مقالات في صحيفة المشرق نوفمبر 2022

قراءة في كتاب

…………………………

 

أنشر هذه المقالات في شهر نوفمبر/ تشرين2 2022
همى الغيث

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ أرجوك لا تفهمني

المؤلف/ عبدالوهاب مطاوع

دار النشر/ دار الشروق للنشر والتوزيع

الطبعة/ 3 – 2001

مقالات تنساب حكمة في أروقة الحياة

 

 

ليس ثمة شيء يُدعى “نشوة الكتابة” حيث الوقت المسروق من يوم أي كاتب وهو مستغرق خلف مكتبه يحيك كلماته على الورق، إنما يقابله ما يُدعى “عناء التفكير” في موضوع ما، وشقاء التدقيق في كل كلمة، يليه هلاك التحقيق في المراجع لتوثيق معلومة واردة عرضاً، يتبعه “عذاب الشك” في قيمة ما قدّم، ثم “قلق الخوف” من مدى تقبّل القارئ! هكذا يصارح الكاتب الراحل عبدالوهاب مطاوع قارئه العزيز وهو يقدّم له كتابه الذي جمع بين دفتيه مقالات قصيرة تربط بين تأملات وخواطر وقصص إنسانية وتجارب شخصية وأخبار بعض عظماء التاريخ، مع شيء من الطرفة من هنا وهناك .. فيقول ابتداءً في خاطرة بعد صدور كتابه الأخير ضمن سلسلة طويلة من الإصدارات: “إني لم أتخلص بعد من وساوسي تجاه ما أكتب، ولم أجلس مرة لأكتب دون أن يراودني خاطر جميل أشبه بالحلم أستسلم له كثيراً، هو أنني قد وجدت لنفسي “عملا ” آخر بعيداً عن هذا العناء مع أني لم أتخيل لنفسي منذ كنت في الرابعة عشرة من عمري حياة أخرى بعيدة عن دنيا القراءة والكتابة، ولا أصلح لممارسة أي شيء آخر في الحياة سوى هذا الشقاء الأبدي”.

إنه إذاً محمد عبد الوهاب مطاوع (1940 : 2004)، الكاتب والصحفي المصري الذي حرر (باب بريد الجمعة) الأسبوعي في جريدة الأهرام المصرية فيما يقارب ربع قرن من الزمان، وساهم في زيادة نسبة التوزيع للأعداد الصادرة في ذلك اليوم، فقد كان يتلّقى أسبوعياً آلاف الرسائل من القرّاء التي تحمل هموم مادية أو صحية أو عائلية أو اجتماعية، فيتصدّى لها بأسلوب أدبي إنساني رفيع يجمع بين ثراء عقلي وجزيل الحكمة يدعمه بالمأثور من القول، وبمجهود شخصي يعينه فيه فريق عمله لإعانة أولئك واستقبال من أمكن منهم في مكتبه، حتى استحق لقب (صاحب القلم الرحيم) .. رحمه الله. بالإضافة إلى المناصب التي تدرّج فيها في الحقل الصحفي حتى وصل إلى منصب رئاسة التحرير، فقد أصدر زهاء الخمسين كتاباً تتضمن قصص إنسانية مختارة من بين رسائل بريد الجمعة، وشيء في أدب الرحلة، ومقالات في أروقة النفس والحياة.

لُطفاً لم يترك الكاتب عنان الأمر لنفسه حين قال: “ولو تُركت لنفسي، ما جلست إلى مكتبي إلا لأقرأ وأستمتع بما عانى غيرى لكي يسطره على الورق”، إذ لم يكن ليأتي هذا الكتاب الذي تنساب حكمته سلسة بين أدب وفكر وخواطر تتنشّق الحياة، وتعرض كيف يتناسخ البشر في قوالب من معادن نفيسة ورخيصة تتفاوت، وإن اختلفت أسمائهم وأشكالهم وعناوينهم. عليه، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثالثة الصادرة منه عام 2001 عن دار الشروق للنشر والتوزيع، والذي يعلو غلافه رسم كاريكاتوري لفتاة تصدّ القارئ عن فهمها وقد ارتدت بدلة رياضية كانت سائدة عند جيل التسعينيات من القرن الماضي حيث صدور الكتاب، وباقتباس يسير بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

في مقالة (عفواً .. لقد نسيت)، يتحدث الكاتب عن ذاكرة الإنسان التي قد تخونه في بعض الأحيان رغم ما قد يكون عليه من دقة ملاحظة وحدّة في الذاكرة وسمات نبوغ وحنكة وعظمة أيضاً! فها هو القائد الفرنسي الأبرز نابليون بونابرت ينسى أخصّ الأمور في حياته اليومية، بينما يتذكر وبدقة تثير العجب أسماء ضباطه على كثرتهم، والمعارك التي خاضها، وتفاصيل المؤامرات التي حيكت ضده. أما العرب الذين عُرفوا بملكة الحفظ الخارقة والتي كان لها الفضل في حظوة كتب الأدب بالشعر الجاهلي، فلم يكن عجباً أن يزخر مجلس الوزير الصاحب بن عباد بألف رجل، وقد اشترط مسبقاً لمن سيلتحق بمجلسه الشعري أن يكون حافظاً لعشرين ألف بيت من الشعر. كذلك: “العالم الألماني اليهودي ألبرت أينشتاين الذي تبرع بمخه بعد وفاته لمراكز البحث العلمي لتقوم بتشريحه ومعرفه تكوينه وسر عبقريته، توصل إلى نظرية علمية معقدة كان عدد من يستطيعون فهمها في العالم كله في بعض الأوقات لا يزيد على عشرات، وكان يستطيع أن يجرى حسابات رياضية معقدة اعتماداً على ذهنه المتوهج وذاكرته العلمية المذهلة. ومع ذلك، فكثيراً ما شكى من ضياع قلم كان بيده منذ لحظات وعجز عن تذكر أين تركه، وفي بعض الأحيان كان يبحث عنه ويستنجد بزوجته فتمد يدها إلى مكتبه أمامه وتقدمه له”. أما في مقالة (قل لي من فضلك)، فيتحدث الكاتب عن عدد من المواقف المحرجة التي تعرّض لها بعض المشاهير في مواقف مختلفة، وصور من ردود أفعالهم ما بين دبلوماسية وسلاطة لسان، غير أن المقالة التي جاء عنوانها بالعبارة اللبقة (أوه باردون)، فهي في الحقيقة -رغم هذا- عبارة لا تنفع على الإطلاق في تبرير التعصّب بجميع أشكاله، كما يعتقد الكاتب، في حين تأتي مقالة (مجرد سوء تفاهم) الأشد وقعاً على النفس، إذ لا يلبث القارئ أن يلتقط أنفاسه أمام قصة بدت وكأنها من نسج الخيال، ليحبسها من جديد حين يعلم في خاتمتها بأنها قصة حقيقية ماثلة بأبطالها .. إنها قصة جريمة قتل في أبشع ما تسطره سخرية الأقدار وتصاريف الأيام، بين أم وفلذة كبدها.

تعرض (حياة صاخبة) في نهايتها صورة لجزاء من جنس عمل صاحبه، وعن دَيّن جاء سداده مخصوماً من عمره المحتوم! إنها قصة الفنان أحمد سالم الذي ظهر على شاشة السينما المصرية في أربعينيات القرن الماضي، والذي انغمس في حياة مترفة لا يردعه البذخ الطاغي فيها عن شيء! ففي إحدى سهراته الماجنة التي يحاول فيها أحد أصحابه الاستئذان باكراً -وقد كان طبيباً- بحجة عملية استئصال زائدة دودية سيجريها لأحد مرضاه صباح اليوم التالي، يتحداه سالم في استطاعته إجراؤها شخصياً لبساطتها وحسب، فليست بحاجة إلى طبيب ولا تستحق مغادرة السهرة من أجلها. يصل التحدي بين الصديقين مداه، فيسمح الطبيب -وقد كان من علية القوم- أن يباشر سالم العملية الجراحية، فيحين الوقت صباحاً ويتلّقف سالم المشرط ويستأصل الزائدة الدودية وسط ذهول الأطباء ليموت المريض بعد فترة وجيزة! وفي حين يتم التستر على الجريمة لنفوذ سالم وشريكه الطبيب من جهة، وضيق حال أهل المريض -فضلاً عن جهلهم بما حصل- من جهة أخرى، ومع استمرار الطغيان، يأبى العدل الإلهي إلا أن يقول كلمته الفاصلة في نهاية المطاف، حيث “تجيء النهاية الأكثر درامية لتلك الحياة العريضة الصاخبة رغم قصرها ويموت أحمد سالم في شرخ الشبـاب .. فهل تعرف كيف مات؟ بانفجار في الزائدة الدودية! فاجأه على حين غرة قبل أن يجرى له الأطباء تلك الجراحة البسيطة التي سخر منها ذات يوم وقال إن أي إنسان يستطيع أن يقوم بها بغير حاجة لدراسة الطب”.

ومع (إلهام زعلانة)، يعلّق الكاتب فتور سيل الكتابة لديه على مزاجه الذي لا يحضر دائماً، وما كانت (إلهام) سوى رمز لمزاجه المتقلب هذا! فهي إن حضرت استراح وسعد وسعدت معه أسرته بأكملها، وإلا خيّم الشقاق في الأرجاء والأجواء طوال اليوم. وفي هذا، يسترجع الكاتب سيرة عدد من الكتّاب العالميين من بينهم الأديب الروسي فيودور دوستويفسكي، والذي كان “يستدعي تلك الغادرة فتواتيه صاغرة على الفور” حسب تعبيره. ثم يستطرد ليصّور أجواء من تلك المنحة التي حظي بها هذا الأديب، فقد كان يكتب واقفاً أحياناً، وعلى مائدة صغيرة لليالٍ طوال أحياناً أخرى، وإلى جانب سرير زوجته المحتضرة وبعد وفاتها أيضاً، “ناهيك عن الغرف القذرة التي كان يستدعيها إليها في معظم سنوات شبابه ورجولته وهو يكتب «الجريمة والعقاب» و «المساكين» و «المقامر» أو «ثلوج سيبيريا الموحشة»، التي صاحبته فيها أربع سنوات طوال، كتب بعدها روايته «ذكريات من منزل الأموات» التي صوّرت عذاب المنفيين في سيبيريا والعقاب الجسدي الذي يتعرضون له وأثرت في القراء تأثيراً عظيماً، حتى أن قيصر روسيا الإسكندر الأكبر كانت دموعه تسقط على صفحات الرواية وهو يقرأها، وأمر بتشكيل لجنة لبحث إلغاء العقاب الجسدي الذي صوره دوستويفسكي، وانتهى البحث بإلغائه سنة 1863 .. بفضل هذه الرواية قبل كل شيء”.

تلك غيض من فيض كلمات كُتبت في تسعينيات القرن الماضي، والتي لا يزال يتردد صداها إلى اليوم رغم رحيل كاتبها، وكأنه يؤكد على أن ما يصدر من القلب بصدق، يصل ويتواصل. وأختم بدوري هذه المراجعة بحكمة ختم بها الكاتب إحدى مقالاته قائلاً: “وما أحلى أن ينال كل إنسان مخلص لعمله وقيمه ومبادئه جائزته من النجاح والتقدير .. الآن أو غداً أو بعد غد .. لا يهم! لكن المهم هو أن تأتي الجوائز ذات يوم”.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 9 نوفمبر 2022 – صفحة (10)

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ التقمص: أحاديث مع متقمصين (تجارب عملية)

المؤلف/ د. تورفالد دتلفزن

المترجم/ د. إلياس حاجوج

دار النشر/ دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة

الطبعة/ الأولى – 2002

سرمدية الروح في حيوات لامتناهية

 

 

التقمص .. هو مصطلح يعني لغوياً (ارتداء القميص)، وفلسفياً يعني (تناسخ الأرواح)، وعقائدياً يعني (خلود الروح بعد فناء الجسد)، أما علمياً فقد عنيّ المؤلف بما أوتي من علم وتخصص وخبرة وتجربة إثبات يقينه الراسخ بفكرة الحياة بعد الموت. لذا، يأتي كتابه عميق المحتوى وهو يتناول بإسهاب حقيقة انتقال الروح من جسد إلى آخر في تعاقب مستمر ومن خلال حيوات متتالية، وهو موضوع أزلي قد شغل فكر الفلاسفة وعلماء النفس ورجال الدين منذ القدم، ابتداءً من حكماء اليونان في حقبة ما قبل الميلاد، وحتى الأديان الشرقية كالبوذية والهندوسية والطاوية. يذكر المؤلف أن الفيلسوف وعالم الرياضيات فيثاغورس قد ادّعى لنفسه ثلاثة حيوات عاشها سابقاً منها حياته خلال حرب طروادة، وكذلك القيصر جوليان الذي ادّعى أنه عاصر السيد المسيح، وغيرهما أمثال أفلاطون وغوته وشوبنهاور وفيكتور هوجو ممن اعتقد بفكرة تناسخ الأرواح، وقد نُسب لهوراز الشاعر الإغريقي الذي عاش في روما قبل الميلاد قوله: “سوف لن أموت كلياً، فجزء جوهري من ذاتي يتملّص من القبر”. ولما لفكرة تناسخ الأرواح من جدلية لا سيما عقائدياً، ينفي الناشر ابتداءً شبهة سعي الكتاب نحو نشر عقيدة جديدة، إنما هو يسعى لطرح عرض للتفكير بطريقة مغايرة لنظم التفكير الطبيعي، على كل فرد أن يعتمدها بشكل شخصي يلج بها زخم الحياة، ليس للاعتزال فيها سبيل، وكما يؤكد “أما غاية هذا الطريق فهي الإنسان الكامل الحكيم”.

ينقسم الكتاب إلى أربعة أجزاء رئيسية يتفرع عنها عدّة مواضيع ذات الصلة يخوض فيها المؤلف الألماني د. تورفالد دتلفزن من وجهة نظره كطبيب نفسي مختص في التنويم المغناطيسي. فيستعرض في الجزء الأول عدد من الحالات العملية المتمثلة في الجلسات التحضيرية للأرواح، بينما يتطرق في الجزء الثاني إلى مفهوم الكارما وفن الموت والحياة بعده، في حين يعرض في الجزء الثالث الرأي العلمي الذي يتبناه الطب وعلم النفس وما وراء علم النفس من علوم الخوارق، حتى ينتهي في الجزء الرابع بالحديث عن الدين والطريق في الحياة. وعن مراجعة الكتاب، فتعتمد على الطبعة الأولى الصادرة عام 2002 عن دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة، والذي عنّي بترجمته من لغته الأصلية الطبيب والمترجم والباحث السوري (د. إلياس حاجوج)، وهي مراجعة تشتمل على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

يعرب د. دتلفزن في مقدمة كتابه عن ذهوله، لا بل عن صدمته، فيما آلت إليه جلسة الترفيه المسائية التي قضاها مع أحد أصحابه في صيف ميونخ 1968، عندما أجرى تجربة (النكوص في العمر) عن طريق تقنية التنويم المغناطيسي على عدد من المتطوعين، وما أسفرت عنه هذه التجربة من خبايا ونتائج تكشف يقيناً رحلة الروح في حياة تعقب حياة، ومعايشة الولادة المتكررة على كوكب الأرض. وفي إحداها، كم كان عجيباً أن يتغاير خط يد (الوسيط) وهو تحت تأثير التنويم المغناطيسي في كتابة اسمه خلال مراحل عمره المختلفة .. من الطفولة حتى الشباب، وقد وثّق د. دتلفزن هذه النتيجة بصور فوتوغرافية عزّز بها كتابه، وكم كان أعجب ذلك الحوار الذي دار بين المنوّم والوسيط عن تفاصيل حياته اليومية خلال مرحلة ما من عمره، والتي انتكص فيها الوسيط من خلال منوّمه، إلى المرحلة التي كان فيها جنيناً، والظلام المحيط به في تلك اللحظة، وحالتي (الضيق) و (الامتصاص) اللتان شعر بهما، فيما يشبه مرحلة المخاض على حد تعبيره، ومن ثم الخروج إلى النور والانتقال بعد ذلك إلى حياة جديدة .. في شخصية مختلفة وظروف حياتية أخرى. رغم ذلك، يثير د. دتلفزن عدد من الشكوك المحاطة بعملية النكوص العمري، كتعمّد الوسيط تمثيل دور المتقمص، أو إملاء المنوّم قوله للوسيط من خلال قوة الطاقة ومهارة التخاطر.

يأسف د. دتلفزن على اضطراره قطع علاقته -طوعاً أوكرها- مع عدد ممن خضعوا لتجربة التنويم المغناطيسي على يديه، إذ بدى الأمر محرجاً لهم بعد إسهابهم في الحديث وهم على مستوى اللاوعي، لا سيما أن عدد منهم قد بدّل رأيه، وكذلك بعض من أصدقائه، بعد تلك التجربة. لذا، يستمر د. دتلفزن ليتحدث عن إشكالية التنويم المغناطيسي وما يكتنفه من غموض وشبهات حول السحر والشعوذة، الأمر الذي أدى إلى اقصائه طبياً من الحقل العلاجي رغم منافعه العظيمة كما أثبتت التجارب العلمية. وفي هذا يتطرق د. دتلفزن إلى مكتشف فن التنويم الدكتور النمساوي (ميسمر) عندما قام باستخدام بعض المغانط وضعها على جسد إحدى المريضات، وما أسفرت عنها التجربة من نجاح وشفاء قام بتجربتها فيما بعد على عدد كبير من مرضاه، الأمر الذي حفّزه للسفر إلى باريس في رحلة علمية بغية عرض اكتشافه الذي عدّه باهراً على المختصين، إلا أنه وُصم بالدجل والنصب بعد أن أخفقت أكاديمية باريس في البرهنة على اكتشافه علمياً. يقود هذا الموقف الداحض د. دتلفزن، للدفاع عن علم التنجيم ورفض وصمه بالدجل والشعوذة، وقد علم بأن الكثير من خصوم هذا العلم قد خاضوا فيه بغية محاربته وقد انتهى بهم المطاف إلى اعتناقه، فهو علم قائم على حسابات فلكية ثابتة ورسوم للسماء بيانية تختلف الآراء حولها فقط فيما يتعلق بسلوك الأشخاص وأطباعهم وحاضرهم ومستقبلهم. وهنا، يحدد د. دتلفزن ركائز ثلاث يقوم عليه أي علاج مرجّح في عصرنا الحاضر، وهي: طب بشري، تحليل نفسي، تشخيص تنجيمي. وعلى الرغم من قناعته بكفاءة علم التنجيم إلا أنه لم يقدّم الخدمة المطلوبة حتى الآن كما اعتقد، ذلك أن المنجمين تنقصهم المعرفة الطبية من جانب، والأطباء تنقصهم المعرفة التنجيمية من جانب آخر.

يبدي د. دتلفزن استنكاره من تسميتين بارزتين في مجال علم النفس العريض، إذ أن مضمونهما يخالف تسميتهما! فالسيكولوجيا لا تعدو أن تحوم في بحثها حول النفس، في حين أن الباراسيكولوجيا هي من تعني بحقيقة النفس. وقد أدت النظرة الدونية للباراسيكولوجيين إلى بذل الكثير من المحاولات من أجل البرهنة على الطاقات الروحانية والغيبية (كالتخاطر والاستبصار)، من خلال اخضاعها لطرق البحث العلمي واستخدام أدوات القياس المادية كالإحصاء، وهي بمثابة (الخسارة) كما عبّر، إذ كان ينبغي الوصول إلى درجة من الفهم العميق بها بدلاً من بحثها وظيفياً فحسب. ثم يشرع في عرض عدد من الحالات التي عاشت هنا وهناك، مثل حالة (بريدي مورفي) ابنة المزارع الإيرلندي في القرن الماضي وربة المنزل الأمريكية حالياً. وكذلك، حالة (شانتي ديفي) الطفلة الهندية ذات التسعة أعوام المولودة في عام 1926، والقابعة الآن في منزل والديها في مدينة دلهي، والتي كانت زوجة سابقة لتاجر أقمشة في مدينة موترا وأم لطفل يُدعى (لوغدي) وقد توفيت متأثرة في مرحلة نفاسها عام 1925. وحالة (عماد الأعور) الذي عاش حياتين في لبنان، الأولى في منطقة خربة والثانية في منطقة قرنايل. وفي حديثه عن الكارما، يرى د. دتلفزن أن المرء لا يُعفى مما لم يتم تسويته في حياته بعد مماته، إذ يصطحب معه مشاكله التي لم تُحل إلى حياته التالية، فما زرعه هنا يحصد ثماره هناك، وما لم يُستوفَ هنا حتماً سيُستوفى هناك. وعن هذا يقول عالم الطبيعة والشاعر غوته: “لحظة الموت هي تلك اللحظة التي لا تغادر فيها الروح القوة المركزية الحاكمة إلا لتدخل ثانية في علاقات جديدة، لأنها خالدة بطبيعتها”. في حين يشكّل الموت للبشرية الحدث الأسوأ، إلا أنه يُعتبر مكوّن جوهري للحياة ذاتها، فحتى يولد الإنسان من جديد هناك، عليه أن يتقبّل موته هنا. ويرى د. دتلفزن أن صراع الموت هو بمثابة كرامة للميت، وما يراه وقت احتضاره من تخيّلات إنما هي حديث عن انطباعات روحانية جديدة، لا يعكّرها سوى محاولات ذلك المتّشح بالرداء الأبيض وطاقم الإسعاف في إنعاشه .. إنه “حوار أخير كبير بين الحياة والموت” وأن الصراع من أجل الموت يجب “أن يتم تسهيله بعون إنساني” حسب تعبيره.

ينصح د. دتلفزن المرء بالتصالح مع القدر من غير جبرية أو جمود، وقد اعتقد بمشروعية ما جاء به الإنسان البدائي من اسقاطات القدر الطيبة والشريرة على قوى خارجية أسماها الإله، ويرى أن في هذا خير الإنسان إذ يستشعر ثواب الإله وعقابه ومسئوليته الشخصية، الأمر الذي يفضي به إلى مرحلة التصالح الدائم. وعندما يبدأ في حديثه عن (الطب) بمقولة لعالم الفيزياء الألماني ماكس بلانك، يبدو التوحيد متأصلاً فيها كنتاج حتمي للعلم الصحيح. إذ يقول: “لا وجود للمادة بحد ذاتها! هناك فقط الروح المحيي .. غير المرئي .. الخالد .. بوصفه أصل المادة .. مع الخالق المنطوي على الأسرار الذي لا اخجل من تسميته (الله)”. ثم يختم كتابه بنصيحة لكل باحث في أن يتعاطى مع كل ما في الحياة ويسترشد فيها طريقه خطوة خطوة بوحي من نفسه طالما أنه قد خُلق عليها وعاش فيها .. فلا لوم على من ادعى الجهل و لا لوم على من اختار .. وهو من يتحمّل تبعات اختياره وحده، إن كان صحيحاً أو خاطئاً .. فإن الجزاء من جنس العمل!.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 16 نوفمبر 2022 – صفحة (10)

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ فقاقيع

المؤلف/ د. أحمد خالد توفيق

دار النشر/ دار كيان للنشر والتوزيع

الطبعة/ 1 – 2017

مقالات تتوخى النفع في أسلوب ساخر

 

 

كتاب مرح في الأدب الساخر يضم بين دفتيه مجموعة مقالات تحتّلها عناوين شائقة عايش الكاتب شخصياً أحداث بعض منها، وهي تسلّط الضوء على الواقع من مختلف زواياه في أسلوب فكاهي سلس ومسترسل تدفع القارئ لأن يبتسم كما شاء له الكاتب في العبارة التسويقية التي غطت غلاف الكتاب الأخير. وبينما يتنبأ الكاتب بأن القارئ لن يلبث حتى تفجّره تلك المقالات كالفقاعة فيبلل أرنبة أنفه، في تعبير ينمّ إما عن البكاء أم فرط الضحك، احتل تعبير (فقاقيع) عنوان كتابه القصير.

إنه د. أحمد خالد توفيق (1962 : 2018)، طبيب وكاتب مصري، تزامن عمله في الأدب مع عمله كطبيب استشاري في الأمراض الباطنية، وقد ذاع صيته مع سلسلة (ما وراء الطبيعة) التي استهل بها باكورة انتاجه الأدبي والتي حققت نجاحاً منقطع النظير عند طرحها، وهي تعني بأدب الخيال العلمي وتستقطب تحديداً فئة الشباب. له بالإضافة إلى هذه السلسلة العديد من الأعمال الروائية والمجموعات القصصية والمقالات الأدبية والكتابات والفكرية وعدد من الترجمات لإصدارات عالمية، بالإضافة إلى السيناريوهات التي قدّمها لأعمال درامية في السينما والإذاعة والتلفزيون.

تعتمد هذه المراجعة للكتاب على الطبعة الأولى الصادرة منه عام 2017 عن دار كيان للنشر والتوزيع، وهي تحتوي على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

في مقالة (سذاجتي)، يتطرق الكاتب إلى بعض المواقف التي استخدم فيها، وبكل ما أوتي من حسن نية، كلمة إنجليزية عامية أو صورة ما متداولة، وإذا بها ترتد عليه بسهام من اتهامات وسخريات، إذ كانت ترمز إلى أمور لا أخلاقية غفل عنها! وهكذا هو الحال مع من يتحدث بحسن نيته أمام من يحمل نفساً خبيثة .. وكما تقول العرب: (كل إناء بالذي فيه ينضح). أما من خلال القصة التي أوردها في مقالة (نيولوجيزم)، فقد أراد لفت الانتباه إلى الأزمة الحقيقية الماثلة بين جيل الآباء وجيل الأبناء لا سيما في اللغة المستحدثة عند الجيل الجديد ذات الطلاسم الأشبه بتلك المستخدمة في تحضير الأرواح أو كشفرات تُنذر بكارثة! حينها تتوارد شكوك الآباء -كرد فعل متوقع- وتتعاظم، حتى تنتهي بكارثة حقيقية .. رغم براءة أبنائهم وصدق نواياهم! وعن تجربة الكاتب الشخصية، يسترجع ذاكرته ويقول: “في مراهقتي، ظهرت في العامية المصرية لفظتان هما (سكة) بفتح السين، ومعناها (الشيء الرديء عديم القيمة)، و(ماشي) ومعناها يشبه OK .. وهما كلمتان معقولتان جداً، لكن أبي كان يوشك على الإصابة بالفالج كلما استعملتهما، وقد قال لي ذات مرة: (هنا بيت محترم! فإذا أردت استعمال لغتك هذه فلتذهب لبيت آخر)”.

يبتلع الكاتب في مقالة (هكذا قالوا) الكثير من ريقه المشوب بعرق وهو يترجم نصائح زوج غربي لزوجته، بحجة إبراز ما تتميز به الزوجة الشرقية النموذجية عن نظيرتها الغربية الفاشلة! هكذا برر الكاتب لزوجته تلك النصائح والتي اكتفت بدورها بتصويب نظرات الشك نحوه، وقد علمت أنه يحدّثها على طريقة (إياكِ أعني واسمعي يا جارة). ومن جملة النصائح: ليس التسوّق برياضة، ولا يوجد زوج على استعداد للتعامل معه كرياضة أبداً / إن كنت تريدين حل لمشكلتك فهاتها، أما إن كنت تطمحين للتعاطف فعليك بصديقتك لا زوجك / أي سؤال تسألينه وأنت لا ترغبين بإجابة عنه، فتوقعي إجابة لا ترغبين بسماعها / وعن المظهر “عندما ننتوي الذهاب لمكان ما فأي شيء تلبسينه مناسب فعلاً”. وفي مقالة (عن الهاموش وحمامات السباحة) يسطّر الكاتب ما راود العريس المتعالي في سرّه عن حقيقة أمنيات زملائه الساخنة في عروسه الفاتنة، وذلك عندما تزاحموا حولها بحجة تهنئتها، في الوقت الذي نظر إليهم جميعاً شزراً! أهي سوء نية يُلام عليها وحده؟ أم أن الرجل يعرف عادة ما يفكّر به كافة الرجال، فيُصبح تعميم اللوم والتقبيح والازدراء عليهم جميعاً عدلاً؟ وعلى حد وصف الكاتب كشاهد من أهلها: “راح ينظر لنا في مقت شديد ولسان حاله يقول: انتهت اللعبة يا أنذال .. هذه الحسناء لي أنا وحدي وعليكم أن تعودوا لبيوتكم لتعبثوا في أنوفكم وتناموا مبكراً”.

وفي مقالة (هل تأملت نهراً؟)، يصيب الكاتب كبد الحقيقة وهو يثبت أن من بعض (الجنون فنون)، وأن بعض نتاج ما يُسمى بـ (الفن الحديث) ليس سوى ضحك على الذقون واستدرار للجيوب واستخفاف بالذوق العام. يضرب الكاتب في هذا مثلاً بفنان معتوه مغمور يستعين بصاحبه الصحفي الشهير، والذي يشير عليه بصبّ ما يشاء من أصباغ فوق بضع لوحات ثم يفتتح المعرض، في حين سيتولى هو بدوره مهمة التطبيل الإعلامي! يُفتتح المعرض وقد كان الصحفي المرتزق قد سوّق للوحات صاحبه على أنها إحدى ابتكارات ما أسماه بـ “الطريقة النفسية التحليلية”. وحتى يضمن لصاحبه الخروج سالماً من مأزق التأويل، فقد نصحه مستبقاً أسئلة الفضوليين بأن يجيبهم وهو ينفث الدخان من سيجارته في شرود، بعبارة: “هل تأملت نهراً يوماً؟” .. فيعمل بنصيحته ويتقن الكذبة الذكية ويُفحم المشككين وينجح المعرض. يبدأ الكاتب مقالته هذه بقصة شهيرة وردت عن (خروشوف) رئيس الحزب الشيوعي السوفييتي في ستينيات القرن الماضي، والذي “كان سليط اللسان لا يجامل، وهو أول وآخر رجل ينزع حذاءه ليدق به على المنصة في الأمم المتحدة. عندما زار معرضاً للفن الحديث، ظل يمشي بين اللوحات صامتاً، ثم قال في النهاية: (هذه اللوحات مرسومة بذيل حمار وأنا لا أقول هذا كناقد فني بل كرئيس اللجنة المركزية للحزب”. وفي نفس طاقة النقد، يوجه الكاتب أصابع الاتهام في مقالتي (طريقك إلى النجاح) و (من أجل مزيد من الجودة)، نحو ما تموج به الساحة من (برامج تنمية الذات) و (معايير ضمان الجودة)، وهي البرامج التي عدّ معظمها خواء لا تتجاوز حدود تنميق الكلمات والعرض الكاريزمائي التي تعود بالنفع المادي على مخترعيها فحسب، مقابل استغفال عقول من صدّق بها أو خشي أن يوصم بالجهل فسلّم وسبح مع التيار.

يستخلص الكاتب العبرة في مقالة (البنسات الثلاث) من رواية الشاعر الألماني بريخت، ومن خلال صديقه مراد الذي ما برح يندب قلّة حيلته وتواضع قدراته ويرثي حاله شاكياً باكياً، فيسمح لنفسه الاستعانة بأصحابه كل فيما برع ونبغ، حتى يستنزف خير ما عندهم إلى آخر رمق! لم يكن مراد سوى داهية بل والأكثر براعة بين أصحابه أولئك، فقد كان يحصل على ما يشاء من غير مقابل. يقول الكاتب وقد استشف الحكمة بعد خبرته لمراد وأفاعيله: “هنا خطر لي خاطر مفاجئ .. صديقي هذا ليس معدوم المواهب بل هو عبقري! إنه يملك موهبة السمسار أو مقاول الأنفار أو منتج السينما .. يعرف كيف يأخذ من كل إنسان أفضل ما فيه، وفي النهاية هو لا يدفع شيئاً سوى بعض السباب لنفسه وعبارات الشكر لصاحبه. لسبب ما قررت أن أقرأ البنسات الثلاثة كما طلب مني مراراً. قرأتها فوجدتها تحكي في نهايتها كيف أن كل إنسان في الأرض جاء الدنيا ومعه ثلاثة بنسات، بنسات الثري الثلاثة هي الفقراء .. إنهم رأس ماله، يعتصرهم ويأخذ منهم ما يشاء ليزداد ثراء! لابد أن هذه القصة أثرت في صديقي كثيراً. بنسات مراد الثلاثة هي نحن .. أصدقاؤه .. وهو يعرف جيداً كيف يعتصرنا وكيف يأخذ منا كل شيء مقابل بعض عبارات الامتنان”.

يسافر الكاتب في مقالة (انبهر مرة واحدة) إلى عوالم موازية فسيحة متعددة الأبعاد، ويأخذ معه القارئ ليجد فيها كل ما فقده في هذه الدنيا التي ضاقت بأهلها وأولهم (نفسه) .. وفي مقالة (فن التسخيف)، يؤيد الكاتب فلسفة السخافة لبعض الوقت من أجل إنعاش حياتنا الخاملة، كتلك الإثارة المفتعلة عند مشاهدة مغامرات سمك القرش، أو برامج الشتائم (وضرب الجزم) أحياناً على الفضائيات، أو حتى الاستمتاع بالأشياء الصغيرة التي قد تضفي سلاماً عابراً كموسيقى التايتانك أو وردة الحبيب .. ثم ينهي الكاتب مقالة (فيديو كليب يا باشا) التي تنتقد صرعاتها المثقلة بالعهر والإسفاف والابتذال بالحكمة الهندية القائلة: “إن الاستغراق في الآثام قد يؤدي إلى التطهر والقرف الأبدي منها” .. ثم يكشف الكاتب في مقالة (أمام المدفع) وهو الطبيب، عن زاوية من نظرة الأطباء بعضهم لبعض! فكم هو مقيت طبيب الأسنان وقد حمل عدّته المخيفة الأشبه بأدوات التعذيب لا العلاج، وكيف يرد زميله في الطب الباطني الصاع صاعين له عندما يلجأ إليه في مرضه، ليلعب على وتر التعذيب النفسي في تمثيل التوتر والتردد بعد الكشف، حتى وإن كان زميله معافى تماماً.

وعلى الرغم من التعاطف الذي يشوب مقالة (فن إقراض الكتب)، إلا أن هذا (الفن) ليس سوى ذنب لا يتحمّل وزره سوى من تكرّم وأقرض كتبه. يقول الكاتب في خاتمة المقالة ما يفي بإدراك الحكمة من ورائها: “في النهاية، يتحول الأمر إلى وغد لحوح -هو أنا- لا يكف عن تسوّل شيء ليس من حقه. ويحاول صديقي النبيل أن يعاملني بالحسنى وألا يجرح مشاعري، لكنني بصراحة اضغط عليه أكثر من اللازم .. في النهاية ينفجر في: (هي مجرد كتب .. وأنت لن تفسد صداقتنا من أجل بضعة كتب .. بصراحة لا أذكر أنني أخذت أية كتب منك ولا أذكر مكانها، لكن هذا لا يكفي كي تجعل حياتي جحيماً). هكذا أتلقى درساً قاسياً.. لا تضغط على أعصاب الحليم أكثر من اللازم .. الحق إنني سعيد الحـظ لكون هؤلاء العقلاء شديدي الحلم .. أصدقائي”. أما عني، فأحب إلى نفسي أن أكون في محل (الوغد) من أن أرتكب ذنباً لا يُغتفر .. وأقرض كتبي!

 

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 23 نوفمبر 2022 – صفحة (10)

 

…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

رواية/ قلب كلب

المؤلف/ ميخائيل بولغاكوف

المترجم/ د. نوفل نيوف

دار النشر/ دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع

الطبعة/ 1 – 2007

المعدن الرخيص وطلاء الذهب

 

 

رواية مجنونة بقلم مؤلف عبقري، ينتقد فيها وبجرأة الواقع الروسي الذي كان يقبع تحت سلطة الحزب الشيوعي فيما كان يُعرف باتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية في القرن الماضي، في طرح أشبه بالخيال العلمي المشوب بفكر فلسفي يزخر بالكثير من الإيحاءات والتلميحات والإسقاطات، جاءت كلها في الصميم .. حيث تتمحور الرواية حول الإنجاز الذي حققه البروفيسور د. بريوبراجنسكي في تحويل كلب إلى إنسان من خلال تقنية طبية سابقة لعصرها، في رمزية فجّة ضد الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية البائسة التي سادت الحقبة الستالينية! لم يكن هدف الجرّاح عندما انتشل ذلك الكلب الضال من على قارعة الطريق وهو عليل، إلى عيادته الوديعة، وقام بعلاجه وإطعامه وتسمينه قبل إخضاعه إلى مجازفة جراحية، إلا أنسنة خَلقه وتهذيب خُلقه، وقد تكللت المجازفة بنجاح شبه تام إذ انقلب الكلب إلى إنسان حقيقي .. ما عدى قلبه!.

ويكاد يكون (القالب غالب)! ففي حين تبدّل الشكل الخارجي للكلب، وأتقن شيئاً فشيئاً لغة البشر، وارتدى بدلاتهم الأنيقة، واستمر إلى أن اعتلى منصباً قيادياً، أبت فطرته الحيوانية إلا أن تطغى، وأن يغلب طبع قلبه الكلبي تطبّعه، وأن يعصي ويشتكي ويخالف ويتمرد ويسكر ويتحرش ويعيث أينما حلّ الفساد. وعلى الرغم من ترعرعه كإنسان في وسط بروليتاري إصلاحي، فقد انتهى به الحال ليصبح (الرفيق) المنزلق في وحل الاشتراكية ومستنقع الشيوعية، وكما يقال في لهجة دارجة (ذنب الكلب يبقى أعوج). لكن، بدهاء الخبير وحكمته وإنسانيته، يُنقذ الجرّاح الحصيف ومساعده الوضع الذي آل إلى رزايا مادية وأخلاقية جرّاء التورط في خلق إنسان بقلب كلب، وذلك في خاتمة الرواية التي امتزج فيها المكر بالدهشة بالنهايات السعيدة.

في إشارة ذكية على طريقة (إياكِ أعني واسمعي يا جارة)، رمز المؤلف الشاب إلى الحزب الشيوعي الحاكم بقمعه وجوره، وغمز ولمز بأسياده وأعضائه ورفاقه الفارغين علماً وخُلقاً .. بكلب أرعن يحمل في جوفه قلب حيواني مستعصٍ على الرقي، لا يحكم إلا به ولا لأنسنته سبيل. كم يبدو غريباً أن تتقاطع رواية روسية تعرض لأوضاع مزرية تمس كرامة الإنسان في زمن ولّى وانقضى معها مؤلفها، مع معاش إنسان الألفية الثالثة في عالم ثالث، حيث يأبى التاريخ إلا أن يعيد نفسه! كان ميخائيل بولغاكوف (1891 : 1940) المولود في مدينة (كييف) لأبوين أكاديميين في علوم الدين، طبيباً ماهراً قبل أن يصبح كاتباً بارزاً، وقد ترك مهنته الأولى إلى الأبد ونذر نفسه للأدب، لا سيما في إصدار الأعمال التي تتلبّس طابع النقد السياسي، وقد صُنف معظمها ضمن روائع الأدب العالمي، مثل مسرحية (أيام آل توربين) التي حرص ستالين -رئيس الاتحاد السوفيتي في العشرينات- على حضورها. لم يُغر ضميره مال وحافظ على قلمه نزيهاً وناضل به في سبيل الحق والعدل والحرية في زمن كان عنوانه القمع والإذلال والاضطهاد، فحورب بمصادرة أدبه وبمنع أعماله وبالسباب والإنكار، حتى تأتي هذه الرواية الساخرة القصيرة العميقة في فنتازيا مؤلمة، كدليل قائم على نزاهة مؤلفها، والتي لم تر النور إلا بعد ستين عاماً من كتابتها. يموت بولغاكوف شاباً بقصور كلوي، حيث أدمن فترة من حياته مادة المورفين متأثراً بها كعلاج كان يُسعف بها مرضاه، وقد ألفّ بها رواية تحمل اسم المادة. ومما يجدر به الذكر، إنتاج فيلم سينمائي بعنوان الرواية (Heart of a Dog) عام 1988، في إشارة إلى جدارة المؤلف الروسي لرفع راية وطنه الأدبية جنباً إلى جنب أقرانه، أنطوان تشيكوف وفيودور دوستوفيسكي وليو تولستوي.

وعن المراجعة، فهي تعتمد على الطبعة الأولى للرواية الصادرة عام 2007 عن دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، والتي عني بترجمتها من لغتها الأصلية الروائي والمترجم السوري (د. نوفل نيوف)، وهي تشتمل على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

يراقب د. بريوبراجنسكي خلال الأيام الأولى تطوّر حال مريضه الكلب بعد عملية أنسنته، من خلال عملياته الحيوية في النبض والقلب والتنفس والحرارة والبؤبؤ، حتى إذا ما تمكّن من التحرك ثم الذهاب والإياب في الممرات وقد بدى ككائن “سبّاب بذيء سافر”، يأخذ في نطق كلمات كثيرة، مثل: “حوذي، لا يوجد أماكن، الجريدة المسائية، أفضل هدية للأطفال، وجميع كلمات السباب الموجودة في اللغة الروسية”. وبينما يعتني الجرّاح به أيما عناية أثناء فترة نقاهته وتحديداً بجودة طعامه، لا يوصيه وحسب بثلاثية الغذاء الصحي، في ماذا وكيف ومتى يأكل، بل في طقوس أخرى لا بد من أخذها بعين الاعتبار، فيوصيه ضمن ما يوصي قائلاً: “لا تتحدث أثناء الطعام عن البلشفية وعن الطب، وإياك -حفظك الله- أن تقرأ قبل الغداء جرائد سوفييتية”. ويضرب له مثلاً بالمرضى الذين أخضعهم قسراً لتجربة قراءة الجرائد، حيث انخفضت أوزانهم، بل أصبحت لديهم “استجابات ضعيفة في الركب وانعدام شهية وحالة انقباض روحي”.

يرد على لسان أحد أبطال الرواية نصاً ثقيلاً في تردي وضع الوطن والمواطن الذي وإن اتخذ هيئة الطابع العام، فإن مكمنه يعود إلى الأجندة المعدّة له مسبقاً، إذ يقول: “وإذا كنت حين أدخل إلى المرحاض، واعذرني على هذا التعبير، سأبدأ أبول قرب الحوض، وستفعل الشيء نفسه كل من زينا وداريا بتروفنا، فلا بد أن يبدأ الخراب في المرحاض. وبالتالي، فإن الخراب ليس في المجارير وإنما في الرؤوس. إذاً، فعندما يرفع هؤلاء عقيرتهم قائلين: (اضرب الخراب) فإنني أضحك .. أقسم لك أنه لشيء يضحكني. هذا يعني أن كل واحد منهم يجب أن يصفع نفسه على قذالة! وهكذا، عندما ينفض البروليتاري عن نفسه جميع الهلوسات ويشرع بتنظيف الحظائر ـ وهذا عمله المباشر- فإن الخراب سيزول من تلقاء نفسه. فلا يمكن عبادة إلهين! إذ من المستحيل القيام في وقت واحد بتنظيف سكك الترام وبتدبر مصائر بؤساء إسبان ما! إن ذلك لا يتاح لأحد يا دكتور، ولا سيما للناس الذين هم بالجملة، فضلاً عن تخلفهم في التطور عن الأوربيين قرابة مائتي سنة .. مازالوا حتى الآن لا يحسنون تزرير بناطيلهم بثقة تامة”.

لم ترمز تلك (العملية الجراحية) الجنونية سوى لعملية تحويل الإمبراطورية الروسية من الملكية إلى اتحادية سوفيتية تعتمد على المبادئ الماركسية وتُدار عن طريق الأحزاب الشيوعية، ولم يكن (الكلب الإنسي) سوى كناية عن الطبقة المعدمة التي أصبح لها عقب الثورة الأهلية حقوقاً تتمتّع بها ومطالب تفتقر معها إلى الأهلية العلمية والخلفية السياسية وقيّم ضبط النفس، غير أن (الجرّاح) قد مثّل الطبقة البرجوازية التي كان لها اليد الطولى في الأحزاب الحاكمة، وما يتبعها من سلطة في تشكيل مصير الشعوب التي -علاوة على جهلها- تنهشّ بفكّها القوي ما أن امتدت إليها يد السلطة بقبضة مشرط الجرّاح. فيبرز السؤال المحيّر الذي يرفع به الكلب عقيرته مع خواتيم الرواية، وقبل إعادته إلى أصله بفعل نفس المشرط، حيث يتساءل في حيرة وقد استمر توبيخ الجرّاح له في صرامة عمّا يأتي به من أفعال شائنة في كل مكان: “مالك تمنعني؟ تارة لا تبصق وتارة لا تدخن ولا تذهب إلى المكان الفلاني .. فما هذا بالفعل؟ كما في حافلة الترام عيناً! هل رجوتك يا ترى أن تجري لي عملية؟ نبح الإنسان بانزعاج. أمر جميل! اصطادوا حيواناً فشقوا رأسه بالسكين، ثم ها هم يتقزّزون الآن. أعتقد أنني لم أعط موافقتي على العملية، شأني شأن أهلي أيضاً. ربما يكون من حقي أن أقيم دعوى”. تبقى معضلة الإجابة عن هذا السؤال الوجودي محل تقدير القارئ الحاذق: أتقع اللائمة على الكلب أم على الجرّاح؟

 

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 30 نوفمبر 2022 – صفحة (10)

 

 

عدد القراءات:22 قراءة