مقالات في صحيفة المشرق سبتمبر 2022

قراءة في كتاب

…………………………

 

أنشر هذه المقالات في شهر سبتمبر/ أيلول 2022
همى الغيث

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ مذكرات طبيب شاب

المؤلف/ ميخائيل بولغاكوف

المترجم/ ثائر زين الدين، نجاة عبدالصمد، أسامة أبو الحسن

دار النشر/ دار العوام للنشر والتوزيع

الطبعة/ 3 – 2015

الطبيب الإنسان .. الأديب الإنسان

 

 

سيرة ذاتية لها أن توصف بـ (الإنسانية) قبل أي وصف إبداعي آخر! إنها سيرة شاب روسي عايش سلسلة من كفاح مضطرب في بداية حياته المهنية كطبيب مستجد، وذلك حينما تم تعيينه فور تخرجه في كلية الطب مديراً لمستشفى في قرية نائية تقع بأقصى شمال روسيا، تعصف بها الثلوج والأنواء ويكتنف أهلها الفقر والجهل والخرافة. وفي مثل هذه الظروف القاسية، يجد الطبيب الشاب عزائه في الموسوعات الطبية الضخمة التي تركها خلفه الطبيب السابق ذو الخبرة الأطول باعاً والصيت الحسن، وفي كتاب الأدوية الصغير الذي لم يكن يفارق مكتبه، وفي الكثير من المطالعة والقراءة. ففي سيرته، يصف مشاعره بكل دقة وصدق وهي تتراوح بين ضيق الوحدة وسطوة الهلع، متوجساً من أسوأ ما يمكن توقعه من حالات مرضية مستعصية، منفرداً، خالياً من أي خبرة ومساعدة. لم يسعفه في هذا الوضع الحرج تخرجه في كلية الطب بتقدير امتياز، وقد حصل حسب سلم الدرجات الأكاديمية الروسية على خمسة عشر خمسة، وهو الذي لم يكن قد مرّ عليه سوى ستين يوماً فقط من تعيينه. لقد ضرب مثلاً في تفانيه حين تذكّر بعد شهر من تولي مهام عمله الأول آخر مرة كان قد استحم فيها، وعندما كان يواصل نهاره بليله في معاينة المرضى الذين كان يتجاوز عددهم المائة في بعض الأيام، فينام منهكاً على أريكته في نهاية اليوم المضني.

إنه ميخائيل بولغاكوف (1889 : 1940)، المولود في مدينة (كييف) السوفيتية لأبوين أكاديميين تخصصا في علوم الدين. لقد عُرف بولغاكوف كأديب أكثر مما عُرف كطبيب، حيث انهمك بعد فترة وجيزة من عمله المهني في تأليف الأعمال الأدبية، لا سيما تلك التي تأخذ طابع النقد السياسي، مضحياً فيما بعد بمهنة الطب إلى الأبد. وقد صُنفت معظم أعماله ضمن روائع الأدب العالمي، مثل مسرحية (أيام آل توربين) التي حرص ستالين -رئيس الاتحاد السوفيتي في عشرينيات القرن الماضي- على حضورها، وأعمال أخرى أثارت جدلاً وتعرضت للحظر، كرواية (المعلم ومارغريتا) التي لم تُنشر إلا بعد وفاته بما يقارب الثلاثة عقود، وبواسطة أرملته، حيث قام بحرقها ثم أعاد كتابتها مجدداً بعد حين. لم يعمّر طويلاً، حيث توفى شاباً عن قصور كلوي، وقد أدمن فترة من حياته مادة المورفين، متأثراً بها كمادة علاجية كان يُسعف بها مرضاه، وقد ألفّ عن تلك الفترة العويصة من حياته رواية تحمل اسم هذه المادة.

يسرد الطبيب الشاب في سيرته سبعة قصص رئيسية منتقاة عايشها، يمتزج فيها الألم بالسخرية، ويجد فيها نفسه قد باشر عمليات فتق وبتر وخلع أسنان وتجبير كسور وعلاج خرّاجات وولادات متعسرة وإجهاضات و و و…، حالفه النجاح في بعضها، وعاد من بعضها إلى حجرته ينهشه ضميره بعد فشله فيها. لم تكن فقط حكايات يسردها، إنما بث فيها من المشاعر والتأملات والتساؤلات حول ما يعتور النفس البشرية من ألم ومرض وضعف وجهل، وبين ما قُدّر له من نصيب في النجاح والفشل، الزهو والقلق، الدهشة والحيرة، الكبرياء والوحدة …، في جو عام عصفت فيه الرهبة بالفكاهة. عليه، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثالثة للكتاب الصادرة عام 2015 عن دار العوام للنشر والتوزيع، وبترجمة من لغتها الأصلية (Записки юного врача)، وهي تشتمل على بعض الاقتباسات، بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

يعقد الطبيب الشاب في عنقه قسماً بأن يتصرف “برزانة” في مستشفى نيكولسكاي الواقع في مدينة موريفسكايا وقد تسلّم إدارته للتو، إذ أن ملامحه الشابة جداً قد نغصّت عليه مع لحظاته الأولى فيها، فأصبح يبادر دائماً بتعريف نفسه بـ “الدكتور فلان” وأن يجيب “بعبوس” على أي تعليق خاص بهيئته كطالب لا كطبيب، وأن يتجنب العدو كشاب طبيعي في الثالثة والعشرين من عمره، وأن يتحدث “باقتضاب واتزان”، حتى فكرّ بارتداء النظارات. يقول في هذا: “ولكنني لست بحاجة للنظارات فعيناي سليمتان، لم تعكر صفوهما تجارب الحياة بعد. وحين أيقنت أنني حتى بمساعدة النظارات لن أستطيع حماية نفسي من النظرات المتحببة المتساهلة، قررت أن ألتزم سلوكاً خاصاً يستدعي الاحترام”. غير أن كل تلك الحيل باءت بالفشل. فمثلاً، تبادره القابلة العجوز بدهشة لصغر سنه وتقول: “يا دكتور إنك شاب .. شاب جداً. إنه لأمر مدهش .. إنك لأشبه بطالب”. وفي الوقت الذي يجيبها بوقار وهو ينفث من بين أسنانه بـ “إحم .. لا .. أنا .. أقصد .. نعم شاب”، يجيبها في سرّه قائلاً: “تفو .. أنت شيطانة .. قلت لنفسي .. كأنهم اتفقوا ضدي”. ثم يعترف في سرّه مرة أخرى وهو في جولة أولية حول المستشفى المزوّد بشكل جيد بالمعدات الطبية، جهله باستخدامها، لا لأنه لم يتسنَ له العمل عليها من قبل، بل لأنه لم يرها قط. يحلّ مساء اليوم الأول وهو يشعر بشيء من الألفة، إلا أنه كان يردد بداخله: “لست مذنباً على الإطلاق”، فقد حذّر من رشّحه في مدينة كييف لهذا المنصب، وطلب أن يكون طبيباً مساعداً بدلاً عنه، غير أنه قوبل بابتسامة وبكلمة: “ستتعود”. ثم طفق يستعرض في وجل الحالات المرضية التي قد يستقبلها وقلة حيلته أمامها، ويقول: “يا لي من إنسان ساذج! كان عليّ ألا أجيء إلى هذه المنطقة”. يُخيّل له حالة فتق جيء له بها في اليوم التالي، فيسمع الجن تغني له أغنية رعب وأمر بإجراء عملية فورية، “ساعتها استسلمت وأوشكت على البكاء وصليت للظلمة خلف النافذة”. تراود حالات الفتق هذه الطبيب الشاب بأشباحها كثيراً، فيعترف قائلاً: “كم مرة انساب العرق البارد ببطء على ظهري عندما أفكر مجرد التفكير بالفتق”.

يقول هذا عن نفسه قبل أول قصة يسردها (المنشفة ذات الديك)، حين ارتمى والد الطفلة التي سقطت في آلة هرس الكتان عند قدميه، متوسلاً بإنقاذها، فيضيع ويدمدم ويسحب الأب من كمّه صائحاً سائلاً: “ماذا تفعل”؟ لكنه يندب حظه ويسأل نفسه: “لماذا؟ لماذا أعاقب؟ أية خطيئة ارتكبت؟”. غير أنه ما يلبث أن يجد نفسه في غرفة العمليات يشق الجلد وينتظر انسياب الدم، ويقول: “فكّرت .. وكذئب، نظرت من زاوية عيني إلى كومة الملاقط الطبية، وحززت قطعة كبيرة من اللحم النسائي” ولم تقطر نقطة دم واحدة، وبأحد الملاقط أغلق الشريان. كان قبل هذا يقف مستغرباً أمام نصف جثة حية، وقد “رجوت القدر لحظتها أن تموت خلال نصف الساعة القادمة، ولتمت في العنبر بعد ان أنهي العملية”. وبينما كان يفصل عظمة الفخذ عن جسد الطفلة، يلوح له سرّ من أسرار الحياة مستفهماً: “لماذا لا تموت؟ غريب كيف يتعلق الإنسان بالحياة”؟. تتكلل العملية بالنجاح وينظر إليه مساعدوه بعين الدهشة والاحترام، ويؤكدون بأنه لا بد وقد أجرى عمليات بتر كثيرة من ذي قبل. يقول في هذا الموقف: “احم، أنا .. أجريت هذه العملية مرتين من قبل. لماذا كذبت؟ لا أدري إلى الآن”. غير أن اليأس يأخذ منه مأخذاً حتى بعد إتمام العملية بنجاح، فيأمر مساعديه قبل ذهابه “بنصف صوت” قائلاً: “عندما تموت أرسلوا في طلبي”. مع هذا، وبعد مرور شهرين ونصف، تدخل إلى عيادته الفتاة فائقة الجمال، بتنورة حمراء فضفاضة، وبرجل واحدة .. وعكّاز، مع والدها الأربعيني، ومن غير والدتها التي كانت متوفاة منذ صغرها، وتهديه “منشفة طويلة بيضاء كالثلج طرز عليها بشكل غير متقن ديك أحمر”. لقد لاحظها حين كانت نزيلة في المستشفى تحيكها ثم تخفيها تحت مخدتها، فتعيش المنشفة معه حتى تبلى بمرور السنين وتتلاشى مع ذكرياته.

يسرح الطبيب في قصة (الحنجرة المعدنية) مع خواطره، عندما غدى وحيداً في نهاية ذلك اليوم، يطلّ من نافذة حجرته المظلمة في المساء الطويل الوحشة، تحت ضوء أباجورته الأزرق الذي يرسم له أشباحاً تنقله إلى مدينته التي تبعد عنه أربعين فرسخاً. كم تاق إلى العمل هناك ومن حوله زملائه يلجأ إليهم عند الحاجة، وحيث لا تنقطع الكهرباء .. إن مجرد التفكير في الهروب ليس سوى “جبناً وتخاذلاً”. ثم يعود لطمأنة نفسه بأن الوضع هنا ليس على قدر كبير من السوء “بل إن خصوصية هذا العمل كانت الدافع لانتسابي إلى كلية الطب” كما برر. وفي هذه القصة التي تبدو كالمعجزة وقد كللها بنجاح أيضاً، رغم جنون الأم وثرثرة الجدة حتى كاد أن يفتك بها مرّات متمتماً: “كم هو رائع لو أن أمثال هذه العجوز لم يخلقوا بالمرة على وجه الأرض”، يصف مريضته الطفلة وصفاً حريرياً بعد أن فكّت الأم الصرّة التي حوتها، قائلاً: “شاهدت ابنة أعوام ثلاثة .. تأملتها ونسيت للحظات جراحتي العامة .. نسيت وحشتي ووحدتي في هذه الأصقاع ومسؤولياتي الجامعية التي يجب أن تنقذني الآن .. تناسيت بإصرار كل شيء لشدة جمال هذه الصغيرة .. بماذا سأشبهها؟ وأمثالها لا نراهم إلا صوراً مرسومة على علب السكاكر .. شعر جعدته الطبيعة لينساب خواتم عريضة بلون الشعير اليانع .. عينان زرقاوان جوزيتان وخدان كخدي دمية. وباختصار هكذا فقط ترسم الملائكة .. فقط كان ثمة كدر غريب عشش في قعر عينيها، وأنا بدوري فهمت أن هذا الكدر إنما هو رعب من لا يجد هواء يتنفسّه! ستموت خلال ساعة .. قدّرت الأمر في نفسي بيقين، وانقبض قلبي بأسى”. وفي حين كانت الطفلة تتنفس بفحيح أفعى، وبقايا بلعوم، وحنجرة “تغلي وتخرّ”، وقبل أن يقرر شقّ بلعومها “وبتأثير خافض اللسان عطست، فتناثر الرذاذ على وجهي وعيني. والغريب أنني لم أخف أن تنتقل الدفتريا بالعدوى إلى عيني، لشدة انفعالي بما يتوجب عليّ أن أفعله”. ثم يُسهب عن عواطفه التي عصفت به، خلافاً لما كان يبدو عليه من ثبات في الظاهر، فيأسى لنفسه وهو يمسك الجرح أثناء العملية بالكلاليب: “تندّى جبيني عرقاً وانتابتني قشعريرة .. آه .. كم أنا آسف على اختياري كلية الطب”. وحين كان يبحث عن الرغام وسط البلعوم الصغير المفتوح، والجرح الذي لم يجد ما يشبهه في الكتب التي درسها، يتملكه اليأس ويقول لحظتها: “إنها النهاية .. قلت لنفسي، لماذا فعلت هذا؟ كان بإمكاني ألا أقترح العملية، وأترك ليدكا الصغيرة تموت بهدوء في العنبر، أما الآن فإنها ستموت برقبة ممزقة، ولن يكون بإمكاني بأي حال أن أثبت لهم إنها كانت ستموت حتماً بهذه الطريقة أو بغيرها، وإنني لست المتسبب في موتها”. وحين ثقب -وهو مرتبكاً- بالمشرط الحلقات الرغامية واخترق الحنجرة التي برزت من مكانها، فمزّقها بدل إعادتها إلى وضعها، تفغر القابلتين فاهيهما ويقع المساعد مغشيّاً عليه، وتغرق الطفلة في الزرقة .. هنا يقول في استسلام: “كل شيء ضدي .. القدر .. لقد ذبحت ليدكا دون شك. وصممت: عندما أصل البيت سأطلق على نفسي الرصاص”. تترصدّ الأم بباب غرفة العمليات، حتى إذا ما لمحت الطبيب ومساعديه يخرجون، تزأر فيهما عمّا حلّ بابنتها، “وفي عينيها نظرة وحش ضار”. يصف الطبيب تلك اللحظة قائلاً: “عندما وصلني صوتها، أدركت ما الذي كان سيحدث لو أن ليدكا ماتت في غرفة العمليات”. بعد تعافي المريضة الصغيرة، ذاع صيت الطبيب الشاب وتنامت عيادته، حتى عاين في يوم واحد من التاسعة صباحاً حتى الثامنة مساءً مائة وعشرة مريضاً. لقد تناقل الأهالي معجزة الطبيب بإشاعة زرعه قصبة معدنية في حلق الطفلة، فكانوا يتهافتون على قريتها لمشاهدتها خصيصاً.

وفي نهاية القصة التي تحكي (الولادة) لجنين في “توضّع عرضي”، الوضع الذي تطلّب عملية “تحويل الجنين”، وقد استغرق الطبيب عشرين دقيقة قبل شروعه في العملية منهمكاً أمام المجلد الطبي، تقول له القابلة وأمامهما طست بمياه حمراء: “لقد أجريتم عملية تحويل الجنين بشكل جيد يا دكتور، أنا على يقين من ذلك”. يعقّب الطبيب: “كنت لحظتها أنظف يدي بالفرشاة بنزق، فنظرت إليها بطرف عيني. لعلها تسخر؟ ولكن وجهها كان يحمل معاني الرضا والفخر دون مواربة. طفح قلبي بالسعادة، ورحت أنظر إلى فوضى من الدم والبياض من حولي .. إلى الطست ذي المياه الحمراء وكنت أحس بالانتصار”. يعود إلى حجرته ليلاً وقد كان عقله لا يزال مفتوحاً أمام صفحة “مخاطر عملية تحويل الجنين” وقد ساد الهدوء المكان تحت ضوء المصباح الساطع، وخواطر راودته عن معنى “المعرفة الحقيقية”، يقول فيها: “التجربة الكبيرة يمكن الحصول عليها في القرية -فكرت وأنا أغفو- ولكن يجب فقط القراءة .. القراءة كثيراً .. والقراءة”. أما في قصة (العاصفة)، فتموت العروس يوم عرسها بعد أن سقطت من فوق جواد يمتطيه عريسها، وقد تبدّل فرحه العارم في لحظة إلى انهيار تام. يصل الطبيب الشاب إلى القرية التي تبعد عن المستشفى ما يقارب الاثنى عشر فرسخاً، ويجد زميله الطبيب الذي كان في انتظاره، غير أن الاثنين لم يتمكنا من منع القدر أن يقول كلمته الأخيرة. يلحّ عليه زميله بالبقاء حتى يحين الصباح ليعود، فالسفر ليلاً يحفّه المخاطر، لكنه يتعذّر بمرضى التيفوئيد الذين هم هناك في انتظاره، في حين كان السبب الحقيقي مختلف تماماً! يقول في ختام القصة: “أعترف أنني لم أبح لأي منهم أن فكرة واحدة استوطنت جوارحي. لا أحتمل البقاء في مكان تجلله المصيبة وأنا أعزل بلا قوة .. بلا نفع، أمام الموت”. ويستكمل خواطره قائلاً: “يا لهذا المصير الفظيع! كم هو بسيط مرعب في آن واحد العيش في هذا العالم”، متأملاً الحزن الذي سيلّف دار العروسين، “مجرد التفكير بهذا محزن! عليّ أن أشفق على نفسي أيضاً .. على هذه الحياة القاسية”. وفي قصة (طفح كما النجوم)، يعاين الطبيب الشاب امرأة يتفق وإياها على نعت زوجها بـ “سافل”، ويسترجع مع حالتها حالة القروي الذي أتاه يوماً وقد غطاه السفلس، فلا عاد لمراجعته، ولا عادته زوجته وأطفاله كما أوصاه، فما علم بما جرى لهم جميعاً، “فكل يوم أسماء جديدة كثيرة وأشياء جديدة .. أشياء فظيعة تضعف بصري وتخطف قوتي وتجعلني من أعماق قلبي ألعن حظي مائة مرة في اليوم”. أما هذه الزوجة العزيزة، فقد ترك لها زوجها قبل وفاته رسالة تخبرها بإصابته “بمرض أحمق .. السفلس”، لكنه لم يرغب حينها بإخبارها، موصياً إياها بمراجعة الطبيب. يقول الطبيب الشاب عن ذلك الزوج، بعد معاينته وحواره معه الذي كان أشبه بالاستجواب: “لم يكن حديثاً، بل حواراً .. حواراً رائعاً. لو سمعني أستاذي في الجامعة لأعطاني علامة عالية في طرائق استجواب المرضى. لقد اكتشفت في نفسي ذخيرة هائلة عن السفلس لم أكن أعلم أنها في حوزتي”. أما عن الزوجة، فيقول: “ناديت القابلة وانفردنا نحن ثلاثتنا في غرفة الفحص النسائي. القابلة تكزّ على أسنانها وتقول: نذل .. نذل، والمرأة ساكنة تنظر إلى الغسق خلف النافذة بعينين مظلمتين. كانت هذه واحدة من أكثر مريضاتي اللواتي اهتممت بهن في حياتي. بحثنا أنا والقابلة بحيث لم نترك في جسدها بقعة واحدة دون معاينة ولم نجد أية علامة مثيرة للشكوك”.

يجتمع الطبيب وفريق عمله في سهرة بمناسبة عيد ميلاده وهو بعيداً عن مدينته، فيحلو السمر بينهم في قصة (ظلام مصري)، يبدأه المساعد بقوله: “أدعوكم إلى كأس أخرى .. ( آه .. لا تقسوا علينا بالحكم، فالطبيب على كل حال، والممرض والقابلتان بشر أيضاً .. نحن طيلة الشهر لا نرى أحداً غير مئات المرضى .. نحن نعمل مغمورين في الثلج .. فهل حرام علينا أن نشرب كأسين من الكحول ونصبّر المعدة بقطعة من السمك في يوم ميلاد الطبيب؟) .. نخب صحتك يا دكتور! بإحساس قال الممرض دميان”. ومن بين الحكايات، تقصّ إحدى القابلتين حالة امرأة حامل وُجد لديها في “المسالك الولادية” ما هو أشبه بمسحوق غريب أو قطع قاسية، تبين أنها سكر بعد الفحص! لقد جاءت كـ (مقايضة) للجنين الذي ادعت إحدى المشعوذات لها بعُسر ولادته، فكان لا بد من إرضاءه.

ختاماً، وفي قصة (العين المفقودة)، يستعرض الطبيب في مخيلته ما أنجزه خلال عام. لقد عاين بالضبط خمسة عشر ألف وستمائة وثلاث عشرة حالة، أدخل مائتان منها إلى المستشفى للعلاج المباشر، ومات منها ستة فقط .. في ذلكم المستشفى الريفي المفتقر للخبرات البشرية، وحول أهله الريفيين الفقراء. كذلك، يسترجع محيّاه حين كان حليقاً بمفرق شعر أخاذ يتمايل إلى الخلف عند تسريحه، أما الآن فبالكاد يحلق وجهه يوماً في الأسبوع بدل ثلاثة، كما أن بشرة خدّيه أصبحت “كالمبرشة، بحيث أنه إذا أزعجني مرفق يدي أثناء العمل، فكم يطيب لي أن أحكّه بهما”. وعن تلك الحالات التي عاينها، يسترجع: حالة الأم التي وضعت طفلها تحت الجسر بجانب أشجار الغابة، وقد وصم والد زوجها بـ “المجنون” و “الخنزير”، إذ قالت حين سألها عن سبب وجودها تحت الجسر متعرّقة في آلام مخاضها، وقد هرع إليها والقابلة: “والد زوجي لم يعطني حصاناً. قال لي إن هي إلا خمسة فراسخ وبإمكانك الوصول مشياً .. أنت امرأة معافاة، وليس هناك من سبب لسوق الأحصنة هباء”. أما القابلة فاحتدت قائلة: “إلى أية درجة اسودّت قلوب هؤلاء الناس؟”. ويسترجع كذلك: حالة الأم التي كانت حاملاً بـ “جنين معترض” فتموت الأم ويولد الطفل ميّتاً وقد كسر يده على أية حال أثناء عملية تحويل الجنين. يدخل بعدها في دوامة عاتية من تأنيب الضمير، يقول في خضمّها: “هراء .. كل ما فكرت به هراء! لقد كسرت يد مولود كان قد مات، لكن الذي يجب التفكير به ليس اليد، وإنما أمه التي ما زالت حية، هي التي كان علينا إنقاذها”. ثم يسترجع: حالة الجندي الذي خلع بكلّاب، ضرسه بجذوره الطويلة التي التصقت بها قطعة كبيرة من العظم تنصع بياضاً، ولم تكن تشبه أي شكل هندسي عاينه أثناء دراسته، فيدّسه في جيبه ومن ثم في درج مكتبه حتى أنتن. لا تعفيه نفسه اللوامة التي تستجوبه في إحدى جلسات محاكمتها السرية: “وأين الفك السفلي للجندي العائد من الحرب؟ أين ذهبت به؟ أجب أيها الشرير .. يا من تخرجت من الجامعة”.

ورغم ما كان، فهو يقول ختاماً: “وهكذا، عام كامل امتد طويلاً، بدا معمراً، متشعباً، معقداً ومخيفاً، أو أنه مرّ طائراً كالزوبعة، لكني أرى في المرآة آثاره على وجهي. عيناي أصبحتا أكثر جدية وأكثر قلقاً .. فمي أكثر ثقة وأكثر رجولة .. تكونت تجعيدة عامودية على جبيني فوق قصبة أنفي ستبقى لآخر العمر، كما سترافقني وتبقى معي ذكرياتي .. ها أنا ذا أراها في مرآتي تتراكض بجموح الخيل ولا تقف”.

وأقول ختاماً: أنها سيرة تنضح بقيّم إنسانية ازدادت قيمة بصعوبة المواقف التي أفرزتها، تتمثل في الإقدام والجرأة والصدق والتفاني وروح التحدي والإحساس بالمسئولية .. وإنسانية كاتبها الذي لأجله تُرفع القبعة.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 7 سبتمبر 2022 – صفحة (10) جزء1

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 8 سبتمبر 2022 – صفحة (10) جزء2

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

رواية/ عشق السكون: كل امرأة هاجر

المؤلفة/ نورية تشالاغان

المترجم/ أحمد الإبراهيم

دار النشر/ دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع

الطبعة/ 2 – 2015

سارة الغيور وهاجر المبعدة .. وابراهيم الأوّاه بينهما

 

 

هل من الممكن أن تلتقي الروح بالسر .. بالسحر بالدمع بالألم بالحكمة بالصمت بالعشق، في وصل مقدّر من الله؟ قد كان هذا، في سيرة عشق كتب الله لها أن تهاجر في الدروب وبين القلوب .. بين من سعت عشقاً ذهاباً وجيئة ففُرض سعيها شعيرة، وبين من استغنى بيقينه عمّن سواه فاتخذه الله خليلا. لذا، كم كان ملهماً أن تستهل الكاتبة روايتها العذبة بحديث قدسي كإهداء للقارئ، يقول: “أنا أكبر سر للإنسان .. والإنسان أكبر سر لي”. هنا، تحاول الروائية التركية (نورية تشالاغان) أن تسبر أغوار الشخصيات الرئيسية في قصة أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام، والتي ترويها على لسان أمنا العاشقة هاجر، وبينهما سارة، حيث يجمح خيالها بما كان قد اعتمل في النفوس من خواطر وهواجس وتضرّعات أثناء تلك الهجرة الربانية .. الهجرة التي بدأت بالعذاب وانتهت بالسكون.

تلعب الروائية باحتراف على وتر العاطفة المفعم بنفحات روحانية، فتصوّر أمشاج المشاعر التي قد تكون تملكت هاجر، كزوجة تارة، وكأم تارة، وكضرة تارة، وكيتيمة تارة، وكأمَة تارة، وكعابدة تارة، وكعاشقة تارة أخرى، حيث حرصت على أن تحمل كل كلمة مختارة معنى صوفي عذب وعميق لأحداث الرحلة الطويلة في مسيرها، والموغلة في أبعاد الروح النورانية، الرحلة التي تختمها الروائية بالمقصد منها قائلة: “ما أرادت مسيرة هاجر قوله هو: كل إنسان هاجر .. والفرق بطريقة السير”. لقد حولت أمنا هاجر كل رمز عابر في رحلتها الطويلة الصامتة إلى سر أزلي، استنطقته بحكمة وبصيرة، تجاوزت بها دائرة الإيثار والغيرة والشك والهواجس، إلى السمو الروحي المتمثل في العشق الإلهي السرمدي، حيث تنعم النفس بالسكون في نهاية المطاف.

أما الرحلة الروحية التي لا مثيل لها في التاريخ الإنساني، فتعبر خمسة مراحل تتوقف من خلالها في محطات عدة، وهي: خطوات العشق، المسير وحيدة، كل امرأة هاجر، ديار الميم، سر العشق. وعن مراجعة هذه الرحلة، فتعتمد على الطبعة الثانية الصادرة عام 2015 عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، والتي عني بترجمتها من لغتها الأصلية المترجم السوري (أحمد الإبراهيم) والذي يعمل كرئيس للقسم التركي في التلفزيون العربي السوري، وهي تشتمل على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

عن الأسرار: ألف .. لام .. ميم .. كل حرف كنز، ولكل كنز سر، فالألف يمثل الإتحاد، واللام الأداة، والميم المكان! إنها شفرات حكاية مفعمة بالأسرار .. “كانت الميم انعكاس السر على الوجود”. وعن الحرية: إن أول جريمة يرتكبها الظالم هو منع الكلام، فليس للمظلوم أن يترجم الظلم إلى كلمات! أما ترى الحارس يحكم قبضته على الفم المستغيث؟ بل ويتجرأ فيحبس الدمع، إذ ما هو سوى تعبير صامت عن الاعتراض! يصبح الصمت لغة، حين يعجز الكلام. وعن الطغيان: هناك قُتلت محظية فرعون، فبأي ذنب؟ تطاير شعرها والجلاد يمسك به، كما آمالها التي أرادت أن تتمسك بجسدها الغض، وآخر زفراتها تستغيث صائحة: (لا زلت شابة فدعوني أعيش). غير أن قطرة قوة يهبها الله كفيلة بالانتصار على أعتى جبابرة الأرض. وعن النيل: يا لهول التناقض أمام النيل الجبار! لطالما وقفت هاجر أمامه يحذوها الأمل بعطائه، وهو لا يزال يحتضن كل يوم جسداً غضاً جديداً. وعن الشائعة: أُوكل لكل خبر أرجل، وأرجل خاطفة، لا تبرح وقد وصلت بأعجوبة إلى كل الأبواب “ألا يقولون رجلا الخبر سريعة ويصل إلى كل الأبواب”؟ وعن الحزن: عندما تتزلزل العاطفة، يجد الحزن له مكاناً في الحلق قبل القلب .. فيا للشقاء! وعندما يلملم النهار أذياله ويفسح مكانه لليل، يهلّ ويداعب بسحره حزن الأنوثة الغريب. وعنده، كم هي قاسية ردود فعل الجسد! فرغم الأنفة والمكابرة، يبرز الحزن جلياً في العين، وتتعرج خطوط الألم على أطراف الشفاه، وقد ينهمر الدمع أنهاراً، فتتعجب النفس متسائلة: أمن عين واحدة ينهمر كل هذا السيل؟ وعن الماضي: فهو يتنكّر ببراعة في صورة صديق وفي، يشدّ القلب إليه ويرغم المستقبل للنظر إلى الوراء، وفي العودة إليه كمّ من الذكريات لأحداث جرت، أمّا المستقبل فرحلة إلى أحلام قد لا تتحقق! لذا، يلّح سؤال من جديد: لمَ يتمسك المرء بالماضي، فيعيش فيه وينسى الحاضر؟ أهي علامات شيخوخة؟ أم ضياع أمل؟ وعن البشارة، يلحّ تساؤل آخر: هل البشارة حقاً مؤلمة؟ إذ قد يسبق الفرح رسول من ألم، وقد توقظ البشارة المرء من غفلته بشعور قاس في روحه. وعن الهموم: فتصغر عندما يتم تقاسمها، وتهدأ وطأتها عند البوح بها. ورغم أن الصداقة تقاس بمدى تقاسم الأصدقاء همومهم، بيد أن الحزن يبقى سر الإتحاد، فلا يمكن تجزئته بغرض تقاسمه. وعندما يلقي الله بهذا الحزن في قلوب من يحبهم، تراهم يتمسكون به، ويسلكون فيه خطوة بخطوة طريق الإخلاص إليه وحده. وعن الروح: فإن وحدة الروح في الذات المنطوية كفيلة بسماع صوت العاطفة حين اضطرابها، فيصبح الإصغاء هو الحل، وإلا، يتغوّل القلق ويستحكم الحزن! كم هي رقيقة تلك العاطفة الممتدة لنا من الله، إنها وسيلة الحديث معه، ولا حدود لهذا الحديث. “ما هي هذه العواطف؟ كم هي حساسة وكم هي رقيقة سهلة الكسر، وكم لديها من الأشياء التي تريد قولها لنا. كل عاطفة عبارة عن هاتف ممتد من ربنا إلينا .. هي طريقنا للحديث معه ولا شك بأن الكلام القادم منه لا حدود له”. لذا، يكمن العشق في الروح لا في العين، ويُقرأ في القلب عندما يصمت اللسان. وعن الحكمة: توهب الحكمة في الطرق والمسير .. هكذا تلقفها الأنبياء المسافرون دوماً في الحياة. “جبلت حياة الأنبياء بالدروب! كان كل واحد منهم كمسافر دائم في هذه الحياة. لم يقيموا في مكان .. لم يصبحوا سكان دائمين في أي منطقة. من يعلم أي حكمة جعلت الطرق والمسير الدائم تطوق حياتهم؟”. وعن المحبة: فهي تنبع من النفس، والعشق يفيض من القلب، ولأن المحبة ترتبط بالجسد يُبحث عنها في المكان، أما العشق فلا يحدّه زمان ولا مكان.

وعن رفقاء العشق، فتتسلسل الأحداث بينهم كما قدّرها الله، حيث: قضى النمرود اللدود بالحرق على ابراهيم، فلطالما توعد إبراهيم العصاة بعقاب النار، فكان جزاؤه -كما ظن النمرود- على قدر إيمانه واعتقاده، ومن جنس عمله. توارت الشمس في ذلك اليوم .. أكان خجلاً أم خوفاً؟ هنا، تتجلى قيمة اليقين في الدعاء (وكل لحظة من الحياة هي دعاء .. هكذا كان إبراهيم، أما نحن فننسى بأن الله رقيب علينا في كل حال، فيأتي الدعاء ليذكّرنا بما نسيناه)! هكذا جاء رد سارة استنكاراً على سؤال الجارة الساذج: لمن هذه النار، ألم يدعو إبراهيم ربه؟ غير أن تلك الجارة كانت على قدر من الفطنة لتستدرك أمور أخرى طرأت على جارتها سارة، أمور كانطفاء البريق وغياب الحيوية والحزن الطاغي. “كانت الجارة الذكية تعلم أن ضـربات قلب الإنسان تزداد سرعة عندما يفكر بأشياء سيئة، وأن ردود فعل الجسد الفيزيائية على الأفكار السيئة تؤدي إلى بعض التغيرات، وبأن الأفكار السيئة مدمرة”. أما الصداقة الحقيقية، فلا تتطلب وساطة ولا تتقاسم الأسرار ولا تتحمل سوء الظن .. معانٍ تجلت لسارة وهي تُحدث جارتها عن الخليل وربه كما اتخذه. وهناك، مكث إبراهيم أياماً سبعة وسط سلام النار الباردة، فافترش معه جبرائيل بساط الجنة الذي احضره معه، وتجاذبا أطراف الحديث بسعادة. لكن ماذا عنهما؟ لقد أبحرت سارة المسنة بين أطياف ذاكرتها البعيدة علّها تجد أمها وتتمسّك من جديد بذيل ثوبها، في رغبة تواقة للأمومة، ولطفل يتمسّك بطرف ثوبها هي أيضاً، بينما صمتت هاجر بقدر ما ستروي عنها العصور .. صمتت لأنها علمت بأن أصحاب الكمال يترفعون عن الكلام “صمتُ لأنني أعلم أن أصحاب الكمال يجدون بالصمت كمالهم” .. آثرت هاجر الصمت بينما فاض من سارة الكيل! كانت الأولى شابة بقدر ما كانت الأخرى عجوز. لقد أصبح حزن هاجر مع حزنها على إبراهيم حزنان، فيا لمأزق قلبه الحنون بين قلبين تقاسما عشقه! حاولت هاجر الهروب، ولوهلة أدركت أنه أول معنى لإسمها .. عجباً كيف انعكس الاسم على المصير! وتساءلت وهي تشعر بغصة الغربة: أهي الصحراء أم مرارة اليتم؟ وفي جوف الصحراء، لمحت هاجر النبع .. كانت أول مواساة لها من الله. هرولت رجليها واتحدت روحها مع الماء، كم أن للماء سحر يروي الأيدي الجافة والوجه الذابل، ويطفئ شعلة الاحتراق في مقلة العين. وعند النبع، تجسّدت خواطر هاجر في صور مرئية، فتلك الشجرة بجانب النبع قد ظللت روحها، وخرير الماء يشبه صوت الصديق المواسي. للنيل كذلك أيد طويلة وعريضة، كم كان يبعث الحياة في صوت موجه الرخيم وطلاسمه الغامضة .. يا لصبر هذا الماء عند النبع، كم هو خاضع للتراب وهو يجري في ثوبه! كان النبع يجري عندما سقطتا عينا هاجر كالبحيرتين على الماء، فعند الماء أتت البشارة .. الماء عزيز، والولد القادم كما الماء عزيز. حينها تدفقت روح هاجر كالماء عائدة إلى البيت، غير مبالية بسارة. لقد أتى جبرائيل مواسياً .. أَ لهاجر؟ أم لأبنها الذي حمل روح أمه الحزينة؟ لا حدود للسر الأزلي. (إلى أبعد مكان .. فلا الرياح تحمل خوفهما، ولا البشر يأتون بأخبارهما، ولا الطبيعة تسمع آهاتهما) .. هكذا قررت سارة مصير هاجر وابنها. “راقت هذه الأمنية لسارة فراحت ترددها لنفسها عدد من المرات: (ليذهبا)”. قاطع الكلام إبراهيم وسارة، وانكسرت الكلمات بينهما وتباعدت أحاديثهما، حيث صمتت سارة وصمت إبراهيم، مع قرار الإبعاد المجحف .. في أجواء القرار الباردة التي طغت، ووسط غضب سارة المشتعل، سرت قشعريرة، وحدّق إبراهيم بحنان في وجه هاجر المشرئب صفرة وألماً. في (عشرة) من محرم وعند المخاض، وحين اصطفت حبات العرق على الجبين، كرذاذ ماء فوق التراب، وكتصدع نواة عن ثمرة فوق غصن، تراءت لهاجر طلاسم الأرقام وتكشفت أسرارها: عشرة! أنه الخلاص، فهو يوم قبول توبة آدم، والتقاءه بحواء بعد الفراق، وميلاد الحبيب إبراهيم. “فيما بعد سيقول المتحدث باسم الماضي الذي يسمّونه تاريخ، وهو يعدّ هداياه المباركة: في العاشر من محرم ولد النبي إسماعيل .. النبي إبراهيم صار أباً. قبضت هاجر على سر الأنوثة .. جاء نور الكائنات .. نضجت الثمرة”. تثق هاجر بأنه لا يضاهي جمال بابل وهوائها وعروشها شيء، إلا أن بركة إبراهيم كانت تحل أينما حلّ، وعن فراق آخر تقول: “أخيراً وصلنا إلى مصر. ولكننا قبل وصولنا إلى مصر كنا قد عشنا فراقاً آخر، فلقد فارقنا الحبيب لوط ابن أخ إبراهيم الذي يحبه كثيراً وتركناه مع بعض المؤمنين لقوم مسعورين. كانت حياة إبراهيم قائمة على الفراق الدائم .. كان يفارق الذين يحببهم فرداً فرداً”. لقد كانت الرحلة إلى مصر قطعة من العذاب، (لكنه دعاء هاجر هو الذي جلب كل هذه الأمة) .. هكذا تحدثت سارة بغيرة “كل هؤلاء الناس قد خرجوا من أجل دعاء هاجر”. (هاجر! ذات الوجه الأسمر المحمرّ خجلاً، ذات العينين السوداوين المتدفقتان كالنيل، ذات الجسد الناعم والأنامل الرفيعة) .. كان هذا اطراء سارة! أكان إعجاباً حقاً أم نفحة غيرة؟ كان قد كُتب على إبراهيم فراق من يحبهم .. قد راق لسارة اكتشاف هذا السر، إذ سيهجر هاجر وابنها معاً، وقد كُتب على هاجر الهجرة من فلسطين، فأصبحت فلسطين تبكي كل من يتخذها وطناً، وستتحول إلى دمعة، تبكي بقدر ما أبكت هاجر. “فلسطين وطن الفراق .. فلسطين التي تُبكي كل من يتخذها وطناً .. منذ الآن سيصبح اسم فلسطين اسماً للوطن الذي لا يريد الأمهات ولا يريد الأولاد”. وعند إبراهيم، كانت سلامة القلب تعني الكثير: لا تؤذي الغير، ولا تنتظر على الجميل مكافأة، أما من دموع هاجر المنهمرة، تدفق النبع في الصحراء .. بركة للعالمين إلى يوم يبعثون. وهناك، تتقرر مشيئة الله، إذ تلقفت الأرواح دعوة إبراهيم، فهاجرت الأفئدة إلى هاجر وابنها في ذلك الوادي القاحل، عند البيت المحرّم، وأصبح حقاً على كل مسلم أن يهاجر، كهجرة هاجر، مرة واحدة في عمره إليه .. “طارت روحه إلى مطارح لوح الغيب التي يدعونها الرؤيا. أخبره ربي بأن إخراجي وإسماعيل من البيت قرار جيد”. كانت الكعبة وهي بيت الله (قلباً)، والعشق مفتاحها، وقد تجلّى قلب هاجر داخل جسدها (كعبة) .. من يصل إلى سر المفتاح في قصتها يصل إلى سر الكعبة. “اتشحت الكعبة بالسواد مثلي، واكتسى حجر الجنة بالسواد مثلي .. كل شيء في بكة يشبهني” .. هكذا تجود روح هاجر بعد مُضي العمر.

(كل امرأة هاجر) .. رواية عشق لا يُشبهها شيء. تُرى! كم من (هاجر) في الحياة تحمل رواية عشق لم تُروى بعد؟!

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 21 سبتمبر 2022 – صفحة (10)

 

 

 

عدد القراءات:5 قراءة