عُقدت من أجل نقاش علمي بحت! لم تُخف د. السعداوي شكوكها في أن اعتراضها على معاهدة كامب ديفيد التي أبرمها السادات مع نظيره رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن عام 1971، كطرف رئيسي فيها، كان هو السبب الحقيقي وراء اعتقالها. وعن انتظار الإفراج وهي بين زنازين المعتقل تقول: “لا يموت الانسان في السجن من الجوع أو من الحر أو البرد أو الضرب أو الأمراض أو الحشرات، لكنه قد يموت من الانتظار. الانتظار يحوّل الزمن إلى اللازمن، والشيء إلى اللاشئ، والمعنى إلى اللامعنى”. تصف د. السعداوي في الجزء الخامس (موت السادات) الفرحة العارمة التي اجتاحت أجنحة السجن عند إعلان الخبر، حيث خلعت المنقبات جلابيبهن مع نقابهن وشاركن السجينات الأخريات رقصهن وهتافهن، وذلك بعد حالة من الوجوم والقلق والترقب وهن يسترقن السمع للمذياع الصغير المهرّب خلسة، مما اضطرها للاختباء عن أعين الشاويشات في الحمام المتهالك لمدة ثلاث ساعات والمذياع ملتصق بأذنها، وأنفها قد أزكم من عفن حفرة التصريف الطافحة بين قدميها. في الجزء السادس والأخير (الذي جاء بلا عنوان)، تسترجع د. السعداوي ذكرى مؤلمة نقلتها من شقتها، إلى سجن القناطر، إلى المدعي العام، إلى قصر الرئاسة، ثم إلى بيتها من جديد .. حيث تولد من جديد! لا تنسى ما حيَت تواريخ ثلاث حُفرت في ذاكرتها، هي: 6 سبتمبر يوم الاعتقال، 28 سبتمبر يوم الجلسة عند المدعي العام، و6 أكتوبر يوم الافراج. تعود د. السعداوي إلى السجن مرة أخرى، لكن للزيارة، حيث يأخذها الشوق لملاقاة رفيقات السجن اللاتي لم يزلن حبيسات وقتئذ. وعن لحظات من مرح عاشتها وزميلاتها النزيلات تقول: “لم تكن بدور تدخل المرحاض إلا ونراها تقفز آخره قبل أن تكمل مهمتها صارخة: صرصار!. ما أن نسمع صرختها حتى نجري إليها وفي يد كل منا شبشبها شهرته في يدها كالسيف استعداداً لضرب الصرصار. وفي يوم سمعنا صرختها وهي جالسة في الحوش، وظننا أن صرصاراً هجم عليها، وخلعنا الشباشب وتأهبنا للمعركة لكننا لم نر صرصاراً وإنما رجل. لم تكن مرتدية النقاب وأفزعها أن يلمح رجل شعرها العاري، وقفزت من الحوش إلى العنبر في خطوة واحدة وأخفت شعرها ووجها تحت النقاب. أصبحنا من بعد، كلما سمعنا صرختها وقبل أن نخلع الشباشب نسأل: صرصار أم رجل”؟.

تُلقي د. السعداوي الضوء على نماذج من أخلاقيات السجينات المتأرجحة بين التشدد الديني والانحلال الخُلقي، فمن السجينات من انتقبن وتلين القرآن ليل نهار، وقد تشبعن بكل ما من شأنه تحقير المرأة والحطّ من قدرها كإنسانة في المقام الأول. ومن السجينات من قتلت زوجها وقطعته إرباً إرباً بعد أن وجدته مستلقياً فوق ابنتها ذات التسع سنين، بعد عودتها المفاجأة من عملها اليومي في فلاحة الأرض إلى دارها، حيث يقبع زوجها آكلاً شارباً نائماً شاخراً ليل نهار. ومن السجينات مومسات كن يتبجحن في إسفاف، وقد شوهدن يتحرشن بطبيب السجن الذي كان يتعاطى معهن في نشوة، عُرف بها. تقول وهي تتطرق في حديثها عن بعض أوجه الجهل والتخلف والهوان التي شهدتها في مجتمعها: “لا زال كثير من الرجال والنساء في بلادنا يؤمن أن وجه المرأة عورة! أما الثورة، فهناك من يؤمن أيضا بأنها كوجه المرأة .. تحتاج إلى حجاب يغطيها”. لكنها تعود لتنتصر لقضيتها التي آمنت بها، فتقول عن نصف المجتمع: “إذا النساء حرُمن الحرية فلا يمكن أن تكون هناك ثورة. هل تتحقق الثورة في مجتمع يكبّل نصفه بالقيود”؟ وبين ثنايا المذكرات، تعود د. السعداوي بالذاكرة أدراجها، مسترجعة ملامح من طفولتها بين أم شمّاء أبيّة تثور لكرامتها، وأب حرّ مناضل يلعن الإنجليز .. بساطة جدتها لأبيها في الريف، وأبهّة جدتها لأمها في الترف. ورغم اقتضاب الكلمات، فقد أثارت د. السعداوي قدر من الشجن في رثاء والدتها ولحظات احتضارها التي لا تُنسى.

وأختم بمقولة للطبيبة الأديبة في الإرادة الحرة، وقد عاشت على مبادئ لا تحيد عنها، وواجهت ما واجهته في سبيلها، وماتت عليها: “هل يمرض الإنسان بإرادته؟ نعم، وأحياناً لا! إلا أن الإنسان قد يمرض، بل قد يموت بإرادته. والعكس أيضاً صحيح .. قد لا يمرض الإنسان وقد لا يموت بإرادته”.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 1 يونيو 2022 – صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/06/5123.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ قصة الطب ودور الطبيب: إظهار لجمال النفس وانتصار للحياة

المؤلف/ د. جاسم الدوري

دار النشر/ دار الشروق للنشر والتوزيع

الطبعة/ 1 – 2016

ثنائية العلم والأخلاق في مهنة الطب

 

 

يولد الإنسان عادة وقد حباه الله بنعمة الصحة، التي قد يُغبن فيها ما لم يوفِ حقها في الحمد وحسن الاستغلال. بيد أن قدر الإنسان يفرض مواجهة تحديات الحياة التي قد يوقف المرض عجلتها، وما يخلّف من آثار صحية ونفسية واجتماعية، تتطلب إحاطتها برعاية وحب ونبل يمنحها أبطال مهنة الطب، ويتقبّلها ويتجاوب معها المريض .. في تحدٍ يعيد للجسد عافيته، وللنفس جمالها، وللحياة الانتصار. إن هذا الكتاب يوجّه حديثه للعاملين في المجال الطبي من مهنيين في المقام الأول، وللإداريين كمساهمين فاعلين في تلك المنظومة الصحية، ويقدّم إهدائه للمريض الذي يُدين له المؤلف بالفضل في قوله: “إلى المريض .. المعلم الأول للطبيب”، والذي حسب تعبيره الآخر: “لولاه ما تعلمنا”.

يأتي الكتاب كعصارة علم وعمل انخرط فيهما المؤلف في سن مبكّرة حتى تقاعده عام 2014. إنه د. جاسم الدوري، المولود في قضاء الدور- محافظة صلاح الدين عام 1950، والذي تخرّج في كلية الطب من جامعة بغداد عام 1974، وعمل من ثم طبيباً في المستشفيات العراقية حتى عام 1982، حيث غادر إلى المملكة المتحدة لاستكمال الدراسات العليا، فحصل على عضوية كلية الأطباء الملكية عام 1984، وعمل في المستشفيات البريطانية التي استمر يتدرّج فيها على السلم الطبي، حتى أصبح استشارياً في الطب الباطني.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 2016 عن (دار الشروق للنشر والتوزيع)، والتي تشتمل على بعض الاقتباسات، بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر). وعلى الرغم من مادة الكتاب العلمية، فقد جاءت بلغة رجل الشارع، وبأسلوب لطيف يساعد القارئ على طي جلدته الأخيرة من غير فاصل زمني بعد قلب جلدته الأولى. يعرض فهرس الكتاب أربع فصول رئيسية يتفرّع عنها مواضيع ذات صلة، فيبدأ (الفصل الأول: قصة الطب وفنه) بالحديث عن الإسلام كدين يحض على الاخذ بالأسباب من أجل وقاية الجسد، حيث يؤكد د. الدوري على أن “الإسلام دين الوقاية”، فالحفاظ على الجسد نظيفاً، وتجنيبه المحرمّات من شرب للدخان وتعاطٍ للخمور وممارسة علاقات غير شرعية، تقيه من أمراض القلب والرئة وأنواع السرطان المختلفة. يستشهد في هذا بحديث النبي الأكرم ﷺ: “إِن الله أنزل الدَّاء والدواء، وَجعل لكل دَاء دَوَاء، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تداووا بِمحرم”. يشير من ثم إلى البناء الحالي لعلوم الطب الحديث، حيث يقوم على الأساس الذي وضعه العلماء السابقون، مؤكداً بأنه علم لم يتوقف يوماً. ففي “دولة العلم والثقافة”، قام العباسيون بإبداع أنظمة دقيقة في ممارسة مهنة الطب والحفاظ على الصحة العامة، وقد كانوا “أول من قام بالتلقيح ضد الجدري بوضع قشور بثور المرض في جروح صغيرة في جلد الصحيح”. يستمر د. الدوري بعد ذلك في اطراء علماء الإسلام الأوائل، كالنطاسي والبيروني والرازي وابن النفيس وابن سينا، ويخص “جراح قرطبة الشهير أبو القاسم الزهراوي” فيقول وهو: “المكنى (شيخ الجراحين) و (أبو علم الجراحة الحديثة)، مؤلف (التصريف لمن عجز عن التأليف) ذي الثلاثين مجلداً الذي ضمنه خبرته وإبداعاته في طرق الجراحة المختلفة وآلاتها المتعددة، ولا يزال بيته قائماً في قرطبة الأندلس يزوره السائحون”. ينتقل بعد ذلك للحديث عن الخدمات الصحية الوطنية التي تعمل عليها المؤسسات الطبية في بريطانيا، ويختم الفصل بإلقاء الضوء على أمراض اندثرت وأمراض أخرى ظهرت للعيان.

أما في (الفصل الثاني: الطبيب خادم الفن) فيتطرق فيه د. الدوري إلى الجراحة كذوق ورسم، وإلى الطب كفنّ، والطبيب كخادم لهذا الفن، يصفه فيلسوف الطب الأول أبو قراط بأنه: “له ثلاثة أضلاع: المرض والمريض والطبيب. فالطبيب خادم الفن، وتعاون المريض مع الطبيب كفيل بالقضاء على المرض”. ثم يخصّ حديثه عن الممرضة كركيزة أساسية في مهنة الطب، وما يجمعها مع المريض من علاقة وشيجة لا يحظى بها الطبيب المعالج عادة! فيقول قولاً عذباً في حقها، إذ: “إنها حقاً نعمة ربانية أن تختص المرأة بالتمريض لرقة طبعها وحنوها. وهي لا تقل عن الطبيب شأناً إذ أن هدفيهما رعاية المريض”. ويضرب الأمثلة التاريخية في نسيبة الأنصارية يوم أحد، حين طببت الجرحى وأصبحت بهذا العمل أول ممرضة في الإسلام. والإنجليزية فلورنس نايتنجيل التي ابتدعت نظام الرقابة الصحية، وقللت من عدد وفيات الجرحى أثناء حرب القرم. ثم يقول في جرأة: “أما النظرة الدونية لهذه المهنة الإنسانية الراقية فقد جاءت من الثقافة الذكورية الهابطة والعادات الجاهلية البالية التي لا تقيم وزناً للحياة، وتهين المرأة صانعة الحياة وراعيتها. المرأة شقيقة الرجل، التي جعل الله من خلقها الرعاية والحنان والحب غير المشروط، وجعل من أهم مسئولياتها رعاية الأسرة وإدارة البيت، فحيث حلّت المرأة حل النظام والنظافة والسلوك المهذب، وهذه لعمرك هي موجبات الطب حقاً”. ومع هذا الرأي الإنساني قبل أي وصف آخر، لا عجب أن يأتي تعليق د. الدوري صريحاً في قوله: “الرجال أكثر حساسية”، عند معاينته حالة إحدى قريباته التي أصاب بشرة وجهها طفح جلدي وأصابها القلق جرّاء ذلك “لما للنساء من حساسية تجاه الشكل والمظهر”. ينتقل بعد ذلك إلى عرض واجبات الطبيب ومسئولياته، وآثامه أيضاً .. حسب تعبيره، والتي يعدد منها تسعة، وإلى التأكيد على أن التقصير في أداء المهام ورفع الشكاوى، يُعد بمثابة أداة للتطوير والتعلم واستخلاص الدروس، بالإضافة إلى جوانبها الأخلاقية من تقديم الاعتذار والتعويض المناسبين، باستثناء هتك أسرار المريض وهدر كرامته التي عدّها جريمة لا تغتفر، حيث يختم بها الفصل من خلال التركيز على أخلاقيات مهنة الطب وفضائل الطبيب، فيحدد عشر خصال أخلاقية لا بد وأن يتحلى بها، هي: “الرعاية والاهتمام، الرأفة والرحمة، الاتصال الفعال، التعاون والتنسيق مع فريقه الطبي، الكفاءة في العلم والمهارة، التحليل النقدي والتحليلي، الجمع بين الثقة والتواضع، آمراً .. ذو خصال قيادية، الاستمرار بالحصول على آخر العلوم والمهارات، حصر ممارسته بخبرته واختصاصه”. وبناءً على هذه الخصال، ينأى المؤلف بمهنة الطب أن تزاول مهنة الإتجار، من خلال شركات التأمين ومندوبي الأدوية وموردي الأجهزة والمعدات، إذ “لا يحق للطبيب تسخير هذه المهنة المقدسة للكنز والطمع وتحويلها من مهنة علاج العلة ومعرفة الأسباب إلى حرفة لجمع المال والاكتساب”.

وفي (الفصل الثالث: معلم الطبيب الأول .. المريض)، يتحدث د. الدوري بلغة وجدانية عن بعض قصص النجاح التي تشكّل أعظم متع الطبيب، وعن انفراج الهم، والأمل الذي يعقب اليأس، وكيف أن المرض النفسي هو في حد ذاته كرب عظيم، والتقمص العاطفي الذي يعتمده الطبيب في علاجه .. فيسرد عدد من الحالات الواقعية التي تتراوح بين الفرح والترح، وبين ما كان كقضاء إلهي وما نجم عن إهمال بشري! لم يكن المؤلف -وهو طبيب- أن يكشف ما ينبغي ستره، فقد استخدم أسلوب الترميز وهو يتطرق لتلك الحالات! أذكر منها حالة الشابة التي فقدت طفلها البكر أثناء الولادة، بسبب حماقة طبيب التوليد، والإهمال اللاحق له، مما أدى إلى تعرضها للنزف الحاد حتى الموت، فإذا بالمنزل الذي تزيّن منذ سويعات للفرح المرتقب، يتحول إلى سرادق عزاء! وذاك الذي أصابه (العجز الجنسي) فأنهكه الهمّ، فمنع عنه الطبيب المعالج دواء الضغط واستبدله بآخر، وودعه ليعود إليه بعد ثلاثة شهور متهللاً .. شاكراً له (إعادة رجولته). ولأن الشيء بالشيء يُذكر، يأتي المؤلف على ذكر السيدة الإنجليزية جوان، وهي “متقاعدة في الستين من عمرها، تعمل متطوعة في المستشفى، تتحدث إلى المرضى العاجزين وكبار السن لتخرجهم من وحشتهم ووحدتهم، ثم تدفعهم بالكرسي المتحرك لإيصالهم إلى عيادة الأطباء وتنتظرهم إلى بعد انتهاء الاستشارة الطبية، لتأخذهم إلى قسم الأشعة أو المختبر وغيرهما، ثم تقوم بتوديعهم عند المغادرة. سألتها يوماً لم تفعلين ذلك؟ قالت: بهذا العمل أحس بسعادة في قلبي، وأؤدي واجبي تجاه قومي، وآمل أن أجد من يخدمني إذا صرت إلى ما صاروا إليه”.

ينتهي الكتاب مع (الفصل الرابع: علاقة الطبيب بالمريض) بتسليط الضوء على الاستشارة الطبية كفن آخر، مع توضيح هدفها ووظيفتها، ومن ثم عرض الخطوات اللازمة في إفشاء الخبر السيء للمريض وقد رتبّها د. الدوري بخمس خطوات رئيسية. ينتهي الفصل بجملة من الاقتراحات العملية للتطبيق في القطاع الصحي، سواء عن طريق الكادر الطبي أو الإداري .. والمرضى كذلك!. ويقتبس المؤلف من البروفيسور دونالدسون المستشار الأول للحكومة البريطانية في الصحة العامة قوله: “كل البشر خطاؤون، لكن لا يمكن الصفح عمّن يغطي خطأه، ولا نقبل عذراً لمن لا يتعلم منه”.

يختم د. الدوري كتابه القصير بالدعاء المأثور: “اللهم رب الناس أذهب الباس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما” .. وبدوري أختم بالدعاء الذي أحافظ عليه: “اللهم ابعد عني شر ما يؤذيني .. ولا تحوجني لطبيب يداويني”.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 8 يونيو 2022 – صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/06/5128.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ الغابة

المؤلف/ د. مصطفى محمود

دار النشر/ دار المعارف – القاهرة

الطبعة/ 7 – 1997

رحلة عميقة الأثر عمق الأدغال الأفريقية

 

 

هناك في الغابة .. تنصهر كل اختلاجات النفس البشرية لتظهر في أصدق ما جُبلت عليه من فطرة وسجية وعفوية، فلا نفاق ولا عدوان ولا كبت ولا طمع، إلا من قوانين ضمنية تعمل عمل الدساتير الرسمية في المجتمعات المدنية. تلك الغابة في القارة السوداء التي ما أن وطأت قدما الرجل الأبيض تربتها حتى عاث فيها الفساد، من ترويع للنفوس ونشر للذعر وفتك بالأبدان مع ما حمل من أمراض كالسل والزهري والسيلان لم تعرفها القارة من ذي قبل، ضمن ما حمل لها من بنادق وراديوهات وسيارات وأقلام تكتب بطلاسم بدت شيطانية للأفارقة، ومن تبشير بديانة غريبة تتوعد بجحيم أخروي في حال ارتكاب إثم ما، بدل الرب الغفور الرحيم الذي كانت تؤمن به!.

تُعد رحلة د. مصطفى محمود إلى (الغابة) من أمتع ما قدّم ضمن إصداراته الغزيرة علمياً وفكرياً وفلسفياً وسياسياً واجتماعياً وأدبياً، رغم قصرها واقتصارها جغرافياً على الأدغال الأفريقية. فبعد أن يصف مشاهداته وهو في (الطريق إلى الغابة) ماراً بالسودان، يتحدث بإسهاب عن بعض القبائل الأفريقية، وهي: الماو ماو، النيام نيام، الشيلوك، الدنكا، النوير، الباري، اللانجو، البونجو، الدوبي، ويختم رحلته بكلمة مؤثرة في (وداع الغابة). إنه إذاً الطبيب والأديب والفيلسوف المصري (1921 : 2009)، المتفرد في طرحه بأسلوب يجمع بين العمق والبساطة، سواء من خلال أعماله المكتوبة أو المرئية كما في برنامجه الشهير (العلم والإيمان). تذكر شبكة المعلومات إطلاق اسمه على كويكب تكريماً وتخليداً له.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة السابعة للكتاب الصادرة عام 1997 عن (دار المعارف) في القاهرة، والتي تشتمل على بعض الاقتباسات، بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): مع إقلاع الطائرة إلى القارة السوداء، تراود د. محمود خاطرة عن المدينة والمدنية التي أتت بها، والتي لم تكن سوى وجه آخر للمرض، إذ يقول: “المرض المزمن الذي أصبح له ألف اسم واسم .. القرحة .. القولون .. الأملاح .. السكر .. الضغط .. الكبد .. الذبحة .. الأرق .. القلق .. وهو مرض واحد اسمه الحقيقي .. المدينة”. وعند الهبوط في دار السلام، تستقبله وجوه سوداء باسمة مرحّبة تعلوها طرابيش حمراء، تقول: “كريبو مرحب”. يحمل أهالي تنجانيقا المسلمون أسماء عربية، ويتحدثون باللغة السواحلية التي تمتزج بالكثير من الكلمات ذات الأصل العربي، فهم على سبيل المثال: “يسمون الصحون هناك صحاني، والقهوة كاهاوا، والماء ماجي، والسمك سماكي، والكبريت كبريتي، والسفر سفاري”. يلتقي هناك بخبير الغابة الأمريكي الذي يحدثه عن “حكمة الحيوان وعن النظام الدقيق السامي الذي يسود الطبيعة الحية”. فالتماسيح التي تكاثرت بشكل ظن معه الأهالي أنه يهدد الحياة البرمائية، أدى إلى رواج حرفة صيد التماسيح لديهم والاتجار بجلودها، حتى فقدوا غذائهم الطبيعي من سمك التيلابيا في البحيرات! لقد انقض سمك القط على سمك التيلابيا بعد أن أصبح حراً مع صيد التماسيح، والتي كانت تتغذى عليه.

ينتقل د. محمود إلى قبائل (الماو ماو) التي يخصّها بحديث مستفيض، فهي تعتبر من أكبر قبائل الغابات الاستوائية، وتتمركز تحديداً في هضبة كينيا. ففي العقيدة، هي أقرب للأديان السماوية في اعتقادها بإله واحد أحد لم يلد ولم يولد وليس كمثله شيء، مع طقوس معينة في تقديس الآباء والأجداد، بينما يتولى الأخيار منهم مهمات التنبؤ وكشف الغيب. أما من الناحية الاجتماعية، فتحكمهم أنظمة عرفية تشمل معاشهم اليومي، وأعمالهم، وصناعتهم، وزراعتهم، وأطعمتهم، وأزيائهم، وعلاجاتهم، وأعمالهم السحرية لجلب الحبيب ودرء الشرور وإنماء الزروع، بالإضافة إلى طقوس الطهور، وعلاقات ما قبل الزواج، والزواج بما فيها من تقليد خطف الزوجة، وتعدد الزوجات حسب طلب الزوجة، ومعاشرة الزوجة لضيوف زوجها، والعقم الذي يعرض فيه الزوج زوجته على رجال آخرين أملاً في حملها، والطلاق الذي لا يتم سوى في حالة العقم الذي لا يرجى شفاؤه، أو في حال إهمال البيت وتربية الأولاد. تتشابه أسطورة نشأة القبيلة بقصة آدم وحواء! فتذكر أنه حين كانت الأرض خواء خلق الإله (موجاي) ابتداءً (جيكويو) وأسكنه الهضبة الخضراء، ثم بعث له بالحورية الجميلة (مومبي) لتكون شريكته في تلك الجنة، حتى حين تزوجا وأنجبا من الذرية تسعة بنات جميلات، ضاق بجيكويو الحال، فركع للإله وقدم له القرابين الذي استجاب له وبعث له تحت شجرة تسعة من الشباب كالأقمار في الجمال والبهاء، فتزوجوا من بناته، وأسسوا لعشائر الجيكويو التسع التي تفرّعت منها قبائل الماو ماو المعروفة إلى الآن. ثم يقول قولاً عظيماً، إذ: “تقول الأسطورة إن القبيلة كان اسمها في البداية قبيلة مومبي تكريماً للأم التي حبلت فيها، ولكن هذا التكريم كان نتيجة طغيان نساء القبيلة. فقد اعتبرت كل امرأة نفسها أنها الأصل في القبيلة، وأنها هي التي أنجبت رجالها، وأقامت من نفسها حاكمة، واتخذت لنفسها عديداً من الأزواج تتحكم فيهم وتسوقهم إلى العمل في الحقول، وثار الرجال وجمعوا كلمتهم. وذات يوم وبينما كان النساء كلهن حبالى ضعيفات غير قادرات على الحركة، قلب الرجال نظام الحكم واستولوا على السلطة. ومن ذلك اليوم تغير اسم القبيلة من أبناء مومبي إلى أبناء جيكويو، ولم يبق من حكم النساء القديم إلا أثر رمزي هو أسماء العشائر التسعة التي ظلت تتسمى بأسماء بنات الجيكويو التسع. وانتهى نظام تعدد الأزواج ليبدأ نظام تعدد الزوجات، ولكن المرأة ظلت موضع احترام ومهابة، والأم ظلت لها قداسة. وإلى الآن ما زال سب الأم عند الماو ماو جريمة لا تغتفر، والأم التي تطعن في السن عندهم تصبح لها مكانة روحية عظيمة، وتتزعم المحافل الدينية”. أما امرأة الغابة “لم تكن أبداً سجينة البيت قليلة الحيلة كما هي عندنا، وإنما كانت دائمة عاملة، كتفها بكتف الرجل في كل مكان، وحرة اقتصادياً مثله” وهي التي تنفق على أسرتها “لأنها هي التي تزرع الحقل وتجمع المحصول وتحمله إلى محطات التسليم وتأخذ ثمنه”.

جاء الفصل الخاص بـ (السودان) شائقاً في عرض جانب من ثقافة المجتمع السوداني، فضلاً عن خيراته وكنوزه المطمورة في باطن الأرض. فأرض السودان هي الأرض التي يتفاوت عليها الطقس ما بين جفاف قاس وصقيع لا يرحم، كما يتفاوت عليها الجنس البشري من ساميين وحاميين وزنوج بخليط ألوانهم، الباهت كالقمح والأسود كالأبنوس، وبتقاطيع أوروبية دقيقة وثانية عربية أصيلة وأخرى بملامح زنجية غليظة. تأتي كل الإحصائيات بالألف والمليون .. الثروة الحيوانية، أنواع الطيور، الأراضي الزراعية، مساحات المدن، الأمطار في المتر المكعّب .. ماعدا “التعداد البشري” الذي لا يتفق ومتاهة أرض السودان. “والنتيجة أن ثروات السودان كلها ما زالت مكنوزة في التربة وفي الماء وفي الغابة بلا تشغيل! لا توجد الأيدي الكافية لاستخراجها، والأيدي القليلة الموجودة يشلها الحر اللافح وترهقها المسافات الطويلة بلا طرق وبلا مواصلات سريعة”. وفي مقارنة بين المصري والسوداني، فإن السوداني أكثر ثقافة “وأكثر عكوفاً على القراءة والاطلاع، وأكثر جدية في قراءته”. وكذلك: “السوداني لا يهرّج كالمصري، بل هو على العكس مهذب جداً، وإذا سألت أحد السودانيين خدمة تسابق عشرة إلى تلبيتك”. وبعد الوصف الذي يكاد يتصبب معه القارئ عرقاً عن حرارة الجو، فإن المنظر العام الذي يمكن مشاهدته أكثر هو “موائد البيرة والشلل التي تلتف حولها في دوائر وتكرع الزجاجة بعد الزجاجة”. ويُبرر لهذه العادة بأنها “بديل طبيعي لعدم وجود الاختلاط ولقلة النوادي والسينمات وأماكن السهر ولشدة الجفاف”. وفي مقارنة أخرى بين مدينة الخرطوم و (أخواتها)، في الشمال نحو مصر وفي الجنوب نحو الغابة، فهي “تخنق نفسها بالثوب وتغطي مواطئ الفتنة حتى المنكبين وتقيم سداً منيعاً بين نسائها ورجالها .. لا متنفس فيه ولا اختلاط أو عاطفة أو علاقة إلا برخصة وبطريقة غير مشروعة”. ينتج عن هذا الكبت أرض بوار وموارد مهدرة. “والمرأة في الخرطوم حبيسة البيت خوفاً من أن تحمل في الحرام! أي حرام؟ إن هذا العطل الذي تعيش فيه هو الحرام .. إن الثمار تصرخ منادية على من يقطفها، والأرض الخلاء تصرخ منادية على من يعمّرها، وكل شبر فراغ يتضرع إلى كل أنثى لكي تحمل وتلد”. وبينما كانت خطة الاستعمار في فصل جنوب السودان هي ضمه للأراضي التي يسيطر على خيراتها، جاء تبشير القس سترانيتو ومطالبته لبابا الفاتيكان والأمم المتحدة بفصل الجنوب، بحجة الاضطهاد الديني الذي كان يشعل الحرب الأهلية بين أبناء السودان. رغم هذا “لم يفعل المبشر الإسلامي شيئاً يذكر، وكان همّ الشيخ الذي يُبعث إلى هذه المجاهل الجنوبية أن يسأل عن مرتبه، ويطمئن أولاً على تسهيلات السكن والأكل والشرب والتحويش التي ستتوفر له”.

يثير د. محمود الانتباه في مقارنة نقاء النفس البشرية عند ساكن الغاب مع نظيره رجل الحضارة! إذ يتولد الكبت ويتغلب الشك وتعلو الأنا، وما يتبع كل ذلك من فساد أخلاقي يتفشى كلما ازداد ذلك (المتمدن) علماً -أو كما يدعي- في حين تسود ثقافة الحرية الشخصية واحترام الآخر عند (المتخلف) في البراري، كما ينظر إليه. وعن التضاد بين تلك القيم الزائفة والحقيقية، ونعرة الرجل الأبيض كسيد ضد الرجل الأسود كعبد، يشير د. محمود إلى الاستعمار في قول فضائحي: “وراح المستعمر يتبجح في كل مكان بأنه ينشر المدنية في مجاهل لا تعرف مدنية، وينشر بين متوحشين ليس في حياتهم قِيم ولا أخلاق. والحقيقة أنه أخذ الكثير من قيم هؤلاء المتوحشين وعاداتهم وأدخلها في حضارته! تعلّم منهم شرب الشاي والكاكاو والقهوة، وأخذ منهم عادة التدخين وشرب الغليون، ولطش الفنون الأفريقية التشكيلية والموسيقى الأفريقية وإيقاعات الجاز والرقص، وأخذ عادة العري وجعل منها فناً وفلسفة، وأنشأ نوادي للعراة في أكثر عواصمه تقدماً، وأخذ الحرية الجنسية من المجتمع البدائي لتغدو بعد ذلك سمة من سمات أرقى مجتمعاته، وأصبحت (الأومباني ناجويكو) من تقاليد البنات والأولاد في المجتمع الأمريكي، يمارسونها قبل الزواج ويسمونها في بلادهم (Huyying and Necking). والحرية الجنسية ذاتها أصبحت نظرية ينادي بها فلاسفة أمثال فرويد. والسحر والمعارف الغيبية والأرواح، أصبح لها كرسي في أرقى الجامعات الأوروبية. لم يكن الأفريقي متوحشاً ولم تكن حضارته بربرية متأخرة. والحق أن هذه البربرية احتوت على الكثير من اللمحات التي فاتت على الرجل الأبيض صاحب العلم والنور والعرفان. كان اتصال الغرب بالشرق في أفريقيا تزاوجاً متبادلاً، فقد أعطى الأفريقي كل شيء .. أرضه وبلده وجسمه وروحه، وكان المستعمر شحيحاً جداً يعطي بالقطارة. احتفظ لنفسه بأسرار العلم والصناعة والمعارف العلمية. واكتفى بنشر اللغة الإنجليزية، وتوزيع نسخ من الإنجيل”. إن أولئك البدائيين حينما أطلقوا العنان لصوت الطبيعة يعتمل في دواخلهم واتحدوا معها خارجياً، جادت عليهم: “ونتيجة لهذه الحياة المفعمة بالبراءة، انتفى الشعور بالهم والخوف من المستقبل، وانتفى الحزن والقلق. والنتيجة أنك لم تكن تجد في الغابة الوجوه النكدة المربدة بالهموم، ولا الوجوه الكشرة العكرة التي نراها في المدينة، وإنما كنت ترى وجوهاً ضاحكة بسامة فياضة بالمرح، وتشاهد حلقات يومية من الرقص والغناء، وترى الدعابة والرقة وحب الغرباء، وتلمس الطبيعة المسالمة”.

وأختم بوصف د. محمود الرهيف وهو يودع الغابة التي لمسها بكل حواسّه، إذ ليس الخبر كالعيان. فيقول: “إنها الغابة .. ولا يمكن أن توصف الغابة .. إن أي وصف يزري بجلالها .. إن أشجارها لا تشبه ما نرى من أشجار في الشوارع والحدائق .. أشجارها سوامق .. فيها عنفوان وشموخ وزعامة .. وأزهارها محتقنة دموية .. وأوراقها ريانة .. وأمطارها عاتية مكتسحة .. وضبابها كثيف متراكم جياش .. إنها مثل نهر متمرد يكسر حواجزه وجسوره .. لا .. لا يوجد وصف يحيط بها، فهي ليست مجرد شكل أو صورة تشاهد، وإنما هي إحساس، مذاق، طعم، رجفة في القلب. وقد شعرت بتلك الرجفة الغامضة وأنا أتنقل بين الشجر، وأتسمع ذلك الخرير ينبعث من مئات الجداول والشلالات الصغيرة التي يعربد فيها الماء والثلج منحدراً من القمم”.

ختاماً وفي كلمة حق، لا يزال د. مصطفى محمود بأصالة فكره وصدق منهجه، كالذهب الذي لا يخفت بريقه، وهو المفكر الغائب-الحاضر! فيمضي الزبد جفاء، ويبقى الذهب يترامى شعاعه وإن مضى الدهر .. رحمه الله.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 15 يونيو 2022 – صفحة (10) جزء1:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/06/5133.pdf

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 19 يونيو 2022 – صفحة (10) جزء2:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/06/5135.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ الطب النفسي

المؤلف/ د. عادل صادق

دار النشر/ دار الصحوة للنشر والتوزيع

الطبعة/ 2 – 2015

المرض النفسي .. داء العصر

 

 

قد يكاد يبدو حقيقة أن المرض النفسي هو سمة العصر، إذ قلما يوجد شخص ما لا يعاني اضطراباً نفسياً بشكل أو بآخر! كيف لا وقد خُلق الإنسان في كبد، ويأتي اعتوار نفسه صورة من صور مكابدته في هذه الحياة، كما قال أبو العلاء المعري من قبل: “كل من لاقيت يشكو دهره .. ألا ليت شعري هذه الدنيا لمن؟”. غير أن د. عادل صادق يؤكد على أن الحب هو الدواء الناجح لأي مرض كان، وهو يقول في مقدمة كتابه: “تهوي النفس مريضة إذا مات الحب في خلاياها”. فالحب هو جوهر الحقيقة .. جوهر الخلق .. جوهر المرض والشفاء.

كتاب وإن كانت مادته علمية محضة، فهو من الشاعرية بمكان عندما يبدأ بالحب وينتهي به، حيث يلخّص د. عادل صادق كعادته المعلومة العلمية بلغة واضحة وبأسلوب أدبي رفيع يخاطب عقل وروح القارئ معاً، وهو يسرد عدداً من أكثر الأمراض النفسية والعقلية شيوعاً، فيتحدث ابتداءً عن معنى الطب النفسي وتصنيفات الأمراض التي تُلحق به، مثل: القلق، الهيستيريا، الاكتئاب، الفصام، الوسواس القهري، وهي التصنيفات التي تقود للحديث عن المرض عموماً وعن أعراضه، مثل: الأمراض النفسجسمية، الأمراض العقلية العضوية، الأمراض النفسية والعقلية المصاحبة للحمل والولادة والرضاعة، اضطرابات الشخصية، الاضطرابات الجنسية، طب نفس الأطفال، والطب النفسي الشرعي.

إنه إذاً د. عادل صادق (1943 : 2004). تعلّم وتخرج في كلية الطب عام 1966 نزولاً على رغبة والده، رغم ميله نحو الأدب والفن الموسيقى، ثم حصل على درجة الدكتوراة في الأمراض العصبية والنفسية عام 1973، وعمل أستاذاً للطب النفسي والأعصاب بكلية طب عين شمس. شغل مناصب أخرى منها رئيس تحرير مجلة الجديد في الطب النفسي، وأمين عام اتحاد الأطباء النفسيين العرب، وافتتح عام 2000 مستشفى يحمل اسمه لعلاج الإدمان والأمراض النفسية لا يزال يحظى بشهرة واسعة على امتداد الشرق الأوسط. عُرف بالنبوغ منذ صغره وبدماثة الأخلاق وإخلاصه للعمل وسعيه الحثيث نحو رفع وعي المجتمع بالمرض النفسي وسبل علاجه، وذلك من خلال مؤلفاته وأبحاثه التي تجاوزت الثلاثين إصدار، والتي أهلّته عام 1990 للحصول على جائزة الدولة في تبسيط العلوم.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثانية للكتاب والصادرة عام 2015 عن دار الصحوة للنشر والتوزيع، وهي تستلهم من كنوز الطبيب المعرفية ما يبعث على الأمل، وتقتبس منها نزراً يسيراً بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

أنت إنسان، إذاً أنت حر .. يقول د. صادق في فلسفة وجودية عن هذا المعنى: “إرادة الإنسان الواعية هي التي تستجلب أي فكرة ليعمل فيها العقل، وهي أيضاً التي تطرد أية فكرة يرفضها العقل .. أنا إنسان، معناها: أنا حر في تفكيري، وعقلي حر فيما يفكر”. يحدد بعد ذلك حباً ثلاثياً لهذا الإنسان لا ينفرط: حبه لخالقه، حبه لنفسه، وحبه للناس .. بحيث تتفكك النفس إذا أصيب حب أحد منها، ففقدان حب الإله يُفقد الحياة الهدف، وفقد حب النفس يُفقد الذات القيمة، وفقد حب الناس يُفقد الوجود المعنى. وفي حديثه عن هذا الإنسان مجدداً وعن مخالطته، يحذّر من أن وجود مريض نفسي في الأسرة قد ينذر باحتمالية إصابة أفراد الأسرة الآخرين بالمرض نفسه، أما المجتمع فيعاني مادياً ومعنوياً من الإنسان المتبلّد عاطفياً ذو النزعة الأنانية والعدوانية واللامبالية بمشاعر الآخرين. غير أنه لا ينكر أن للثقافات دور في تحديد الاضطرابات المرضية، لا سيما الجنسية. فالمثلية الجنسية في المجتمع الأمريكي تًعتبر حالة طبيعية غير مرضية طالما أن صاحبها متصالح معها ومتوافق سلوكياً، غير أنها تُعتبر سلوكاً مرضياً شاذاً تستلزم العلاج في مجتمعات أخرى. ومن ناحية أخرى، وهو في كونه إنسان، فإن جلد الإنسان هو نافذة جسده، فأي اضطراب داخلي لا بد وأن يطفح على السطح، على هيئة بثور أو أكزيما أو تساقط للشعر في الحالات الانفعالية المؤقتة، أما في الحالات المزمنة أو الحادة كالاكتئاب، فقد تنعكس بشكل أقوى على هيئة بهاق أو صدفية.

يتوسع د. صادق في حديثه عن القلق النفسي، فيؤكد أولاً أنه لا علاقة للقلق النفسي بالمرض العقلي، إذ يكون معه المريض واعياً لطبيعة حالته، مدركاً لمرضه ولحاجته للعلاج، ولا تتأثر شخصيته ولا سلوكه بهذا القلق. وهو إذ يؤكد على وعي هذا الإنسان، فإنه يصرّ على أنه لا يأس مع الحياة، فيعقّب في قول واقعي تفاؤلي: “وإذا تطلّع الإنسان إلى ماضي حياته لوجدها سلسلة متعاقبة من حالات القلق، تقل وتزيد تبعاً لأحداث الحياة، ولكنها أبداً لم تتركه، ولكن ذلك لم يتعارض مع استمتاعه بالحياة، بل إن لحظات الاستمتاع الحقيقية كانت تلك التي تعقب قلقاً حاداً”. ثم يعود ليتحدث عن القلق كمرض نفسي من جديد، حيث يأتي الصداع النصفي كنتاج للطموح، واليقظة، والتفاني .. الصداع الذي يصفه بقوله: “أن هذا النوع من الصداع يصيب نوعية معينة من الناس الذين يتسمون بالقلق والتوتر والاجتهاد والوسوسة والضمير المتيقظ والطموح والفناء في العمل، ولهذا فهم معرضون أكثر من غيرهم للتوتر والقلق والانفعال، وهذا يؤدي الى اضطراب في تمدد الشرايين الذي هو السبب المباشر في الصداع النصفي .. ويلاحظ هؤلاء الناس أنهم يتعرضون لنوبات الصداع حينما يتعرضون لأزمات نفسية أو مواقف تستدعي التحفز والقلق”. وهناك من الإيجابيات ما تقود إلى اضطراب ما، فقيم مثل (الدقة، النظام، الأمانة، تأدية الواجب، احترام القانون) كلها مزايا يتحلى بها صاحب (الشخصية القهرية) الذي يتصف من ناحية أخرى بـ (الصلابة، الغلظة، العند، اللامرونة). وعلى النقيض من هذه الحدّية في هكذا صفات، هنالك نمط شخصي آخر! إن قلبه مفعم بالحب لا يبوح به، وخياله مزدحم بنجوم تحمل أحلاماً لا يقوى على تحقيق أصغرها. يتحاشى الاختلاط بالناس ويضطرب إذا ما اضطر إلى ملاقاتهم، وهو الذي قد يكون أكثرهم مالاً أو أغزرهم علماً أو أزكاهم خلقاً .. هادئاً، مسالماً، بعيداً أشد البعد عن العدوانية .. يهوى القراءة أو الرسم أو عزف الموسيقى أو أي هواية يكون فيها وحيداً .. إنه (الانطوائي) والذي من صفاته تتركب (الشخصية الفصامية). يضيف د. صادق شخصية أخرى، هي (الشخصية الهستيرية). إنها شخصية تهرب من المسئولية، أو من الاعتراف بالخطأ، أو من نقطة الضعف، أو من خزي الهزيمة، فتظهر على هيئة أعراض هستيرية، يعرضها هذا المثال الحي: “بعد أن أكدّ لها الأطباء سلامتها وخلوها من أي عائق للحمل اضطر زوجها أن يعرض نفسه على الأطباء الذين أكدوا استحالة أن ينجب .. ومنذ ذلك الحين والألم يمزق أسفل ظهره! النتيجة: لن يستطيع مزاولة الجنس مع زوجته بسبب آلام الظهر. المعنى: الهروب من العلاقة الجنسية وتغطية عجزه الجنسي الذي أصابه بعد ان اكتشف أنه غير قادر على الانجاب”.

ويبقى الإيمان بالله ينير بصيرة المؤمن بحكمته جلّ وعلا، وهو في أحلك الظروف.

وللختام بمسك، أقتبس في هذا المعنى الروحاني ما جاد به د. عادل صادق (رحمه الله) وقد خبر الحياة كطبيب نفسي ظل شبح الاكتئاب يطل أمامه في بعض الأحيان كمرض مبهم لا يعرف له حكمة، حيث قال: “ولا أتصور إنساناً يدرك بعمق وفهم معنى الحياة إلا إذا مر بتجربة اكتئاب .. ولا أتصور فناناً مبدعاً خلّاقاً يستطيع أن ينسج ألحاناً أو ألواناً أو كلمات تعبر عن الإنسان وحياته بصدق إلا إذا مر بتجربة اكتئاب .. إن المرور بتجربة اكتئاب والخروج منها يكسب الإنسان وعياً جديداً”.

حقاً .. رب ضارة نافعة!.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 22 يونيو 2022 – صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/06/5138.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ الأندلس: بحثاً عن الهوية الغائبة

المؤلف/ خوليو رييس روبيو (المجريطي)

ترجمة/ غادة عمر طوسون، رنا أبو الفضل

دار النشر/ المركز القومي للترجمة – القاهرة

الطبعة/ 1 – 2014

العودة إلى أندلس الماضي .. للتبصّر، ولاستشراف مستقبل أكثر تعايشاً

 

 

كتاب يلّفه الإبهار وهو يجمع في شمولية بين التاريخ والدين والحضارة والسياسة والقانون، قد عمد فيه الكاتب جاهداً إلى سبر أغوار الماضي الذي ترعرع فيه وطنه الأسباني تحت ظل الخلافة الإسلامية، الماضي الذي يقوده في استبصار نحو تسليط الضوء على الحاضر بتحدياته المحلية والدولية، ومن ثم استشراف المستقبل في رؤية أكثر تعايشاً. ومما يرفع من قيمة الإبهار، التمجيد الذي حظيت به الحضارة الإسلامية في الأندلس بقلم الكاتب غير المسلم، وهو يدين لها بالفضل الكبير لما هي عليه اسبانيا الحالية، وهو الأمر الذي أضفى على الكتاب روح المصداقية والحيادية والإنصاف. ومما يمعن في هذه الروح التوقيت الذي وضع فيه الكاتب كتابه هذا، حين كان الإسلام يواجه هجمات مغرضة في دعاوى إرهاب وتخلّف، حيث يتصدى لها منكراً، بل وموضحاً وجهة النظر الأخرى.

لذا، ينجح الكاتب (خوليو رييس روبيو) في توجيه كتابه إلى أصحاب الفكر الموضوعي، ويدعو من يهوى العودة إلى الماضي، لا للبكاء على الأطلال، بل للاستبصار ولاستقراء التاريخ وإنصاف ذوي الحقوق. فيحاول -وهو رجل القانون- الاستفادة قدر الإمكان من الماضي بما يحوي من عبر ودروس، ابتداءً من الاعتراف بالفضل وردّه لأصحابه، ثم إسقاط الدروس المستخلصة على الحاضر بغية الخير العام. لذلك، يطالب بسنّ القوانين، ومن ثم العمل على تحقيق مستقبل واعد في إطار تحالف مشترك، وكل ذلك من خلال الدور المحوري لبلاده أسبانيا الذي يدعوه إلى تفعيله رسمياً.

وعلى الرغم من تخصص الكاتب في علم القانون، إلا أن له عدد من المؤلفات في التاريخ الأندلسي، ولقد كانت لفتة كريمة منه أن يتلقب بـ “المجريطي” نسبة إلى “مجريط”، الاسم العربي لمدينة (مدريد) فترة الحكم الإسلامي (91-795 هـ / 711-1492 م).

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى لترجمة الكتاب الصادرة عام 2014، عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، والتي عنيت بها كل من (غادة طوسون و رنا أبو الفضل)، وقد جاءت مباشرة عن لغة الكتاب الأصلية ( Al-Andalus: en busca de la identidad dormida – Autor: Julio Reyes Rubio Al-Mayriti ). ومن محاور الكتاب الثلاثة (الماضي والحاضر والمستقبل)، أسرد في مقتطفات ما جاء في فصول الكتاب العشر، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

يتطرق المجريطي ابتداءً إلى الخلفية التاريخية التي شكلّت أسبانيا الحالية. فعلى الرغم من العلاقات الوطيدة التي جمعت بين أسبانيا في الماضي، بحكم موقعها الجغرافي، وبين شعوب الأمم المختلفة كالفينيقيين واليونانيين والقرطاجيين والونداليين والجرمانيين، إلا أنها لم تترك أثراً كما فعل الغزو الروماني والفتح الإسلامي .. أثراً لا يُمحى عن هويتها. فبينما ورثت أسبانيا عن روما اللغة اللاتينية ونُظم أدبية وفنية ودينية وقانونية وسياسية، فقد انصهرت في ثقافة إسلامية موّحدة على اتساعها من الهند شرقاً حتى الشمال الأفريقي غرباً. يقول الكاتب معقّباً: “لقد شكل هذا التراث الثقافي لكلتا الحضارتين جزءاً من هويتنا المزدوجة”، وهي الهوية التي جاء الكتاب بهدف البحث عنها. وعلى الرغم من أن السيطرة العربية آنذاك كانت سمحة مقارنة بالسيطرة الرومانية، إلا أن التعصب الديني الذي أجج أوراه الصليبيون في العصور الوسطى قد جعل كل فضل أداه المسلمون في أسبانيا ولمدة ثمانية قرون يُنسى وبإجحاف متعمد! يُكمل المجريطي وهو لا يزال يشير إلى الهدف من وضع الكتاب: “وبمجرد طرد آخر الممالك الإسلامية من إسبانيا بعد سقوط غرناطة، بقي أثر لا يمحى لهذه الحضارة المميـزة من خلال المظاهر الفنية والأدبية واللغوية والثقافية التي ورثناها عنهم”. لذلك “فعلى إسبانيا أن تستيقظ من هذه الفترة الطويلة من السبات، التي امتدت منذ 1492 م حتى وقتنا هذا، وأن تستعيد هـذه الهوية الغائبة. عبر سلسلة مـن الإجراءات، يجب أن تعود إسبانيا إلى المصير الذي منحه الله لها دون أن تتنازل عن كينونتها ولا عن المسئولية المنسوبة إليها، وذلك لثروتها متعـددة الثقافات، فعليها أن تكون الحكم والوسيط للتفاهم بين الشرق والغرب”. وهو يتطلع كذلك لتوجيه عقول الساسة في العالم نحو تحقيق السلام بين كلتا الحضارتين، دينياً أو أخلاقياً، وهو أمر لو تم تحقيقه لعمّ النفع في الوقت الحاضر وفي الأجيال القادمة، ولأستحق كتابه كل ما رافقه من عناء.

يوضح الكاتب قبل البدء أيضاً إنه اعتمد في طرح الفكر العقائدي الإسلامي في كتابه على جهود الشيخ أبو الأعلى المودودي في تفسير القرآن الكريم وتحليل نصوصه، بموضوعية واحترام كبيرين لتعاليمه وللتقاليد الإسلامية، منحّياً في ذلك أي رأي أو شعور خاص. وهو في هذا لا يستبعد إثارة الجدل بين طبقات المجتمع الأسباني على اعتبار أن عمله هذا ما هو إلا انحرافاً، إذا تم تناول كتابه بعيداً عن الموضوعية كفتح إسلامي جديد.

يتحدث الكاتب في الفصل الأول الذي جاء كمقدمة عن الظروف التي كانت تسود شبه الجزيرة الأيبيرية والتي مهّدت للفتح الإسلامي، وتحديداً الحروب الأهلية التي دارت رحاها في المجتمع القوطي في ظل تفاوت طبقي مرير بين طبقة النبلاء وطبقة العبيد، الظروف التي لم تخف على المسلمين في الجانب المقابل للساحل الأندلسي ودفعتهم من ثم إلى شنّ الهجوم العسكري عام 710م بقيادة القائدين موسى بن نصير وطارق بن زياد. ويذكر تاريخ شبه الجزيرة الأيبيرية قبائل (الوندال) التي احتلتها لفترة لم تدم طويلاً بعد أن تم طردهم من قبل القوط، وهي القبائل التي اشتق العرب منها اسم (الأندلس). وبينما يفرد الكاتب الفصل الثاني (الأندلس والحضارة العربية: ماض مشترك) للحديث عن أثر الحضارة الإسلامية في الأندلس والتي مهدّت فيما بعد لقيام نهضة أوروبية شاملة في كافة ميادين الحياة، يشير في الفصل الثالث (رسالة النبي محمد: القرآن ومبادئ الإسلام)، بإجلال إلى النبي محمد ﷺ، ويسرد رحلته الشاقة في الدعوة وما عاناه مع قومه الذين كذّبوه. وهو يتحدث كذلك عن الوحي الإلهي وأول لقاء للنبي محمد ﷺ مع جبرائيل عليه السلام، ودعوته بـ “اقرأ”. ويقول: “أعلن محمد صلى الله عليه وسلم أن مهمته هي إبلاغ الناس القرآن أو الوحي الإلهي. ويمكن تعريف القرآن على أنه (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)”. ومن هنا يتطرق إلى ما احتوى عليه القرآن الكريم من مواعظ وتعاليم وحكم وأخلاق في كافة نواحي الحياة، وهو يتعرض في استفاضة عن كل ركن من أركان الإسلام، بالإضافة إلى شرح مختصر للمذاهب السنية الأربع، فيُشير إلى الإمام القرطبي بـ “كاتبنا العظيم للأحاديث”، ويتطرق إلى شعراء العرب، وقصص التراث العربي، والنوابغ من علماء الأندلس، كما يتحدث عن أثر الحديث والفقه في التراث الاسباني.

أما في الفصل الرابع (الأندلس والفتح، وخلافة قرطبة، وممالك الطوائف، والغزوات الإسلامية، ومملكة غرناطة) فيتحدث عن الفتح العربي-الإسلامي للأندلس ووضعها إبان هذا الفتح، وما تعاقب على حكمها من أمراء وخلفاء مسلمين، ثم استقلالها فيما بعد عن الإمبراطورية الإسلامية في المشرق، معرّجاً على ملوك الطوائف ودولة المرابطين ومن بعدها دولة الموّحدين، انتهاءً بدولة بني الأحمر التي تداعت على إثرها بلاد الأندلس عقب سقوط مملكة غرناطة آخر معاقل المسلمين، عام 1492م. يقول عن الحضارة التي أسسها المسلمون: “في هذا الإقليم تشكلت حضارة أشعت بضوئها على الغرب والشرق لكونها منطقة التقاء وتقابل ثقافي وبشري، نسيتها أوروبا، لكنها بقيت دائماً في الذكرى الخالدة للعالم الإسلامي”. ثم ينتقل إلى الفصل الخامس (اسبانيا الإسلامية: التراث الأندلسي)، ليذكّر كيف كانت اللغة العربية في الأندلس مرادفاً للعلم والذوق الرفيع، ومحط إقبال جميع أطياف المجتمع لتعلمها والتحدث بها، دون اللاتينية. وهو بهذا يؤكد على أثر اللغة العربية في اللغة الاسبانية كما يظهر في خمسة آلاف كلمة عربية متداولة في (الإسبانيول)، والتأثير العربي بشكل عام في كل ما هو اسباني. فيقول: “ظلت هذه الحضارة باقية في اسبانيا لمدة ثمانية قرون. ورغم أن حرب الاسترداد بدأت من المراكز المسيحية فقد تعايشوا مع المسلمين لفترة طويلة في وقت كانت فيه العادات والتقاليد والفنون واللغة الموجودة في اسبانيا المسيحية غير أصيلة، وكان لها جذور مسلمة”. لذلك، وتماشياً مع هدف الكتاب الذي أصرّ عليه، يطالب بإدخال اللغة العربية في مناهج التعليم، والدين الإسلامي كمصدر للقانون.

يفسح المجال في الفصل السادس (الأدب العربي: مقدمة، الأدب الجاهلي والأدب الإسلامي: القرآن، والأدب العربي، والانحدار والنهضة) ليعرّج على الأدب العربي، ابتداءً من عصر الجاهلية وحتى خروج المسلمين من الأندلس أواخر القرن الخامس عشر. وعندما ينتقل إلى الفصل السابع (القانون في الإسلام: مصادر القانون الإسلامي والعلوم الشرعية في القانون الإسلامي، التراث الإسلامي في العلوم التشريعية الإسبانية)، يتناول الشريعة الإسلامية من حيث مصادرها ومدى تأثيرهـا في القانون الإسباني، ويتطرّق في هذا إلى “قوانين مسلمي الأندلس” التي استمر العمل بها في القضاء الأندلسي حتى نهاية الوجود الإسلامي في شبه جزيرة أيبيريا. أما في الفصل الثامن (اسبانيا حلقة الوصول بين الشرق والغرب) فيدعو بلاده اسبانيا للاستيقاظ من السبات الذي بدأ مع سقوط غرناطة عام 1492، لتسترد هويتها، وتلعب دورها المحوري المتمثل في التعدد الثقافي الذي يحظى بها تاريخها، لا سيما أمام التراجع الأخلاقي الذي يستشري في الغرب، وضرورة إعادة التوازن الروحي والأخلاقي والذي لن يتكفل به بحق سوى دين الإسلام.

يظهر المجريطي في الفصل التاسع (التحكيم الدولي: حلول سلمية للصراعات الناتجة عـن إلتقاء كلا العالمين، الجهاز التحكيمي، عناصر تشريعية دولية، المنهج التحكيمي والنصاب القانوني في الاتفاقيات) وهو يناضل عن دول العالم الإسلامي عموماً، ويطالب الدول الغربية بعدم التدخل السياسي والاجتماعي فيها، وهو يسلط الضوء وبقوة على القضية الفلسطينية، ويطالب الدول الغربية بإيقاف التدخل العسكري لصالح إسرائيل. يعرض عدد من الحلول السياسية والقانونية لإنصاف المسلمين والتعايش بسلام بين الشرق والغرب، فيطالب بـ: “الاعتراف الضمني بالإسلام ديناً حقيقياً يقف على قدم المساواة مع المسيحية، مع الإلغاء النهائي لمصطلح كافر الذي يستخدم في القانون الكنسي لتسمية المسلمين”. وهو في حديثه عن هوية بلاده المزدوجة الشرقية-الغربية، يجعل له دوراً مستقبلياً في تحقيق التوافق والتكامل بين الحضارتين، من خلال (التحكيم الدولي لحل المنازعات) الذي نادى به. ينبّه وهو يختم كتابه في الفصل العاشر (الروابط التاريخية بين الشرق والغرب: أصول السلوك أجل تحقيق التوافق والاندماج والمودة في علاقة الشرق بالغرب) على ضرورة التعايش في خضم الحملات المفتعلة حول الإسلام، وذلك من خلال التركيز على التاريخ المشترك بين الغرب والشرق لا سيما ما يظهر في تاريخ الفتح الإسلامي للأندلس أوائل القرن الثامن، والحملات الصليبية نحو الشرق، والتاريخ العثماني-الأوروبي، حيث يرى أن لبلاده الدور المستقبلي الفاعل في تحقيق التكامل بينهما.

كمأخذ، يسرد الكاتب بعض المعلومات التاريخية غير الصحيحة، كالزعم بنشوب خلاف بين القائدين العظيمين موسى بن نصير وطارق بن زياد سببه الغيرة، واستمداد النبي محمد ﷺ لتعاليم السيد المسيح عليه السلام، من بحيرى الراهب. من ناحية أخرى، جاء اختيار غلاف الكتاب وعنوانه موفقاً، فبينما يحمل الغلاف صورة (بهو السباع) في قصر الحمراء، يحمل العنوان صيحة الكاتب المجريطي التي تطالب حكومته باستدعاء (هويتها الغائبة) المزدوجة ازدواجاً لا ينفك بين الإسلام والمسيحية، واللتان تقاسمتا الأرض ماضياً وحاضراً.

ورغم موضوعية الكتاب فهو لا يخلو من شجن .. لذا تجدني أختم ببيت من نونية أبي البقاء الرّندي التي نظمها في رثاء الأندلس بعد سقوط آخر معاقلها: (أعندكم نبأٌ منْ أهلِ أندلسٍ .. فقدْ سرى بحديثِ القومِ ركُبانُ). وعندما زرت إقليم أندلوسيا، شاهدت التاريخ ماثلاً وعلمت بالنبأ .. وليس الخبر كالعيان!

 

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 29 يونيو 2022 – صفحة (10) جزء1:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/06/5143.pdf

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 30 يونيو 2022 – صفحة (10) جزء2:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/06/5144.pdf

 

 

عدد القراءات:33 قراءة