مقالاتي في صحيفة المشرق – يناير 2023

قراءة في كتاب

…………………………

 

أنشر هذه المقالات في شهر يناير / كانون2 2023
همى الغيث

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ تدابير القدر

المؤلف/ محمود شيث خطاب

دار النشر/ دار وحي القلم

الطبعة/ الثالثة – 2014

ومن القصص عبرة لأولي الألباب

 

 

على الرغم من أنها مجموعة قصصية قد لا تختلف في ظاهرها عن غيرها، إلا أن الكاتب اختار لها عنواناً فرعياً يصفها بـ (قصص واقعية هادفة)، حيث يسرد فيها بعض من قصص إنسانية جرت حقيقة على أرض الواقع، يغلّفها طابع روحاني طاغٍ وتفعم بجزيل الحكمة والعبرة والموعظة. لهذا، يكيل الكاتب في مقدمة كتابه تشنيعاً على مؤلفي القصص التي تفتقر إلى المستوى الأخلاقي المطلوب في النشر على العامة، فضلاً عن ناقليها من لغاتها الأجنبية، مثل: “القصص الجنسية التي تغري بالفساد، ومنها القصص ذات الطابع الإجرامي التي تُغري بالجريمة، ومنها القصص التافهة التي تبدد الوقت عبثاً”، وقد وضع نصب عينيه إثراء القرّاء بقصص تعود بالنفع والخير والصلاح عليهم. حيث يقول ابتداءً: “وحياة المرء تنتهي بالموت، وحياة الدنيا محدودة بالأيام والأشهر والسنين، وحياة الآخرة بلا حدود، فلا ينبغي أن نعمل لحياة فانية، ولا نعمل لحياة باقية، وهذه القصص تحث على العمل الصالح في الدنيا للآخرة”.

أما الكاتب، فهو محمود شيت خطاب (1919 : 1998) يعود في أصله إلى مدينة الموصل الواقعة في شمال العراق. التحق بالعمل الدبلوماسي كوزير، والعسكري كقائد حيث شارك في حرب فلسطين عام 1948، وله من المؤلفات ما تتجاوز المائة وستين كتاباً في العلوم الدينية وكذلك السياسية، فضلاً عن عدد من المقالات والأبحاث المنشورة في الصحف والمجلات العربية والإسلامية. يحمل الكتاب القصير من القصص ذوات العبر ثمان، هي: الرؤيا الصادقة / تتمة الرؤيا الصادقة / يا أيتها الحمامتان اشهدا .. لقد شهدتا / قاتل أبيه / الملّاح القاتل / وليمة قندهارية / مجالس الذكر / في ضيافة النبي. وعن هذه الأخيرة التي جاءت بخاطرة لا بقصة، فقد حمّلها الكاتب نفحات مفعمة بالابتهالات والروحانيات والأشواق وهو يستحضر مشاعر غمرته بالحب والرضا والسكينة عند حضرة الروضة الشريفة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وذلك أثناء زيارته للمدينة المنورة. وفيها قال: “يا الله .. هنا العظمة الحقة، هنا الجلال والجمال، هنا الهدى والنور. إن كل عظمة غيرها سراب، وكل جلال غيره غثاء، وكل جمال عداه هراء، وكل هدى إلاه ضلال، وكل نور بعده ظلام”.  لذا، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة الثالثة الصادرة من الكتاب عام 2014 عن دار وحي القلم، والتي أخصّها من بين قصصه المؤثرة بالقصة الثالثة التي جاءت بعنوان (يا أيتها الحمامتان اشهدا .. لقد شهدتا)، والتي يتجلّى فيها مكر الله في تدبير القدر الذي وإن طال أمده لا بد وأن يحقّ العدل في الحياة الدنيا، الأمر الذي يدعو إلى تعظيم مقامه عز وجل، وهو يُمهل ولا يُهمل .. وهي تحتوي على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

تشهد حمامتان فوق غصن شجرة على مقتل تاجر موصلي بطعنة خنجر عالجه بها رئيس عصابة لمجموعة من قطّاع الطرق بعد أن سلبه كل ما يحمل معه من مال، وقد كان هذا اللص قد “جمع من المال الحرام مبلغاً ضخماً، فبدده على موائد الميسر ومجالس الشراب والمواخير .. والمورد الحرام ينفق على الحرام ولا يخلّف غير الآثام والخراب” .. ففي صغره، كان يجالس قطاع الطرق الذين كانوا يُضفون على ما اقترفوه من جرائم سمات البطولة وهم أبطالها “كما يُضفي عليهم الذين يسمعون أحاديثهم من أضرابهم سمات الرجولة، فيتبختر السكارى في غيّهم وانحرافهم كأنهم خالدون في الدنيا وليست لحياتهم نهاية كما كانت لها بداية ولا على ما اقترفوه من حساب”. وقد كان تاجر المواشي والأغنام قد حلّ على مدينة حلب من أجل صفقة لبيع مواشيه في سوقها التي تمت بربح عظيم، حيث كمن له ذلك الشقي مع أفراد من عصابته في وادٍ بعد مراقبته بحذر وترّقب! “وكان التاجر في استغاثته وتوسّله ينظر يميناً وشمالاً، لعله يجد من يغيثه ويستجيب لتوسله، ولكنه لم يجد أحداً من الناس، ووجد فوق الشجرة التي ذُبح تحتها حمامتين، فقال وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: أيتها الحمامتان اشهدا” .. الرجاء الذي أثار سخرية القاتل فقهقه له كثيراً وهو يكرر “أيتها الحمامتان اشهدا” ثم “مضى إلى سبيله وهو يقهقه كأنه سمع نكتة بارعة تستدر القهقهة والضحك والابتسام”. وبعد أن تُطوى الأيام والشهور والأعوام، ويتعاقب الولاة والقضاة والخلائق، وقد تم تقييد الحادثة المؤسفة ضد مجهول حين وقوعها مع الاكتفاء بتقديم النعي لأبناء التاجر الفقيد الذين “أوكلوا قضيته إلى الله” .. يقدم القاتل إلى وليمة دُعي لها مع كثير من وجهاء المدينة وعامة الناس، وقد كبرت سنه بعد أن بقي طيف التاجر المغدور يطارده والحمامتان أينما حل وذهب، فإذا بحمامتين محمّرتين فوق طبق شهي قبالته .. فيحملق، ويسترجع ذكرى ما حدث وكأنها شاخصة أمامه في تلك اللحظة بكامل أركانها الفاجعة، ويطرق برأسه ملياً فلا يقوى على الكتمان، ثم يصدح بـ “قهقهة لا إرادية يستعيد بها قهقهته الإرادية وهو يجهز على القتيل، كأنه نسي الوليمة والمدعوين، وعاد بذاكرته إلى الماضي البعيد .. فهو حاضر كالغائب أو غائب كالحاضر” .. فينطق بتفاصيل جريمته النكراء كبيرها وصغيرها، ويقرّ بها على مرأى ومسمع من الجميع الذين أصيبوا بالذهول التام .. “ولاحقته الأنظار المستغربة والأسئلة المبهمة، وبشكل لا إرادي تنهد طويلاً ثم انطلق يحدّث من حوله قصة المنكوب بروحه وماله، كأن قوة خفية قاهرة تحرك لسانه بشكل لا إرادي، فلم يترك شاردة ولا واردة من قصته إلا وأفشاها للحاضرين”. وحينما أفاق من سكرته بعد فوات الأوان، وأحيل اعترافه إلى قائد الشرطة بعد أن وصل إلى مسامع والي حلب الجديد وحُكم عليه بالإعدام شنقاً، أجاب حين سأله أبناءه وزوجه وأقاربه وكل من صادفه كيف أباح بسره المكتوم بعد طول سنين قائلاً: “إن إرادة قاهرة شلّت إرادتي واجبرتني على الكلام”. وفي اللحظة التي لفّ فيها حبل المشنقة عنقه قال يعترف اعترافه الأخير: “لم أتكلم بلساني، بل بلساني الحمامتين اللتين كانتا في الطبق المستقر أمامي في دعوة العشاء”. وقد أقرّ من قبله الوالي والقاضي وقائد الشرطة وجميع الناس: “لقد شهدتا”. ووسط تهليل وتكبير الحشود التي تجمعت في موقف يشهد من عجيب تدابير القدر ما يشهد، تحوم أسراب من الطيور فوق جثمان القاتل حتى تستقر اثنتان منهما فوق رأسه .. لا تتحركان، “وهدرت الحشود بصوت واحد: لقد شهدتا”. يختتم الكاتب هذه القصة بقول يذكّر المؤمنين الذين تنفعهم الذكرى بأن الله غالب على أمره، فإن عجز قانون الأرض عن إحقاق الحق فإن قانون السماء نافذ .. وبالمرصاد، ولو بعد حين، فيقول: “عجزت عدالة الأرض في اكتشاف سر القتيل السليب، فبقي ‎القاتل السالب طليقاً سنين طويلة، يحمل معه السر الدفين .. ‎ولكن عدالة السماء كانت للقاتل السالب بالمرصاد، ‎فكشفت سره وساقته إلى القضاء .. ‎وأمهله القدر ساعة، ولكنه لم يهمله إلى قيام الساعة .. ‎وشهدت الحمامتان، فساقته شهادتهما إلى مصيره المحتوم”.

وبدوري، أختم بالآية الكريمة التي افتتح بها الكاتب كتابه وقد أهداه إلى من يستمع القول فيتّبع أحسنه .. “لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ”.

 

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 4 يناير 2023 – صفحة (10)

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ مميز بالأصفر

المؤلفان/ جاكسون براون و روتشيل بنينجتون

دار النشر/ مكتبة جرير

الطبعة/ الأولى – 2018

كلمات بيضاء لحياة مفعمة بالألوان

 

 

كتاب يضم بين دفتيه الصغيرتين تجميع لاقتباسات وأقوال وعظات وحكايات وخواطر وهمسات .. تعزف ألحاناً عذبة ندية متناغمة تناغم طاقة الأمل والتفاؤل والجمال والحب والسعادة التي تحيا بها الحياة بأغلى ما فيها، ومعانٍ أخرى كالتي تحيط بنا مثل الهواء والتي أصبحنا نتنشّق عبيرها من على صفحات التواصل الاجتماعي كـ (روتين) يومي لا بد منه، أو مما كان واقع حياة نتعايش معه لا محالة. لذا، لا غرابة أن يصف العنوان الفرعي للكتاب بأنه (مقرر مختصر في العيش بحكمة والاختيار بذكاء). إنه المقرر الذي يقرّ في مقدمته بـ “أهمية التصرف بلطف ‎وكرم وإحسان مع الآخرين، وتوطيد علاقات قوية راسخة مع الأشخاص الذين نحبهم، واختيار توجهات ذهنية تساعدنا أثناء عيش ساعات الحياة اليومية العادية، واكتشاف معنى الرضا والإشباع النابعين من تقدير المتع البسيطة والاستمتاع ‎بها”.

تعرض قائمة المحتويات ستة عناوين رئيسية تسبقها مقدمة وجيزة وتنتهي بكلمة شكر وتقدير، وهي تحدد أطر ذلك المقرر التي اعتمدها الكتاب -من وجهة نظر مؤلفيه التنمويين- للعيش بحكمة تعود بالنفع، وللاختيار بذكاء من بين بدائل في الحياة لا متناهية. والأطر هي: (الإحسان / الكرم / المتع البسيطة / التوجه الذهني / الزواج / الأبوة). وفي هذه المراجعة، عرض لشذرات من مأثور القول الذي جاء به، وهي تعتمد على الطبعة الأولى الصادرة عام 2018 عن مكتبة جرير، والتي تشتمل على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

يعتقد (صامويل إتش. هولدنسون) أن صعوبة الشعور بالسكينة في حضرة شخص فاقد للطمأنينة، و “عدم القدرة على التمتع بهدوء البال عندما يكون أحد الجيران محملاً بالهموم” هو تعريف لمعنى (الإحسان). ويقترح الكتاب -وهو يعني بهذا المفهوم النبيل- أن تبعث لشخص فقير تعرفه ورقة نقدية بقيمة عشرين دولار سراً دون أن تفصح عن نفسك، وذلك كترجمة عملية للإحسان في الحياة. ومن جانب حياتي آخر، يظهر الحب وكأن له يدان تساعدان المحتاج، وقدمان تسعيان نحو الفقير، وعينان تبصران العوز، و “أذنان يسمع بهما تنهدات المكروبين” .. هكذا يتحدث (سانت أوجاستين) في مفهوم (الكرم) الذي يأتي الحب كشكل من أشكاله. ويستمر الكتاب فيقترح أيضاً عملاً تطوعياً مرة كل شهر ولبضع ساعات في مطعم بسيط روّاده من الفقراء.

وفي (صنيع معروف عشوائي)، يسرد الكتاب قصة دارت أحداثها البسيطة في عام 1891 والتي لم تنتهِ بالبساطة التي بدأت بها، حيث يقصد فندق (بيلفو هوتيل) في ليلة مطيرة “زوجان عجوزان يحتميان من عاصفة في منتصف الليل”، عندما كانت جميع فنادق ولاية فيلادلفيا ممتلئة بأكملها بالنزلاء، في حين “لم تكن هناك غرفة شاغرة للإيجار في أي مكان”. يستقبلهما موظف شاب تأخذه الشفقة ويتعاطف مع ظرفيهما، فيعرض عليهما “السرير الوحيد المتاح .. سريره الخاص”. يرفض الزوجان بينما يصرّ الشاب العطوف، “ومن خلال الإقناع الكريم العطوف للموظف الشاب، قبل الزوجان العجوزان عرضه أخيراً. وعند مغادرة الفندق في الصباح التالي كرر الزوجان العجوزان شكرهما وامتنانهما للشاب على الاهتمام غير العادي الذي أولاهما إياه. قال الرجل: (أنت الشخص الذي ينبغي أن يكون مدير أفضل فنادق الولايات المتحدة. ربما أبني لك في يوم من الأيام فندقاً تديره أنت). ضحك الثلاثة على ‎التعليق وهم يفترقون. ‎نسي الموظف الشاب الحدث، ولكن العجوز لم ينسه وبعد عامين من ذلك، تم إنشاء مبنى هائل شبيه بالقلعة في نيويورك سيتي، وكان صاحبه هو العجوز الذي تأثر بموظف فندق فيلادلفيا رحيم القلب. وكان هذا هو الوقت المناسب لدعوة الشاب لرؤية الفندق الهائل الذي ينتظره. ‎وعند وصوله، اصطحب العجوز الموظف الشاب إلى وسط المدينة. قال له السيد العجوز: (هذا هو الفندق الذي بنيته لتديره أنت). وأثناء وقوفهما عند زاوية الشارع بجوار الفندق الذي سرعان ما سيصبح فندق والدورف أستوريا هوتيل صاحب الشهرة العالمية، تم تعيين الموظف الشاب جورج سي. بولدت أول مدير للفندق. وعلى مدار السنوات الثلاث والعشرين التالية، وحتى وفاته عام 1916، ظل بولدت مخلصاً للفندق وللثقة التي أولاها إياه ‎ويليام والدورف أستو”.

أما عن (المتع البسيطة)، فإن قضاء ساعة واحدة في الفراش قبل النوم للقراءة قد تكون هي الساعة الأكثر متعة في اليوم، “وتلك هي الساعة التي تقضيها في الفراش مع كتاب بعد أن تستيقظ في الصباح” .. هكذا تعتقد (روز ماكاولي). لذا، ينصح الكتاب هنا كذلك بالاحتفاظ ببعض كتب التحفيز إلى جانب فراش النوم. ثم يقترح الكتاب في (التوجه الذهني) تطبيق قاعدة -أعتبَرَها بسيطة- لتقييم ما يتلفّظ به الإنسان، فإن لم يكن باستطاعته كتابة ما ينوي قوله والتوقيع عليه فعليه ألّا يقله. يقول (جورج ويزر): “عندما يقلّ كلامك يسهل عليك تصحيح أخطائك بسرعة”. وبعيداً قليلاً .. هل أبلغ وأحكم وأصدق من قول الأديب الإنجليزي (وليام شكسبير): “الآن شبّكا أيديكما .. ومع أيديكما .. شبّكا قلبيكما”؟. ففي الحديث عن (الزواج)، لا تعتقد (جورج إليوت) أن الشعور بالحب يكفي، إذ لا بُد أن يُسمع! فتقول: “لا داع للصمت .. فسيكون هناك الكثير من الصمت بعد الموت”. ولا تفوت الكتاب الفرصة ليحرّض على استغلال كل فرصة من أجل التعبير عن الحب .. للحبيب وللحبيبة. وهو لا يزال يتحدث في (الزواج)، يستدلّ بمثل نرويجي يقول: “دائماً ما يكون المحبوب جميلاً” وهو يوصي الزوج بإصرار على أن تأتي إجابته دائماً بـ (نعم)، متى ما سألته زوجته عن تصفيفة شعرها الجديدة، وفيما نالت إعجابه أم لا!

والكتاب وهو يقتبس قول الرئيس الأمريكي (ابراهام لنكولن) في توصية كلا الوالدين بقيادة السيارة بالطريقة التي يريدان أن يقود بها أبنائهما، تأخذ وصيته منحى مجازي كما المعنى المباشر فيه، إذ يقول موضحاً: “هناك وسيلة واحدة لتنشئة طفلك بحيث يتخذ الطريق الذي ينبغي أن يسير فيه، وتلك الوسيلة هي أن تسير أنت نفسك في هذا الطريق” .. فالقيادة بذوق وتوخٍ وحذر تضمن السلامة وتضمن الوصول إلى الوجهة المبتغاة، وكذلك هو السير على طريق الخير والحب والفضيلة .. لا ينتهي إلا بها. وعندما ينصح الكتاب وهو يستمر في حديثه عن (الأبوة) بعدم الخلط بين النجاح والثروة، يستعين برأي (تيودور روزفلت) الذي كان يعتقد أنه لا يوجد أي إنجاز في الحياة سواء كان التحاق بجامعة ما أو إصدار كتاب أو تحصيل ثروة أو تقلّد منصب رئيس البلاد “يضاهي نجاح رجل أو امرأة يمكنهما الشعور بأنهما أديا واجبهما، ويكبر أولادهما وأحفادهما ويدعوان لهما بالرحمة”. والكتاب وهو يذكّر بالموارد الثلاثة المتاحة لكل فرد والتي تلعب دوراً مؤثراً في حياته “الحب والدعاء والصفح” .. لا يُصبح أجمل من قول (كاري ويستنجسون) الذي وكّل أمره لله بكرة وعشياً، وهو يقول: “في الليل، أسلّم كل أموري لله، فهو الذي لا ينام أبداً”.

ختاماً، ومع تلك الدفقة الإيجابية نحو الحياة، لم يأت من فراغ وصف الكتاب لكلماته التي لم تكن مجرد كلمات لتعبئة صفحات ومنشورات للتداول ورسائل للاستهلاك الصباحي، بل “‎إنها كلمات تجلب الهدوء، كلمات تجلب الشفاء، كلمات تقدم التشجيع وتحث على التغيير وتكافئ على الجهد”. إنها إذاً مقرر عملي “نأمل أن تساعدك على العيش بحكمة والاختيار بذكاء. لذا، قم بالقراءات المطلوبة .. أنجز واجباتك .. الصف منعقد دائماً ونحن نتعرض للاختبار يومياً”.

 

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 11 يناير 2023 – صفحة (10)

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ القوادون والسياسة: تاريخ البغاء في نصف قرن

المؤلف/ عبدالله كمال

دار النشر/ عربية للطباعة والنشر

الطبعة/ الأولى – 1988

والدعارة لأغراض سياسية هي الأشد انحطاطاً

 

 

كتاب تم إصداره في ثمانينيات القرن الماضي والذي اعتبره القرّاء آنذاك أقرب ما يكون إلى الكتب السياسية ذات الطابع الفضائحي الممنوعة بالضرورة، لا سيما وأن المعلومة في تلك الفترة كانت شحيحة، والمصداقية مشكوك فيها، والرقابة الصحفية تمحو وتقصّ بمشرط رئاسي، (وجهينة) مقيد بطبيعة الحال طالما أنه يملك الخبر اليقين.

يوضّح المؤلف في مقدمة كتابه أن الدعارة السياسية هي أشد انحطاطاً من دعارة الجسد، إذ يضاجع الداعر السياسي الصحفي المرتزق سفاحاً، ليوّلد عنه أفكاراً يتم بثّها على العوام بممارسة حاذقة، تهدف إلى برمجة العقول والأمزجة والتوجهات على نحو يخدم الأجندات السياسية القائمة على مصالح أباطرتها أولاً وأخيراً. ولأن عنوان الكتاب ينطوي على شيء من التمويه إذ يحمل المعنيين معاً (دعارة السياسة بالفكر، ودعارة السياسة بالجسد)، فإن المؤلف يؤكد وبإصرار -وهو لا يزال في المقدمة- على أن الكتاب معنيّ بالقوادة حَرفياً وحِرفياً .. قولاً وفعلاً، حيث إن الكتاب لا يتحدث عن باعة الأفكار المؤدلجة إلى عامة الشعب مقابل التربح المادي من رشاوى السياسيين، بل يستهدف فعلياً بائعات الهوى المحترفات مقابل خدمة المصالح الاستخباراتية وأغراض التجسس.

ومع رواج (بزنس) القوادة السياسية، اختفى ذلك النمط التقليدي للقوّاد المخمور صاحب الدار المتهالكة في ذاك الزقاق الوضيع، والذي يعجّ بعدد من العاهرات أغلبهن مغدورات يمارسن البغاء على مضض وتحت التهديد مع ما يصطاده القوّاد من زبائن ذوي حاجات ملّحة، وهو الذي يبقى متيقظاً حتى نهاية تقديم الخدمة، لتحصيل الأجرة قبل هروبهم وقد قضوا وطرهم كاملاً. فهذا القوّاد الكلاسيكي قد ورثه أخاه الذي يظهر اليوم ممشوق القوام مهندماً على طراز رجال الأعمال، يقبع خلف مكتب فاخر في أحد أبراج المال والمشاريع، يوّفر المواد الخام، ويوفق الرؤوس بالحرام، ويدير تجارة الرقيق بتكنولوجيا القرن الواحد والعشرين.

يترجم الكتاب مفهوم الدعارة السياسية من خلال نماذج حيّة استعرضها في خمسة عشر فصلاً، بين فضائح عالمية وأخرى عربية. عليه، تعتمد هذه المراجعة للكتاب على الطبعة الأولى الصادرة منه عام 1988 عن عربية للطباعة والنشر، وهي تحتوي على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر):

يصف الكتاب القوّاد بـ “الجنس الرابع”، فهو مخلوق لقيط ليست له هوية انثربيولوجية، خفاشي ينشط في جنح الظلام، غليظ الجلد فلا يُغرز فيه أي قيمة أخلاقية، عديم الحس ديوث لا ينكر المنكر إنما يمتهنه باحتراف ويقتات عليه. ومن منظور داخلي، يسرد المؤلف مع شيء من التفصيل تحليل نفسي لشخصية القوّاد عنيّ به طبيب للأمراض النفسية والعصبية، إذ يرى أن للقواد عدة سمات يُعرف بها، منها: قلب بارد، إحساس مثلّج، لا موهبة، لا شرف، لا مبالاة، ابتزازي، منبوذ، مهان، كاذب، سارق، مدمن، مدمّر، شرس، فاشل دراسياً، فقير للحب، عبد للمال، سهل الاستثارة، مفتعل للشجار، عنيف ضد البشر، عدواني ضد الحيوانات، مضطرب نفسياً، مصاب بالصرع أو بالتشنجات أو بالاكتئاب … وغيرها المزيد! لا غرابة إذاً وهو من أي عرق كان ومن أي أرض جاء، يرتبط بمنظومة من المعايير معتمدة عالمياً ومثبتة علمياً للقواد المحترف.

وفي مقاربة بين الداعر والديكتاتور، يقول المؤلف: “إن القواد بهذا هو ديكتاتور، باطش، ظالم، يفعل أي شيء كي تسود سلطته فوق أجساد البشر الذين يوظفهم لخدمة أغراضه، خاصة النساء. لا يقبل الرأي الآخر وإنما هو فقط يوافق على ذلك الرأي الذي يخدم أغراضه. وفي حين أن الديكتاتور يفعل كل هذا الذي يقوم به من أجل السلطة التي يسيطر عليها، فإن القواد ديكتاتور من أجل المال. والديكتاتور عادة له رعية، شعب يقوده في اتجاه أهدافه بالقسوة والعنف، لكن القواد، الذي له رعية أيضاً، يبدو لي وكأنه راعي غنم، ليس هدفه أن يحمى غنمه من الذئاب والثعالب، وإنما هدفه هو أن يرعى الغنم ويحافظ عليها، كي يبيع صوفها، ويحلب لبنها، ويأكل لحمها، ثم يبيع كل الغنم إلى أقرب ثعلب أو ذئب يمكن أن يدفع أكثر، كي يتحول إلى البحث عن قطيع غنم جديد يقوم معه بنفس الدور السابق”. ومن أمثلة انحلال الصفوة التي جاء بها المؤلف، (الملك فاروق) وخضوعه لسطوة حاشية فاسدة من الإيطاليين، لم يكن أعضاؤها على أي مؤهل يُذكر سوى القدرة على إدارة رأس الملك بكؤوس وغانيات، والتسابق على اشباع نزواته الصبيانية مقابل نهبهم للثروات، في حين كان البلاد والعباد يلوذان تحت وطأة الفقر وضيق الحال.

(كريستين كيلر) .. الفتاة الإنجليزية، الناعمة المفترسة، الجاسوسة العاهرة، والتي تم تصنيفها كـ “مخلوق خطر” حينها! كيف لا وقد احتلت الصدارة في أحاديث المجتمع الساخنة لسنوات عدة، لا سيما حين تمكّنت وبدهاء حاذق من شبك الاتحاد السوفيتي بالولايات المتحدة بالمملكة المتحدة في خليط لا متجانس، من خلال توظيف ألاعيبها الأكروباتية في عالم الجنس والتجسس، والتي تسببت فيما بعد بالإطاحة بحكومة وبفشل وزير وبانتحار طبيب .. في واحدة من أعقد حالات البغاء في ستينيات القرن الماضي. يتطرق المؤلف كذلك إلى الحادثة التي تعرّض لها السفير المصري لدى إسرائيل (محمد بسيوني) عام 1996، حين وجّهت له راقصة اسرائيلية تهمة محاولة اغتصابها في أحد الفنادق، موضحاً أن الدافع الذي كان يحرّك هذا الفعل الشائن من التلفيق والتشهير هو موقف مصر الحاسم من القضية الفلسطينية في ذلك الوقت. وكما قال الفاروق عمر: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”، يصوّر المؤلف قسوة الحياة من خلال امرأة عربية كادحة يدفع بها شظف العيش إلى قبول عقد عمل استلمته عن مهنة شريفة كما نصّ عليه، تطير به وبآمالها من أرضها إلى أرض غريبة، حيث تستقبلها الفاجعة التي تنتهي بآمالها وبمآلها في شقة تقتسمها مع مومسات، تمتهن بها (الصنعة) مكرهة تحت تهديد السلاح ومواجهة عقوبة السجن، في صراع غير متكافئ مع غول الفقر المدقع وغيلان الدعارة. يقول المؤلف في مقدمة هذه الفاجعة (وحش الفقر الجائع): “حين رفضت ممارسة الدعارة، أحضروا لها ابنتها وخلعوا ملابسها وراحوا يطفئون في جسد الطفلة سجائر مشتعلة”.

يستعرض المؤلف كذلك الوضع البائس للنساء في أرياف مصر، إذ يتم بيعهن لسوّاح بلاد النفط الغنية بعقد عرفي أو بأجل، مقابل حفنة من أموال يقبضها مقدماً ولي الأمر! غير أن الأنكى في هذا أن السائح من أولئك ممتلئ الجيب والكرش والشهوة، يقبض في ذمته على أربع نسوة شرعيات، في الأغلب! لا ضير، فالمهر الزهيد ثروة لوليها، “وحلاوة” القواد حق معلوم! إلا أن الوضع يزداد بؤساً عندما يثمر ذلك الارتباط المؤقت -والذي قد لا يتجاوز الشهر- عن طفل لم ولن ير أباه، بذنب هو منه براء. ثم يتعرّض المؤلف في فصول الكتاب الأخيرة بإسهاب إلى قضية وزير الإعلام المصري الأسبق (ممدوح الليثي) والذي “ارتضى أن يعمل قواداً” حسب تعبير المؤلف، من خلال استغلال منصبه في رشاوى مالية وفي حالات سُجلت ضده عن تحرشات جنسية فاضحة. وقد أثارت القضية ضجة كبرى في مصر وشغلت الرأي العام حينها، حيث تم البتّ فيها عام 1997 عن طريق المحكمة التأديبية العليا، فجاء المؤلف بتفاصيلها إرضاءً لفضول القراء المتابعين للقضية آنذاك.

ختاماً، وعلى الرغم من أن المعلومات الواردة في هذا الكتاب قد تكون قديمة نسبياً، إلا أن شبكة المعلومات تُثريها بمعلومات أكثر تفصيلاً وأقوى مصداقية، من خلال ما تبثّه من مراجع وصوّر ووثائقيات .. ولو استمر تجديد الكتاب بطبعات حديثة، لاتسع بأمثلة أكثر سخونة عن فضائح النصف الثاني للقرن الماضي الممتدة حتماً حتى الوقت الحاضر .. الحاضر الذي لم يعد يحمل قاموسه مفردات مبهمة مثل أسرار أو شبهات أو ممنوعات …، فهو حاضر زمن العولمة، وتمدد الشبكة العنكبوتية، وسلاطة أخبار مواقع التواصل الاجتماعي.

 

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 18 يناير 2023 – صفحة (10)

 

 

……………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

كتاب/ سعيدة بكوني امرأة: دليل النساء لحياة ناجحة

المؤلفة/ لويز هاي

دار النشر/ دار الفاروق للاستثمارات الثقافية

الطبعة/ السادسة – 2017

التحفيز نحو استقلالية، وموضوعية، وحب للذات أكبر

 

 

هو كتاب عن المرأة وللمرأة .. تحريضي وتحفيزي، يهدف إلى خلق تلك الحالة الإدراكية الواعية اللازمة لكل امرأة وهي تمضي على وتير القرن الواحد والعشرين المضطرد ضمن هدير ما يشهد من تغيرات لا تلبث أن تتقرر حتى تتغير، وذلك من أجل فرض التغيير المطلوب لكل امرأة، في كيانها كإنسانة ابتداءً، وفي دورها الرائد ككائن فاعل في المجتمع الإنساني .. إذ هو كتاب جدير على حد سواء، بشحذ همة كل امرأة واعدة نحو طريقها الحقيقي في الحياة، وتجديد عزيمة كل امرأة قطعت شوطاً نحو ذاتها الحرة، باستقلالية وبموضوعية واعتزاز بالنفس أصدق وأعمق وأحكم. وعن هذا التطلع وما حدّه سابقاً من مخلّفات مجتمعية، تقول الكاتبة في مطلع حديثها: “لقد عانت المرأة الكثير والكثير، ولا نريد أن نغفل ذلك. لقد كان الرجل في الماضي هو السيد الوحيد في المنزل، لذا فقد كانت نتيجة أي عصيان يصدر عن الزوجة أو الطفل أو الخادم هي العقاب بالجلد. أما الآن، فقد استطاعت المرأة أن تتقدم بالفعل، ولكن هذا لا يعد سوى بداية مرحلة جديدة من التطور، حيث ما زال لدينا الكثير لنتعلمه، والكثير لنقوم به، فقد أصبح هناك الآن حدود جديدة لحرية المرأة، لذا نحن في حاجة إلى إيجاد حلول جديدة لكل النساء، وكذلك لمن يعشن بمفردهن”.

إنها لويزا هاي (1926 : 2017) .. “صاحبة الكتب الأكثر مبيعاً” كما يعرض غلاف الكتاب الأول الذي أصدرته عام 1996، وهي من أبرز الكاتبات الأمريكيات اللاتي عملن ضمن مجال الروحانيات وتنمية الذات. تعرض شبكة المعلومات قصة كفاح قاسية خاضتها الكاتبة في حياتها التي امتدت إلى تسعين عاماً، تعرضت فيها وهي طفلة ووالدتها إلى عنف جسدي من قبل زوجها، وللاغتصاب في سن مبكر من قبل جارها، الأمر الذي دفعها إلى عرض طفلتها لدور التبني. ومع الفقر والعوز وقلة الحيلة، تترك دراستها الثانوية وتنخرط في أعمال منخفضة الأجر، لتنتقل إلى دراسة العلوم الدينية والروحية بعد طلاقها من زوجها رجل الأعمال بعد زواج دام أربعة عشر عام، وقد تسبب لها في أزمة عنيفة جرّاء خيانته الزوجية! تُصاب بالسرطان فترفض العلاج الكيميائي وتُشفى ذاتياً .. بالغذاء وبفضيلة التسامح، لتضع من ثم كتابها الشهير (أشفِ جسدك) الذي يحقق مبيعات عالية تفوق الخمسين مليون نسخة عالمياً بعد ترجمته إلى عدة لغات، ويتصدر قائمة نيويورك تايمز للكتب الأكثر مبيعاً. تستمر في عطائها لتعمل في مجال دعم مرضى الإيدز، فيذيع صيتها وتظهر من خلال البرامج التلفزيونية، ويتم انتاج فيلم سنيمائي يحكي قصة حياتها عام 2008. وتستمر من ثم لتؤسس شركتها الخاصة للنشر وتدير مؤسسة للأعمال الخيرية. وتستمر .. حتى تموت وهي نائمة في طمأنينة.

وبين مقدمة الكتاب وخاتمته تقع تسعة فصول رئيسية هنّ موضوع الكتاب، تبدأ بطموح المرأة في استمرارية التعلم كعملية حيوية مستمرة، وتأثير الإعلانات السلبي على مدى ثقتها بنفسها ونظرتها لذاتها، والتحفيز نحو تبني أفكار إيجابية، لتعرج على أهمية الموازنة بين الرضا الذاتي وتربية الأطفال والمحافظة على الصحة، وتنتهي بالتأمين المادي والاستمتاع بالحياة مع التقدم في العمر، وبذل ما أمكن من سبل العون الكفيلة بتحقيق كل ذلك. لذا، تعتمد هذه المراجعة على الطبعة السادسة الصادرة من الكتاب عام 2017 عن دار الفاروق للاستثمارات الثقافية، وهي تحتوي على بعض الاقتباسات بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر)، وقد جاءت ترجمة الكتاب واضحة في مفرداتها ومعانيها، وجاءت موضوعاته ملائمة لكل امرأة في مختلف الثقافات، رغم بعض الاعتبارات بطبيعة الحال:

هنالك من غير أدنى شك صفتان أساسيتان تمنحان المرأة الاحترام والاستقلالية والتمكين، هما: القيمة الذاتية واحترام الذات، فلا ينبغي لـ “المرأة الصالحة” إنكار ذاتها كي تكون كذلك، وإلا أصبح الوضع (لصالح الزوج) وليس (لصالح الزوجة). عن هذا، تقتبس الكاتبة من مادة الاقتصاد المنزلي المقررة في خمسينيات القرن الماضي صور من (استعباد) المرأة والتي أُطلق عليها آنذاك عُرفاً واصطلاحاً (نصائح)، منها: (جهزي العشاء الدافئ، نظفي المنزل من الأتربة، اغسلي وجوه الأطفال وأيديهم، قللي من الضوضاء وتجنبي تشغيل المكنسة، تزيني وتبرّجي وتلطّفي، اخلعي حذائه فور وصوله، تحدثي بعذوبة واجعليه يسترخِ، أنصتي باهتمام له ولا تتذمري، ودعيه يستمتع بليله الطويل ولو بعيداً عنك). تعلّق لويزا هاي على الآنف ذكره من وصايا أكثر من عشر، موجهة النصح بدورها للمرأة، لتقول: “‎لا توجد مشكلة في اتباع أي من الأمور السالف ذكرها إذا ما أردتِ القيام بها. ولكن، يجب أن تدركي أن معظم النساء في ريعان الشباب في هذا العصر قد اعتدن على إنكار أنفسهن بالكامل من أجل إسعاد أزواجهن. فهذا ما يجب أن تكون عليه المرأة الصالحة. وقد كان هذا الأمر بالفعل لصالح الرجل وليس لصالح المرأة. لذا، علينا نحن نساء الحاضر أن نعيد التفكير في حياتنا. يمكننا أن نجدد من أنفسنا بأن نتعلم أن نسأل عن كل شيء، بما في ذلك الأشياء التي تبدو اعتيادية، مثل: الطهي والنظافة والعناية بالأطفال وقضاء المهام اليومية وقيادة السيارة وغيرها. علينا أن نتدبر من جديد كل الأشياء التي اعتدنا القيام بها بشكل تلقائي. هل نريد أن نقضي بقية حياتنا ولدينا القليل فقط من الآراء والأفكار التي نفقدها بمرور الوقت؟”. لا يفُتها وهي في هذا النطاق الضيق، من المفاضلة بين المرأة المتزوجة والمرأة غير المتزوجة، إذ أن المرأة غير المتزوجة في وجهة نظرها تنعم بحياة كاملة تملكها بأسرها، فهي تتعلم وتعمل وتكسب وتسافر وتخلق الصداقات وتعزز الكثير من قيم الثقة بالنفس.

وعلى نطاق أوسع من حدود الحضيرة الزوجية، تؤمن الكاتبة بأن نجاح المرأة هو في حقيقته نجاح وتقدّم وازدهار للمجتمع ككل، إذ تقول: “إن مساندة المرأة هي أفضل شيء نستطيع القيام به. فعندما تُقهر المرأة نخسر جميعاً، وعندما تفوز المرأة نفوز جميعا”، وتؤمن كذلك بأن المستقبل هو نتاج ما نصنعه في الحاضر، فتقول من جديد في تفاؤل وحكمة: “إذا أردنا أن يكون المستقبل إيجابياً، يجب أن نغير تفكيرنا من اليوم. فأفكار اليوم تشكل خبرات المستقبل”. ثم بعيداً عن هذا النطاق الخارجي العريض، تتجه لويزا هاي نحو مكنونات المرأة التي تنبع من داخلها، فتؤكد ما للتوكيدات اللفظية الإيجابية والمعززة للثقة بالنفس من بالغ الأثر في شحذ الطموح وتفعيل الأهداف، فتسرد بالتالي عدداً مطولاً منها تحثّ فيها نظيرتها المرأة على تكرارها وفق مسامعها بشكل يومي، حتى تألفها نفسها بمرور الوقت وتصبح واقعاً تحيا بها. منها على سبيل المثال: “أحب كوني امرأة” و أنا امرأة قوية” و “أنا مسئولة عن حياتي” و “الحياة مليئة بالسعادة والحب” و “لدي الحكمة والجمال” و “لدي كل يوم أفكار جديدة ومختلفة” و “إن أول ما أحبه في حياتي هو ذاتي” و “لا يوجد شيء يحد من حريتي” و “لدي الحرية في أن أصبح كيفما أريد” و “أعمل على أن تزيد قدراتي” و “أساهم في المجتمع بطريقة إيجابية وبناءة” و “إنني مسئولة عن تدبير نفقاتي والعناية بصحتي والتخطيط لمستقبلي” و “أفكر في السبل التي يمكن إصلاح العالم من خلالها، وأعمل على تطبيقها” و “أحب صديقاتي وأساندهن، وأشعر بالسعادة لوجودهن في حياتي” و “أقضي وقتاً للتأمل وممارسة رياضة المشي، وأستمتع بالطبيعة وبقضاء الوقت بمفردي” و “إن السنوات الأخيرة من حياتي هي بمثابة كنوز” و “إنني في أمان دائماً ما دامت العناية الإلهية تحميني”. من ناحية أخرى، وبينما تؤكد الكاتبة على أن (الاعتناء بالمظهر، الحرص على التعليم، الاستقلال المادي، التواصل روحياً مع الحياة) هي أمور تعزز من ثقة المرأة بنفسها، فإن ما تقوم به إعلانات جراحات التجميل -لا سيما غير الضرورية- لا ترسّخ سوى شعور المرأة بالنقص، ولا تعزز ثقتها بنفسها في شيء، ولا أي شيء آخر إن كانت تفتقد في الأساس لعامل الثقة النابع من أعماق ذاتها.

ختاماً، وبما أن الإنسان لا يحيا بالخبز وحده، تولي لويزا هاي الروح الإنسانية أهمية عظمى من أجل خلق حياة ضمن نطاق لا مادي وحسب بل قيمي مقرّه القلب، فإن للروح قيم من شمائل وفضائل وأخلاقيات تنمو بها .. فتوصي قائلة بأن “علينا جميعاً أن نتعلم التسامح وأن نحب أنفسنا وأن نعيش الحاضر .. وبذلك نستطيع أن نعالج قلوبنا”.

إنه بحق كتاب عن المرأة وللمرأة .. الإنسانة قبل أي شيء!.

 

للتواصل مع الكاتبة: mybooks.hma@gmail.com

 

المقالة على صحيفة المشرق العراقية 25 يناير 2023 – صفحة (10)

 

 

 

عدد القراءات:33 قراءة