مقالات في صحيفة المشرق يوليو 2022

قراءة في كتاب

…………………………

 

أنشر هذه المقالات في شهر يوليو / تموز 2022
همى الغيث

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ النباهة والاستحمار

المؤلف/ د. علي شريعتي

دار النشر/ دار الأمير للثقافة والعلوم

الطبعة/ 2 – 2007

الفكر الحر عندما يكشف عن عورة الفكر الرجعي

 

 

كتاب وجيز في طرحه، عميق في مضمونه، مثير للجدل عند مناقشته، وقاتل عند محاولة تطبيق ما جاء به! قد يكون مدعاة للعجب، أن يسبق د. علي شريعتي (1933 : 1977) أوانه وزمانه، لا سيما في وقت طغى على الشرق الإسلامي ثقافة الجهل المقدس أو كما وصمه هذا النابغة بـ (الاستحمار)، فكان كمن يسبح عكس التيار حينها، غير أنه ليس من دواعي العجب على الإطلاق أن يتم اغتياله غدراً، وإن يتم تغليف الحادثة بموت مفاجئ ناجم عن أسباب صحية، فذلك من لوازم ثقافة (الاستحمار) السائدة آنذاك، والتي لا تزال حاضرة في الوقت الحالي في كثير من الوجوه! فمع النهج المتفرد الذي سار عليه د. شريعتي في تجديد الخطاب الديني، وطرح قضايا الإسلام المعاصرة من منظور حداثي قائم على أسس علم الاجتماع الذي حمل إجازته من جامعة السوربون في فرنسا، فقد كان هذا مدعاة لالتفاف جمهرة الشباب حوله ممن وجدوا فيه ضالتهم، وقد كانوا معاصرين لزمن تخبّطوا فيه بين ثقافتي الشرق والغرب، وبين أبعاد الفلسفة وجمود الدين. غير أن هذا النهج التوعوي الذي أشعل ثورة فكرية عارمة في النصف الثاني من القرن المنصرم ضمن ما أثاره من قضايا، قد أثار بدوره غضب أصحاب السلطة الديكتاتورية، فكان ما كان من مؤامرة تصفية المفكر وفكره. وفي شهادة للمفكر العراقي عبدالرزاق الجبران، فإن الإصلاح الذي نادى به د. شريعتي ارتكز على بناء الذات الإنسانية من منظور إسلامي-سياسي-اجتماعي، يتأتى من خلال استعراض التاريخ الإنساني. وعن (جدلية الصراع) القائمة، فقد استحدث فلسفة يتواجه فيها طرفان (هابيل-قابيل)، ففي حين مثّل هابيل (الناس)، مثّل قابيل (السلطة)، وقد ارتكز هذا الطرف على ثالوث (فرعون-قارون-بلعم بن باعوراء) في رمز للسلطة السياسية والاقتصادية والدينية على التوالي. ومن شرارة تحالف هذا الثالوث، اندلع الاستعباد أو ما أسماه المفكر بـ (الاستحمار) على مرّ التاريخ الإنساني.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثانية للكتاب الصادرة عام 2007 من (دار الأمير للثقافة والعلوم)، عن ترجمة مباشرة إلى اللغة العربية من أصلها الفارسي (خود آكاهي استحمار). وعلى ما يبدو، تشترك الثقافتان في استخدام البهيم المشار إليه كمضرب مثل في الغباء، غير أن ترجمته إلى اللغة الإنجليزية استخدمت كلمة (الجهل) كمرادف ألطف للمعنى، بـ (Intelligence and Ignorance). وقبل البدء، يحرص د. شريعتي على توضيح دور الفيلسوف، إذ يعتقد بأن الفكر الإسلامي قد حمل في بعض مراحله مفهوماً فلسفياً مغلوطاً تمركز حول الذات الإلهية والغيبيات حصراً، وأهمل الإنسان ومبحث الوجود، فلا يُفهم الإسلام إلا فهماً صوفياً بعيداً عن مقاصده في خلق الإنسان، فكأنما خُلق الإنسان للدين وما خُلق الدين للإنسان، مما أردى الإسلام في جمود فكري وانتكاس حضاري على مدى قرون. من قلب هذا الصراع، عمد د. شريعتي إلى خلق مسئولية الفيلسوف كصاحب للنظرية الاجتماعية التي تستشف سنن التاريخ وتقف على فلسفة وجود الإنسان، وتسقطها على السياسة والاقتصاد والاجتماع والأدب. لذا، “كان الأنبياء أعظم الفلاسفة” كما ارتأى. ومن الكتاب الذي عكس رؤية فكرية فطنة ضمنّها الفيلسوف في شرح موضوعي مستفيض، أسرد مقتطفات كما يلي وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

في استهلاله عن مفهوم (النباهة والاستحمار)، يقسّم د. شريعتي (النباهة) إلى قسمين: (فردية) و (اجتماعية)، تصبّان في انتماء الفرد لمجتمعه وشعوره بالمسئولية وارتباطه به في مصيره التاريخي، أي كما أطلق عليه بـ “الوعي الوجودي”، ليأتي (الاستحمار) بكل ما من شأنه سلب هذا الوعي وتضليل مسار “النباهة الإنسانية”. ثم يستطرد ليقسّم من جديد اتجاهين رئيسين لتحقيقه هما: (التجهيل) و (الإلهاء)، فيعمد الأول إلى تجهيل العقول وصرفها عن قضايا المجتمع المصيرية، ويلهي الثاني الفرد بحقوقه الشخصية عن حقوق المجتمع الكبرى. ثم يبدأ د. شريعتي حديثه عن موضوع (الأنا والمصير) على الرغم من قناعته بأنه موضوع يُختم به النقاش لا يُبدأ به! إذ يرى أن أساسه وزبدة حديثه فكري أكثر مما هو علمي، فالأفكار من طبيعتها التغير وهي تخضع للوعي والنقاش، بعكس العلوم المعيارية الخاضعة للتفسير العلمي الصرف. وفي هذا الصدد يشير إلى النتيجة العكسية التي قد ترتد مع تضخم الأنا لدى طبقة المثقفين المصاحبة لشعور الاكتفاء العلمي، حيث يبقى العالم منهم جاهلاً ما لم يصاحبه وعي فكري وحس عال بالمسئولية تجاه مجتمعه وتحدياته التاريخية المستمرة. وعلى الرغم من قناعته كذلك بأن: “الدين الذي هو فوق العلم يعتبر الإنسان ذاتاً أرقى وأشرف من جميع المظاهر الطبيعية”، فإنه يستطرد ليؤكد أن ما عناه بالدين ليست السنن الموروثة والعادات المتحجرة التي تم تناقلها عبر السلف في إطار شرعي تقليدي مشكوك في أصالته وفي قدسيته، والتي باتت لا عقلانية عند أبناء الجيل الجديد المستنير، بل ما عناه هو “دين المعرفة والتنبه”. يدعوه هذا الرأي من ناحية أخرى للخوض في أصل الإنسان كصانع للحياة، ففي حين يشير إلى الفلسفة الوجودية التي لا تقرّ بوجود إله، يرى أنها تشترك والفكر الإسلامي في “أصالة الإنسان”، إذ كان جان بول سارتر يعتقد أن الإنسان هو رب نفسه وصانع مصيره وبيده مقاليد الطبيعة يسخرها في خدمته، وقد جاء الإسلام من ذي قبل ليعلّي شأن الإنسان، حيث اصطفاه الله وكرّمه وأسجد له ملائكته واستخلفه في الأرض وسخّر له قوى الكون. فلا أكرم من اسباغ روحه جلّ وعلا في ذاته ليغدو عاقل وخالق ومختار ذو إرادة حرة، ومغيّر لذاته ولمصيره.

رغم ما سبق، يثير هذا الإنسان المختال فخراً -والذي يكاد أن يخرق برأسه عنان السماء ليصل إلى الله- عجب د. شريعتي، حين تحوطه المغريات والملذات والتحديات فيتردى إلى مستوى أحطّ فيه من قدر الكلب، يشبع فيه نفسه اللاهثة على حساب القيم الإنسانية. فيقول نصاً: “وهكذا نجد الإنسان في حياته اليومية متجهاً إلى خارجه دائماً، ومقبلاً على ما يوفر له لذائذه مائلاً نحو شهواته. ونجد (أنا) تلك (الأنا) التي هي من الله تهبط من العرش إلى حضيض الأرض، فتنغمس كالدودة في الماء المتعفن بالقذارات وتهش للجيفة”. لا يقف الحد عند هذا المقام، إذ قد يثير د. شريعتي الجدل في رأيه عن التمرد كما جاء تحت عنوان (هزة) في كتابه، حيث يرى أن قيمة الإنسان تبدأ مع قدرته على الرفض، كما فعل من قبل أبو البشر آدم، فلولا “لا” لكان مجرد ملاك “لا ميزة له” سجد لبشر آخر اصطفاه الله بدلاً عنه! مع هذا التمرد، حظي بشيء من صفات الألوهية حيث أصبح خليفة الأرض، غير أنه قد يخسر تلك الصفات من أجل إشباع لذة دنيوية. على هذا، يستنتج د. شريعتي أنه من الصعب التخلي عن لذائذ التمرد وقد أسفرت عن نباهة وأخلاقيات، إلا أن درجة اللانباهة والغفلة والتسويف التي قد ينغمس فيها الإنسان لاحقاً، لا يوقظها سوى العقاب. وفي هذا المفهوم، وفي لفتة قيّمة من التاريخ، يستنبط د. شريعتي مدى الوعي والجسارة والجرأة التي تحلّى بها الرعيل الأول في صدر الإسلام لا سيما عصر الخلفاء الراشدين، حيث كانوا يهرعون إلى الصلاة وإلى محاسبة أنفسهم بعد إقامتها. وتبلغ درجة الوعي الاجتماعي أوجها حين تصدى أحد الصحابة للخليفة عمر -فاتح الأمصار وقاهر الأباطرة- وهو فوق المنبر، ليحاجّه على قطعة قماش اشتبه على أنها زائدة في سهمه عن أسهم باقي الصحابة، وذلك حينما وُزعت عليهم الكسوة بالتساوي كما كان مفترضاً. برر عمر تلك الزيادة بطول قامته حيث تبرع ابنه بسهمه له، والذي أتى شاهداً على رأس القوم في ذلك الموقف العصيب.

يستعين د. شريعتي بالتاريخ مرة أخرى، ولكن على النقيض، ليشير إلى الليالي الملاح التي كتب لها القدر أن تتواصل لبني العباس في مناسبة زواج البرمكي بالعباسة، وقد تراكم بعدها أكوام فضل الطعام في المدينة لتجتمع عليها السائبة من الحيوانات والطيور، وتشكل خطراً بيئياً وقتها، الخطر الذي استدعى استئجار عمّالاً لرميها خارجاً. وعلى الرغم من أن مدينة بغداد كانت مركز الإشعاع الحضاري الإسلامي آنذاك، إلا أن شيوخها وعلمائها ومفكريها لم يعيبوا هذا الترف والسرف، بل قد تراهم اجتمعوا في زاوية أحد الدواوين يناقشون قاعدة نحوية جديدة، أو كتاب في الطب يسعون إلى ترجمته. لقد طغت الحركة العلمية على الوعي الاجتماعي إلى الحد الذي مهّد للتتار دخول المدينة، فخضع الجميع واستكان حين فقدوا وعيهم الجمعي، ولم ينفعهم لا علم ولا أدب ولا حضارة. بعد ذلك، يبدع د. شريعتي أيما ابداع عندما يتجرأ ليفضح ما أسماه بـ “الدين الاستحماري”. فمع مضي زمن الأنبياء العظيم، ابتليت الأمم بأدعياء من شيوخ وقساوسة ورهبان ومتصوفة اتخذوا من الأديان مطية لإستحمار أتباعها. بيد أن هؤلاء الأشقياء قد نالوا من الحصانة والمزايا الشيء الكثير تحت سلطة الثالوث (فرعون-قارون-بلعام) في تنفيذ أجنداتهم التي تصب في صالح تلك السلطة، فتأتي مواعظهم الحانوتية لتزّهد الناس في دنيا فانية وتمنّيهم بأخرى باقية، فيستغنوا بما في أيديهم للثالوث. يضرب هذا الدين المستحمر أتباعه بحجرين، فيضمن الحجر الأول استكانة الفرد منهم أمام سطوة الظلم والقهر والفقر، مستلهماً الصبر في التضرع واستدعاء روح العباس والأولياء الصالحين، بينما يضمن الحجر الثاني التمكين للظالم في التكفير عن ظلمه، ليس برد الحقوق إلى أصحابها، بل بكلمات يتمتمها سبع مرات نحو القبلة، فيحظى بالمغفرة والرحمة والشفاعة، ولو بلغت ذنوبه عنان السماء وتساوت بعدد قطر الأمطار ومياه البحار .. هكذا في لمح البصر. ثم يضرب مثلاً حياً من مجتمعه بما أسماه (الإيهام) .. إنها السياسة القديمة-الحديثة! فمن أجل صرف أذهان الشعب الإيراني عن قضية شركة النفط المحلية في فترة ما من القرن الماضي، تم افتعال عشرين معركة أهلية، كما شهدت من قبل حركة الاستعمار الغربي في القرن السادس عشر الميلادي ظهور سبعة عشر نبياً في الشرق، لشغل المسلمين في صد ادعاءاتهم! حقاً، تعددت الغايات والاستحمار واحد.

ختاماً، لا بد لهذه الرؤية الفذّة أن تواجه من حسد ذوي النقص على ما هم عليه من جهالة متأصلة تغذيها الأعراف الاجتماعية والمواريث الدينية، وهي مواجهة تؤكد بدورها أنها نباهة حقيقية لا زيف فيها، أو كما آمن د. شريعتي ودعى بقدرة الوعي على تغيير واقع الإنسان إن شاء، حين قال: “… فالإنسان الواعي يمكن أن يكون قوياً إلى حد يسيطر على مصيره. من هو ذاك الإنسان؟ إنه ليس نابليون القوي الذي يعبر عن نفسه وسجنه في جزيرة سانت هيلينا: كأني خشبة صغيرة ضعيفة تلعب بها الأمواج كيفما شاءت .. (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ). نعم، إذا غير الإنسان ذاته وطبيعته فإنه قادر على تغيير مصيره ومصير تاريخه، ولا يرتبط هذا بالجسم والمال والمقام، والذي يبقى للفرد إنسانيته فقط”.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 6 يوليو 2022 – صفحة (10) جزء1:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/07/5148.pdf

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 7 يوليو 2022 – صفحة (10) جزء2:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/07/%D9%A5%D9%A1%D9%A4%D9%A9.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ لا سكوت بعد اليوم: مواجهة الصور المزيفة عن الإسلام في أميركا

المؤلف/ بول فندلي

دار النشر/ شركة المطبوعات للتوزيع والنشر

الطبعة/ 2 – 2001

دفاع صادق عن الإسلام بقلم سياسي أمريكي

 

 

في تحليل موضوعي للصورة النمطية الشائعة عن الإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، وكمحاولة جريئة للتصدي للزيف الممنهج حولهما، في أمريكا وفي العالم أجمع، يقدّم السياسي المحنك (بول فندلي 2019 : 1921 Paul Findley) العضو في الكونجرس الأمريكي، عصارة خبرته، في حيادية، ومن خلال معايشة واقعية لأفراد مسلمين وغير مسلمين داخل المجتمع الأمريكي وخارجه.

يعرض الكتاب جانباً من سيرة الكاتب الذاتية والذي يُعتبر جزءاً لا يتجزأ منه، حيث يتطرق إلى رحلته الأولى نحو مجاهل ديار العرب في مهمة رسمية، والتي كانت بمثابة استهلال لرحلة استكشافية طويلة خاضها فيما بعد للتعرف على الإسلام وأتباعه عن قرب، حتى يأتي هذا الكتاب كثمرة لتلك الرحلة. لقد قصد عدن، عاصمة الجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية عام 1974، للوساطة في قضية أحد الناخبين في ولاية إيلينوي، والذي تم اعتقاله بتهمة تجسس بدت ملفّقة آنذاك. لم تكن رحلته الاستكشافية التي تلتها أقل شائكية، فقد أخذ الكاتب على عاتقه مهمة تعريف المجتمع الأمريكي بالأقلية المتنامية بين أطيافه المتنوعة، والتي تدين بدين لا يختلف عن المسيحية في إعلاء مبادئ الرحمة والمساواة وكرامة الإنسان، والعمل على إزالة كل لبس يحوط به. لقد تبنى في سعيه هذا مناصرة القضايا العربية لا سيما الفلسطينية، الأمر الذي تصدى له اللوبي اليهودي المتنفّذ في الكونجرس الأمريكي بلا هوادة. لم يلتزم الصمت بعد ذاك النضال، بل قرر أن يُسمع العالم صيحته المدوية من خلال كتابه الذي أعدّه للنشر قبيل أحداث 11 سبتمبر 2001، والتي لا يزال يتردد صداها بعد رحيله عن عالمنا عام 2019.

يزخر الكتاب بالعديد من القضايا القديمة-الحديثة والأمثلة الحية الداعمة لها، تظهر من خلال ثلاثة عشر فصلاً، هي: النسب الخفي / غرباء في وسطنا / الإرهاب والافتراء / عامل “طالبان” / هذه حقائق نؤمن بها / سواسية كسنيّن من أسنان المشط / ربط مزيف بالإسلام / ردم الهوة / الطلاب يرشدون إلى الطريق / كسر جدار الصمت / الطريق إلى النجاح الحزبي / تصويت الكتلة الانتخابية الإسلامية / المضي في التحدي. تكتفي هذه المراجعة بتناول الفصول من الأول إلى السابع، وهي تعتمد على الطبعة الثانية للكتاب الصادرة عام 2001 من (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر)، عن ترجمة مباشرة إلى اللغة العربية من الكتاب الأصلي (Silent No More: Confronting America’s False Images of Islam)، والتي تشتمل على بعض الاقتباسات، بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

مع المقدمة (رحلة غير متوقعة)، ومع مخيلة الكاتب التي لا يزال يمثل فيها بشاعة التمييز العنصري الذي عانى منه اليهود في أمريكا في الماضي القريب، وزيارته وزوجته مدينة (كيب تاون) عام 1989 بدعوة من الداعية (أحمد ديدات) لأجل المشاركة في خطاب عام، ومخالطته للجالية الإسلامية وغيرها من جاليات الديانات الأخرى، قد مثّلت جميعها دافعاً كبيراً للكاتب في وضع هذا الكتاب، وفي اتخاذ موقفاً احتجاجياً صارماً في مبنى الكابيتول ضد سياسة بلاده في الشرق الأوسط فور عودته من مهمته في اليمن. يقول عن هذا الاحتجاج: “وطالبت الحكومة الأمريكية بإلحاح بوقف تقديم المساعدات كافة إلى اسرائيل حتى تكف عن انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني، وتوقف الهجمات العسكرية ضد لبنان”. لقد دفع الكاتب ثمن احتجاجاته العارمة التي امتدت إلى ثمان أعوام، معارضات قوية في مبنى الكابيتول، انتهت بسقوطه في حملة الانتخابات عن ولاية إيلينوى. ثم يكمل على نفس الوتيرة ليلقي الضوء على بعض الصور النمطية المأخوذة عن المسلمين، والتي تُعتبر “العائق الأكبر أمام الانسجام والتعاون بين الديانات والثقافات، فهي تربط الإسلام بالإرهاب والتعصب، واستعباد المرأة، وانعدام التسامح تجاه غير المسلمين، والعداء للديمقراطية، وعبادة إله غريب وانتقامي”. لكنه شخصياً يقرّ بعالمية الدين الإسلامي الذي يشمل جميع البشر على أسس راسخة من القيم. فيقول وهو لا يزال في المقدمة: “وتعلمت في مراحل لاحقة من مسيرتي أن الإسلام مثل المسيحية واليهودية متأصل في السلام والانسجام والمسئولية العائلية واحترام الأديان والتواضع والعدل لكل البشر، تحت رحمة إله واحد. إن الإسلام دين عالمي متعدد الثقافات، ومتعدد الأعراق، يدعو إلى الأخوة والمساواة بين الناس جميعاً، بغض النظر عن العرق أو الجنسية أو العقيدة الدينية”. ثم يتحدث عن انطباعاته في قول صاف: “إنني إذ أتذكر، أدرك أن عدن كانت أول محطة لي في استكشاف العالم الإسلامي. وفي المحطات التالية التي توقفت فيها، فتحت عيني على ثقافة مستندة إلى الشرف والكرامة وقيمة كل انسان، علاوة على التسامح وطلب العلم، وهي معايير عرفت فيما بعد أنها متأصلة عميقاً في الدين الإسلامي. إنها أهداف كانت ستلقى استحسان أجدادي المسيحيين”. ثم يستمر ليوضح أنه عل الرغم من تلك المبادئ الأساسية والمشتركة بين الأديان الابراهيمية “يواجه المسلمون مصاعب يومية في مجتمع أميركا المسيحي في غالبيته. إن معظم الأميركيين لا يعرفون أي مسلم، وما زالوا غافلين عن وجود المسلمين المتنامي بوتيرة سريعة في الولايات المتحدة، ولم يناقشوا يوماً الإسلام مع أي شخص مطلّع على هذا الدين، ولم يقرأوا يوماً آية واحدة من القرآن الكريم، وتنبع أغلب تصوّراتهم عن الإسلام من الصور السلبية المزيّفة التي تظهرها التقارير الإخبارية والأفلام والمسلسلات التلفزيونية والحوارات في الإذاعة والتلفزيون”.

وعن إيمان المسلمين المطلق بميلاد السيد المسيح المعجز، يعترف القس (مونكيور كونوي) على مضض في اجتماع تم عقده بحضور ممثلين من الديانات المختلفة في كلكتا، وبعد أن أدلى ممثل المسلمين برأي الإسلام القاطع فيه، بأن: “المسلمون ليسوا مسيحيين إلا (أنهم) الوحيدون في الشرق الذين يؤكدون حرفياً صحة المعجزات كافة التي تُنسب إلى المسيح في الأناجيل أو في فقرات من الكتاب المقدس لها صلة بميلاده، ومن النادر أن تجد متشككاً بينهم”.

في الفصل الأول الذي جاء بعنوان (النسب الخفي)، يتحدث عن جهل المجتمع الأمريكي بدين الإسلام واتباعه، حيث يحمل الكثير من المفاهيم المغلوطة التي لا تشي سوى ببربرية أولئك القوم الذين يُدعون بـ (المحمديين). فينقل عن معلمتهم والتي رغم تصورها المشابه كانت “عطوفة”: “إن شعبا أميّاً وبدائياً وميّالاً إلى العنف يعيش في مناطق صحراوية في الأراضي المقدسة، ويعبد إلهاً غريباً”. ثم يكمل: “وما زلت أذكر من طفولتي المبكرة أنها كانت تسميهم (محمديين) وتواظب على تكرار قولها (إنهم ليسوا مثلنا)”. يسترجع ذكرى هذا الحديث مع مشهد يظهر فيه هو وأقرانه وهم يلهون في تل من الرمل، يغرسون فيه “أشكالا مصغرة لأشجار النخيل والجمال والخيم والبدو”. يعترف الآن بأن تعليقات معلمتهم تلك قد حفرت في ذاكرته صورة “عن المحمّديين كأناس غرباء جهلة ويضمرون الأذى للآخرين”. لكنه يلتمس العذر لما كانت عليه تلك الصورة من تضليل، فيقول: “كانت معلّمتي مثلها مثل العديد من الأميركيين اليوم، تكرّر ببراءة الأضاليل التي اكتسبتها من أناس آخرين يفتقرون إلى المعرفة الوافية. فقد كانت تردد في صفنا ما كانت تعتقد أنه الحقيقة، بما في ذلك التسمية المغلوطة (المحمديون). لا أظنّها تعمدت تقديم معلومات مضلّلة أو الافتراء على الإسلام، كانت بكل بساطة تفتقر إلى الحقائق شأنها شأن المعلّمات الأخريات والقس الذي ترأس أبرشيتنا”. يذكر الكاتب أنه لم يتيقن من سبب رفض المسلمين لتسميتهم بـ (المحمدين) حتى بلوغه سن السابعة والسبعين “وقد شرح هذا السبب (أندرو باترسن) الكاتب الذي اعتنق الإسلام قائلاً: إنها تشي بسوء فهم عميق للإسلام، وتوحي بأن المسلمين يعبدون النبي محمداً كإله. إنهم يبجلون محمداً ويجلّونه كآخر رسل الله، غير أنهم لا يعبدونه. وفي الحقيقة أن الإيمان بإله واحد يحتل المرتبة العليا من أركان الإسلام الخمسة”. يعزو الكاتب اعتقاد المسيحيين بتأليه النبي محمد لدى المسلمين لما يقوم عليه الدين المسيحي -رغم تصنيفه عالمياً كدين توحيدي- على الثالوث المقدس.

ثم يضيف الكاتب فوق الجرح ملح حين يذكر ترتيلة (إلى الفرسان في الأيام الخوالي) التي كان يُفتتح بها المراسم العامة، والتي كانت تشيد بالفرسان المسيحيين الصليبيين في الأراضي المقدسة وهم يعملون سيوفهم في رقاب المسلمين الأبرياء، وقد تخلوا عمّا ينادي به كتابهم المقدس من تسامح ورحمة وعدل، واستطابوا سفك الدماء. ينقل الكاتب تعليقاً لأحد الصليبيين عن “المشهد الدموي في القدس” حيث “طاف رجالنا شاهري السيوف في أرجاء المدينة. لم يبقوا على أحد حتى أولئك الذين التمسوا الرحمة. وخاضت الخيول في الدماء حتى ركبها، بل حتى اللجام. كان ذلك حكماً عادلاً ورائعاً من الله”. ثم يسترسل في ذكر المجازر التي تغنت بها الترتيلة فيقول: “ولم تقتصر المجزرة على القدس، فقد أقدم الصليبيون وهم يبحثون عن الوثنيين والملحدين على قتل مسلمين ويهود وحتى مسيحيين آخرين في أنحاء الشرق الأوسط ولا سيما في أنطاكية والقسطنطينية”. لكن “وبالمقابل، لم تسفك أي دماء في الفترات الثلاث المنفصلة التي سيطر فيها المسلمون على القدس”.

ينتقل الكاتب في الفصل الثاني والمعنون بـ (غرباء في وسطنا) إلى الحديث عن أوائل المسلمين الذين قدموا إلى قارتهم أرقّاء سود مكبّلين بالسلاسل، وقد شحن التجّار البيض بعض منهم إلى الكاريبي، وفرّقوا البعض الآخر على المستعمرات البريطانية حول العالم. فيقول في لحن يشوبه العار: “يُقدّر أنه عبر السنين وفي أحد أسوأ الفصول المخزية في تاريخنا، استُرقّ على نحو دائم في الولايات المتحدة ما يقرب من عشرة ملايين إنسان، كان زهاء 25% منهم من المسلمين أرغموا على التخلي عن دينهم”. ثم يسترسل ليتحدث عن المسلمين الآخرين الذين قدموا طواعية إليهم، فيقول في نبرة عزة: “وتشير وثيقة قديمة إلى أن البحارة المسلمين قَدِموا إلى أميركا الشمالية في عام 1178، أي قبل ثلاثة قرون من رحلة كولمبوس الأولى”. ويتحدث في نفس الفصل عن الملاكم الأمريكي (محمد علي) كرمز إسلامي بارز، والذي اختار النهج المعتدل خلاف ما كانت تسير عليه منظمة أمة الإسلام من “عقائد انفصالية عنصرية” والتي انفصل عنها فيما بعد. وبالإضافة إلى لقبه كـ “رياضي القرن” فإنه “يشتهر أكثر من ذلك بشجاعته الهادئة في ظل الضغط السياسي. يلقى محمد على تقديراً كبيراً لصراحته المتسمة بالشجاعة عندما يتحدث في المسائل العامة، ولتمسكه بقناعاته، وقد كلفه ذلك غالياً في مهنته كرياضي”.

ومع انتقال الكاتب إلى الفصل الثالث الذي حمل عنوان (الإرهاب والافتراء) وهو يشي بخطورة ما يحمل من تطرف فكري ضد المسلمين في المجتمع الأمريكي، يورد حادثة وقعت في يوليو عام 1999 في ولاية نيوجيرسي كان بطلها (ريجينالد كوري) حين اقتحم بنكاً وادعى “تحت وطأة الحاجة إلى المال لشراء الهيرويين أنه مسلم، وسلّم أمين صندوق أحد البنوك ورقة كتب فيها: (بسم الله. في حوزتي قنبلة، وأنا راغب في الاستشهاد في سبيل قضية الإسلام. ضع كل المال في الحقيبة ولا تكن بطلاً). فما كان من أمين الصندوق المرتعب إلا أن أطاعه بسرعة، ثم ما لبثت الخدعة أن كُشِفت إثر اعتقال كوري”. يستطرد الكاتب ليتحدث مناضلاً عن الإسلام وكأنه أحد اتباعه، وقد عرّى الازدواجية العالمية في تعاطي الحوادث الإرهابية ما بين المسلمين وغير المسلمين، والتي يعتبرها من أخبث صور تنميط الإسلام، فحيثما يُذكر الإسلام يُذكر الإرهاب. يقول: “هناك العديد من المنافقين بين قادة المسيحيين، لكن الإسلام بخلاف الأديان الأخرى يُربط في الأخبار والتقارير والمقالات بالعنف باستمرار، في حين أنه نادراً ما تُذكر ديانة الفاعلين عندما تُرتكب أعمال مروّعة على أيدي أناس ينتمون إلى ديانات أخرى. فالتقارير الإخبارية لم تُشر إطلاقاً إلى المذابح المرتكبة ضد ألبان كوسوفو بأنها أعمال قتل ارتكبها الصرب الأرثوذكس، وأن البورميين يُقتلون بأيدي البوذيين، وأن الفلسطينيين يُقتلون بأيدي اليهود. فالجناة يُحددون روتينياً بهويتهم القومية وليس بانتماءاتهم الدينية، إلا عندما يكونون مسلمين. إذ لا يُنظر إلى مرتكبي العنف المسيحيين بأنهم يشوهون سمعة المسيحية، ولكن إذا ارتكب مسلم إثماً فإن هذا الإثم يُصور كعنصر من عناصر الخطر الإسلامي الداهم على أميركا. وعندما نقف لنتأمل في حقد الدولة اليهودية التي تغزو لبنان وتقتل الألوف، والتي تقصف بيوت الفلسطينيين وتقتلعهم من وطنهم، فإننا نقاوم مغريات التفكير أن العنف والتعصب من دعائم اليهودية. لا ريب في أننا نجد هنا مكيالين يُكال بهما، حيث يُلقى اللوم على الإسلام في النزاعات الدولية”.

ثم ينتقل الكاتب إلى الفصل الرابع (عامل “طالبان”)، فيعرض مشهد عمّ فيه الاستياء العالمي مداه “عندما أمرت طالبان بتدمير تمثاليّ بوذا العملاقين المحفورين في الصخر قبل زمن طويل من ظهور الإسلام. وتُعد أفغانستان أحد المواقع الأولى للديانة البوذية. وللتمثالين قيمة تاريخية لا تضاهى في علم الآثار”. وفي حين ثارت المظاهرات المنددة، عبّر القادة المسلمين عن أسفهم مؤكدين على أن الإسلام وإن كان “يعارض تصوير شخصياته الدينية ويعارض عبادة الأصنام، ولكنّه لا يصفح أبداً عن تدمير رموز الديانات الأخرى”. وبينما يصّرح الكاتب بأن طالبان نظام “غير إسلامي” من عدة وجوه، لا سيما اقتصاده القائم في الدرجة الأولى على انتاج الهيروين، حيث “تشكل المخدرات أكبر مصدر دخل من صادرات أفغانستان”، يورد ما جاء في كتاب/ طالبان لمؤلفه (بيتر مارسدين) من صور التمييز ضد المرأة في المجتمع الأفغاني، من خلال أنظمة رسمية “تشكل انتهاكاً صارخاً لتعاليم الإسلام” وُضعت موضع التنفيذ، تحديداً في كابول والمناطق الخاضعة تحت هذا النظام. منها: “ممنوع على النساء مغادرة بيوتهن إلا برفقة رجل حتى في حالة طوارئ تتطلب الاستعانة بطبيب أو الانتقال إلى مستشفى / ممنوع أن يقوم طبيب بمعالجة النساء إلا نادراً رغم النقص الحاد في عدد الطبيبات / ممنوع عمل المرأة خارج البيت إلا في عدد من أنواع الأعمال يحدّدها “طالبان” / على المرأة عندما تكون خارج بيتها أن ترخي برقعاً يحجب وجهها / المدارس الحكومية للذكور فقط فلا وجود لمدارس البنات إلا على الورق” بالإضافة إلى: “يجب على كل الذكور الإلتحاء وإقامة الصلوات الخمس في المسجد يوميا في مواقيتها / أجهزة التلفزة محرمة بموجب القانون”

أما الفصل الخامس الذي حمل عنوان (هذه حقائق نؤمن بها)، فقد تطرق فيه الكاتب إلى لقائه مع الداعية (أحمد ديدات) رئيس المركز الدولي للدعوة الإسلامية، في جنوب أفريقيا، وتقاسمهما محاضرة ألقياها أمام حشد كبير من الناس. قام الداعية “بتقديم صورة عن الحكم الإسلامي مغايرة تماماً لتلك التي أبرزتها بعد سنوات تقارير وسائل الإعلام عن طالبان في أفغانستان”، وقد أخبره الداعية أنه دبّر عرض نسخاً من كتابين للجمهور. كان الأول كتابه (من يجرؤ على الكلام)، أما الثاني فكان “نص دستور الحكومة العالمية” حسب تعبير الداعية. أثار هذا فضول الكاتب وتساؤلاته الذي كان “مهتماً منذ زمن بعيد بالمنظمات الدولية التي من شأنها حماية حقوق الإنسان وإحلال السلام في العالم. فمن ألف الكتاب؟ وأي شكل من أشكال الحكم يقترح؟” فيقول: “تعجّبت من أن يكون في وسع الحكومة الجديدة المقترحة أن تنجز ما قصّرت عن إنجازه الأمم المتحدة، ومنظمات دولية أخرى”. حتى يفاجئ الكاتب بأن الدستور المعني لم يكن سوى (القرآن الكريم)، وقد جاوز مبيعاته مبيعات كتابه المذكور في نهاية المحاضرة. واستكمالاً للتصورات حول الإسلام والمسلمين، يستمر الكاتب في الفصل الخامس بعرض آراء بعض الأمريكيين البارزين المتفاوتة. فبينما يشير (رالف بريبانتي) إلى الحروب الأهلية الدائرة بين المسلمين أنفسهم، إذ “من السخرية القاسية أن يجد المسلمين أنفسهم مُبتلين بصراع إسلامي-إسلامي في الفترة التي أصبحوا فيها متحررين من السيطرة الاستعمارية”، تنقل (إبريل زوشيت) عن المسلمين إيمانهم بالديمقراطية الأمريكية كمبدأ أساسي يقوم عليه الإسلام، إذ تقول: “إن معظم المسلمين لا يرون أن الديمقراطية ابتدعتها وتتعهدها الولايات المتحدة أو العالم الغربي. العكس هو الصحيح. إنهم يضعون الإسلام في هذا المقام، ولا يرون أن المسلمين يحاولون محاكاة المثل الغربية العليا. إنهم بدلاً من ذلك غالباً ما يلحظون باستحسان أن الولايات المتحدة تطبق المبادئ الإسلامية”.

وفي الفصل السادس (سواسية كسنيّن من أسنان المشط)، يعيب الكاتب على الأمريكيين استشهادهم الدائم بالتمييز السافر ضد المرأة في البلاد الإسلامية “كدليل على أن الإسلام يتساهل حيال إساءة معاملة النساء ويتغاضى عنها. وصحيح أن هذا التمييز موجود وغالباً ما يكون شديداً، إلا أن القيادات الإسلامية تصرّ على أن أي شكل من أشكال قمع النساء واضطهادهن ينتهك تعاليم الإسلام وقواعده، إذ إِن معظم التمييز ناشئ عن العادات الوحشية وعن الشوفينية الذكورية، لا عن القرآن أو السنة”. ثم يستشهد برأي مدير مجلس الشئون الإسلامية في لوس أنجلوس، سلام المراياطي، عن عزة المرأة المسلمة وحقوقها ومساواتها بالرجل “فالإسلام يعلمنا أن حواء لم تُخلق من ضلع آدم بل خُلقت مساوية له. وبحسب ما جاء في القرآن الكريم لم تكن حواء هي التي وسوس لها الشيطان لتغوي آدم وتُغريه بارتكاب الخطيئة وإنما سقطا فيها معاً وقد عفا الله عنهما معاً بعد أن استغفراه. وبحسب الإسلام أيضاً، فقد خلق الله الذكر والأنثى من طين واحد ومن نفس واحدة”.

أما في الفصل السابع والذي حمل عنوان صريح بـ (ربط مزيّف بالإسلام)، فيتطرق إلى جريمتين تتعلق الأولى منها بـ (الشرف) والثانية بـ (الختان)، لا تعدو كلا منهما عن عمل وحشي بشع لا يمتّ للإسلام بصلة. وقد حمل الحديث في الفصل قدر من معلومات صادمة وحوادث ختان، واحصائيات أخرى تتعلق بجرائم شرف بربرية. يقول الكاتب عن جريمة الختان: “ففي معظم البلدان تجري العملية بالسر وغالباً دون تخدير وفي ظروف غير صحية البتة، على يد امرأة غير مجازة تسافر من قرية إلى قرية، وقد يجريها طبيب مجاز في ظروف صحية جيدة، وإن بسرية تامة أيضاً في هذه الحالة”. ثم يتطرق إلى رأي الفقهاء المتحفظ شرعاً على الختان وفق آراء المذاهب السنية الأربع، والمرفوض قطعاً من قبل أتباعه فرادى وجماعات، نساءً ورجالاً. وكنموذج عن جرائم الشرف، تبث هيئة الإذاعة البريطانية خبر مقتل زوجة باكستانية في السادسة عشرة من عمرها حرقاً بعد إدانتها بالخيانة من قبل أهل زوجها. وقد قام محام باكستاني بوضع كتاباً “يستعرض فيه قضايا النساء اللواتي كنّ ضحايا جرائم الشرف في المنطقة التي يقطنها في باكستان، حيث يحكم عادة على الجناة بالبراءة. وقال في شهادة أدلى بها أمام إحدى لجان الأمم المتحدة: (لنفترض أنني قتلت زوجتي، سأسير إلى السجن مثل ملك وسيقيم لي الناس استقبالاً ولن ألبث حتى أخرج حراً)”. يختتم الكاتب هذا الفصل الدموي بقوله: “إن ختان الأنثى وجرائم الشرف ممارستان تعبّران عن ذروة الشوفينية الذكورية. إنهما من البقايا البشعة للممارسات القبلية التي ثبتت هيمنة الرجل على مدى قرون”.

أخيراً، وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين على صدور الكتاب، فهو لا يزال يحتفظ بقيمته كمرجع شامل للتعريف بالإسلام وبأتباعه، لا سيما وقد كُتب بقلم من لا يمت لهما بصلة نسب أو عرق أو دين أو ثقافة .. بل صلة الإنسانية فحسب، ومن أجل الحق وحده. لذا، كم كان جميلاً أن يهدي الكاتب كتابه إلى “كل من يجلّون الحرية .. لكل الناس .. في كل مكان”.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 20 يوليو 2022 – صفحة (10) جزء1:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/07/5153.pdf

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 21 يوليو 2022 – صفحة (10) جزء2:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/07/5154.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ محاكم التفتيش: في اسبانيا والبرتغال وغيرها

المؤلف/ د. علي مظهر

دار النشر/ دار الكتب العلمية للنشر والتوزيع – القاهرة

الطبعة/ 1 – 1996

فتق الجرح الأندلسي .. لعل الألم يستحضر العبرة

 

 

كتاب يتحدث عن محاكم التفتيش التي تم تنصيبها في اسبانيا والبرتغال بعد سقوط مملكة غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس عام 897هـ – 1492م، بغية تطهيرها من المسلمين أو (الكفرة) كما نص المرسوم الملكي آنذاك.

ينقسم الكتاب إلى قسمين رئيسيين، يعرضان العلاقة التاريخية التي ربطت المسلمين بشبه الجزيرة الإيبيرية في القرون الماضية، في سراءها وضراءها، حيث يندرج تحت كل قسم عدد من المواضيع ذات الصلة، يطغى فيها الأسى الذي لا يزال مستمراً على العزّ الذي كان! ففي القسم الأول، يتعرّض الكتاب إلى بداية هذه العلاقة التي استهلت مع الفتح الإسلامي، حتى سقوط مملكة غرناطة على يد الأسبان، ومآل بني الأحمر عقب السقوط كآخر سلالة حاكمة مسلمة، وما تبع هذا السقوط من اعتماد مجموعة مراسيم ملكية لاضطهاد المسلمين ومطاردتهم ونفيهم وتشتيت من تبقى منهم. أما القسم الثاني فيتعرّض إلى مطاردة ديوان التفتيش للمسلمين ولليهود كقوميات غير كاثوليكية، فيبدأ بتوضيح كيفية إنشاء هذه الدواوين، وتوسّعها في شبه الجزيرة، وطُرق استجواب المسلمين أمام محاكم التفتيش، وآلات التعذيب التي تم تنصيبها وطرق التعذيب المبتكرة فوقها، ووصف للمذابح ولمواكب الحريق التي كانت تتم في العلن، وعرض لأعداد ضحايا محاكم التفتيش من ضمنهم العلماء والمفكرين، والتقارير التي تم إعدادها ضد هذه الدواوين في مدينة مجريط (مدريد الحالية)، وفيه ينتهي القسم برثاء الأندلس كما جاء باكياً ومطوّلاً في نونية أبي البقاء الرندي الشهيرة.

يصدر المؤلف د. علي مظهر كتابه عام 1930، وقد عنيّ به بغية إثراء المكتبة العربية بكتاب شامل وجامع وموثق بالعديد من الصور، لتاريخ محاكم التفتيش، باعتباره جزءاً هاماً يُلحق بأخبار المسلمين منذ أن وطئت أقدامهم أوروبا الغربية وما جاورها من بلاد الفرنجة، وما واجهوه من تنكيل وتشريد وفواجع مؤلمة، وما صاروا إليه “على يد رجال الديوان الجهنمي المقدّس”، أصبحت الأندلس على إثره بمثابة “الفردوس الإسلامي المفقود”.

تعتمد هذه المراجعة -في عرض ما صال وجال في الحقبتين- على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 1996 من (دار الكتب العلمية للنشر والتوزيع)، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

تبدأ دولة الإسلام في الأندلس بالانهيار التدريجي على مدى قرون، يظهر ابتداءً من خلال تفككها إلى دويلات يحكمها عشرون والياً، في: “اشبيلية، جيان، سرقسطة، الثغر، طليطلة، غرناطة، قرمونة، الجزيرة الخضراء، مرسية، بلنسية، دانية، طرطوشة، لارده، باجة، ألمرية، مالقا، بطليوس، الأشبونة، جزر البليار، قرطبة”. فمع هذا الانقسام والركون إلى حياة الدعة، ضعف لدى المسلمين روح الحمية الدينية الذي كان الأصل في عزتهم، تبعه ضعف القومية العربية، الأمر الذي آل في النهاية إلى طردهم من “بلاد الأندلس الخصيبة”. وفي أثناء ذلك المجد، وتحديداً في فترة حكم أبو عبد الله محمد الخامس الملقّب بـ (الغني بالله) لمملكة غرناطة، يفد إلى الأندلس عالم الاجتماع البارز ابن خلدون، الذي استعمله في “السفارات بينه وبين ملك الأسبان بأشبيلية”. تلك المهام التي نجح فيها ابن خلدون، وقد “أقام في خدمة الغني ثلاثة أعوام، واستقال من عمله خشية السعايات والوشايات، وترك الأندلس إلى المغرب ثم مصر أيام الظاهر برقوق”. يتطرق الكتاب قليلاً إلى وصف مرحلة الضعف التي انتابت بلاد الأندلس، حيث وصم الإمام ابن حزم الأندلسي عصر ملوك الطوائف “بفضيحة لم يأت الدهر بمثلها”، إذ تولى أمر المسلمين في آن واحد أربع من الملوك كل منهم تلقب بـ “أمير المؤمنين”. كما أن هذا العصر لم يخلُ من المؤامرات والخيانات التي يندى لها جبين الشرف العربي والإسلامي.

تعرض صور التعذيب التي تفنن بها الصليبيون، من دموية وبربرية ووحشية، ما لا يخطر على قلب إبليس، وقد طال تعذيبهم كل من لم يكن على الكاثوليكية من أهل الأندلس، سواء من مسلمين أو يهود أو حتى نصارى. ومن بعض صورها، جاء: حبال تُستخدم لشد الأجساد حتى تنضح دماً، وسلاسل وسحابات ذات مسامير صدئة حادة تمزقها تمزيقاً، مع أسواط تلتحم بها قطع من حديد، وقدور من حديد لغلي الرصاص وصبه على المعذبين، وآلات لسلّ اللسان وأخرى لتكسير الأسنان، وأخرى لسمل العيون، وأخرى لسحب الأظافر، وأخرى لتهشيم الجماجم، وأخرى لطي الإنسان وتحطيم العظام، وأخرى لسحب أثداء النساء، مع مطارق ثقيلة لسحق الرؤوس، وأحذية حديدية حامية يرتديها السجناء، والجحش الخشبي، والتابوت ذو الحراب الست التي ما أن يُقفل بابه على المعذّب، تخترق العينان والجمجمة والقلب والمعدة، وتابوت السيدة الجميلة، ومشانق تشنق نصف شنقة، وتقنية ملء البطن بالماء، والنخس بالدبابيس، وتمزيق الأعضاء، والدفن على قيد الحياة، والحرق حتى الموت … وغيرها الكثير! ومع كل هذا، كان “يحظر على المعذب إبداء أي حركة أو صراخ أو أنين”. تتضاعف صور التعذيب تلك دموية حين كانت تجري في حضور طبيب! إذ يقوم بتنبيه من يمارس التعذيب بالتوقف إذا شعر بأن المعذّب قد أشرف على الموت، فيتم التوقف “وإنعاش المسكين بشراب ما ليتحمّل العذاب”، حتى يسترد شيء من روحه، ثم يتم استئناف التعذيب مرة أخرى .. وهكذا دواليك. وقد قُدّر عدد المعذبين من المسلمين آنذاك زهاء ثلاثة ملايين، ما بين رجال ونساء، ممن تتراوح أعمارهم ما بين الرابعة عشر والسبعين، أزهقت جميعها ظلماً وطغياناً.

أصدر النصارى من القوانين المتعصبة ما لا يمكن تصوره، فقد تم اعتبار كل من تنصّر من المسلمين مرتداً إلى الدين الإسلامي إذا: نادى بعبادة إله واحد، أو مدح دين محمد، أو اعتبر أن المسيح نبياً وليس إلهاً، أو إذا أقسم بآيات القرآن، أو إذا أكل اللحم يوم الجمعة، أو ارتدى ثياباً أنظف فيه، أو خضّب يده، أو قيّد أرجل الحيوان قبل ذبحه، أو انتهى عن أكله إذا لم يُذبح، أو رفض أكل الخنزير أو شرب النبيذ، أو نهض الفجر وتوضأ، أو لوحظ أنه لم يأكل حتى مغيب الشمس لا سيما في شهر رمضان، أو تصدق خلاله، أو تسحّر في ليله، أو وجّه وجهه نحو الشرق مصلّياً، أو ختن أولاده، أو اختار لهم أسماء عربية، أو مسح بيده على رؤوسهم، أو أنشد أغان عربية، أو حاز كتب عربية، أو غسّل الموتى وكفنّهم ودفنهم على الطريقة الإسلامية وغطى قبورهم بأغصان خضراء، أو إذا قال: “بأن الكعبة هي أول بيت من بيوت الله، أو إذا قال بأنه لم يتنصّر وهو يؤمن بالدين المقدس (المسيحية)، أو قال بأن آباءه وأجداده قد فازوا برضا الله وقد ماتوا على الإسلام” …، وغيرها من وسائل تفتيش تخترق الصدور لتكشف عمّا قد يعتمل فيها من إيمان! “ونصت تلك الأوامر بأنه يجب على المسيحيين أن يبلّغوا ما عرفوه عن المتنصرين إذا هم هاجروا إلى أفريقيا أو غيرها من البلاد ليرجعوا إلى دينهم القديم، وأنهم ارتدوا عن كثلكتهم”.

وفي موضوع (سجون التفتيش في البرتغال)، يظهر وصف لأحد السجون وقد “خصصت الطبقة الوسطى من تلك السجون للنساء اللواتي كان رجال ديوان التفتيش يترددون عليهن من حين لآخر. وكثيراً ما كان يتم ذلك للعبث بعفافهن في تلك الدار الموحشة”. أما عن بعض النساء المعاندات اللواتي كن لا يتورعن عن شتم رجال تلك المحاكم، فقد نالوا نصيباً مختلفاً من التعذيب “وذلك بتعرية المرأة إلا ما ستر عورتها، وكانوا يأخذونها إلى مقبرة مهجورة ويجلسونها على قبر من القبور ويضعون رأسها بين ركبتيها ويشدون وثاقها وهي على هذه الحالة السيئة ولا يمكنها الحراك. وكانوا يربطونها إلى القبر بسلاسل حديدية ويرخون شعرها فيجللها، وتظهر لمن يراها عن كثب كأنما هي جنيّة سيما إذا ما أرخى الليل سدوله. وتُترك المسكينة على هذا الحال إلى أن تجن أو تموت جوعاً ورعباً. وكان رجال التفتيش يعتقدون أن الروح الشريرة هي التي تتكلم في المرأة، وهم يعتقدون أن القبور مسكن لذوي الجنة والشياطين”.

لقد نافس أجداد الأسبان الشيطان في عمله، “ومع أن ذلك الديوان وتلك المحاكم كانت معروفة في فرنسا وإيطاليا وفي بلاد أخرى من أوروبا، إلا أنها لم تعمل بها مثلما عملت بإسبانيا والبرتغال، ولم تمارس من الفظائع والأعمال البربرية الوحشية مثل ما مارست بجزيرة أيبريا، حتى قدّر بعضهم عدد ضحايا التفتيش بما لا يقل عن تسعة آلاف من الناس أثناء المدة المحصورة بين سنة 1333 وسنة 1835، حيث ألغي من اسبانيا بعد أن لطخ كل أرجائها بالدم المسفوك في سبيل نصرة الكثلكة والقضاء على مخالفيها”. ولقد ورد عن عرّابة تلك المحاكم الشيطانية (الملكة إيزابيلا) قولها: “إن حب المسيح والعذراء جعلني أميل لارتكاب الأعمال المؤدية للبؤس والشقاء وخراب البلاد والملك”، القول الإفك الذي عقّب عليه المؤلف مستبرئاً: “لا شك أن مسيح إيزابيلا الذي دعاها حبه إلى هذا الخراب ليس هو بالمسيح الذي جاء يدعو للسلام”. وقد اشتهر من شياطين ديوان التفتيش -ممن تلبّست بهم إيزابيلا- وممن انتشروا على مقاطعات اسبانيا السبعة يصدرون تلك الأحكام الشيطانية: “توركويمادا، ديزا، سيزنيروس، فلويرنسيو، مانريكي، تاليو، لوابيزا” .. وكأنها أسماء تخلّد في سود صفحات التاريخ الإنساني.

أما موضوع (موكب الحريق)، فيعرض مراسم حرق من حقّ عليه قول رجال الديوان في ساحة عامة، حيث يقيد المحكوم من رقبته بضع مرّات حتى يشتد الخناق عليه وهو مربوط إلى جذع شجرة مرتفع، تلتهمه النيران وهو حي. وقبل اضرام النار بقليل “يصعد كاهن وفي يده صليب من العاج يعرضه على المسكين ليقبّله قبل حرقه”. وبينما يصلي الكهنة بعد اضرام النار “يبحث جواسيسهم في وجوه الشعب ويستمعون لما يقال، فمن تأفف أو أظهر عطفاً على المحروقين أو أبدى أي إشارة اشمئزاز ألقي عليه القبض في الحال، وكثيراً ما كان يُضم إليهم في التو والساعة”. تمضي أربعة قرون على سقوط الأندلس وعلى استهلال محاكم التفتيش، حتى يوّجه نابليون بونابرت حملته الشهيرة نحو اسبانيا، ويقوم بإصدار المرسوم الشهير بإلغاء دواوين التفتيش فيها، وذلك عام 1808. فيعرض الكتاب شهادة صارخة مطوّلة لأحد ضباط الحملة الفرنسية على اسبانيا (الكولونيل ليمونسكي)، في موضوع (تقرير عن الديوان بمجريط)، وذلك عن سجون محاكم التفتيش السرية القابعة تحت أرض دير ديوان التفتيش، الضخم البناء ذو الأسوار الشاهقة والمحروس من قبل جند اليسوعيين، والتي تم اكتشافها صدفة، بل وبذكاء وحنكة أحد الضباط، وتحت مراوغة ومداهنة واستكانة القساوسة، حيث انتهت بمقتلهم تحت نفس أدوات التعذيب التي أباحوها في إزهاق أرواح المؤمنين. يتم بعد ذلك إطلاق سراح الأحياء من المعذبين بعد فتح أبواب السجون، واستقبال ذويهم للضباط بقبلات الشكر والعرفان. يشرح الضابط الشهم كيف انتهت تلك المهمة: “وصل خبر الهجوم على دير ديوان التفتيش إلى مجريط، فهب ألوف من الناس ليروا ما حدث، وخيّل إلينا أنه يوم القيامة. ولما شاهد الناس صنوف التعذيب وآلاته الجهنمية ورأوها رأي العين، جنّ جنونهم واشتعلوا بنار الغيظ. كانوا كمن مسّه الجن فأمسكوا برئيس أولئك اليسوعيين ووضعوه في آلة تكسير العظام فلم تشفق عليه ودقت عظامه دقاً وسحقتها سحقاً. وأمسكوا كاتم سره وزفوه إلى السيدة الجميلة وأطبقوا عليه الأبواب فمزقته السكاكين تمزيقاً. ثم أخرجوا الجثتين وفعلوا بباقي طغمة اليسوعيين وبقية الرهبان ما فعلوه أولاً، ولم يمض نصف ساعة حتى قضى الشعب على ثلاثة عشر راهباً من تلك العصابة الآثمة”. ويختم روايته بقول إنساني صادق، وقد خبر ما خبره، قائلاً: “والحق أقول إن القلم واللسان ليعجزان عن وصف ما رأيناه في ذلك الدير من الفظاعة والبربرية التي لا تخطر على عقل بشر، سوى الشياطين الذين قد يعجزون هم أيضاً عن الإتيان بمثل هذه الأعمال”.

لقد امتد تعصب وجهل ووحشية قساوسة الكنيسة ليشمل كل من خالف تعاليمها بصرف النظر عن عقيدته، أمثال الفلكي (جوردانو بروتو) الذي أعدم حرقاً، والفلكي الفيلسوف (دولت) الذي تم شنقه وحرق جثته، والفيلسوف الآخر (فيانني) الذي قطع لسانه وأحرق حياً، والمفكر الحر (دميان دي كيز) الذي زج به في السجن حتى فتك القمل بجسده وأرداه قتيلا، والفيلسوفة المتنورة (هيباتيا) التي قُطع جسدها إلى أربعة أجزاء رميت للكلاب بعد أن ضُربت حتى الموت، وأخيراً الفلكي (جاليليو) الذي عذًب بالحذاء المحمي والجحش الخشبي حتى أجبر على التخلي عن آرائه! كل هذا فضلاً عن مصادرة ما جادت به عقول المفكرين والعلماء لسنوات طوال من مؤلفات علمية وأدبية، إما بحرقها أو رميها في البحار والأنهار، لتفقد الإنسانية بذلك كنزاً غزيراً ثمناً لجهالة أهل الكنائس وضلالاتهم في عصور الظلام.

عمد المسلمون ممن هرب إلى بلاد المغرب بتعمير الديار، وذلك حين نقلوا علومهم وفنونهم وصنائعهم، بينما حمل لقب (الموريسكيون) وتعني “المغاربة السود” من بقي منهم في بلاد الإسبان والبرتغال. ثم “اشتد الديوان في تتبع المتنصرين واضطهادهم. فمن تكلم العربية، واستحم، أو حجب النساء، أو لبس الأزياء الإسلامية، كان كأنه أقام الدليل على ردته وكفره، والويل له من التعذيب”. ثم يشتد ديوان التفتيش أكثر فأكثر، بحيث تم “أخذ صغار الأولاد والبنات من آبائهم المتنصرين، وعهد بهم إلى المدارس والكنائس، ليشّبوا فيها وهم لا يعلمون شيئاً عن العربية ولا الإسلام”.

يتطرق الكتاب كذلك إلى محاولات السلطان العثماني ووالي مصر نجدة المسلمين في اسبانيا، والتي أخذت في النهاية شكل خطابات استعطاف أُرسلت لملوك النصارى، تسترحمهم بعدم ارهاق المسلمين! غير أنه يتجلى غدر النصارى فيما بعد من خلال عدم الالتزام بالشروط التي تم عليها تسليم أبو عبدالله، آخر ملوك المسلمين، مفاتيح مملكة غرناطة لإيزابيلا وفيرناندو، التي نصّت على سبعة وستين شرطاً “أمنو فيها أهلها على أنفسهم ودينهم وأموالهم وأعراضهم وأملاكهم وحريتهم، وإقامة شريعتهم، واحترام مساجدهم ومعابدهم وشعائرهم، وفك أسراهم، وإجازة من يريد الهجرة منهم إلى بر العدوة، وإعفائهم من الضرائب والمغارم سنين معلومة، وغير ذلك من الشروط التي لم يُنفذ منها ولا شرط واحد عقب الاستيلاء على غرناطة مباشرة، لتمادي الإسبان في التعصب المذموم، وأتوا ما أتوا باسم السيد المسيح الذي جاء بالمحبة والسلام” … ولا غرابة! إن هذا هو ديدنهم.

ختاماً، ومع زفرة مكتومة كزفرة محمد الصغير عند الصخرة (التي غدت الآن معلماً سياحياً) مودعاً أرض الأندلس، يتشبث الحق بوعد الله “وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ”. فلعل الزمن القادم يسرّ المسلمين وقد عادوا للحق واعتبروا، كما شهد الرندي (هي الأمور كما شاهدتها دول .. من سرّه زمن ساءته أزمان) .. واستحقوا النصر المبين، واستعادة مجد أجدادهم وما نقشوا: ولا غالب إلا الله.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 27 يوليو 2022 – صفحة (10) جزء1:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/07/5158.pdf

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 28 يوليو 2022 – صفحة (10) جزء2:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/07/5159.pdf

 

 

عدد القراءات:12 قراءة