مقالات في صحيفة المشرق أغسطس 2022

قراءة في كتاب

…………………………

 

أنشر هذه المقالات في شهر أغسطس / آب 2022
همى الغيث

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ زنزانة: عادة مدى الحياة

المؤلف/ د. سلمان العودة

دار النشر/ مؤسسة الإسلام اليوم للنشر والإنتاج

الطبعة/ 1 – 2014

الإنسان وهو أسير عاداته .. عليه فك أغلالها

 

 

قد يخلق الإنسان من عاداته زنزانة يحصر نفسه بين زواياها المعتمة. وبينما يكون من العادات ما هو حسن محمود، يأتي بعضها كنتاج سطوة موروث ديني أو عرف اجتماعي لا أصل لهما، ترديه في قيد يأسره مدى الحياة، فيعيش كمن لا عاش حياة! تبدو العادة وكأنها جندي مجهول يسيّر الإنسان ضمن جملة أفكار وأفعال تشّكل من هو، رغم أنه قد يكون في سريرته على خلاف ما يُظهر. في هذا الكتاب، يشير الكاتب إلى تلك الأغلال بأصبع الاتهام، في محاولة جادة للتحريض على فكّها والاستمتاع بالحياة ضمن حدود شرعية وأخلاقية واجتماعية، بلا إفراط ولا تفريط، وهو لا ينسى أن يحرّض في نفس الوقت على التمسك بالعادات الحسنة، والإصرار على تحويلها من عادة إلى عبادة، إذ إن الإنسان حين ينتقي من (العادة) أحسنها ويستحضرها مع النية الخالصة، تصبح (عبادة)، فيضرب مثلاً في صلاة الخاشع قلبه ويقول: “أصبحت الصلاة عادته وسرور قلبه وقرة عينه لا يشعر بثقلها بل بمتعتها. حتى الخشوع يكون عادة بعد المجاهدة الطويلة”.

إنه د. سلمان بن فهد بن عبد الله العودة، رجل دين بارز، ولد في منطقة القصيم بالمملكة العربية السعودية عام 1956، وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراة في السنة النبوية، فعمل كأستاذ جامعي في كلية الشريعة وأصول الدين في بلده، بينما فاقت شهرته كداعية إسلامي، ومقدم برامج تلفزيونية، وكاتب ومفكّر عربي، إذ تربو مؤلفاته على الستين كتاب. لقد خلع د. العودة جلباب الوعظ الذي يحرص كل عالم دين الاتشاح به ما عنّت له فرصة الحديث، فجاء كتابه في نسق سلسل شائق وواسع غطى ما استطاع به من أصعدة الحياة، يحدّث فيه القارئ -لا سيما الشاب- كإنسان ناضج، وبلغة عفوية أبوية دافئة، لا تقرّع بقدر ما تدعو إلى الارتقاء بالذات، من خلال ترسيخ قيم المحاسبة الذاتية وتحمّل المسئولية وصدق الرغبة في التغيير، لا على المستوى الفردي فحسب، بل المجتمعي.

يعرض فهرس الزنزانة ضمن سبع مجموعات، المحتوى كاملاً، تحمل كل مجموعة وسم (هاشتاج) يعبّر عن موضوعاتها التي حملت عناوين لها وقع السحر، يسترسل بها القارئ واحدة تلو الأخرى رغم امتدادها على أربعمئة ونيف صفحة، والوسوم السبعة هي: #السلم_والفخ / #مرايا / #غرف_ونوافذ / #برايا / #ورد_وشوك / #فوق_العادة / #رحلة_عادة. تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 2014 عن (مؤسسة الإسلام اليوم للنشر والإنتاج)، وباقتباسات تخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

يستهل الكاتب، وقد رحبّ بالقارئ كـ “نزيل جديد”، ببعض الأقوال المأثورة عن العادة، يأتي الصيني منها عميق المعنى، إذ يقول: “ازرع فكراً تحصد قولاً .. ازرع قولاً تحصد عملاً .. ازرع عملاً تحصد عادة .. ازرع عادة تحصد طبعاً (خُلقاً) .. ازرع طبعاً تحصد مصيراً”. ومع تكرار العادة، لا بد وأن يكتسب الإنسان مهارة ما، لكنها قد تكون في موضع آخر مجرّد تلقين. يتحدث الكاتب عن أحد المهرة في الضرب على لوحة مفاتيح الحاسوب الآلي دون النظر إليها، فإذا نظر إليها أخطأ. ثم يضرب مثلاً آخر أصعب يقول فيه: “الحفظ عادة، حيث إن كل مقطع أو آية يكون ممهداً عند قراءته للذي بعده دون تفكير، والتكرار يرسّخ ذلك، ولو بقي القارئ يتأمل ويفكر فيما بعد الآية أو المقطع لتردد أو توقف أو ارتبك”. لذا، ليس “قانون التجربة والخطأ” وما قدمته نتائج البحوث على الحيوانات، سوى حصيلة التكرار مرات ومرات، من أجل تثبيت الصواب وتنحية الخطأ. إذ إن “الإنسان بإمكانه أن يتعلم من تجربة واحدة ومن تجارب غيره. مدهش أن يسلك الإنسان نفس الطريق ويتوقع الوصول إلى مكان مختلف”. غير أن التكرار من ناحية أخرى له دور مغاير، إذ مع تكرار معاينة الآلام، تألف النفس العذاب ويقسى القلب! قد تكون تلك القسوة مطلباً عند الجرّاح لتأدية عمله، لكن ما بال النفس تستلذّ الطعام والعين تبصر صور الدمار على محطات التلفاز؟ يقول الكاتب: “اعتياد رؤية القتل والدمار في نشرات الأخبار يجعل المشاهد أقل تفاعلاً وتأثراً، وهذا ما وجدناه في متابعة الانهيارات الخطرة في العراق وسوريا ومصر وبورما وبلاد أخرى”. وقد تصبح العادة سجية، فمن صدقت سريرته تأبى أساريره إلا أن تصطبغ بالصدق. يقول الكاتب عن أحد لا عبي كرة السلة الذي اعتاد التسديد، والذي فشل لما طُلب منه الظهور في مشهد إعلاني يمثّل الخطأ “لأنه تعود أن يصيب”. ثم يقول حكمته: “من تعود على الصواب يصعب عليه فعل الخطأ، ومن جرت سليقته العربية على الفصاحة لا يُمكّنه لسانه من اللحن”، ويؤكد: “جميل أن يصبح الصواب عادة”. وهو يتحدث عن الوقت كاستثمار محتمل، يرى أن قيمة الوقت من النفع تكون صفراً إن ذهب هدراً و “بلا معنى”. فيقول: “الإنجاز من العادات الواعية. حين يخلو وقتك من انجاز يصبح بلا معنى، على أن مفهوم الانجاز يجب أن يتغير، وألا تكون شهرة العمل أو دويه معياراً” ويكمل “أعظم الانجازات تتم بهدوء”. غير أن الكاتب يعود ليؤكد بأن من العادات ما هو قطعاً محمود “حين تكون سُلماً للصعود، كالقراءة والحوار وبناء العلاقات وأداء العبادات والابتسامة ومراقبة الذات وتطويرها”.

وفي حديثه عن القراءة كعادة محمودة، يعتقد الكاتب بأن “الإنسان القارئ هو إنسان مفعم بالحياة”، بل هي العادة التي تمنحه هو شخصياً حياة أخرى ضمن حياته، فيقول محدّثاً عن نفسه: “مازلت أجد الكتاب كنزاً يثير فيّ كل معاني الدهشة والفرح، ويأخذني من عالمي المثقل إلى أفق أرحب وأوسع”. تحتفظ ذاكرة القارئ بما قرأ وإن توهم نسيانه، إذ تسترجعه الذاكرة عند قراءته في موضع آخر، وقد يكون متبوعاً بفهم أكبر. يضرب الكاتب مثلاً سديداً في هذا، فيقول عن نفسه وقد سأل شيخه: “قرأت الكتاب ولم يعلق شيء منه بذاكرتي! مدّ لي تمرة وقال: امضغها. ثم سألني: هل كبرت الآن؟ قلت: لا. قال: ولكن هذه التمرة تقسّمت في جسدك فصارت لحماً وعظماً وعصباً وجلداً وشعراً وظفراً وخلايا”. أما عن عادات القراءة، فيعتقد الكاتب بأن القراءة السريعة تساعد في زيادة حصيلة (عددية) لا (علمية)، إذ يحلو له تشبيهها بـ “الوجبات السريعة” التي “تسبب السمنة ولا تفي بشروط الغذاء الصحي .. لذيذة مشبعة بالدهون، قليلة الفائدة”. لكنه يشبّه القراءة على متن الطائرة أو على سرير النقاهة كـ “استثمار في الزمن والحال”. أما عن عادة استعارة الكتب والإبقاء عليها في الحفظ والصون، وهي عادة بغيضة، ينقل الكاتب عن أحد القرّاء الغاضبين دعاء تركه في طرة كتاب، يقول فيه: “من يسرق كتاباً أو يستعيره ويجحده عسى أن يتحول الكتاب في يده إلى أفعى رقطاء، وعسى أن يصاب بشلل ارتجافي قاهر، وعسى ألا تنقطع آلامه حتى يتحول إلى رمة متفسخة، وأن تعشش الديدان في أحشائه، وعندما يمثل يوم القيامة تلتهمه النار إلى الأبد”.

وهو في حديثه عن عادة القراءة المثمرة، يفرّق الكاتب بين التعليم الإلزامي وبين التعليم الذاتي، إذ يعتقد أنه ليس للمتعلم سوى ما لُقنّ على مقاعد الدراسة حيث ينشأ في جو من الجمود الفكري، أما المثقف فله من سعة الأفق ما يوازي سعة اطلاعه. وهو إذ يفرق بينهما يقول: “للمثقف رؤية ومرونة وسعة اطلاع واستعداد للتأمل في الفكرة الجديدة وإدراك وجه الصواب والخطأ فيها بحياد وهدوء. أما المتعلم فهو درس أموراً ضمن نطاقه الفكري ووفق معلومات محددة تقدم للجميع، وربما كانت سبباً في تصلبه وجموده”. لا يقف الكاتب في نقده للتعليم عند حد التلقين، إذ على الرغم من قضاء الطالب أكثر من نصف وقته مصغياً إلا أن آخر ما يتعلمه هو الإصغاء، كما يعتقد، فيوجه نصحه قائلاً: “فالمطلوب هو الإصغاء النقدي والتفكير المحكم، وليس التلقين وهز الرؤوس”. وإن التمعّن في كل قول إيجابي والإنصات والتفكر في كل حكمة، لهي عادة تقود إلى بناء شخصية راشدة، فـ: “الإصغاء بتفهم هو بداية الحكمة، ويعني قدرة المستمع على تحليل المعاني الواردة في أقوال الآخرين، وكسب ودهم وتخفيف انفعالهم وإشعارهم بالاهتمام”. كما أن الإنصات رديف التفكّر الذي يفوقه كعادة لا يتقنها إلا القليل، فلا يؤتى التفكر أؤكله إلا إذا كان عميقاً، حينها يتيقن الإنسان بأن وراء الأكمة ما وراءها. يقول الكاتب: “التفكر يمنح النفس هدوءً وطمأنينة من داخلها، فلا تهزّها المؤثرات ولا تقلقها الجلبة. ويُربى على مكارم الأخلاق: الحلم والصبر وكظم الغيظ والتجاوز والصفح”. وإن عادة التفكّر لا بد وأن يصحبها قدر من العزلة، تبدو تلقائية أكثر منها اختيارية، فهنالك صفاء النفس الذي يستجمع صفاء الذهن. يقول الكاتب: “حين تكون قادراً على التعامل مع العزلة باختيارك أو بغير اختيارك، بنفس قدرتك على التعامل مع الحشد، فأنت كما قال المتنبي: وحالات الزمان عليك شتى .. وحالك واحد في كل حال”. ثم يقول في حكمة بليغة “الطمأنينة هي جائزة النفوس المتصالحة مع ضمائرها”.

وعندما يخرج الكاتب من أجواء العزلة التي قد تفرض حالة من التسامي عن واقع ليس بالضرورة مثالياً، يصطدم بهذا الواقع الذي يضرب له مثلاً من خلال ضفدع (ماوتسي تونغ). حيث إنه وهو يقبع في بئر ينظر من خلاله إلى السماء، يظنّ أنها بحجم فوهته، فلا يعلم أنه لو صعد نحوها سيتيقن بأن ما يراه لم يكن سوى جزء محدود من أطرافها المترامية. يُسقط الكاتب سلوك هذا الضفدع على بعض بني البشر، فيقول: “يتعمد المرتزق بقلمه ولسانه أن يرى الأشياء كما يراها سيده، ومن زاوية واحدة، أو من لا زاوية. المهم أن يستمر النقيق”. وعن سقوط أسماء كانت تُعد أعلاماً عربية، يقول في خيبة: “العالم يدرّس أدباً يحكي آلام البائسين، والعرب يدرّسون كتباً تمجد الظالمين”. لم يكن عرب التاريخ بأفضل حال من عرب اليوم، حيث ساد العهد الفاطمي قيم الانتهازية كرمز للذكاء. يقول أحد شعراءه في الزلزال الذي أصاب وباله البلاد والعباد مخاطباً واليهم: “ما زُلزلت مصر من كيد ألم بها .. لكنها رقصت من عدلكم طربا”. ومع وضع يسوده الكبت والتملّق والارتزاق في ظل استبداد الطغاة، يعتقد الكاتب أن من أشد أشكال التجهيل .. (المقدّس)! كيف لا وقد تم إقفال باب الاجتهاد الفقهي منذ القرن الرابع الهجري في تزامن مع ضعف الخلافة العباسية، حتى تردى حال الأمة في ظلمات التقليد والتبعية للسلف الذين لو عادوا لأنكروا على أهلها تحجير عقولهم! يعزف الكاتب على الوتر الحسّاس قائلاً: “تقليد الماضي مثل تقليد المجتمع، مذموم (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ). والإسلام يكرّس مبدأ الحرية الفردية واحترام العقل الذي تعاني مجتمعاتنا من تهميشه لمصلحة الجماعة، فترفض المبادرات الإصلاحية بحجة عدم ملاءمتها للمجتمع أو مخالفتها للرأي العام. كثيرون يميلون إلى بقاء ما كان على ما كان، والاكتفاء بما عليه الحال دون سعي للنقد أو التفكير (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)”.

يقود هكذا حديث ذو شجن الكاتب، نحو الحديث بشكل أكثر صراحة عن الثقافة العربية. فبينما يعني علم الأنثروبولوجيا بالفروقات بين البشر، عرقياً وثقافياً وعقائدياً واجتماعياً وجغرافياً، يعرض الكاتب وصف عمرو بن العاص لقوم الروم، بأن “فيهم لخمس خصال. إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرّة بعد فرّة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وأمنعهم من ظلم الملوك”، فيُثني على قراءة بن العاص الماهرة لعاداتهم وطبائعهم. ثم يستطرد في قول قد يكون فاضحاً عن واقع عرب اليوم، وهم لا يملكون أمامه حيلة سوى تمجيد ماضيهم مقابل تسيّد الحضارة الغربية، فيقول: “في مجتمعاتنا نعقد المقارنة لنبيّن تفوقنا، ونقارن أسوأ ما عندهم بأحسن ما عندنا، أو نجعل واقعهم الحالي في كفة وتاريخنا المجيد في الكفة الأخرى. قد تكون المقارنة نتيجة زيارة عابرة لسياحة أو تجارة لم يكتشف الإنسان فيها الكثير، وقد نحتمي بالشريعة وكأن كل ما لدينا هو شرعي وكل ما لدى الآخر هو منكر”. وهنا قد يتبادر سؤال عن أصل هذا النوع من ردود الأفعال! هل هي مروءة العربي أم أنها عقدة نقص؟ يجيب الكاتب من وجهة نظره وهو يحلل شخصية الإنسان العربي الحالي، فيقول منتقداً: “يميل العقل العربي إلى حكاية أكاذيب وتوهمات وإخفاء الحقيقة حفاظاً على (الوجه)، لذا لا يقرّ بالهزيمة ولا يحسن الاعتذار! يستخدم (الفهلوة) للتكيف لفظياً مع الخطأ وتسليك الأمور”.

ومن هنا، يجعل الكاتب للمرأة العربية نصيباً سخيّاً في كتابه، وهو يصرّح ابتداءً أن للمرأة عقلاً قد يفوق المذكّر من العقول، كما أن للرجل عاطفة لا يجب أن تُعيبه بتاتاً. يتمنى الكاتب أمنية فيقول: “ليت السائلين يرفعون الهم إلى ما فوق الحاجب ويسألون عن تهذيب العقول وعاداتها الابداعية، ليؤكدوا أن للمرأة عقلاً وقد تفوق به إحداهن العديد من الرجال. وليتهم ينزلون من شعر اللحية إلى ما تحته فيسألون عن رقة القلوب وصفائها وإيمانها وأخلاقها، ليؤكدوا أن للرجل قلباً وعاطفة”. يشهد الكاتب كـ (شاهد من أهله) على شيطنة بعض بني جنسه في قتل إناثهم، بشبهة علاقة حب أو رفض ارتداء الحجاب، تصل في أقرب تقدير إلى عشرين ألف ضحية سنوياً تُدرج تحت جرائم الشرف. يقول الكاتب في نص واقعي قاسٍ: “الوسائل صادمة تتراوح بين قطع الرؤوس والحرق والطعن بالسكاكين والخناجر والصعق بالكهرباء ودفن البنت وهي حية، ورمي الأحماض على جسدها ووجهها”. ثم وكأنه يصبّ فوق ذلك الوجه الملتهب ملحاً، فيقول: “القوانين في عدد من الدول العربية تخفضّ عقوبة الجاني، وكأنها تعمل لصالح العائلة ضد الضحية”. ومع هذا الاستبداد، يُصبح الطلاق نعمة تصرّ عليها المرأة العربية، خلافاً لفطرتها في الاستقرار لا سيما العائلي. يضرب الكاتب في هذا مثلاً من قعر بيوتنا المسلمة فيقول: “الطلاق صار أول الحلول وليس آخرها. وفي موريتانيا يصبح للمطلقة مزية، والمرأة كثيراً ما تهجر بيت الزوجية وتطلب الطلاق”. لا يتورع الكاتب عن مقارعة أولي الحجج الواهية في تبخيس مكانة المرأة بحجج تعزز مكانتها دينياً وأخلاقياً وإنسانياً، فيوجع ويؤدب وهو يحدّث أحدهم: “قال لي: كلما تخيلت صور بائعات الهوى نفرت من الإناث. أجبته: كلما تذكرت أن بناتي الأربع ينتمين إلى الجنس نفسه الذي تنتمي إليه مريم ابنة عمران وآسيا امرأة فرعون وخديجة وفاطمة وعائشة شعرت بالفخر، وأحسست بجميل النعمة، وقرأت سرّ التكريم، وشاهدت طرفاً من لطيف الحكمة”. ثم يختم متعجباً ازدواجيته “يحترم الأم ويهين الزوجة”. ويذكرّه بالحقيقية التي تبدو له صادمة “أمك زوجة رجل آخر، وزوجتك أم رجل آخر”. وفي زاوية أخرى من زوايا مجتمعاتنا، يفرّق الكاتب أخلاقياً بين (الامبراطورية) و (الأريحية) و (المصلحية)، فيمارس المبتلى بها الأولى مع الزوجة، والثانية مع الأصدقاء، والثالثة مع زملاء العمل. لقد التقى الكاتب شخصياً بنموذج يسكب الشراب على ثوبه ويلطّخه بالحلوى ولا يكف عن الصراخ وهو في قعر داره، أما خارجه “فهو مرتبط بمجموعة تسهر في الاستراحة أحياناً وتناقش قضايا الإصلاح ومشكلات الواقع، وتسافر إلى الصحراء للتخييم، حيث يبدو هذا الصديق فعّالاً خدوماً، ينصب الخيام ويعد الطعام”. إنه في كلمة قصيرة: “محل الرضا في دائرته الوظيفية لخفة دمه وعدم تدخله فيما لا يعنيه وقيامه بواجبه”.

وفي لغة إيجابية، ينتقل الكاتب ليتحدث عن الحياة ككل وعن نظرة الإنسان إليها، فيستخدم (الملفوف) في تشبيه بليغ قائلاً: “وجدت تفاصيل الحياة مثل ثمرة الملفوف، منا من يقطع ورق الملفوف ويأكله ويستمتع به أو يستخدمه في صناعة وجبة، ومنا من يقطع الورق ويرميه لأنه يريد أن يحصل على اللب. الباحثون عن اللب لن يجدوا شيئاً، لقد زهدوا في ورق الملفوف بحثاً عمّا هو أثمن في نظرهم، ثم اكتشفوا بعد فوات الأوان ألا شيء أثمن من ذلك الورق، وأن هذه الثمرة ليس لها لب، وإن شئت فقل: كلها لب”. وفي هذه الحياة، تتسامى قيمة الإنسان من خلال عباداته لربه ومناجاته. كيف لا وقد خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته؟ يستطرد الكاتب في هذا المعنى فيقول: “عبودية الإنسان لربه وذله بين يديه تمنحه سمواً وارتفاعاً لهامته واعتزازاً بذاته، دون كبر أو تعاظم”. وعن الصلاة، حيث جُعلت قرة الأعين، لا حاجة للبحث هنا وهناك عمّا يستحضر الخشوع ويتمم الركوع والسجود، إنما ذلك عمل القلب، فيؤكد الكاتب قائلاً بأن “لصلاتك وقراءتك في كل مرة معنى جديداً. لا حاجة لتكرار السؤال عن كيفية التدبر أو الخشوع في الصلاة. لا يتطلب الأمر أكثر من فعل الحضور القلبي أو محاولة ذلك دون ملل وستنجح في النهاية (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)”. وعن الصيام والنور المتدفق مع استهلال هلال شهره العظيم، يتفاضل الصائمين بين اغتنام نفحاته وبين التهافت على ما تعرضه الشاشات من غثّ وسمين. يأسى الكاتب لهكذا عادة، فيقول: “يأتي رمضان بروحانياته العالية وعاداته الجميلة في كل بلد إسلامي، ومعه عادة راسخة لا تتوافق مع سموه وتألقه! أن تزدحم الشاشات والأوقات بأعمال درامية محلية وعربية، منها التاريخي ومنها الاجتماعي. بعضها يجترأ على تجاوز المحرّم الاجتماعي ما لا يجترئ على الاقتراب من المحرّم السياسي، ويعاني فراغاً من البعد القيمي والحضاري”.

وقبل الختام، تأتي بعض كلمات الكاتب التي خطّها بيديه مدعاة للانتباه، يبدو فيها وكأنه يستشرف عرضاً ما قادماً من المستقبل، حيث قال في خواطره عن الاحتلال الإسرائيلي: “الاحتلال يرمي صديقي في السجن، فيجعل المسافة بينه وبين غرفة معيشته تقاس بالسنوات وبأعمار أبنائه وبناته الذين سيأتون له بأحفاد لن يراهم”. وفي خواطره عن يوسف الصديق في سجنه يقول قولاً قد يكاد يشبهه في محنته: “عزلة فيها كمال الاتصال”.

ختاماً، وفي لغة عاشق صوفي، يصدح الكاتب قائلاً: “الحب أساس كل خير، وأساس الحب حب الله، وهو شعور مقدس ومقدم على الخوف وعلى الرجاء. هو رأس الإيمان ولسان الميزان”.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 3 أغسطس 2022 – صفحة (10) جزء1:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/08/5163.pdf

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 4 أغسطس 2022 – صفحة (10) جزء2:

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/08/5164.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ الحب أحسن دواء

المؤلف/ د. عادل صادق

دار النشر/ دار الصحوة للنشر والتوزيع

الطبعة/ 2 – 2015

الانسجام بين المكونات الإنسانية الثلاث: الروح-النفس-الجسد

 

 

ليس الحب مادة العشّاق أو الشعراء أو المتصوفة فقط، إنما مادة الأطباء كذلك! هكذا يؤكد مؤلف الكتاب، وهو من أهل الاختصاص، إذ لا يجد أي غرابة في تناول الطب قيمة الحب كمادة للدراسة أو كوصفة علاج، لما للحب من علاقة وثيقة بصحة الإنسان العامة التي لا تعني وحسب الخلو من الأمراض، بل السعادة والأمن النفسي .. وإن الحب هو المسبب الرئيسي لهما. يقول ابتداءً: “هذا كتاب طبي. إذاً ليس غريباً أن يكون موضوعه عن الحب، فالعلاقة وثيقة بين الصحة والحب. فالصحة ليست الخلو من المرض، ولكن الصحة هي السعادة والأمن النفسي، والمصدر الأساسي للسعادة هو الحب، والمصدر الأساسي للأمن النفسي هو الحب، وتلك غاية الإنسان من الحياة: السعادة والأمن النفسي”.

وفي سبيل الحب يأتي هذا الكتاب، كمرشد، ولمن أراد الانسجام والتوازن والتكامل في مكوناته الإنسانية الثلاث: (الروح، النفس، الجسد). والكتاب إن كان يتحدث بلغة العلم يبدو شاعرياً، فالمؤلف إذ يشخّص المرض العضوي والنفسي، يصف الحب كعلاج من رؤيته كطبيب إنسان، في أسلوب سهل ممتنع لا يخفى عليه. فهو يستهل حديثه عن صلة الحب بالصحة، لينتقل مباشرة إلى أهمية حب الروح وإلى وصف قلوب لا تعرف الحب، وعن علاقة بعض العلل الجسدية والنفسية بالحب أو بغياب الحب، كالمرض العقلي، والاكتئاب عند الأطفال والبالغين، وفقد شريك الحياة، وطغيان المشاعر السطحية، وعشق الذات النرجسي. كذلك، يشرح كيف للحب أن يعمل في بناء البيوت أو في خرابها، وما إذا كان الحب يأتي قبل أو مع أو بعد الزواج، وعن تفاوت المستوى العلمي أو المادي أو الاجتماعي بين الحبيبين، كيف يؤثر. رغم ذلك، لا يتورع المؤلف عن إدانة الحب، فهناك الحب الخانق، والحب الصامت، والحب العنيف، وهناك كذلك رهاب الحب .. وقد قيل: ومن الحب ما قتل!.

إنه إذاً د. عادل صادق (1943 : 2004). تعلّم وتخرج في كلية الطب عام 1966 نزولاً على رغبة والده، رغم ميله نحو الأدب والفن الموسيقى، ثم حصل على درجة الدكتوراة في الأمراض العصبية والنفسية عام 1973، وعمل أستاذاً للطب النفسي والأعصاب بكلية طب عين شمس. شغل مناصب أخرى منها رئيس تحرير مجلة الجديد في الطب النفسي، وأمين عام اتحاد الأطباء النفسيين العرب، وافتتح عام 2000 مستشفى يحمل اسمه لعلاج الإدمان والأمراض النفسية لا يزال يحظى بشهرة واسعة على امتداد الشرق الأوسط. عُرف بالنبوغ منذ صغره وبدماثة الأخلاق وإخلاصه للعمل وسعيه الحثيث نحو رفع وعي المجتمع بالمرض النفسي وسبل علاجه، وذلك من خلال مؤلفاته وأبحاثه التي تجاوزت الثلاثين إصدار، والتي أهلّته عام 1990 للحصول على جائزة الدولة في تبسيط العلوم.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثانية للكتاب والصادرة عام 2015 عن دار الصحوة للنشر والتوزيع، وهي تقتطف من براعم الحب كوصفة طبية، وتقتبس ما يخدم النص منه (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

يصبح الإنسان وقد امتلك الناصيتين (البصر والبصيرة) حينما يكتمل شعوره بذاته. عندها تتجلى له البانوراما الكونية على اتساعها، ويتعمق فهمه، وينعم بالصفاء والتواصل والانسجام. يدعو د. صادق للتمعن، فنحن نطالع أناساً ينعمون بالسعادة رغم قصورهم الصحي! ليس المرض هو المعوّق، بل التفسخ الإنساني الذي يشطر الجسد عن النفس وعن الروح. وقد نطالع أناساً ذوي طلعة بهية، ولكنهم قبيحي النفس والسريرة، ومنهم الطغاة والعتاة، ومنهم الانتهازيون والطماعون. هنا ينصح د. صادق بتحاشيهم، فهم يمتلكون قلوباً لا تعرف الحب .. كالحجارة أو أشد قسوة! وعلى هذا ربطت الأديان السماوية بين القلب والحب .. بين القلب والرحمة. يلفت الانتباه من ناحية أخرى إلى طبيعة الحب العلائقية، فكما أن “الحب والنرجسية لا يجتمعان” فإن الحب والعطاء متلازمان. ففي حالة الحب “يفيض حبك على الآخرين، فتصبح أكثر تسامحاً وتساهلاً وقرباً، وتلك من علامات النضج المؤكدة والثقة بالنفس والتوازن النفسي وسلامة الخلق ورسوخ المبادئ .. وتلك درجة عالية من درجات السمو إن لم تكن أعلاها”. وإن الحب لقطعة من العذاب إن لم يُتوّج بالزواج، وهو تعس إن فقد الحب! يعزف د. صادق في لحن شاعري أنشودة الحب الذي يتوّج برباط مقدّس: “ولا زواج بدون حب ولا حب بدون زواج، رغم أن هناك زواجاً بلا حب وهناك حب بلا زواج، ولكن زواج بلا حب هو تعاسة، وحب بلا زواج هو عذاب، فالأصل في الحب أن يكونا معاً .. ولن يكونا معاً إلا إذا تزوجا وكان لهما بيت له أبواب وشبابيك من الممكن إحكام غلقها”.

يصبح كالريشة في مهب الريح، خائناً لذاته، منكراً لإنسانيته .. من لا يحب وطنه! ومن لا يحب أبنائه فهو أصلاً لا يعرف الحب، أو كما يقول د. صادق: “من لا يحب ابنه أو ابنته فهو لا يحب نفسه”. وعند هذا الحد، وفي قول آخر صادم وقاسٍ، يشير بإصبع الاتهام إلى عقوق الآباء لفلذات أبنائهم كذنب لا يُغفر، والذي يوصم حياتهم منذ الصغر بعاهة مستديمة لا تبرأ. يقول: “إن غياب الحب والنبذ والإهمال والغلظة في المعاملة يؤثر على نمو الطفل، حيث يعطل هورمونات النمو فيصير الطفل قزماً. وهناك تشخيص في الطب تحت مسمى (القزم العاطفي)، وهذا يوضح بجلاء العلاقة بين الحب وفسيولوجيا الجسم”. وهنا تبرز أهمية الحب كعاطفة تعزز من بناء القالب المادي للإنسان، إذ “إن نمو الجسم وقوته ونضارته وحيويته لا تعتمد فقط على الغذاء المادي وإنما تعتمد أيضاً على الغذاء العاطفي، أي على الحب الذي يحظى به الإنسان من الآخرين ويحقق له الاشباع والتوازن البيولوجي مثلما يحقق له التوازن النفسي”. وعند التطرق إلى الأديان في موضوع الحب والارتباط وما قبله وما بعده، يعرض د. صادق صورة أشد قسوة لواقع بعض المجتمعات، ممن تكاد أن تحرّم الحب، فإن أباحته فتعقد عليه برباط لا ينفك حتى الموت. يقول: “بعض الأديان تسمح بالطلاق، والبعض الآخر لا يسمح .. بعض المجتمعات تحرّم الحب ذاته قبل الزواج، بل لا تسمح بمشاهدة الرجل للمرأة إلا في ليلة الزفاف .. بعض المجتمعات تتسامح في مسألة عذرية الفتاة، وفي بعض المجتمعات الأخرى تكون عقوبة الفتاة غير العذراء القتل أو الطلاق منذ الليلة الأولى”. يستمر ليحدد صنفاً من الرجال يميل بطبيعته نحو المرأة القوية ذات الشخصية الاستقلالية، فيسعى للانطواء تحت لوائها، حيث هي تخطط وتأمر وهو يسمع ويطيع، وكم يرضيه أن يكون “زوج فلانة المعروفة” ينعم في كنفها بالراحة والاستقرار، على الرغم من أن العكس يبدو أكثر طبيعياً، فالرجل “هو الذي في المقدمة، وأنه يرفض أن يكون تابعاً هامشياً”. يفسّر المحللون النفسيون من أصحاب المدرسة الفرويدية “أن هذا الرجل الذي يسعى للزواج من امرأة قوية مسيطرة ويسمح لها بل هو يدفعها للتحكم فيه، إنما هو يعاني من عقدة الإخصاء، وهي، أن المرأة، قد تم عقابها بإزالة الأعضاء التناسلية التي كانت عندها مثل الرجل. ولهذا فهو يبحث لا شعورياً عن امرأة تتميز بصفات الرجال وهي السادية والقوة والسيطرة، وبذلك يتصور لا شعورياً أيضاً أنه لم يتم إخصاؤها وأنها تتمتع بأعضاء تناسلية ذكرية مثل الرجال”. أما د. صادق، فيعزو هذه التبعية إلى (عقدة أوديب)، إذ أن ارتباط الابن بأمه قد يستمر بعد الزواج، حين يرى في زوجته امتداداً لأمه. وهنالك من الأشخاص من يُقدّم خطوة نحو الحب ليتراجع بخطوات! إن هذا الشخص يستمر في تردده حتى يتخلف عن ركب الزواج، ويعتاد الوحدة، ثم يُصبح من الصعب مشاركة أحدهم الحياة. إنها ليست عدم القدرة على الزواج في حد ذاته، إنما هي كما يقول: “عدم القدرة على المشاركة .. عدم القدرة على أن يعيش حياة إنسان آخر، وأن يدع الآخر يعيش حياته .. عدم القدرة على أن يتيح للطرف الآخر مساحة أكبر من نفسه ومن داخله ومن الاقتراب من محيطه الخاص جداً”. وليس رفض الزواج كالخوف منه، فالرفض إنما إحجام عن الزواج لعدم الرغبة، أما الخوف فهو وضع يتطلب الخضوع لعلاج نفسي من أجل التعرّف على الأسباب الدفينة خلف الهروب من الحب أو -بتعبير أدق- الهروب من الزواج، حيث ينطوي على حياة دائمة مع شخص تحت سقف واحد في وثاق يصعب التحلل منه. فلا تبدو المشكلة هنا عاطفية ولا جنسية، بل مشكلة الارتباط في حد ذاته وما يتبعه من التزامات وحقوق وواجبات.

يسلّط د. صادق ضوء ساطع على جانب مظلم من الحياة يتسلّط فيه فئة من البشر لم يعرفوا الحب قط! يقول: “وإذا نظرنا حولنا سنجد أن هذا العالم يحكمه في بعض أركانه أناس تبلدوا وجدانياً وغير قادرين على الحب، أي إما فصاميون أو سيكوباتيون. وهؤلاء هم الذين يشعلون الحروب ويأمرون بالقتل الجماعي، ولا يتورعون عن ذبح النساء والأطفال والشيوخ ودفنهم في مقابر جماعية”. إن هؤلاء لا يحملون مبدأ ولا يدافعون عن حق ولا يذودون عن وطن، بل معتدون ذوي نوازع إجرامية! يستطرد ليطرح اقتراحاً سديداً، يطبق إحكامه على من تسوّل له نفسه أن يحكم، فيتساءل: “فهل ينادي الأطباء النفسيون من خلال الأمم المتحدة بضرورة إجراء فحص طبي نفسي لحكام العالم، حتى لا تتعرض البشرية للحروب والمجازر؟”. ومن أشكال اضطراب التفكير، الفصام. فمريض الفصام هو من تسيطر عليه أفكاراً خاطئة يعتنقها كعقيدة راسخة، بحيث لا تشفع جميع الأدلة الدامغة في إدانتها عنده، يعرّفها د. صادق بقوله: “تسمى هذه الأفكار الضالة بالضلالات أو الهزاءات، مثل أن يعتقد أنه مراقب مضطهد أو أن هناك أيادي خفية تعبث بأفكاره أو تعبث بجسده”. ثم يضرب مثلاً آخر فيقول: “ودراسات أخرى أجريت على بنات الليل أو الهوى أو من يسميّن بالمومسات. هذه الدراسات أثبتت أيضاً أنهن يعانين من التبلد الوجداني! لا توجد امرأة تبيع جسدها مقابل المال إلا إذا كانت معطلة العواطف .. حالة أقرب إلى مرض الفصام”. غير أن الحب الصادق قادر على تطهير النفس وتهذيب السلوك وزرع قيم الأمانة والصدق والإخلاص .. فهو هو بالفعل صانع المعجزات. ثم يعرض رأياً أكثر عمقاً في مسألة العلاقة الحميمية، فيقول: “وأي جنس له مقابل مادي ليس جنساً، وأي جنس يحقق استمتاعاً لطرف واحد ليس جنساً. الجنس ليس فيه بيع وشراء، وليس فيه أنانية واستئثار، بل فيه إثارة، أي أن كل طرف يجتهد في أن يسعد الآخر، ويسعد بسعادة الآخر .. يسعد بأنه استطاع أن يسعد الآخر. في الجنس السوي ينشغل كل طرف بالآخر ولا ينشغل بنفسه، أي يركز على الطرف الآخر، ويسأل نفسه في النهاية: هل أسعدته؟ هل أرضيته؟”. لذا، فهو يضيف إلى متعة الحب التي تستشعرها الحواس كوسيلة نقل طبيعية للمتع الحسية المادية، التبادل الوجداني الذي يفوق المتع الحسية والذي لا يعوقه فقدان أي حاسة! فالعين تكفي لنيل الارتواء الروحي والرضا القلبي، والأذن تستثير كل مسامات السعادة الكامنة، حتى “تصدق العبارة التي تقول: الأذن ترى والعين تسمع” .. ففي هذا التبادل الوجداني تختلط كل الحواس، السمع والبصر واللمس والتنفس، وتعبر كل الحواجز، حتى يصبح المحبوب متغلغلاً في وجدان حبيبه.

وقد يكون الحب قدر، وقد يكون هبة، وقد يكون نعمة، وقد يكون سر مبهم. يكشف د. صادق عن بعض مكنونان النفس ويقول: “أنت تحب إنساناً آخر بروحك لأسباب ما لا تعرفها، شيء ما كالقوى المغناطيسية، فتصبح أسيراً وتسير طائعاً ومتقبلاً وراضياً”. إن الحب معرفة قلبية، يشعر بها التقاة والمتصوفون والعاشقون والعابدون .. إنها في هذه المنطقة، بين العنق والصدر والبطن، ومن هناك أيضاً يشعر الإنسان بالحزن. ففي تعبير شجي عن انكسار النفس، وما تعبّر به الأعين، يقول د. صادق: “الدموع هي دماء عبرت القلب فتطهرت وتشبعت بالحزن فطفرت من العيون في لحظة ألم حاد”. وإن هذا الشجن قد لا يحدّه حد ليخفت إن كان سببه الوجد، حين تصعد روح أحدهما إلى بارئها فيوّد الآخر اللحاق بها ولا يستطيع، فيحيا حياة الموات. “ولذا يموت الإنسان معنوياً بعد رحيل شريك حياته، وتفقد الحياة كل معنى لها. إن الموت المعنوي يسبق الموت الجسدي، والموت المعنوي معناه عدم التفاعل مع الحياة .. توقف المشاعر والتفكير .. الزهد المطلق”. يفقد كل شيء بعد ذلك لونه وطعمه، ويتوقف الزمن، ويفنى الكون في العدم، ويكون الجسد آخر من يفنى بعد أن يفقد كل مقومات الوجود والاستمرار. إن الحب هو سر إلهي، سر الوجود، وأصل الحياة، ولولاه لما اقترب رجل وامرأة إلا كما يقترب الحيوانات .. إنه الحب الروحي، هنا “الميل فطري وطبيعي، ويبدأ بالروح ثم النفس”. يكمل د. صادق تعريفه لهذا السر الذي التبس بالحب: “وهذا النوع من الحب، أي حب الرجل والمرأة، هو حلقة من ضمن حلقات دائرة التواصل الإنساني، تبدأ بالحب الإلهي وتكتمل بأشكال الحب الأخرى التي تشكل المعنى الحقيقي للإنسان وارتباطاته الأزلية والحيوية، وهي حب الوطن وحب الوالدين وحب الأبناء وحب امرأة ورجل”. لا يكتفِ بهذا السمو من القول، بل يغدق على الحب معانٍ جليلة مستمدة من الخالق نحو المخلوق، فيقول في نبرة صوفية: “أما الحب فهو أعلى لذة معنوية، أسمى شعور إنساني، أبهى صورة جمالية للإنسان، والحب هو الفيض الإلهي، المنحة الربانية، النعمة الكبرى، النور السماوي” إنه منحة وإنه كرمى، و “إنه التفضيل الحقيقي للبشر عن سائر المخلوقات”. وهنا مكمن السر! “إذن، الروح هي المدد الإلهي الذي يحب فيحرّك النفس البشرية صوب إنسان بعينه .. إنسان بذاته”. ومع هذا الفيض من نعمة الحب المعطاء، يقرّ د. صادق بأن أسمى أنواع الحب هو حب الله .. الله محبة، نشعر به في قلوبنا قبل عقولنا، لهذا نحن نستقبل الإيمان بالوجدان السليم، فلا ثقة بمن لا يؤمن بالله، فالكافر دائماً غليظ القلب، ولا يؤتمن. هكذا يقول وهو يفرّق بين حب خالص وبين آخر مغرض: “الله محبة .. الله نشعر به في قلوبنا مثلما نشعر به في عقولنا، والقلب يسبق العقل في اللقاء مع الله. فطرة الإنسان السوية ووجدانه السليم يتعرف على وجود الله قبل أن يجتهد العقل .. إننا نستقبل الإيمان بقلوبنا، ولهذا فالكافر غليظ القلب لا أمان له .. لا تثق بإنسان لا يؤمن بوجود الله”.

يختم د. عادل صادق كتابه الدافئ بكلمات من ذهب عن الحب كترياق للحياة، فيوصي بلسان الخبير قائلاً: “إذا أردت أن تعيد إنساناً للحياة فضع في طريقه إنساناً يحبه .. إنساناً يؤمن به .. العقاقير وحدها لا تكفي .. العقاقير حين تكون مغموسة في الحب تصبح أكثر فاعلية” .. وبالقول الذي جاء مأثوراً عنه: “تقاربوا تحابوا .. وتحابوا تصحوا” .. رحمه الله.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 11 أغسطس 2022 – صفحة (10) جزء1:

الرابط

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 14 أغسطس 2022 – صفحة (10) جزء2:

الرابط

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ شارع الرشيد

المؤلف/ باسم عبدالحميد حمودي

دار النشر/ الدار العربية للموسوعات

الطبعة/ 1 – 2004

شارع الرشيد وأجواء عبقة بذكريات الماضي

 

 

كتاب توثيقي حميم يحتضن بدفء ذكريات من التراث الشعبي العراقي، والذي يُعد (شارع الرشيد) خير شاهد على ما تكتنزه تلك الذكريات من حضارة ومعمار وحِرف وأحياء وأزقة وأحداث وأسماء وأعلام، ترسم الثقافة العراقية في أبسط صورها وأعرقها على الإطلاق، ماضياً وحاضراً. يتفرّد هذا الشارع كأحد أبرز المعالم الحيوية في العاصمة بغداد، بعراقة أخرى، حيث يرتبط به الفرد العراقي وجدانياً وقد شهد في ساحاته أحداثاً سياسية واقتصادية واجتماعية، مع ما اعترك فيه من مآسي، وما ازدان به من مسرّات، شكّل في مجمله تاريخ يعدّه مدعاة للفخر. يتحدث الكتاب عن نشأة الشارع وأسماءه وأسواقه ومشاريعه ومراحل تطوره والأحداث التي جرت عليه، ويتطرق إلى سرد عدد من روّاد هذا الشارع من أدباء وسياسيين وأطباء ومهندسين وغيرهم، بالإضافة إلى استعراض جانب من التراث الأدبي الذي احتفى بالشارع نثراً وشعراً، أو كان شاهد عيان على الكثير من الأحداث التي وقعت بين جنباته آنذاك.

يؤلف الكتاب الأديب والمعلم الراحل باسم عبد الحميد حمودي (1907 : 2018)، والذي تذكر شبكة المعلومات بأنه كان في حد ذاته كنزاً من الإرث التربوي والادبي والفكري الذي يزخر بدوره بثروة من الذكريات والصور ما يجعل منها تاريخ آخر.

هنا، يجتمع حب عدد من الأدباء العراقيين في تسطير مقالات هذا الكتاب، وهي مقالات حملت عبقاً من الماضي التليد ابتداءً من الخلافة العباسية حتى مجريات التاريخ في الماضي القريب، مع معرض للصور في ختامه. فعلى سبيل المثال، يرسم المؤلف (صورة ناطقة للعراق المعاصر) كأولى مقالات الكتاب، يليه أسامة ناصر النقشبندي وهو يخصص مقالته لـ (اطلالة تاريخية على شارع الرشيد)، بينما يسلّط عزيز الحجية الضوء على (بعض المعالم الترفيهية في شارع الرشيد قديماً) في مقالته، وفخري حميد القصّاب على (الأسواق التراثية المطلّة على شارع الرشيد). يعود المؤلف ليتناول الشارع بالنقد الأدبي من خلال مقالة (شارع الرشيد في الرواية العراقية)، بينما يتناول عبدالكريم عناد الحارس الليلي فيه، ووحيد الشاهري سينماته، وجودت عبدالمجيد العمري تعبيده وترصيفه.

قد يجد من عاش على أرض العراق وفي شارع الرشيد تحديداً هذا الكتاب، بمثابة فرصة لاسترجاع ذكرى ماضٍ أصيل عاصر أحداثه أو سمع حكاياته من أجداده، بينما من لم يحظَ بطيب العيش في الرشيد، يجده بمثابة اضافة ثرية لحصيلة معلوماته. لذا، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 2014 عن الدار العربية للموسوعات، وهي تنثر شذرات من الذكرى التي أحياها، لمن عاش هناك ولمن لم يعش، وتقتبس منه بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

لا يسير (شارع الرشيد) على طريق مستقيم، بل إنه منحرفاً، ولانحرافه سر يكشفه صادق الأزدي إذ يقول: “ومع أن ذلك المهندس يعرف أن الخط المستقيم هو أقصر الخطوط بين نقطتين، إلا انه جعل شارع الرشيد غير مستقيم، ليس لأن العمارات العالية كانت تقوم على جزء كان الشارع سيمر بها وإنما لسبب آخر .. أن العوائل البغدادية المتنفذة تدخلت لحرف الشارع حتى تطل دورها عليه، أو لأنها حريصة على دورها الحسنة البناء والمتوارثة عن الآباء وربما الأجداد، وهكذا لم يأت شارع الرشيد مستقيماً كما ينبغي”. أما (سوق الشورجة) العتيق الذي يعود تأسيسه إلى أواخر العصر العباسي ويطلّ على شارع الرشيد، فله عالم “غريب” على حد تعبير المؤلف الذي تابع فقال: “تشدك نكهة توابله إلى سحر الشرق، وتجذبك ألوان شموعه الزاهية إلى عراقة الماضي المتجذر في نفوس العراقيين، وتعيد إليك رائحة صوابينه رائحة تراث بغداد الذي يربض هذا السوق في عمق شرايينها”. يطل على شارع الرشيد كذلك (جامع الحيدرخانة) الذي شُيّد في العصر العباسي أيضاً، وخضع للتجديد في العهد العثماني، والذي “شهد صفحات مشرقة من أيام بغداد المعاصرة حيث كان مركزاً لثورة العشرين، يلتقي فيه الخطباء والشعراء ليثيروا حماس جماهير بغداد من أجل الثورة”. ومع المتابعة سيراً إلى الجانب الأيسر من الشارع، وعبور ساحة الميدان ومن بعدها باب الأغا الذي كان مقرّاً رسمياً لإقامة آغا بغداد أو الرئيس القائم بأعمال المحلّة، وتخطيّ جامع مرجان الأثري الفخم، يتم الوصول إلى شارع الكنائس أو (عكد النصارى)، والذي فيه “تكـثر الكنائس، ومنـها كنيسـة اللاتين، حيث مقر الأديب الأب انسـتـاس مـاري الكرملي، وهـذه المناطق قديمة، ويذكر التأريخ ان للنصارى حالياً وفـي الزمن العباسي احتراما خاصاً، وكان للرهبان والقساوسة باب خـاص للدخول على الخليفة العباسي. واعتاد أهل بغداد تقديم التهاني في أعياد الميلاد ورأس السنة، ويقرعون الطبول، والعراقيون يحبون المهرجانات”. وبالإضافة إلى طراز (الركوكو) الذي كان يشكّل الطابع العام لعمارة شارع الرشيد والذي يأتي عادة مطعّم بالزخارف الإسلامية، هنالك أيضاً (الشناشيل) التي تقف شاخصة تحكي عراقة الفن المعماري السائد آنذاك، وتحاكي الهوية العراقية التي تميّزت بها مدن العراق وأحيائها وأزقتها وبيوتها القديمة، فـ “الشناشيل عبارة عن شبابيك الطابق الأول المطلّة على الزقاق وتكون معظم هذه الشناشيل بارزة على الخارج ومحمولة على روافع خشبية ومزوّقة بمسامير كبيرة نصف كروية تُسمى (جرصونات)”، وقد كانت هذه الشناشيل المنفذ الوحيد للنساء القابعات في الدار للنظر خارجه. واضافة إلى ما للكلمة من جرس موسيقي أنثوي، فقد اتخذها الفنانون مادة ثرية لإبداعاتهم، كما في قصيدة (شناشيل ابنة الجلبي) للشاعر بدر شاكر السيّاب، والمنحوتات الفنية واللوحات التشكيلية والصور الفوتوغرافية، فضلاً عن الأعمال الأدبية والروائية التي زخرت بها كتراث أصيل باقٍ. أما ملحق الصور الذي عرض ماضي الشارع في لونين لا ثالث لهما، فقد جاء أكثر شجناً، ما بين الحياة التي كانت تنهض في مرافقها، والمارّة الذين التقطتهم العدسات وما ظنّوا حينها أنهم سيصبحون جزءاً من تراث حضاري يُشاد به. فمن الثلاثينات، هناك صورة تبدو فيها منطقة الحيدرخانة تحت وطأة القيظ، بينما تطوف عربات اللاندون التي تجرّها الخيول على طول الشارع، وكذلك صورة لمبنى سينما رويال الواقع في محلة باب الأغا يعلوه اسم السينما باللغة الإنجليزية المجسّم كما يبدو بالنيون آنذاك. كذلك، تبدو واجهة جامع مرجان الواقع على مقربة سوق العطّارين من الفخامة، ما يحيله إلى مسجد أثري بحق لا سيما وهو مشيّد على نمط العمارة الإسلامية العثمانية، وقد عُرف عن البغداديين حبهم للجوامع التي كانت تمثّل لهم -بالإضافة إلى مقامها كدور للعبادة- أماكن للقاءاتهم ومضارب لاجتماعاتهم، بينما تظهر كنيسة مريم العذراء الواقعة في ساحة الميدان قبالة شارع الرشيد، شامخة رغم تصدّع أسوارها التي شيّدت في منتصف القرن السابع عشر للميلاد. أما جسر المأمون الخشبي والذي أصبح يُسمى بـ (جسر الشهداء) نسبة إلى شهداء ثورة تموز المطالبين بقيام الجمهورية، فيظهر ضيقاً على جانبيه فيما يعدّ كأول جسر ثابت بُني في بغداد على نهر دجلة.

وعلى الرغم من أن عرض الشارع كان يبلغ ستة عشر متراً في أول الأمر، إلا أن إهماله الذي استمر حتى العشرينات أحاله إلى شارع من الخرائب الذي لم تكتمل أبنيته. وفي هكذا وضع بائس، تفيض قريحة شاعرها (معروف الرصافي 1875 : 1945) رثاءً أو هجاءً أو ما بينهما، في قصيدة (الشارع الكبير) التي يقول في بعض أبياتها:

نكّب الشارع الكبير ببغداد        ولا تمش فيه إلا اضطرارا

شارع إن ركبت متنيه يوماً       تلق فيه السهول والأوعارا

تتراص سنابك الخيل فيه         إن تقحّمن وعثه والغبارا

فهي تحثو التراب فيه على      الأوجه حثواً وتقذف الأحجارا

لو ركبت البراق فيه أو البرق    نهاراً لما أمنت العثارا

تحسب العابرين فيه سكارى      من هواء تنسّموه غبارا

مستجيشاً من الجراثيم جيشاً     مسيّطراً عرمرماً جرّارا

وإذا ما مشيت في جانبيه        فتجنّب رصيفه المنهارا

ودكاكين كالأفاحيص تمتدّ       يميناً بطوله ويسارا

يبدو أن هنالك شيء من السبق الحضاري! فلقد كان (مقهى عزاوي) السبّاق قبل كافيهات شانزليزيه الباريسية، وهو أحد مقاهي بغداد الشعبية الواقعة في سوق محلة الميدان. كان بداية يقدّم عروض خيال الظل أو خيال الستار مع نشاطه الأساسي كمقهى، ثم تطوّر نشاطه إلى استحضار الراقصات على غرار ما استحدثته المقاهي الأخرى في السوق، “وقد ورد ذكر (كهوة عزاوي) هذه في الأغنية العراقية القديمة (فراكهم بجاني) التي يقول أحد مقاطعها: يا كهوتك عزاوي .. بيها المدلل زعلان”. وعني، أجدها من أكثر ما جاد به الفولكلور العراقي العذب، طرباً وشجناً، لا سيما عندما يصاحبها صوت ذو بحة وكأنه صدى يتردد من ماضٍ، ودّ كتّاب هذه المقالات لو يعود!.

ختاماً أقول: إن كانت العرب تظن بأن لكل امرئ من اسمه نصيب، فإن العراق حاز من اسمه كامل النصيب .. وحُقّ له.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 17 أغسطس 2022 – صفحة (10)

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ أجمع الذكريات كي أموت

المؤلف/ شعراء برتغاليون معاصرون

المترجم/ اسكندر حبش

دار النشر/ منشورات الجمل

الطبعة/ 1 – 2015

حالة السوداد أو السويداء في الشعر البرتغالي

 

 

البرتغال .. أرض الشعراء، كانت وما زالت! لم يكن الشاعر والأديب والفيلسوف فرناندو بيسوا والمصنّف عالمياً ضمن أبرز الشخصيات الأدبية في القرن العشرين، أعظم شعراء البرتغال كما قد يتراءى للناظر من الخارج، وإن كان يملك الاسم الأكثر حضوراً فوق خارطة الشعر البرتغالي، إذ أن البرتغال “بلد شعري بامتياز”، والذي تحتل الدواوين الشعرية لأي دار نشر متوسطة فيه ما يعادل النصف من إصداراتها السنوية، وهي تُطبع عادة في حوالي ثلاثة آلاف نسخة تنفذ في غضون أسابيع معدودة من طرحها في المكتبات. يقدّم هذا الكتاب لمحة عن جيل من الشعراء البرتغاليين الذين ساهموا في وسم الحداثة الشعرية البرتغالية، جنباً إلى جنب مع شاعرها الأول بيسوا، حيث يعتقد أحد نقّادهم بأن البرتغال باتت تخوض عصراً ذهبياً وتنوعاً شعرياً مذهلاً يزخر بطليعة من الشعراء الذين فرضوا أسمائهم على الساحة الأدبية العريضة، لا سيما في ظل سيادة حرية التعبير التي لم تستطع أي قوى سياسية منعها أو إعاقتها. رغم ذلك، ثمة تساؤل عميق يطرحه النقّاد البرتغاليون حول مدى تمكّن الشعر البرتغالي من “التخلص من عقدر فرناندو بيسوا”، وهو الشاعر الكبير الذي صاغ قارة شعرية ورسم خارطته الشخصية فوقها بتميّز، جعلت الشعراء الذين جاءوا من بعده يسيرون وفق دروبها، فضلاً عن حضوره في أسماء متعددة اخترعها وكتب من خلالها، وتحت أجواء شعرية استمر تأثيرها طويلاً. إلا أن إصرار الشعراء المعاصرين في مجاوزة حدود خارطة بيسوا، أمثال جورجي دوسينا وكارلوس دو أوليفييرا وصوفيا دوميللو، ولسان حال أحدهم يقول: (لن أعيش في جلباب بيسوا)، قد ساهم في استحداث تيارات كتابية مختلفة، تتجاوز القديم دون أن تلغيه .. “وكل ذلك في مناخ برتغالي يعشق الشعر ويقرأه”.

يشير الكتاب إلى لون فلسفي خاص يصطبغ به الشعر البرتغالي، تحوم أطيافه حول (السوداد Saudade)، أو تلك الحالة الوجدانية التي تحمل من الحنين أعمقه وتستمر في لوعة حزن ممتد، ليس على ما مضى وحسب، بل على ما سيأتي أيضاً، قد تقود إلى الفرح في نهاية المطاف جرّاء التعايش والتسليم. تتقاطع الكلمة كذلك مع معنى (النوستالجيا Nostalgia) التي تصف حالة الاكتئاب المصاحبة لمريض الغربة وحنينه للمنازل، وهي لفظة أقرب لأن تكون مرادفة لكلمة (السويداء) في اللغة العربية، كتعبير (سويداء القلب) الذي يعني بدواخل القلب وعمقه ومهجته. يعرض الكتاب مجموعة شعرية لاثنان وثلاثون شاعراً برتغالياً معاصراً، عني المترجم والصحفي والشاعر اللبناني (إسكندر حبش) باختيارهم من أجل تقديم لوحة بانورامية متكاملة -قدر المستطاع- عن الشعر البرتغالي للقارئ العربي، لا سيما في ظل افتقار المكتبة العربية للترجمات الوافية في الأدب البرتغالي ككل. وبينما تطوف كلمات تلك القصائد حول شموع (السوداد) لتلهب الحنين وتحرق الأمل، تبدو الأشعار في مجملها وكأنها تستعصي على الإدراك المباشر لمعانيها الأكثر من خفيّة، إما لأنها تتطلب ملكة شعرية خاصة لفهم طبيعتها التي يكتنفها الغموض، والطابع التخيلي المكثّف، أو لعرضها الجانب الصوفي المميز للشعر البرتغالي، أو في الكثير من الرثاء والتهكم والسوداوية الباعثة على التساؤل. والمترجم إذ يفرد الصفحات الأولى للكتاب في الحديث حول (ما بعد بيسوا)، يستهل كمقدمة بأبيات له، تعكس عتمة الروح وتتلمّس مبعث النور، حيث قال: “متى سينتهي هذا الليل الداخلي .. متى سينتهي هذا الكون .. وأنا وروحي .. متى سأرى نهاري .. متى سأنتبه أنني استيقظت”. لذا، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 2015 عن منشورات الجمل، وهي تنثر من عبق الحنين وتقتبس ما يقابله من أبيات شعرية (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، كما يلي:

ينظم (فيتورينو نيميزبو) قصيدته (من وقت إلى آخر)، التي حمل أحد مقاطعها عنوان الكتاب، بفلسفة وجودية تبدو تشاؤمية، عن سر الموت الذي لم يتمكن أحد من معرفة ماهيته، ولا الحياة التي رغم تكلفتها الباهظة لا يحيا هو فيها ولا يموت ولا يغدو فيها ولا يعود .. كقشة منسية يحملها عصفور جوال بين ريشه. فيقول:

“من وقت إلى آخر .. أجمع الذكريات كي أموت

لا أحب الرحيل بدون شيء

ذات يوم ستأتي الحياة إلينا .. من ثم ترحل:

الحياة .. التي ليست هذه الحرارة الهاربة فيّ

ولكن يداً ماهرة: تحملنا

والموت يعني أن نُحمل”

لا يختلف (ميغيل تورغا) عن سابقه في الظلامية التي عاش بها وحانت معها نهايته، فهو يأسى للهيئة التي يموت عليها عندما وصفها بـ “خراب إنساني”، حيث جسده العاجز وروحه الكسيحة، والموت يدّب في جميع حواسه وأعضائه .. وتلك الأحلام التي حلم بها، يندبها الآن وقد تلاشت بقانون القدر الذي لم يرغب لها أن تكتمل رغم نضاله. يقول في قصيدته (جنّاز لراحة نفسي) وهو يغبط النهر المتدفق بنشوة نحو البحر ليخلّد سعيه الماضي -الذي لم يذهب سدى كسعيه- في الأبدية:

“سعيد هو النهر الذاهب إلى البحر

ليرمي نفسه

وبعد ذاك، في المحيط الواسع

ليؤبد بهاء تدفقه كنهر”

أما وهو يتحدث إلى حبيبته في صيغة المحبوب تحت عنوان (البرتغال)، وهي إذ أعطته وجهاً أعاده إليها في شكل “أكثر واقعية”، يصارحها بأنها ستكون دائماً كما هو عليه .. ملامح من حرية “رُسمت على البحر” .. أو كما قال:

“أتأرجح وأبقى ثابتاً

أحفر .. أجدف .. أتخيل

وأكتشف قدري في الضباب

الذي أعرفه مسبقاً:

أنا مغامر الوهم العنيد

لا أستمع على منطق الزمن والقدر

باحثاً دون أن أجد مطلقاً ما أبحث عنه

منفي

على مصطبة المستقبل

أعلى مما كنت عليه في الماضي”

تبدو أحلام (روي سيناتي) بعيدة المنال وهو يصبو إلى محبوبته، التي إن لم يكن إلى وصلها من سبيل، فثمة ذاك النفس العليل الذي يداعبّ محيا وجهها كافياً لأن يُحيه، كالندى الذي يتدفق فوق الزهر فجراً، أو كما تمنى في قصيدته (أن أمسك بين يدي) قائلاً:

“أن أمسك بين يدي النفس الناعم الذي يلامس فمك

أن أحمله إلى شفتي من أجل قبلة شبيهة بتلك التي يعطيها بخجل

ذلك الذي ينحني ليستمع إلى تدفق الندى فوق زهور الفجر”

غير أن (جوزيه باتيستا) وهو يبدو على عكس سابقه -الذي كان يتفقّد محبوبته في ندى الفجر وفي أنفاس نواعم- يحظى بمعية محبوبته تحت سقف واحد، إلا أن الصمت قد أطبق على صوتها، إذ مرّ عصفور قادم من تحت المطر ذات ليلة حزينة وسكن قلبها، حتى أصبح صوتها أنيناً أشبه بمعدن ناعم، أو شفرة يحملها قلب ذاك العصفور. هل ماتت محبوبته وبقي طيفها يحدثه ولا يجيب، أم أنها تحيا معه جسداً ولا تحدّثه لخصام ما طال أمده؟ يقول في (صمت):

“ذات ليلة

وكأن العالم أصبح حزيناً جداً

مر عصفور المطر ودخل إلى قلبك

وهنا .. مثل أنين

نسمع هذا الصوت الأليم .. الذي كان صوتك

الشبيه بمعدن ناعم

شفرة في قلب العصفور

اليوم

لم يعد الهواء يحرك حتى ستائر المنزل هذا

الصمت مثل حجر ضخم موضوع على حنجرتك”

وفي قصيدة (منفى)، يبدو أن ذكرى الغزو الفرنسي للبرتغال في القرن التاسع عشر، تهيّج عاطفة (مانويل أليغري) الذي يصوّر أسرى من بني جلدته سارحين أمام نهر السين وهو يشق باريس إلى شطرين، حيث تأخذهم أمواجه نحو نهر التاغو الذي يشق بدوره لشبونة عاصمة وطنهم .. نحو شجر الصفصاف، نحو القرى والدمع والريح، ورائحة الخبز من على الشرفات المغطاة بملابس بيضاء تجف تحت إيقاع الموسيقى .. تحت المنازل، حيث هناك الأم والأب والجدات .. حيث هناك ثمة وطن عزيز. يقول:

“على ضفة نهر السين، كنا عشرين شخصاً أو ثلاثين

عيوننا تبحر فوق مجرى المياه

باحثة عن التاجو في مياه السين

باحثة عن الصفصاف عن ضفاف الريح

بلد الدموع، بلاد القرى

المتكورة في هضاب الغسق

باحثة عن البحر

على ضفة السين كنا عشرين شخصاً أو ثلاثين

جالسين

كان هناك شارع، منزل

سلة كرز على الطاولة

رائحة الخبز الشهية، غسيل أبيض

يجف على شرفة

كان هناك وطن

كانت هناك حائكات تحت الأرض

ينسجن الربيه في كوامبرا

أنطونيو وغيتاره

الذي اشتعل بين أصابعه

أختي التي كانت تسكن هذا الإيقاع

أمي التي كانت تطرز (وأحياناً، ربما كانت تحلم)

والدي الذي كان يرحل منتشياً

إلى بلاد الموسيقى، وجدتي

التي تثابر على تنشق الهواء، مثلي

كان هناك منزل

كان هناك وطن

على ضفة السين كنا عشرين شخصاً أو ثلاثين

الريح تغني

نغماً غريباً

وعيوننا تبحر فوق مجرى المياه”

ختاماً، أسترجع تعريف أحد أصدقائي البرتغاليين لـ (السوداد) عندما قصدته للاستيضاح بعد قراءة الكتاب، والذي لم يعتبرها كلمة في حد ذاتها أكثر من كونها تعبير يصف حالة ذهنية وروحية أصعب من أن تُسمى أو تُترجم .. اعتقد أنها كما قال!

 

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 24 أغسطس 2022 – صفحة (10)

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

رواية/ السيد ابراهيم وأزهار القران

المؤلف/ إريك إيمانويل شميدت

المترجم/ خالد الجبيلي

دار النشر/ ورد للطباعة والنشر والتوزيع

الطبعة/ 1 – 2004

تجليات صوفية .. تغمر الروح وتفسّر الحياة

 

 

رواية قصيرة النص عميقة المضمون، تروي روح علاقة أبوية نشأت في ستينيات القرن الماضي بين (السيد ابراهيم) المسلم المسنّ صاحب البقالة المتواضعة في أحد أحياء باريس الشعبية، و (موسى) الصبي اليهودي الذي كان ينتشل خلسة من بقالته بين حين وآخر، مجترئاً غير مبالٍ، فما هو إلا (مجرد عربي) كما كان يظن، حتى قام بتبنيه محاولاً تعويضه، ليس عمّا افتقده من عطف ورعاية في طفولته الأشبه باليتم، بين أم هاربة وأب كان حاضراً غائباً قبل أن يموت منتحراً، بل في بلورة رؤيته نحو الحياة كذلك، وعلى مذهب صوفي! تنتهي صلتهما بموت ابراهيم في موطنه التركي إثر حادث مروري مؤسف، ووراثة موسى بقالته في باريس، والذي أصبح فيما بعد (محمد). يُذكر أن الممثل العالمي (عمر الشريف) قام بتجسيد بطل الرواية سينمائياً عام 2003 وحصد عن دوره العديد من الجوائز، وهي بقلم الروائي الفرنسي إريك ايمانويل، الحاصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة، وقد عني بتعريبها المترجم السوري (خالد الجبيلي)، الذي عمل أيضاً على ترجمة العديد من الأعمال الأدبية والروائية العالمية، من بينها إصدارات الكاتبة التركية إليف شافاق، والأديب الإنجليزي جورج أورويل، والشاعر الصوفي جلال الدين الرومي. لذا، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للرواية الصادرة عام 2004 عن ورد للطباعة والنشر والتوزيع، وبترجمة من لغتها الأصلية (Monsieur Ibrahim et les Fleurs du Coran)، وهي تشتمل على بعض الاقتباسات، بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

بدايةً .. “كان السيد ابراهيم يُعرف باسم (عربي الحي)، ولكنه باعترافه أنه لم يكن عربياً، بل من منطقة (الهلال الذهبي). ويقول ابراهيم أنه مسلم صالح لكنه لا يمانع في احتساء بعض الخمرة. ووصف نفسه ذات يوم بأنه صوفي، وأنه لم يكن يحتاج في حياته سوى لكتاب واحد هو القرآن الكريم الذي كان يعطيه إجابات عن جميع تساؤلاته”. أما موسى، فلما كان يسأل أباه “ما معنى أن يكون الإنسان يهودياً، يجيبه: اليهودية هي ببساطة أن تحمل ذكريات سيئة”. مع هذا، لم يكن يعرف الباريسيون عن ابراهيم شيئاً، إذ لم يكن يؤبه لذاك المسلم الوحيد الذي كان يقطن حي اليهود لأكثر من أربعين عاماً، الداكن البشرة ذو العينين الخضراوين كالفستق الحلبي، الكثير الابتسام القليل الكلام، والذي كان لا يبرح كرسي بقالته حتى يحين الليل، فيغيب فيه حتى إشراقة شمس صباح اليوم التالي، لا يعرف أحداً إلى أين كان يذهب! وعن الخمرة، يدور بينهما هذا الحوار يبدأه موسى بتعجب: “كنت أعتقد أن المسلمين لا يشربون الكحول” وينتهي بتبرير ابراهيم “صحيح .. لكني صوفي”. يغدو موسى في مساء ذلك اليوم إلى مكتبة والده قاصداً القاموس، فيقرأ: “الصوفية: إحدى الفرق الباطنية في الإسلام، ويعود تاريخها إلى القرن الثامن. وهي فرع لا يتقيد بالقوانين بدقة ويؤكد على أن الدين يكمن في داخل الشخص”. يخيّب القاموس فضول الصبي، فهو لا يأتي سوى بالكلمات. أما من أجل التبني، فهناك اجراءات بيروقراطية مطوّلة ومعقدة لا بد من المرور بها. عالم الوظائف الحكومية يمتلئ بأوراق تتطلب الاستيفاء عن طريق موظفين يأتون إلى وظائفهم كل صباح من أجل عمل أي شيء آخر ماعدا مهامهم الوظيفية .. “الموظفين الحكوميين الذين يصبحون عدوانيين ما إن توقظهم من سباتهم”.

ليس عدلاً دائماً أن يكره الإنسان من أساء إليه وهو لا يعلم بما كان من أمره في الخفاء! لذا، يوصي ابراهيم موسى ألا يكره أباه، إذ لم يكن بالمثال الحق الذي يجب أن يُحتذى به، وقد يكون شعر بالذنب حين فقد والداه وهو صغير، فأنهى حياته تحت قضبان القطار. فينبهه بدوره كطفل صغير قائلاً: “إذا لم تكن لديه القوة لكي يعيش فذلك ليس ذنبك يا مومو، ولكن بسبب كل ما حدث أو لم يحدث أمامك”. أمام مشهد الموت تنهمر الدموع كالطوفان، فلا تُبقي ولا تذر. هكذا حصل حين طُلب من موسى التعرف على جثة أباه الذي انتحر تحت سكة حديد. يسترجع موسى تلك اللحظة ويقول: “كان ذلك بمثابة إشارة انذار بالخطر، إذ بدأت أولول وأصرخ كما لو أن شخصاً ضغط على زر فانطلق الصوت. وبدأ رجال الشرطة يدورون حولي مذعورين يبحثون عن مكان الزر لإيقافه، لكن الحظ لم يحالفهم، لأن زر التوقيف كان أنا، وأنا لم أستطع أن أوقف نفسي”. وبعيداً عن الحب الفطري المفقود، وعن الحب من طرف واحد الذي يعطي بلا مقابل، فهو لا يؤسف عليه، إذ “أن ما تمنحه يا مومو يخصك أنت إلى الأبد، أما ما تحتفظ به فيضيع إلى الأبد”. هكذا يشدّ إبراهيم من أزر الصبي الذي دفع لمومس كل ما ادخر “ثمن أن أصبح رجلا” كما برر، فأحب المومس ولم تحبه، غير أنه تمكّن مرة أخرى من جمع المال “وأثبت لنفسي أنني رجل” كما أراد، فأعاد فعلته مع بعض نساء الحي اللائي يكبرنه واللائي تجاهلنه بدورهن فيما بعد.

محلات الفقراء الضيقة مكتظة عادة، بينما محلات الأغنياء الرحبة أشبه بالخالية. يعاين موسى بقالة ابراهيم الأقرب إلى حجم حمّام والمكتظة من السقف إلى السقف ومن الرف إلى الرف دون فراغ لسعة مليمتر واحد، فيستعظم المقارنة بينها وبين (الميجاستور) صائحاً: “يا له من جنون يا سيد ابراهيم! كم تبدو واجهات محلات الأغنياء فقيرة جداً، فلا يوجد فيها شيء”. غير أن عند المفاضلة بين الفقر والغنى يُصبح السلوك أحد المعايير القاطعة، فيلقّن السيد إبراهيم موسى مبدأ قياسي يتخذ من فضول الحاجيات حكماً، قائلاً وهو يضرب في هذا مثلاً: “عندما تريد أن تعرف إن كنت في منطقة غنية أو فقيرة، انظر إلى صناديق القمامة فيها! فإذا رأيت صناديق قمامة لا توجد فيها زبالة فهي منطقة يقطنها الأغنياء، أما إذا رأيت زبالة بجانب صناديق قمامة فهي منطقة لا غنية ولا فقيرة بل منطقة سياحية، أما إذا رأيت زبالة بدون صناديق قمامة فهي عندئذ منطقة يعيش فيها الفقراء، أما إذا كان الناس يعيشون في الزبالة فهي منطقة مدقعة في الفقر”. ومع الفقر والعوز وشظف العيش، يُصبح الكدّ لكسب القوت مطلب ملّح، لكن ينبغي أن يتم في سعة من الوقت، فلم العجلة؟ يقول السيد: “إن عدم العجلة هو سر السعادة”. وحين يكون الغنى في الروح، يكون الثراء في الخُلق، فيسأله إبراهيم: “لماذا لا تبتسم أبداً يا مومو؟” فيجيب متفاجئاً كمن تلقى صفعة مدوية: “الابتسامة شيء لا يفعله سوى الأغنياء يا سيد ابراهيم، وهو شيء لا أقوى عليه”. عندها، يتعمّد إغاظته ويسأله مبتسماً: “إذاً هل تظن إني غني”؟ فيجيبه بدوره بسؤال عميق حول قدرته الدائمة بأن يكون في “غاية السعادة”، ويجيبه: “لأني أعرف ما يقوله لي قرآني”.

عبق الصلاة ينبعث من أجساد المصلين، فيعطي للمسجد بُعداً فلسفياً آخر. يقول موسى مستغرباً عن رائحة نفّاذة اشتمّها في اسطنبول: “وهنا رائحة تشبه رائحة الأقدام. إنه مكان عبادة المسلمين”. ويتبع استغرابه استغراب ابراهيم الذي أجاب: “ماذا؟ إنه المسجد الأزرق! إنه مكان يعبق برائحة الأجسام الإنسانية، ألا يعجبك هذا؟ هل هذا لأنه لا تفوح رائحة من قدميك؟ إن مكان الصلاة الذي يعبق برائحة الرجال مكان مصنوع للرجال، فهل يقرفك أن يكون الرجال في الداخل؟ إنك تحمل بعض الأفكار الباريسية جداً يا مومو، أليس كذلك؟ إن هذه الرائحة تذكرني بأني لست أفضل من جاري. إني أشمّ ذاتي .. أشمّ ذاتنا .. ولهذا فإني أشعر بأني في حال أفضل”. وهناك وهما في الحمامات، يندهش موسى “أن السيد ابراهيم كان مختوناً”، الدهشة التي يزيلها ابراهيم موضحاً: “المسلمون يفعلون ذلك كما يفعل اليهود يا مومو! إنها كناية عن تضحية ابراهيم: يرفع ابنه بيده نحو الله، ويقول له أن بوسعه أن يأخذه منه. أما تلك القطعة الجلدية التي نزيلها فهي علامة على عهد ابراهيم. في الختان يمسك الأب ابنه، ويقدم آلامه لذكرى تضحية ابراهيم”.

“إن عدم الجواب هو جواب أيضاً” .. هكذا يجيب ابراهيم إحدى تساؤلات موسى الخاصة بعائلته، والتي ألحّ فيها حين تجاهله وأشار إلى البحر محوّراً الحديث. ثم وهما على الشاطئ يقول: “الجمال موجود في كل مكان يا مومو .. حيثما وليت وجهك. هذا ما يقوله القرآن”. ومن التراتيل المفعمة بحكمة جلال الدين الرومي التي عرفها موسى أثناء الدوران، تعلّم تدمير ما هو رديء وموجود (العاطفة)، وخلق ما هو حسن وغير موجود (النوايا). كذلك، ما قيل منها: “دع ما هو حي يمت: فذلك هو جسدك .. أحيي ما هو ميت: ذلك هو قلبك .. خبئ ما هو موجود: ذلك هو العالم هنا .. دع الغائب يعد: ذلك هو عالم الحياة في المستقبل”. ومع رقص الدراويش في التكية الذي يفقدون فيه كل “نقطة مرجعية دنيوية” وذلك التوازن الثقيل، “ويصبحون كمصابيح تتلاشى في نار ضخمة”، يدعوه ابراهيم للرقص مؤكداً: “يجب أن نرقص .. بالتأكيد! إن قلب الإنسان أشبه بطائر حبيس داخل قفص الجسد، وعندما ترقص فإن القلب يغرد مثل طائر يصبو لأن ينصهر ويتوحد مع الله”. إن الدوران حول القلب حيث يوجد الله، إنما هو دوران أشبه بالصلاة. “إنهم يدورون حول أنفسهم .. إنهم يدورون حول قلوبهم .. المكان الذي يوجد فيه الله .. إنها كالصلاة”.

ويستمر السيد إبراهيم في تلقين الصبي موسى من جزيل الحكمة في أبسط الأقوال، وأمام أكثر المواقف عفوية.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 31 أغسطس 2022 – صفحة (10)

 

 

عدد القراءات:13 قراءة