مقالاتي في صحيفة المشرق – مايو 2022

قراءة في كتاب

…………………………

 

أنشر هذه المقالات في شهر مايو 2022 والذي يصادف عيد الفطر المبارك 1443
عيد سعيد
وكل عام والجميع بخير
همى الغيث

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور

المؤلف/ د. مصطفى حجازي

دار النشر/ المركز الثقافي العربي – بيروت

الطبعة/ 14 – 2016

مبحث في ملامح المقهور النفسية وألوان دفاعه

 

 

كتاب قد يُصنّف ضمن علم اجتماع الفضائح، والذي يعرّي ما يعتمل في باطن إنسان المجتمعات النامية من غصص وقهر وكبت، وهو متوارٍ تحت أعراف وقوانين وشرائع دينية وألوان من قيود أخرى ما أنزل الله بها من سلطان. إنه الواقع لا محالة! فالمجتمعات الشرقية تعيش في استسلام شبه متناه وهي ترزح تحت سطوة إقطاعية مستبدة تربع على عرشها زمرة من طغاة تستفرد بالقضاء والقدر كآلهة شر، ويخضع الأفراد لجبروتها خانعين كأمة من المقهورين، قد أبلسوا من رحمتها، لا حول لهم في ذلك ولا قوة. بيد أن المعضلة لا تكمن في الغفلة عن تناول التخلف بالبحث والدراسة من جانب التنمويين، ولا في تجاهل الساسة عن الوجود الفريد لهكذا نمط إنساني له تفاعلاته العقلية والنفسية، بل في التأثير الفعّال للإنسان المتخلف ذاته نحو تعزيز هذه الصيرورة وترسيخ أركانها ومقاومة أي بادرة نحو التغيير، في إصراره بالمحافظة على توازنه النفسي الذي أصلّت له في الأساس تنشئة بيئة اجتماعية يسودها التخلف، تشترك فيها قوى طبيعية غيبية في بسط ممارساتها الاعتباطية عليه وتشكيل الطابع العام لتركيبته النفسية، وقد أضافت له قهراً مضاعفاً.

وبينما يعرّف د. حجازي كتابه بأنه (مدخل)، فهو يأتي بمثابة مبحث متكامل يتعرّض فيه بموضوعية إلى تسعة مسائل يحدد من خلالها المشكلة والحجة والأعمال المقترحة، تسترسل من خلال قسمين رئيسيين. (الأول: الملامح النفسية للوجود المتخلف)، وفيه يتطرق إلى تحديد وتعريف السيكولوجية المتخلفة ضمن إطارها النظري، لينتقل إلى سرد الخصائص النفسية للتخلف ووصف العقلية المتخلفة والحياة اللاواعية التي تُعد أحد سماتها. (الثاني: الأساليب الدفاعية)، ويتعرّض فيه إلى الأشكال المتعددة التي تتخذها، وتظهر أساساً في: الانكفاء على الذات، التماهي بالمتسلط، السيطرة الخرافية على المصير، العنف، ثم وضعية المرأة التي تظهر أشدها وضوحاً وبؤساً.

أما عن الباحث، فهو د. مصطفى حجازي، كاتب لبناني وعالم نفس وأستاذ أكاديمي حاصل على درجة الدكتوراة في علم النفس من جامعة ليون في فرنسا، وله العديد من الأبحاث العلمية، وقد بدأ إصداراته الفكرية بالكتاب الذي بين أيدينا عام 1981، وهو الكتاب الذي لا يزال محط اهتمام ونقاش ومراجعة حتى الوقت الحالي. وله في نفس الحقل كتاب/ العصبيات وآفاتها: هدر الأوطان واستلاب الإنسان. وكتاب/ الإنسان المهدور: دراسة تحليلية نفسية اجتماعية.

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الرابعة عشر للكتاب الصادرة عام 2016 عن المركز الثقافي العربي في بيروت، والتي أعرض من خلالها أبرز ما جاء في مآزق الإنسان المقهور، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما يلي:

على الرغم من تسليط الضوء على الفئة الأكثر قهراً في المجتمع المتخلف تحت سلّم السطوة والخضوع، يعتقد د. حجازي أن الفئة التي تبدو أكثر حظاً لا تخلو أيضاً من قهر، مع اختلاف درجة الحدّة. يقول: “فبينما يتماهى الفلاح بسيده ويشعر بالدونية تجاهه، نرى السيد يتماهى بدوره بالمستعمر أو الرأسمالي الأوروبي ويشعر بالدونية نفسها تجاهه”. ثم يتطرق وهو يتحدث عن التخلف العقلي إلى طابع “الخصاء الذهني” الذي يتلبّس الإنسان المتخلف اجتماعياً كحالة ضعف عقلية زائفة. ففي حين يتشكّل هذا الخصاء عموماً كعجز عن تأكيد الذات أمام العالم في هيئة مقاومة الفهم، يأتي هذا الخصاء اجتماعياً في هيئة رضوخ الإنسان المتخلف لأساطير قوى الطبيعة وسطوة أصحاب السلطة، فيبدو المتخلف دائم التردد في الاقبال على أمر ما خشية الفشل، أو قد يصرّح بعدم قدرته عليه قبل بذل أي محاولة، بل قد يشطّ البعض ويصدر أحكاماً تعسفية على هذا الأمر متبجحاً بموهبته السريعة على الفهم. ويقول: “يتذبذب الإنسان المتخلف ما بين الشعور الشديد بالعجز عن استيعاب العالم، وبين طغيان مشاعر السيطرة على الواقع من خلال الحذق (الفهلوة) الذي يعتدّ به الجمهور كوسيلة مفضلة للفهم”.

ومن ملامح المجتمع المتخلف ما يطلق عليه د. حجازي بـ “التوتر الوجودي العام”، حيث الاستنفار النفسي العام لأي صراع محتمل! إذ ما يلبث اثنان أن يتحاورا حتى يختلفا في وجهات النظر، لتحلّ السباب وشتائم الأعراض محل الجدال الموضوعي، وحيث تطغى العاطفة الانفعالية على كل ملكات النقد والمنطق والعقلانية. يستزيد فيقول: “وأحياناً ينفذ التهديد باستخدام العضلات أو السلاح بسهولة مذهلة في فورة غضب. ذلك أن هناك إحساساً دفيناً بانعدام فعالية اللغة اللفظية وأسلوب الاقناع، فيتحول الأمر بسرعة إلى الحسم السحري (العضلي أو الناري) من خلال الإخضاع”. يؤمن الإنسان المقهور بطغيان قوى خارقة للطبيعة تتلاعب في مصيره، كتلبّس الأرواح والجن والعفاريت، وتحكّمها في فرص الخطوبة والزواج والعلاقة الجنسية والإنجاب، بالإضافة إلى إصابات العين القاتلة وطاقة الحسد وغيرها من شرور الماورائيات. لذا، يسعى هذا الإنسان جاهداً اتخاذ ما يلزم من تدابير وطقوس تكفيه شرورها وتضمن له نوعاً من التحكم في مصيره، كالاستعانة بخدّام المقامات وتحضير جلسات الزار، وتخبئة المولود، وإخفاء الأثاث، والتكتم على حجم الثروة، وإفساد كل مظهر جميل. يخلص د. حجازي بقوله: “ليس هناك إذاً أكثر تضليلاً من إلقاء المسئولية على الكائنات الخفية ثم البحث عن ذلك الحل من خلال مختلف ضروب الشعوذة”.

أما عن المرأة في المجتمعات المتخلفة، فقد حدّث د. حجازي عنها ولم يتملّكه حرج، فهي أفصح النماذج تعبيراً عن الوجود الإنساني المتخلف في كافة أوجهه، لا سيما في عجزه ونقصه وتبعيته ورجعية تفكيره، والذي يظهر جلياً في تغلّب عاطفة المرأة وإنكار ذاتها وإحلال الخرافات محل التفكير الجدلي. تظهر المرأة عادة بين نقيضين، حيث تتفاوت مكانتها لدى الرجل في المجتمع المتخلف: “بين أقصى الارتفاع: (الكائن الثمين، مركز الشرف الذاتي، رمز الصفاء البشري الذي يبدو في الأمومة)، وبين أقصى حالات التبخيس: (المرأة العورة، المرأة رمز العيب والضعف، المرأة القاصر، الجاهلة، المرأة رمز الخصاء، المرأة الأداة التي يمتلكها الرجل مستخدماً إياها لمنافعه المتعددة)”. يستطرد ويقول: “في الحالتين تُستخدم المرأة كوسيلة للتعويض عن المهانة التي يلقاها الرجل المقهور اجتماعياً، وللتعويض عن قصوره اللاواعي بإسقاطه على المرأة “. وهي في العادة محل ترقيع لخرق الكائن مسلوب الرجولة. فيقول: “كلما كان الرجل أكثر غبناً في مكانته الاجتماعية، مارس قهراً أكبر على المرأة”. ثم يؤكد على أن استمرارية شحن الرجل بالقدرات أو بإيهاماتها إلى الحد الذي يتحول فيه إلى “أسطورة الكفاءة”، تؤدي إلى إسقاط كل صور الضعف والهوان على المرأة، والتي تلعب بدورها “دور الكائن القاصر التابع الذي يحتاج إلى وصي”. غير أنها تصبح في موقع أسوأ بكثير عند الأوساط الكادحة وما دونها، حيث تسود القاعدة التي يعوّض فيها الرجل كل شعور بالقهر والمهان من خلال دور السيد، وممارسة مختلف أشكال الإخضاع والاستعباد والاستغلال على المرأة، “ويحولها إلى أداة له، تخدمه، تنجب له الذرية التي تعزز قوته الذكورية، فتتحول إلى وعاء لمتعته بشكل أناني لا يراعي حاجاتها ورغباتها. تموت نفسياً كي يستمد هو من هذا الموت وهم الحياة، تُسحق كي يستمد هو من هذا الانسحاق وهم تحقيق الذات”. إنه باختصار يمارس عليها وعلى جميع الأصعدة استغلالاً تاماً تهرّباً من شعور الهوان المصاحب لاستغلال المتسلط عليه. يستمر د. حجازي ليعرض أقصى درجات القهر التي يمارسها المجتمع في تنكّره لها عند مقدمها للحياة، وفي هذه الأوساط تحديداً، إذ يقول: “فهي تُستقبل حين تولد بالتذمر والتبرم والضيق، إذا لم تستقبل بالرفض الصريح. وهي توضع كطفلة في مرتبة ثانية أو هامشية بالنسبة للصبي الذي يعطى كل القيمة، وهي تتحول إلى خادمة للأخوة والأب، حين تستنزف طاقة الأم، وهي تستخدم كأداة لتمرّس أخوتها ببسط النفوذ الرجولي من خلال الوصايا وبزعم الحماية الوهمية لها. وعليها تنصبّ كل الضغوط وتفرض كل القيود في طور البلوغ. وتتابع مسيرتها متوجهة نحو مصيرها كأداة للمصاهرة يباع جسدها لقاء تغطية أعباء نفقاته ولقاء مبلغ من المال من الزوج كي يتخذ منه أداة لمتعته ووعاء لذريته وجهازاً حركياً يقوم على خدمته. أما نفسها وكيانها فيفرض عليهما موت معنوي بطيء”.

إن المرأة في تكوينها البيولوجي كأنثى لا تختلف عن الذكر، بل إن تكوينها هو الأكثر متانة ومناعة، غير أن التبخيس الجسدي في لغته وحركته أدى إلى ارتداد طاقته داخلياً على شكل مازوشية، تفجّر فيها المرأة عدوانها على ذاتها، والذي قد ينطلق خارجياً على هيئة ممارسات تشي بالحقد والحسد والكيد والدسيسة. تظهر هذه المرأة كذلك حبيسة المنزل، كصورة من صور حرمان التعاطي مع واقع المجتمع الذي يزخر بفرص التدريب الإنساني الحي، فضلاً عن التجهيل المتعمد الذي يسمح بتسلّط الخرافة على حساب تنمية ملكة التفكير لديها، والتصرف بحكمة وعقلانية. إنها أيضاً في المجتمع العشائري جسد يُقتل بالمصاهرة والإنجاب، وعقل يذهب طي النسيان. يقول د. حجازي في مرارة: “قيمتها كلها .. شرفها كله يركّز في عفافها الجنسي المتمثل سطحياً بغشاء البكارة. شرفها يتلخص في صفة تشريحية كما تقول د. نوال السعداوي، قد يولد بها الإنسان أو لا يولد”. إنها ليست امرأة إذا ثُبت عليها صفات النبوغ والتفوق والذكاء، إذ يعتبر المجتمع المتخلف صفات كهذه حكراً على الرجال فلا تمت للأنوثة بصلة. عندها -إن كان لزاماً- تصبح المرأة (رجل) أو (أخت رجال)، كحرص لنسب كل مظهر قوة للرجولة وطمسها أنثوياً. هي كذلك تتساوى مع أولئك العمّال الخاضعين لأسيادهم من ذوي رؤوس الأموال، حيث يتم غرس قيم العفة والزهد والطاعة وتبجيل صاحب السلطة والاستماتة في الدفاع عنه، في حين يُتخم السيد بأصناف النعم وقد أبيحت له كافة، مع قيم الجشع والتملك والإفراط في كل شيء. لكنها تستلب كيانها الأنثوي بيديها حين تثور على العبودية المفروضة عليها بطريقة تحاكي فيها الرجل كنموذج للتحرر والانطلاق في الحياة! إنها محقة حين ترفض دورها كخادمة أو كآلة للتفريخ أو كجسد للمتعة، لكن قد ينحى هذا الرفض نحو إنكار حاجاتها البيولوجية أو صفاتها الأنثوية، أو بالإبقاء على صفاتها الأنثوية من غير حميمية.

وبعيداً عن “الاستلاب الجنسي” الذي هو أشد قهراً مما هي عليه في “الاستلاب الاقتصادي”، فإنها تواجه مأساتها الكبرى في “الاستلاب العقائدي”، إذ تقنع من خلاله بتفوق الرجل عليها وبدونيتها أمامه، وتقبل من ثم بالرضوخ تحت وطأته. إنها على يقين تام بأنها كائن “قاصر، جاهل، ثرثار، عاطفي، لا يستطيع مجابهة أي وضعية بشيء من الجدية والمسئولية وبالتالي لا تستطيع الاستقلال وبناء كيان ذاتي لها”. في هذا النوع من الاستلاب يستفرغ الرجل عليها بلوثة من أساطير الأولين التي تحمّل حواء إثم الخطيئة الأولى “بضعفها واحتيالها ومكرها وغيّها. حواء مجسدة الآثام والشرور ومصدر كل غواية”. وفي نفس الاستلاب، تظهر كم هي متضخمة النرجسية حين تتمسك بوظيفة الأمومة كحصن أوحد تحظى تحت سقفه بشيء من القداسة، حيث تشعر بأهمية جسدها الخصب المرغوب به دوماً، والمتكفّل بالإنجاب والحضانة والرعاية بالذرية ووالد الذرية. ينتج عن تضخيم قيمة الأمومة تلك خاصية التملك الأبدية، حيث يرتبط الصبي بأمه رباطاً قلّما يتفكك عند كبره، والذي قد يصبح به تابعاً لزوجته خاصة مع تلك التي تتقن لعب دور الأم معه.

أخيراً، إنه كتاب قد يواجه فيه أحدنا نفسه -وقبل الجميع- رزايا قهره وضعفه وخنوعه وتخلفه بموروثه الاجتماعي المسموم، غير أن أشدنا بؤساً هو حقيقة ذلك المغبون الذي تجرّع السموم كعدل وحق مستحق وما علم أنها فُرضت عليه قسراً وجوراً، فبات إنساناً مقهوراً من حيث لا يدري!

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 11 مايو 2022 – صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/05/5109.pdf

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ الرحلة الداخلية

المؤلف/ أوشو

المترجم/ عبدالوهاب المقالح

دار النشر/ دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع

الطبعة/ 1 – 2015

إبحار في أعماق النفس البشرية

 

 

كتاب غزير مثقل بلآلئ الحكمة، يُبحر في أعماق النفس البشرية متخذاً الجسد مطية لمغامرة العوم تلك ورحلة التأمل الروحي. تسترسل الرحلة على هيئة أحاديث عفوية أدارها الحكيم الهندي أوشو مع مريديه، في إحدى مراكز التأمل الواقعة في مدينة (كوجرات) بالهند.

إنه أوشو .. أو تشاندرا موهان جاين (1931 : 1990) الذي تنقل شبكة المعلومات العالمية عنه أنه ولد في الهند البريطانية ودرس الفلسفة ودرّسها في الجامعات المحلية، وتدرج من ثم في العلوم الصوفية ليُصبح (غورو) أو معلم روحاني فاقت شهرته حدود وطنه، ليصل إلى العالمية ويُلقب بـ (زوربا البوذي)، إشارة إلى توجهاته الانفتاحية رغم دعوته الروحية!. وإن له من الإصدارات في المجال الروحي ما تتصدّر الطليعة على الدوام رغم ما تموج به الساحة الفكرية من إصدارات أكثر حداثة، أذكر منها على سبيل المثال: كتاب المرأة: احتفالاً بروحية المرأة / ماذا الآن يا آدم؟ كتاب عن الرجال / النضج: عودة الإنسان إلى ذاته / الحرية: شجاعتك أن تكون كما أنت / لغة الوجود: ما وراء الحياة والموت / سيكولوجية الاستنارة والأجساد السبعة / المركب الفارغ: لقاءات مع اللاشيء / التأمل: فن النشوة الداخلية.

تعرض صفحة المحتويات ثمانية فصول رئيسية بالإضافة إلى المقدمة وكلمة المترجم والتعريف بالحكيم، حيث يبدأ حديثه في الكتاب عن (1. البدن: الخطوة الأولى) ليتفرّع إلى كل من (2. الرأس، القلب، السرّة) ومن ثم يخصّ حديثه عن (3. السرّة: مستقر الإرادة)، ويستمر حتى يؤكد على أهمية (4. معرفة العقل) وماهية (5. المعرفة الحقة)، التي تقوده إلى التوصية بـ (6. لا تصديق، لا تكذيب)، وإلى الحاجة نحو (7. ضبط القلب)، ليخلص الحكيم في نهاية الرحلة إلى حقيقة أن (8. ليس للحب “أنا”).

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الأولى للكتاب الصادرة عام 2015 عن (دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع)، والتي جاءت عن ترجمة مباشرة للكتاب من لغته الأصلية (The Inner Journey – By: Osho) وقد عني بها (عبدالوهاب المقالح) وهو أكاديمي يمني حاصل على درجة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة صنعاء، وماجستير في التعليم الابتدائي من أمريكا، وفي تعليم اللغة الإنجليزية من بريطانيا. يعمل في سلك التدريس الجامعي، بالإضافة إلى إسهاماته في ترجمة العديد من الأعمال الأدبية العالمية إلى اللغة العربية عن اللغة الإنجليزية، مثل (الملحمة الهندية: المهابهاراتا).

ومن شلال الحكمة الذي ارتوى به هذا الكتاب حتى الثمالة، أنهل غيض من فيض، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

إن العقل هو زهرة نبات الإنسان والتطور النهائي في جسده، إلا أنه ليس الجذر، بل الروح. يقول أوشو: “بالنظر إلى النبات، تتبدى الزهور أهم جزء فيه. وبالطريقة ذاتها يتبدى لنا أن العقل في الإنسان هو أهم جزء فيه”. وفي حديثه عن الجسد، يعتقد أن المنغمسين في الملذات وأولئك المتنسكين في العبادة على حد سواء، قد عذبوا الجسد كل على طريقته أذىً بالغاً. أما في حديثه عن الروح، فيرى أن روح الإنسان مرتبطة بالسرة .. لا بالقلب ولا بالعقل! فكما أن السرة هي مركز الجسد، فهي أيضاً مركز الحياة، حيث يولد بها الإنسان، وبواسطتها تفنى حياته. إنها أيضاً البوابة التي يدخل منها أولئك المهتمين بالحقائق الروحية. وحين ينتقل في حديثه من الجسد إلى العقل، يؤكد على أن العقل حتى يسترخي، لا بد أن يسترخي الجسد أولاً. حينها: “ستشرع العصافير في الغناء، وستسمعون صوت الطاحونة في مكان ما، وفي مكان آخر ربما نعب الغراب أو صاح الديك، وفي مكان آخر ثان ستسمعون أصواتاً أخرى”. هكذا يُصبح العقل كلما استرخى، أكثر يقظة وأكثر حساسية وأكثر استشعاراً لكل ما هو محيط به. كذلك، يُكمل العقل في النوم ما لم يتمكن من إكماله في الصحو، فإن كان الإنسان غاضباً من أحد ما ولم يتمكن من تفريغ شحنة غضبه، فرّغها في منامه، وذلك حتى يستعيد العقل حالته الصحية. لهذا، يعتبر أوشو أن: “الليل هو مرآة النهار. أياً كان ما يحدث في العقل خلال النهار فإنه يتردد كالصدى في الليل”. لا عجب إذاً أن يرى الحكيم نمط التعليم التقليدي السائد في العالم وهو يقود وعقل الإنسان إلى الجنون! ففي بلد مثل أمريكا، تشير الإحصائيات إلى تصاعد حالات الجنون رغم تصنيفها بالأرقى تعليماً والأكثر تحضراً.

لا يغفل الحكيم في وصاياه عن الحثّ في الاستمتاع بالحياة من غير أي منغصّات، فيورد في هذا المعنى حكاية معبّرة، إذ يتنزه السيد المسيح مع حوارييه في حديقة ما، ويخبرهم كم هي تلك الأزهار الجميلة تنعم بالبهجة في اللحظة الراهنة، رغم أنها لا تعلم إن كانت ستنعم بمثل هذا اليوم المشمس غداً أم لا! هنا، يعقّب الحكيم قائلاً في نبرة استهجان: “الإنسان وحده هو الذي يقوم اليوم بالترتيبات للغد ولبعد غد. وثمة أناس يعدون للكيفية التي ينبغي أن تكون عليها قبورهم”. وفي نفس المعنى، يحذّر الحكيم من التهاون في الأخذ بالأسباب الحيوية من أجل الاستمتاع بحياة أفضل، إذ يجزم بأن أولئك الذين يحذّرون من النوم ثمان ساعات يومياً بحجة ضياع ثلث العمر في النوم، هم خاطئون، حيث إن الحرمان من النوم يُعتبر أسهل وأرخص طرق التعذيب. وقد تنبّه إليه قدماء الصينيين حين كانوا يصنعون ذلك بمساجينهم، وذلك من خلال قطرات ماء تُسكب ببطء فوق رؤوسهم .. قطرة قطرة، إذ يعلو صراخ الواحد منهم بعد مرور سويعات من التعذيب، ولا يجد بد من الاعتراف عند بلوغه ذلك الحد، حتى يقضي نحبه بعد أيام! يسترسل أوشو فيقول: “ولو أن رجلاً ينام كما ينام الطفل فإنه قد لا يموت، لأن الموت سيكون صعباً. الموت يحتاج إلى نوم أقل فأقل، والحياة تحتاج إلى نوم عميق. وهذا هو السبب في أن نوم المتقدم في السن يتناقص شيئاً فشيئاً في حين ينام الطفل نوماً أطول”.

وللماء كذلك عند الحكيم شأن آخر! إذ يتدفق الماء من خلال عشرة ينابيع التي قد تنقسم إلى مائة ينبوع إن حاول أحدهم منع تدفقها. لقد تغذّى الإنسان في صغره على كبت الأفكار الخاطئة، والتي لا بد أن تفتح قنوات أكثر تعقيداً للخروج إلى السطح بعد أن أصبحت أشدّ قبحاً وعنداً. يعلّق أوشو في استفزاز على هكذا كبت من خلال مشهد تصوّري يصف فيه كل ممنوع بأنه لا محالة مرغوب: “أصرّ عقله ألا تكون القرود موجودة ولذلك جاءت القرود. وكلما حاول عقله أن يتخلص من القرود، ظهرت له .. كلما حاول أن يفرّ منها لحقت به! أن تحرم يعني أن تجذب .. أن ترفض يعني أن تستدعي .. أن تمنع يعني أن تغري”. والعقل الإنساني العجيب يتطلب جهداً في كثير من النواحي، إذ أن مواجهة العقل تتطلب ألا يكترث الإنسان بما يقول الناس عنه أو كيفما يبدو لهم، بل يحتاج ذلك الإنسان لأن يتفرّد في وحدته مع عقله ويفتحه على مصراعيه. ويؤكد أوشو: “إن هذا فعل من أفعال الشجاعة”. وفي هذا يكشف الحكيم جانباً آخر من ضعف الإنسان الوجداني، إذ يهاب الإنسان عادة فكرة المكوث وحيداً، خشية على نفسه من نفسه، أو بالأصح من نفسه الحقيقية، فتراه يقضي الأربع والعشرون ساعة من يومه في المحادثات أو مطالعة الصحف أو سماع المذياع. يقول أوشو في مواجهة ذاتية: “الإنسان يخشى من الوحدة لأنه في وحدته سيتبين انعكاسات حالته الحقيقية .. سيجد نفسه وجهاً لوجه مع ذاته. وهذا أمر مخيف، أمر يدعو إلى الذعر! وهكذا، فمنذ أن يستيقظ صباحاً حتى يأوي إلى فراشه مساءً يواصل الاستعانة باي وسيلة للهروب من نفسه، فلا يضطر لمقابلتها. إنه يخشى أن يجد نفسه وجهاً لوجه مع نفسه”.

وللختام بمسك، أعرض صورة للحكيم الهندي وهو يُحدّث عن الخالق في قول مثقل بالإيمان الخالص، إذ يقول فيه: “ليس اعتباطاً أن الله في العالم أجمع يُدعى (الأب) .. ليس اعتباطاً أن الله صُوّر في صورة الأب. وإذا ما كانت خبرات الطفل الأولى في حياته تتسم بالثقة والامتنان والاحترام لأمه وأبيه، حينئذ فقط ستتطور هذه الخبرات نحو الله .. وإلا فلا”. وأختم على لسان الحكيم في أعذب ما قاله عن العشق الإلهي وأخلصه، وهو يحدّث بلغة صوفية لا بد وأن تتناغم مع دواخل كل من لمس قلبه ذلك العشق .. مهما كان الاعتقاد أو العرق أو اللغة، إذ يقول: “الصلاة من دون حب صلاة زائفة .. فارغة .. بلا معنى! من دون حب لا قيمة لكلمات الصلاة على الإطلاق .. ومن دون حب، ما من سالك في الرحلة نحو المقدّس سيكون قادراً على بلوغ غايته”.

ما أحيلاها صلاة .. وليس مستغرباً أن تأتي الحكمة على قلوب يظنّها بعض المغرورين (على غفلة) .. “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 18 مايو 2022 – صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/05/5114.pdf

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ المخ ذكر أم أنثى؟!

المؤلف/ د. عمرو شريف و د. نبيل كامل

تقديم/ د. أحمد عكاشة

دار النشر/ نيو بوك للنشر والتوزيع

الطبعة/ 8 – 2011

عقل الذكر وعقل الأنثى .. لا امتياز لأحدهما على الآخر

 

كتاب غزير علماً وفكراً وإيماناً، يسلّط الضوء على الكثير من الحقائق العلمية التي تكشف عظمة الخالق في إبداع خلق الزوجين الذكر والأنثى، ويُنهي ذلك الجدل البيزنطي السمج حول امتياز أحدهما على الآخر. رغم هذا، وعلى نفس الوتيرة العلمية والموضوعية، يبشّر الكتاب بمستقبل أنثوي واعد حين استفاض في إنصاف الأنثى على طول صفحاته، من خلال التأكيد على ما تتميز به من استعدادات فطرية، وملكات أخلاقية، ومنظومة سلوكية، تنمو جميعاً بنموها في مختلف مراحلها العمرية. إنه بالتالي يعمل على تبرئة الأنثى من كل الدعاوي المغرضة في الانتقاص من قدراتها العقلية لصالح عقل الذكر الذي أكدّ الكتاب تفوقه على الأنثى بشكل أكبر في جوانب، مقابل تفوق عقلها عليه بشكل أكبر في جوانب أخرى. كل هذا من خلال معلومات وأبحاث ودراسات علمية، لا من خلال حملات مشحونة بالتطرف الجندري، لا سيما وقد جاء الكتاب رجولياً بالثلاثة، من حيث مؤلفي الكتاب والمقدم له، فضلاً عن كونهم جميعاً من أهل الاختصاص! فلا شبهة لشعارات النسوية، ولا للعاطفة سبيل، ولا للتحيز مكان. يقول المقدم للكتاب: “لا جدوى من الهروب! المرأة تغيرت، جسدياً ونفسياً والأخطر عقلياً، بعد أن أكدت الأبحاث الأخيرة أن عقل المرأة مختلف عن عقل الرجل. ‎إن التحدي الحقيقي الذي يواجهه إنسـان هـذا العصر ليس اكتشاف كواكب مجهولة، ولا أقماراً غامضة تجوب الفضاء الفسيح، ولكن اكتشاف قدرات الإنسان الخفية وأخطرها العقل، وخاصة عقل المرأة”. لا يفت المقدم مع هذا الإقرار من الإشارة إلى عظيم صنع الله، فيقرّ مجدداً “‎إن كتاب «المخ ذكر أم أنثى» رحلة في أشد العوالم غموضا، ألا وهو المخ .. وفي أثناء إبحارنا مع المخ تتجلى عظمة الخالق”.

وعن المؤلفين، فهما: د. عمرو شريف، أستاذ ورئيس سابق لقسم الجراحة بكلية الطب في جامعة عين شمس، وله عدد من المؤلفات العلمية والفكرية والدينية، ود. نبيل كامل، خبير في برامج التنمية البشرية. أما المقدم للكتاب، فهو أ. د. أحمد عكاشة، أستاذ الطب النفسي في كلية الطب بجامعة عين شمس، ورئيس مركز بحوث الصحة النفسية لمنظمة الصحة العالمية، ورئيس اتحاد الأطباء النفسيين العرب، وله العديد من المؤلفات في الطب النفسي والأبحاث العلمية المنشورة محلياً وعالمياً.

يفتح الكتاب مصراعيه على بابين رئيسيين، يفتحان بدورهما ثلاثة عشرة نافذة في فصل تلو الآخر، بالإضافة إلى صفحات الإهداء والمقدمة في البداية، وحصاد الرحلة في الختام مع الملاحق والمراجع. كم كان جميلاً أن يستهل إهداء الكتاب إلى “بناتنا وأزواجهن” قبل الجميع، والذي ينتقل بدوره إلى (الباب الأول: الذكورة والأنوثة)، فيبدأ بعرض مجموعة من (تأملات وتساؤلات) في الفصل الأول، لينتقل إلى الفصل الثاني والذي يعرض فيه (العلماء وهم يجيبون على عدد من المفاهيم الأساسية)، ومن ثم عرض (ملامح وسمات التعاطف والتنظيم) في الفصل الثالث. وفي حين يدور النقاش في الفصل الرابع عن (التنشئة أم الفطرة؟) يتطرق الفصل الخامس إلى (إكسير الذكورة)، بينما يتعرض الفصل السادس إلى (إكسير الأنوثة)، ومن ثم ينتقل الحديث في الفصل السابع عن (أمراض تكشف الحقيقة)، ويختم الفصل الثامن بموضوع وتساؤل عن: (الجينات والمخ .. ثم ماذا بعد؟) ثم يفتح الكتاب (الباب الثاني: تطبيقات على الجنوسة) مبتدئاً بالفصل التاسع في إيحاء عن (الجنس بين شهريار وشهرزاد)، ومن ثم ينتقل إلى الحديث في الفصل العاشر عن الذكر والأنثى باعتبارهما (شريكان في مؤسسة الأسرة)، الفصل الذي يقود بدوره للحديث عمّا (بين الأمومة والأبوة) في الفصل الحادي عشر، ليوجه لهما نداءً في الفصل الثاني عشر بـ (أيها الآباء .. أيتها الأمهات: ستحصدون ما تزرعون)، ليخلص في الفصل الثالث عشر بالتوصية حول (القدرات والاهتمامات والعمل).

تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثامنة للكتاب الصادرة عن (نيو بوك للنشر والتوزيع) عام 2011، وباقتباس يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر) كما سيلي في الأسطر القادمة. وقبل البدء، لا بد من التنويه على أن مادة الكتاب جاءت علمية صرفة معززة بالملاحق والمراجع وبمنهجية تراتبية في العرض والتقديم، وباستخدام لغة مباشرة تخاطب القارئ غير المختص، فضلاً عن النصائح الثمينة المقدمة للأزواج، وجملة القيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية التي اكتسى بها إلى جانب المادة العلمية. وهو في هذا يسعى إلى إبطال الشعارات التي تعظّم الجنس الذكري على حساب نظيره الأنثوي، علمياً وموضوعياً.

يقرّ علم التشريح بتشابه مخ الرجل ومخ المرأة فسيولوجياً، مع فارق الحجم لصالح الرجل والذي يُبرر بصغر حجم جمجمة المرأة في العادة. غير أن الحجم لا يقرّ درجة الذكاء بالضرورة، إذ أن الفيل ليس بأذكى من الإنسان رغم كبر حجم المخ عنده، كما لم يثبت التشريح وجود أي فرق بين مخ أينشتاين ومخ أي متخلف عقلي، وقد تم تشريح مخه بعد وفاته بموافقة مسبقة منه. إن الفارق هنا يكمن أساساً في مستوى أداء الخلية العصبية للمخ. كذلك، يرفض الكتاب اعتماد كلّاً من “العوامل التربوية” وما تقوم عليه من موروثات ثقافية وأعراف اجتماعية، و “الفروق الكيميائية” المتمثلة في الهرمونات الجنسية، في تفسير الاختلافات الفكرية والنفسية والسلوكية بين الإناث والذكور، تفسيراً قاطعاً. وعن تفاوت درجة العاطفة والمنطق بين الجنسين، يذكر الكتاب: “أن الرجل عندما يحب يحب بلا منطق، وعندما يمنطق الأمور فإنه يمنطقها بلا عاطفة. في حين أن المرأة تمنطق الأحداث بعاطفية، وفي قمة عواطفها لا تتخلى عن المنطق”.

وفي مقارنة سريعة حول: (المشاعر والتعبير): يعاني الرجل من قصور نسبي في التعبير عن مشاعره بالكلمات، حيث تقع قدرات الإدراك بالأمور الشعورية لديه في النصف الأيمن من الدماغ، بينما تقع قدرات التعبير اللغوي لديه في نصفه الأيسر. أما المرأة فتتوزع القدرتين في كلا الفصين، مما يفُسر المهارة اللغوية لا سيما الفورية لديها. (عملية التفكير): أثناءها، تظهر “الخلايا العصبية” المسئولة عن معالجة المعلومات أعلى بمعدل ست أضعاف عند الرجل عن المرأة، في حين تظهر “المحاور العصبية” المسئولة عن تبادل المعلومات أعلى بمعدل عشر مرات عند المرأة من الرجل. (الاستجابة للمحفزات): أن “الجهاز الحوفي” المسؤول عن الاستجابة العضلية هو أكثر نشاطاً عند الرجل من “التلفيف الحزامي” المسؤول عن الاستجابة النفسية والذي هو أكثر نشاطاً عند المرأة. يُفسر هذا تجاوب المرأة مع الاستفزازات لغوياً، واستخدام الرجل لقبضته في مواجهتها. (الحواس): تتفوق المرأة في حاسة السمع وحاسة البصر وحاسة التذوق وإحساس الجلد عن الرجل. فمن بين عشرة مطربين ينبغ رجلان فقط ويكون المتبقي من نصيب المرأة. كذلك، تبصر المرأة الألوان ذات الموجات الأطول وتعلو كفاءة الحاسة لديها في الظلام، كما أنها الأكثر استجابة للأطعمة المرة والحلوة، ويتحمل جلدها أيضاً أقصى درجات الألم.

(المكان: فناء المدرسة – الزمان: سن العاشرة) .. وبينما يجوب الأولاد الفناء ذهاباً وإياباً مصحوباً بصراخ بل وعنف حال خلافهم يصل عادة إلى حد التشابك بالأيدي، تجتمع البنات في مكان ما على طرف الفناء يتبادلن الحديث والحقائب أحياناً. وإن وقع خلاف ما بينهن، فلا يتجاوز حسمهن له استخدام تقنية النقاش أو الصياح. يقع أحد الأولاد على الأرض أثناء اللعب باكياً، فلا يأبه به أحد بل قد يعمد الأولاد إلى إزاحته جانباً من أجل الاستمرار في اللعب، أما لدى البنات فتتوقف اللعبة بأكملها، حيث يهرعن جميعهن نحو تلك التي سقطت لمساعدتها والتخفيف عنها. وفي الحديث عن الجنسين في تنشئتهم المبكرة، يتطرق الكتاب للحديث عن هندسة الكيبوتس الإسرائيلية وفشلها في خلق جيل ذو جنس أحادي من خلال محاولة منح فرص متساوية للجنسين بما يُطلق عليه “البيئة التربوية المتماثلة”، حيث تأبى الطبيعة البيولوجية إلا أن تنتصر!. تقول النتيجة: “لقد فشلت كل محاولات السياسيين في استخدام «الهندسة الاجتماعية» داخل الكيبوتسات من أجل خلق يوتوبيا بالمفاهيم الذكورية (مجتمع يرى أن السعادة تتحقق إذا تبنى الجميع ‏ -ذكورًا وإناثاً – قيم التحدي والتفوق المادي). كما قدموا لنا البرهان على أن عقول الذكور والإناث مختلفة بالفطرة وليس بالتنشئة، وأن الأولاد والرجال يعيشون غالباً في عالم الأشياء من خلال عقول تنظيمية، بينما تعيش البنات والنساء في عالم الإنسان والعلاقات من خلال عقول تعاطفية”.

إن الأمومة انتصار أزلي، وعندها، يفرّق الكتاب بين الأمومة والأبوة فيقول: “هل تخيلت في يوم من الأيام أن الرجل يمكن أن يتحمل أعباء الأمومة بدلاً عن زوجته؟ وهل لاحظت أن العلاقة بين الأم وطفلها علاقة تبادلية خاصة، حتى إنه لم يحدث في تاريخ معظم المجتمعات البشرية أن نجح الرجال في القيام بدور الأمهات مهما كانوا حريصين على ذلك ومهما كانوا معطائين، حتى وإن قاموا بتقديم وجبة الرضاعة أو تغيير الحَفاضَات؟ بل لقد فشلت محاولات علماء الاجتماع في جعل الطفل أكثر قبولا لرعاية أبيه بدلاً من رعاية أمه، ويُعتبر قيام الأب بتربية أطفاله بعد فقد الأم استثناءً من هذه القاعدة”. بالإضافة إلى هذا، يذكر الكتاب أن إحصائيات الطوارئ تسجل نسب إصابات أعلى للأطفال في الأوقات التي كانوا فيها تحت رعاية آبائهم، بالمقارنة مع الحالات التي كانوا فيها تحت رعاية أمهاتهم.

ختاماً، لم تعد صورة المرأة النمطية في ضعفها وانكسارها وخوفها هي المرتقبة، بل إنها: “صورة قد تدخل قريباً أرشيف الذكريات”. إذ تشير الأبحاث العلمية إلى (قوة المرأة الجسدية)، تشهد لها الأرقام القياسية المسجلة في الدورات الأولمبية، و (قوتها النفسية والعصبية) إذ تمكنت من اختراق الفضاء مع الرواد الرجال، نداً بند.. وتتوالى إنجازاتها.

أخيراً وليس آخراً: يختلف الجنسان .. نعم! لكنه اختلاف يدعو إلى التجاذب لا التنافر .. كقطبي مغناطيس في المجال الفيزيائي، أو كما يقول الشاعر الشاب مريد البرغوثي في قول أكثر عذوبة: جديلة طرفاها العاشقان فما تراهما افترقا إلا ليلتحما .. في ضمّة تُرجع الدنيا لسنّتها كالبحر من بعد موسى عاد والتأما.

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 25 مايو 2022 – صفحة (10):

https://almashriqnewspaper.com/wp-content/uploads/2022/05/5118.pdf

 

 

عدد القراءات:13 قراءة